يكشف المشهد في أحد أكبر المتاجر في منطقة جل الديب الواقعة شرق بيروت، عن جانب من الواقع المعيشي الصعب الذي يرزح تحته اللبنانيون. فالمتجر الذي لطالما كان يعجّ بالمتسوّقين، ولا سيما مع بداية كل شهر، بدا شبه خالٍ إلا من عدد محدود من الزبائن، فيما غابت الحركة عن المطاعم داخله والتي كانت قد تحوّلت سريعاً في الأشهر القليلة الماضية، إلى وجهة يقصدها زوار من مختلف المناطق اللبنانية.
المشهد ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس، إلى حد كبير، تبدّل سلوك المستهلك اللبناني تحت وطأة الغلاء. فمع تحليق أسعار السلع والخدمات، وتآكل القدرة الشرائية، بات الدخل المحدود عاجزاً عن تغطية حتى الحاجات الأساسية للعائلات، فيما تتحول النفقات غير الضرورية، إلى بنود قابلة للحذف من ميزانية الأسرة.
وبين رفوف ممتلئة بالسلع وعربات تسوّق أقل امتلاءً، يتكشف حجم الأزمة اللبنانية الراهنة.
ففي بلد يستورد الجزء الأكبر من حاجاته، ويعاني عجزاً تجارياً كبيراً وكلفة إنتاج مرتفعة، لا تحتاج الصدمات الخارجية إلى وقت طويل كي تصل إلى جيب المواطن. لكن المشكلة، وفق اقتصاديين، أن كل أزمة جديدة تكشف عن هشاشة اقتصادية لم تُعالج في أساسها، فيما تستمر المعالجات الرسمية في الدوران حول إجراءات ظرفية من دون خطة اقتصادية متكاملة تعيد بناء القدرة الإنتاجية للبلد.

وبين تداعيات أزمة مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط عالمياً، وأزمة المصافي الروسية، تتجدد الأسئلة حول قدرة الاقتصاد اللبناني على تحمّل صدمات إضافية، وحول ما إذا كانت الإجراءات الحكومية قادرة فعلاً على منع اتساع الفجوة بين كلفة المعيشة ودخل اللبنانيين.
ركود يقارب 10 في المائة
ووصف وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط مؤخراً، المرحلة التي تمر بها البلاد بـ«الصعبة»، منبهاً إلى أنه «إذا استمر الوضع على حاله فسنكون أمام ركود اقتصادي قد يُقارب نسبة 10 في المائة بما يفوق التوقعات السابقة التي ناهزت الـ7 في المائة».
ويفند وزير الاقتصاد السابق رائد خوري أسباب الأزمة الراهنة، قائلاً: «إن تداعيات أزمة هرمز كبيرة على لبنان وعلى الاقتصاد العالمي، لكنها ليست العامل الوحيد وراء ارتفاع الأسعار؛ إذ إن أزمة المصافي الروسية تشكل عاملاً إضافياً ومباشراً، خصوصاً أن أوكرانيا استهدفت نحو 50 في المائة من المصافي الروسية التي يعتمد عليها جزء كبير من الأسواق العالمية، ولا سيما دول الشرق الأوسط».
ويشير خوري في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ارتفاع أسعار النفط ينعكس سريعاً على السوق اللبنانية، فيما لا تنخفض أسعار السلع الاستهلاكية بالسرعة نفسها عندما تتراجع أسعار النفط عالمياً، ما يتيح للشركات المستوردة والتجار، تحقيق أرباح إضافية».
لكن المشكلة الأساسية، بحسب خوري، «تتجاوز أزمة النفط، وتتمثل في العجز المزمن في الميزان التجاري: لبنان يصدّر بنحو ملياري دولار، مقابل واردات تقارب 17 ملياراً، فيما تراجعت مصادر تمويل هذا العجز، ولا سيما تحويلات اللبنانيين من دول الخليج»، لافتاً إلى أن «كلفة الإنتاج في لبنان مرتفعة، في ظل ارتفاع أسعار الكهرباء وعدم كفاءة بعض الخدمات، ومنها الإنترنت، ما جعل لبنان من بين البلدان الأعلى كلفة، مع ارتفاعات في الأسعار خلال عام واحد تراوحت بين 15 و20 في المائة».
ويعتبر خوري أن «المطلوب خطط تأسيسية تعالج بنية الاقتصاد، مع التركيز على القطاعات المنتجة»، مشدداً على أن «ربط كل المشكلات بالحرب لا يعفي الدولة من مسؤولية المعالجة».

أما استقرار سعر صرف الليرة، فيرده خوري إلى «انخفاض حجم الكتلة النقدية بالليرة وتراجع تداولها، ما يحدّ حالياً من الضغوط على سعر الصرف، لكنه لا يشكل حلاً للمشكلات الاقتصادية الأساسية».
لا احتياطات استراتيجية
أما الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة، فيعتبر أن «أزمة مضيق هرمز تنعكس على لبنان بصورة غير مباشرة؛ إذ إن لبنان يعتمد في استيراد النفط بشكل أساسي على مصافي التكرير في أوروبا وشرق المتوسط، وليس مباشرة على هرمز، لكن أي اضطراب في المضيق يرفع أسعار النفط عالمياً، وينعكس سريعاً على أسعار البنزين وكلفة تشغيل مولدات المازوت، في ظل محدودية إنتاج كهرباء الدولة وغياب الدعم عن المحروقات. كما ترتفع كلفة الشحن والتأمين البحري، ما يزيد الضغط على الأسعار».
ويشير عجاقة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «لبنان ليس الأكثر تأثراً في المنطقة من حيث مصادر استيراد النفط، لكنه يفتقر إلى احتياطات استراتيجية للمحروقات، ما يحدّ من قدرته على امتصاص أي صدمة خارجية». أما التضخم، بحسب عجاقة، فيتراوح سنوياً بين 15 و17 في المائة، فيما ارتفعت خلال العام الماضي أسعار المواد الغذائية بنحو 19 إلى 20 في المائة، والنقل بنحو 24 في المائة، وكلفة الكهرباء والمولدات بنحو 20 في المائة.
ويوضح عجاقة أن «لبنان أصبح من الدول الأعلى كلفة في المنطقة بالدولار، في حين تبقى القوة الشرائية للمواطن أدنى بكثير من دول الخليج، ما يجعل الفجوة بين الأسعار والدخل أكثر حدة».

سعر الصرف مهدد؟
وعلى صعيد الإجراءات الحكومية، يرى عجاقة أن «أثرها لا يزال محدوداً في معالجة التضخم الهيكلي، فيما تلعب تحويلات المغتربين، التي تتراوح بين 6 و7 مليارات دولار سنوياً، دوراً أساسياً في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي» محذراً من أن «إلغاء الضرائب على المحروقات بالتزامن مع زيادة الإنفاق العام قد يضغط على المالية العامة، ويزيد الحاجة إلى التمويل النقدي، بما قد يرفع الطلب على الدولار ويهدد استقرار سعر الصرف».







