بعد مرور عقد كامل على إطلاق «رؤية السعودية 2030»، يُسجِّل المشهد الثقافي السعودي محطة فارقة في مسار تحوُّله المؤسسي، والاقتصادي. فقد رصدت النسخة السابعة من «تقرير الحالة الثقافية» التحولات الجذرية التي شهدها القطاع خلال ما وصفه التقرير بـ«عقد إعادة تأسيس القطاع الثقافي».
وارتفعت مستويات المشاركة الثقافية إلى نحو 70 في المائة عام 2025، مقارنة بـ54 في المائة عام 2021، في دلالة على نمو المعروض الثقافي، وتنوعه، فيما شهدت المنظمات الثقافية غير الربحية وأندية الهواة نمواً تجاوز 40 في المائة.
وأظهرت البيانات المتاحة اتجاهاً إيجابياً في مجملها؛ إذ ارتفع عدد العاملين في المهن الثقافية بنسبة 8 في المائة، ليصل إلى نحو 283 ألف عامل وعاملة، توزعوا على 11 قطاعاً ثقافياً فرعياً.

وشهد عام 2025 نمواً كمياً ونوعياً في أدوات التمويل الثقافي؛ إذ ارتفع إجمالي الدعم المالي المقدم من الصندوق الثقافي بنسبة 93 في المائة، ليصل إلى 376 مليون ريال سعودي، إضافة إلى إنشاء 3 صناديق استثمارية في مجالات الأزياء، والأفلام، والأصول الثقافية، بقيمة إجمالية تجاوزت ملياراً ونصف المليار ريال سعودي؛ بما يشير إلى تنامي دور القطاع الخاص، واتساع قاعدة التمويل، وتنوعها.
وخُصص موضوع هذا الإصدار لقراءة تحوُّلات المشهد الثقافي في سياق مشروع التنمية الوطني الذي تمثِّله «رؤية السعودية 2030»، مبرزاً موقع الثقافة فيها، وارتباطها بمحاورها الثلاثة: المجتمع الحيوي، والاقتصاد المزدهر، والوطن الطموح.
وترجمت الاستراتيجية الوطنية للثقافة هذا التصور إلى ركائز، وسياسات، وبرامج، انطلاقاً من فهم للثقافة يتجاوز الإنتاج الفني والأدبي ليشمل تراث المجتمع، ومعارفه، وممارساته، وأنماط عيشه؛ ليغدو القطاع الثقافي جزءاً من منظومة وطنية مترابطة تتكامل فيها السياسات، والبرامج، والمبادرات.
عام 2025: نمو لافت في القطاعات
شهد عام 2025 إصدار نظام الحرف، والصناعات اليدوية، والموافقة على لائحة تراخيص الهيئات الثقافية، وتوسعاً في عدد الرخص، والتصاريح المتاحة عبر منصة «أبدع».
وفي مسار التعليم والتدريب جاء افتتاح أكاديمية آفاق للفنون والثقافة، وهي مدارس ثقافية تُعنى باكتشاف المواهب الثقافية والفنية لدى طلاب وطالبات التعليم العام، استمراراً لجهود ترسيخ حضور الثقافة والفنون في التعليم.

وواصل برنامج الابتعاث الثقافي إسهامه في رفد سوق العمل بالكفاءات المؤهلة؛ إذ بلغ عدد المبتعثين خلال عام 2025 نحو 278 مبتعثاً ومبتعثة، وتخرج 85 طالباً وطالبة خلال العام نفسه، فيما رصد مسح المشاركة الثقافية استمرار الاتجاهات الإيجابية نحو مستقبل التخصصات الثقافية.
وقدّمت مؤشرات الإنتاج الثقافي صورة متباينة من حيث النمو والتراجع؛ فرصد التقرير نمواً في الإنتاج الأدبي للمؤلفين السعوديين، واستمرار تضاؤل الفجوة بين المؤلفين والمؤلفات، وقفزة في الأعمال المترجمة المدعومة من مبادرة «ترجم»، إلى جانب اتساع نطاق اللغات المترجم منها وإليها.
وفي المقابل، تراجع عدد الأفلام المنتجة، لا سيما الطويلة، وكذلك العروض المسرحية، رغم استمرار المهرجانات في تحفيز الإنتاج في قطاعات المسرح، والفنون الأدائية، والأفلام، مع بروز اتجاه نحو مزيد من التخصص، والاحترافية، تجلّى في إطلاق مهرجاني الديودراما، والمونودراما.
ويقدِّم قطاع السينما أحد أبرز الأدلة على حيوية القطاع الثقافي؛ إذ تجاوز التراجع المسجل في عام 2024، محققاً نمواً في الإيرادات، وأعداد التذاكر المباعة بنسبة 8.9 في المائة و7.2 في المائة على التوالي.
في المقابل، تراجعت السياحة الثقافية بنسبة 10 في المائة، وكان الانخفاض الأكبر في أعداد السياح المحليين المشاركين في الأنشطة الثقافية. وتوحي هذه المؤشرات بأن القطاع لا يزال يزخر بفرص النمو والتوسع، وأن التدخلات التنظيمية والحوافز، على غرار ما شهده قطاع الأفلام، قادرة على دفع عجلة النمو، وزيادة جاذبيته للاستثمار الخاص.
عقد من الرؤية
خلال العقد المنصرم تبوأت الثقافة موقعاً متقدماً في مشروع التنمية الوطنية، وباتت تُشكِّل قطاعاً أكثر اتساعاً، وتنظيماً، وحضوراً في المجتمع، والاقتصاد، والعلاقات الدولية.

وشهد ما وصفه التقرير بـ«عقد إعادة تأسيس القطاع الثقافي» إنشاء وزارة الثقافة، وفصلها عن وزارة الإعلام، وتأسيس الهيئات الثقافية الإحدى عشرة، والمؤسسات المتخصصة، منها مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، والمعهد الملكي للفنون التقليدية، ومؤسسة بينالي الدرعية، ومؤسسة مهرجان البحر الأحمر، والصندوق الثقافي، وصولاً إلى ترسيخ البنية المعرفية للقطاع، والتي تُوِّجت بإنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، وجامعة الرياض للفنون.
ومكّنت هذه البنية المؤسسية والتنظيمية جهات المنظومة الثقافية من الاضطلاع بأدوارها وفق صلاحيات وحوكمة واضحة، وأتاحت لها تقديم أوجه الدعم والتمكين لتحفيز الإنتاج الثقافي والفني، وتوسيع نطاق المشاركة الثقافية.
تحديات الانتقال إلى المرحلة المقبلة
فيما يشقُّ القطاع الثقافي طريقه نحو العقد الثاني من انطلاقته الجديدة، أبرز التقرير تحديات الانتقال من مرحلة التأسيس والتوسع إلى طور الرسوخ، والأثر المستدام.
وتأتي في مقدمتها تنمية رأس المال البشري، وترسيخ البنية المعرفية للقطاع؛ ما يتطلب مواصلة الاستثمار في التعليم والتدريب، ودعم البحث والإنتاج العلمي في الحقول الثقافية، وتوسيع الشراكات مع الجامعات والمؤسسات العلمية محلياً، ودولياً.

ويرتبط التحدي المعرفي بما رصده الإصدار السابق من أهمية تجويد إدارة البيانات والمؤشرات داخل القطاع، وتيسير الوصول إليها؛ لتشكّل مصدراً لفهم تحوّلات المشهد الثقافي، وأساساً لتقييم أثر المبادرات، ورسم السياسات المبنية على الأدلة.
ومن بين التحديات التي أوردها التقرير، مواصلة توسيع فرص الوصول إلى الأنشطة والمرافق الثقافية في مختلف مناطق السعودية، وتوفير خيارات ملائمة للفئات المختلفة من حيث الدخل، والعمر. ودعا إلى تبنّي نموذج تشاركي يتعاظم فيه دور المؤسسات الثقافية الخاصة، وغير الربحية، وأندية الهواة، والمبادرات المستقلة، لتتكامل مع الدور التنظيمي والتمكيني لجهات المنظومة الثقافية؛ بما يحمله من إمكانات واعدة لتجاوز تحديات التركز الجغرافي، والقطاعي.







