هل ينزلق الصراع السوداني إلى حرب إقليمية؟

تحذيرات أميركية ومواجهات حدودية ترفع مخاطر انتقال الصراع إلى دول الجوار

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

هل ينزلق الصراع السوداني إلى حرب إقليمية؟

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)

لم تعد المخاوف من تحول حرب السودان إلى نزاع إقليمي مجرد تقديرات يطرحها مراقبون، بل تجاوزتها إلى ضربات واتهامات متبادلة عبر الحدود بين السودان وتشاد، بالتزامن مع تحركات عسكرية، مثيرة للقلق قرب الحدود مع إثيوبيا.

كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، نقل هذه المخاوف إلى مجلس الأمن، محذراً من أن هذه التداعيات قد تؤجج الصراع وتهدد بجر دول الجوار بصورة أعمق إلى الحرب.

ولا تبدو هذه التحذيرات الأميركية صادرة من فراغ؛ إذ يصعب فصلها عما تملكه واشنطن من قدرات استخباراتية واسعة تتيح لها مراقبة التحركات العسكرية ومسارات السلاح والمسيّرات والشبكات العابرة للحدود. ولذلك فإن رفع مستوى التحذير إلى مجلس الأمن يعكس تقديرات أميركية بوجود مخاطر حقيقية ومتنامية، حتى وإن لم تكشف الإدارة الأميركية علناً عن كامل المعلومات التي تستند إليها.

وتعزّز هذا التحذير باتصال أجراه بولس مع الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي، عقب تقارير عن ضربة عسكرية داخل الأراضي التشادية. وقال إن الجانبين عبّرا عن «قلق عميق من امتداد الحرب في السودان عبر حدوده، بما يغذي مزيداً من التصعيد ويهدد السلام والاستقرار الإقليميين»، مطالباً بوقف الدعم الخارجي لأطرافها.

عناصر منشقة عن «قوات الدعم السريع» في غرب أم درمان 19 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

وبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاعها، لم تعد الحرب مجرد مواجهة داخلية بين الجيش و«قوات الدعم السريع». فمع انتقال المعارك إلى مناطق متاخمة لتشاد وإثيوبيا، واتساع استخدام الأسلحة المتطورة، بات السودان مركزاً لصراع تتشابك فيه حسابات دول الجوار مع مصالح قوى إقليمية ودولية.

تدويل يتسع

تتضح مؤشرات تدويل الحرب في إعلان بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق أن أسلحة وتكنولوجيا عسكرية ومقاتلين وشبكات إمداد خارجية تسهم في إطالة أمد الصراع وتعزيز قدرات طرفيه. وتحدثت البعثة عن شبكة عابرة للحدود مرتبطة بأفراد وكيانات ودول، قالت إنها قدمت أسلحة ومعدات ودعماً لوجيستياً وعناصر أجنبية لـ«الدعم السريع»، رغم أن هذه الدول المعنية نفت الاتهامات، مؤكدة التزامها بالحياد ودعم جهود السلام، فيما قالت البعثة إن تحقيقاتها بشأن مصادر الدعم الخارجي للجيش لا تزال أولية.

الباحثة السودانية خلود خير، مديرة مركز «كونفلوينس أدفايزوري»، قالت لصحيفة «فاينانشيال تايمز» في أبريل (نسيان) الماضي، إن الحرب «تمددت عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل»، وإنه لا توجد دولة بين جيران السودان السبعة بعيدة تماماً عن تأثيرها أو حساباتها. كما يذهب آلان بوزويل، مدير مشروع القرن الأفريقي في «مجموعة الأزمات الدولية»، في الاتجاه نفسه، بتاكيده أن الحرب باتت تقسم المنطقة، وتزيد استقطاب الدول المحيطة حول طرفيها. ويرى أن تشاد وجنوب السودان هما الأكثر عرضة لتداعياتها، مع ضرورة مراقبة إثيوبيا والتوترات في الصومال، محذراً من أن استمرار الصراع قد يجر المنطقة إلى «دوامة من العنف».

عناصر من الجيش السوداني تشارك في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)

أما اللواء المتقاعد في الجيش السوداني كمال إسماعيل، فقد حذر من أن تقاطعات المصالح الإقليمية، تدفع الصراع تدريجياً إلى خارج حدود السودان. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «حذرنا كثيراً من انتقال الصراع من داخل السودان إلى الإقليم، والمؤشرات تسير في هذا الاتجاه»، مضيفاً أن اتساع رقعة القتال قد يقود إلى حرب أهلية أشمل ويزيد المشهد تعقيداً. ورأى إسماعيل أن تصاعد صراع المصالح قد يدفع أطرافاً إقليمية إلى التدخل المباشر، تحت ذريعة حماية مصالحها، محذراً من أنه «كلما طال أمد الحرب، فقد أطرافها القدرة على التحكم في مسارها أو إيقافها». 

غير أن الخبير في إدارة الأزمات والتفاوض في «مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية»، اللواء أمين إسماعيل مجذوب، استبعد تحوّل الصراع إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين السودان ودول الجوار، مرجحاً أن يكون السيناريو الأقرب هو تصاعد «الحرب بالوكالة»، عبر استمرار الدعم المالي والعسكري، والاستعانة بالمرتزقة والمجموعات المسلحة، بما يؤدي إلى إطالة أمد الحرب. وقال مجذوب لـ«الشرق الأوسط» إن اتهامات الخرطوم لتشاد وإثيوبيا تستند، بحسب السلطات السودانية، إلى أدلة دُفع بها إلى الاتحاد الأفريقي و«إيغاد» ومجلس الأمن، فضلاً عن تقارير تحدثت عن استخدام قواعد ومطارات في إسناد «قوات الدعم السريع». وأضاف أن انتقال هذه الأطراف من الدعم غير المباشر إلى التدخل العسكري المعلن قد يدفع حلفاء السودان الإقليميين إلى مساندته، وعندها يمكن أن يتسع النزاع ليشمل القرن الأفريقي وأفريقيا جنوب الصحراء. لكنه استبعد هذا السيناريو قائلاً: «هذا لن يحدث»، لأن اندلاع حرب إقليمية شاملة ليس موضع ترحيب من دول المنطقة. ولفت في الوقت نفسه إلى أن تداعيات الصراع بدأت تظهر داخل دول الجوار، مستشهدا بتصاعد أصوات جماعات معارضة في تشاد ترفض ما تقول إنه دعم مقدم إلى مجموعات عربية موالية لـ«قوات الدعم السريع».

إثيوبيا وتشاد

ويمثل انتقال العمليات إلى ولاية النيل الأزرق قرب الحدود الإثيوبية أحد أكثر التطورات إثارة للقلق. فقد نشر مختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل تقارير تستند إلى صور الأقمار الاصطناعية وتحليل معلومات مفتوحة المصدر، تحدث فيها عن تجميع دعم عسكري بحجم لواء داخل قاعدة تابعة لقوات الدفاع الإثيوبية في أصوصا، وربطه بأنشطة لـ«الدعم السريع». وتكتسب أصوصا أهمية لقربها من النيل الأزرق ومدينة الكرمك؛ ولذلك فإن أي وجود عسكري مرتبط بالحرب داخل المنطقة، (إذا تأكد)، قد يؤسس لجبهة حدودية جديدة.

غرباً، تقف تشاد في قلب العاصفة بسبب حدودها الطويلة مع دارفور والتداخل القبلي بين جانبيها. وتصاعد التوتر بعدما اتهم رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، إنجامينا بتسهيل الدعم المقدم إلى «الدعم السريع»، بينما تنفي تشاد استخدام أراضيها أو مطاراتها لنقل الأسلحة. ويقول كاميرون هدسون، المسؤول الأميركي السابق والخبير في الشأن السوداني، إن تداعيات الضربات داخل تشاد لم تعد ميدانية فقط، بل تحولت إلى مواجهة دبلوماسية.

دول تتأثر من الحرب

قد يكون جنوب السودان الدولة الأكثر تعرضاً لنتائج الحرب؛ إذ يعتمد اقتصادها على تصدير النفط عبر المنشآت والموانئ السودانية، كما استقبل أكثر من مليون شخص من السودانيين والجنوبيين العائدين منذ اندلاع القتال. ومن شأن توقف صادرات النفط أو انتقال المعارك إلى الحدود أن يهدد الاستقرار الهش في جوبا. أما كينيا، فعلى الرغم من عدم ارتباطها بحدود مباشرة مع السودان، فإنها معرضة لامتداد الاستقطاب السياسي وشبكات التمويل والمقاتلين واضطراب التجارة، فضلاً عن تضرر دور «إيغاد» التي تعد نيروبي إحدى ركائزها. وتواجه أوغندا أخطاراً مشابهة عبر جنوب السودان؛ إذ قد يؤدي أي انفجار جديد في جوبا إلى موجة لجوء نحو أراضيها، وهي تستضيف بالفعل أكثر من مليون لاجئ من جنوب السودان. وهكذا قد تنتقل آثار الحرب من السودان إلى جنوب السودان ثم أوغندا وكينيا، من دون عبور جيوش نظامية للحدود. كما تواجه مصر بدورها تداعيات مرتبطة باللاجئين وأمن حدودها الجنوبية ومياه النيل والتوازن مع إثيوبيا، فيما تخشى إريتريا انتقال الفوضى إلى شرق السودان وساحل البحر الأحمر. ويقول الأمين التنفيذي لـ«إيغاد»، وركني غبييهو، إن تحديات السلام والأمن أصبحت أكثر ترابطاً من أن تواجهها دولة أو مؤسسة منفردة، واصفاً السودان بأنه أحد أوضح مظاهر اجتماع المواجهة العسكرية والكارثة الإنسانية والتفكك المؤسسي والامتداد الإقليمي والتنافس الجيوسياسي.

لم تتحول حرب السودان بعد إلى حرب إقليمية مكتملة الأركان، لكنها تجاوزت منذ وقت طويل حدود الصراع الداخلي. ومع تداخل الحلقات، لن يبقى السؤال مستقبلاً: هل تتمدد الحرب إلى الإقليم؟ بل: هل بدأت؟


مقالات ذات صلة

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

شمال افريقيا حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

يعاني كثير من السودانيين صعوبات بالغة في الحصول على الخبز بعد أن أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا نساء يصطففن في الطابور قبل بدء عملية توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

توقف المطابخ الخيرية يهدد آلاف الأسر بالجوع في الخرطوم

اضطرت عشرات التكايا (مطابخ خيرية) التي توفر الوجبات لآلاف الأسر في الخرطوم، إلى التوقّف عن العمل كلياً، أو تقليص نشاطها؛ بسبب نقص الدعم من المنظمات والخيِّرين.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا البرهان وإلى جانبه آبي أحمد خلال لقاء على هامش قمة «إيغاد» في نيروبي يوليو 2022 (رويترز)

تصعيد دبلوماسي إثيوبي ضد السودان يشعل توترات «القرن الأفريقي»

أجج قرار إثيوبي بإغلاق قنصلية سودانية في مدينة أصوصا الحدودية، حسب تأكيدات مصادر سودانية، التوتر مع دول الجوار.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

مصر تلوح باتفاقية الدفاع المشترك لعدم تجاوز «الخطوط الحمراء» في السودان

اجتماع رباعي مصري - سوداني جديد احتضنته القاهرة برئاسة وزراء الخارجية والري بالبلدين، وسط توترات مع إثيوبيا غداة شكوى تقدمت بها الخرطوم ضد أديس أبابا.

محمد محمود (القاهرة )

جولة وزير خارجية الجزائر في النيجر وتشاد لاحتواء التوتر الإقليمي

رئيس النيجر خلال استقبال وزير خارجية الجزائر (وزارة الخارجية الجزائرية)
رئيس النيجر خلال استقبال وزير خارجية الجزائر (وزارة الخارجية الجزائرية)
TT

جولة وزير خارجية الجزائر في النيجر وتشاد لاحتواء التوتر الإقليمي

رئيس النيجر خلال استقبال وزير خارجية الجزائر (وزارة الخارجية الجزائرية)
رئيس النيجر خلال استقبال وزير خارجية الجزائر (وزارة الخارجية الجزائرية)

بحث وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال جولة سريعة شملت تشاد والنيجر، سبل حلِّ الأزمة الأمنية والدبلوماسية، التي اندلعت بين البلدين الشهر الماضي. كما تناولت زيارته حماية مسار مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (نيجيريا - النيجر - الجزائر) المتجه نحو أوروبا، بعد دخوله مرحلة التنفيذ، وهو المشروع الذي تُشكِّل حمايته إحدى أولويات الجيش الجزائري ضمن خطة انتشاره في النيجر.

تركزت جولتا الوزير عطاف إلى نجامينا ونيامي، يومي الثلاثاء والأربعاء، على تسليم رسالة خطية لرئيس النيجر عبد الرحمن تشياني، وإجراء محادثات مع نظيره التشادي أحمد كوغري، «بهدف تعزيز العلاقات الثنائية، ودفع التعاون الاقتصادي»، وفق ما ذكرته وزارة الخارجية الجزائرية. كما تناولت اللقاءات، أيضاً، «تقييم التَّقدُّم في المشروعات والبرامج المشتركة، والتحضير للاستحقاقات المقبلة، إلى جانب تعميق التشاور حول مستجدات منطقة الساحل الصحراوي والقضايا الإقليمية، تأكيداً على التزام الجزائر بدعم الأمن والاستقرار، وتعزيز التنسيق مع دول المنطقة»، حسب ما ذكرته «الخارجية الجزائرية»، من دون أي تفاصيل أخرى، كما لم يصدر أي شيء رسمي من النيجر وتشاد.

رئيس تشاد خلال استقبال وزير خارجية الجزائر (وزارة الخارجية الجزائرية)

بين الوساطة السياسية... والتمدد العسكري

جاءت الزيارة إلى نيامي في وقت تتواصل فيه الزيارات المنتظمة للمسؤولين الجزائريين إلى النيجر خلال الأسابيع الأخيرة، في مؤشر على التقارب الوثيق بين نيامي والجزائر، والذي بلغ مستوى متقدماً، بعدما اتفق البلدان، الأسبوع الماضي، على إرسال وحدات عسكرية جزائرية إلى النيجر، بهدف تأمين المصالح الطاقوية المشتركة، وفقاً للصيغة الرسمية المعلنة.

كما تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات بين النيجر وتشاد مزيداً من التوتر، بعدما اتهمت السلطات النيجرية، الأسبوع الماضي، جارتها تشاد بقتل مدنيَّين اثنَين، إثر ضربة بطائرة مسيّرة استهدفت الأراضي النيجرية، وبمساعدة من فرنسا. لكن نجامينا رفضت هذه الاتهامات.

وبحسب مراقبين جزائريين، تنطوي زيارة عطاف على مسعى جزائري للوساطة وتقريب وجهات النظر بين البلدين، الذين ينتميان لمنطقة الساحل، حيث تتقاطع مصالح متشابكة لقوى إقليمية ودولية، كما تواجه المنطقة تحديات كبيرة متصلة بشبكات الإرهاب والمخدرات والهجرة السرية.

وزيرا خارجية الجزائر والنيجر في نيامي (وزارة الخارجية الجزائرية)

وفي هذا السياق، أوضح بكاري سامبي، مدير مركز التفكير والأبحاث الأفريقي المستقل «معهد تمبكتو»، في مقابلة بثتها «إذاعة فرنسا الدولية»، أمس (الأربعاء)، بأن «كل شيء أصبح يُدار مباشرة من عاصمة إلى أخرى، وهذا بالضبط ما تعمل الجزائر على القيام به حالياً»، مشيراً إلى أن الجزائر «تجاوزت الأطر والمبادرات التكتلية القديمة في منطقة الساحل، وأصبحت تعتمد خيار الدبلوماسية المباشرة، الثنائية، في التعامل مع الأزمات والتنسيق الأمني والاقتصادي مع دول المنطقة، خصوصاً مثل النيجر وتشاد ومالي».

ومع بدء انتشار وحدات من الجيش الجزائري في شمال النيجر، منذ 26 من الشهر الماضي، أثار هذا التطور تساؤلات لدى الخبراء ووسائل الإعلام بشأن احتمال توجه الجزائر نحو إقامة قاعدة عسكرية على الأراضي النيجرية، في ظلِّ التَّحوُّل اللافت في عقيدتها العسكرية، باعتبار أن نشر قواتها خارج حدودها يعد سابقةً منذ حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973.

حسابات الأمن والطاقة

بهذا الخصوص أكد الباحث الجزائري ومدير «مركز الدراسات والأبحاث حول العالم العربي وحوض المتوسط»، حسني عبيدي، في تصريحات لـ«إذاعة فرنسا الدولية»، أن هناك اعتبارات ذات طابع أمني، وأخرى اقتصادية شجَّعت الجزائر على تحركها في الساحل. وأكد أنه بعد انسحاب القوات الفرنسية من المنطقة، أظهرت القوات الروسية، أو عناصر«فيلق أفريقيا» التابعة لموسكو، محدودية قدراتها، حسبه. وأضاف: «في النيجر توجد كذلك قوة نخبة مكلفة بحماية الرئيس، وهي قوة تركية. لكن جميع هذه القوات أظهرت محدوديةً في المجال الأمني، الأمر الذي دفع السلطات النيجرية الجديدة إلى التوجه نحو الجزائر».

مشاهد من دخول الجيش الجزائري إلى شمال النيجر في 26 أكتوبر الماضي (ناشطون نيجريون)

وبخصوص الانخراط الجزائري في المعادلة الأمنية بمنطقة الساحل، قال تقرير في هذا الموضوع، نشرته المنصة الإعلامية الرقمية الفرنكوفونية المتخصصة في الشؤون الأفريقية والدولية، «ميديا فرنسا وأفريقيا»: «منذ الانقلاب العسكري الذي شهدته نيامي في يوليو (تموز) 2023، عارضت الجزائر بشكل قاطع أي تدخل عسكري من جانب المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، التي كانت تحظى آنذاك بدعم باريس، بل منعت الطائرات العسكرية الأجنبية من التحليق فوق أراضيها».

ولفت التقرير إلى أن هذا الموقف الجزائري «شكَّل غطاءً دبلوماسياً مهماً وفَّر للسلطة العسكرية، بقيادة الجنرال عبد الرحمن تشياني، متنفساً حيوياً خلال الأيام الأولى لوصولها إلى الحكم. إضافة إلى ذلك، لا تواجه النيجر تمرداً طوارقياً انفصالياً منظماً ومفتوحاً ضد سلطتها المركزية، على غرار ما يحدث في منطقة كيدال بشمال مالي، وهو ما يقلل من أبرز مصادر التوتر مع الجزائر».

تدشين محطة للكهرباء في النيجر بحضور رئيسي وزراء النيجر والجزائر في فبراير الماضي (الحكومة الجزائرية)

وأوضح التقرير أن الاقتصاد النيجري يرتبط بشكل هيكلي بالمشروعات الاستراتيجية الجزائرية الكبرى، والتي تحتاج إلى حماية من مخاطر محتملة لضربها، موضحاً أن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء يأتي في مقدمة هذه المشروعات.


حراك عمالي متصاعد يعزز حضور النقابات في المشهد الليبي

وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
TT

حراك عمالي متصاعد يعزز حضور النقابات في المشهد الليبي

وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

اتسع حضور النقابات المهنية والحراكات العمالية في المشهد الليبي أخيراً، مع تصاعد المطالب بـ«تحسين الأجور والأوضاع المعيشية»، في تحرك يعزز الدور الاجتماعي والسياسي لهذه النقابات، على غرار التجربة التونسية.

ويعكس الحراك الذي قادته نقابتا «المعلمين» و«الأطباء»، ونقابات أخرى خلال سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضيين، وفق عضو «المجلس الأعلى للدولة»، أبو القاسم قزيط، «مؤشرات على تنامي الوعي الجماعي والقدرة على تحدي السلطة»، متوقعاً أن «قدراً من التنظيم قد يتيح للنقابات الليبية مستقبلاً أداء دور شبيه بما اضطلع به (الاتحاد العام التونسي للشغل)».

وقفة احتجاجية للمعلمات في حي سوق الجمعة بطرابلس في سبتمبر الماضي (نقابة المعلمين في ليبيا)

وجاءت التحركات النقابية والعمالية في وقت تتواصل فيه حالة الجمود السياسي، والانقسام الحكومي، لتضع المطالب الاقتصادية والاجتماعية في صدارة الحراك العام. وبدأ المعلمون تحركاتهم بإضراب تزامن مع انطلاق العام الدراسي، للمطالبة بـ«تحسين الرواتب وصرف المستحقات المتأخرة، وتوفير التأمين الصحي».

وامتدت المطالب خلال أكتوبر الماضي إلى «توحيد جداول الأجور وتحقيق العدالة في الرواتب، مع منح الحكومة مهلة لفتح حوار مباشر، والتهديد بإضراب عام». وعقب اجتماع مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة»، عبد الحميد الدبيبة، أعلنت نقابة المعلمين رفع الاعتصام، بينما تمسكت نقابات فرعية بمواصلة الإضراب.

ولم يقتصر الحراك على قطاع التعليم، حيث شهد القطاع الصحي بدوره دعوات إلى إضراب عام للمطالبة بـ«تسوية الرواتب المتأخرة، وصرف العلاوات والمستحقات وتحسين ظروف العمل»، في مؤشر على اتساع نطاق المطالب المهنية، وتحولها إلى ضغط جماعي على السلطات لمعالجة الاختلالات المعيشية.

ويربط نقيب أطباء ليبيا، الدكتور محمد الحريري، «اتساع مساحة الحركة النقابية بالتشريعات المنظمة للعمل النقابي، التي أتاحت مجالاً أوسع للمشاركة في صنع القرار». ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «استكمال الانتخابات النقابية وتسوية الأوضاع القانونية، وتشكيل الاتحادات من شأنه تعزيز حضور النقابات في القضايا العامة».

رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة في لقاء سابق مع رئيس نقابة المتقاعدين في طرابلس خليل الشقماني (صفحة المجلس)

وعلى الرغم من أن العمل النقابي ليس جديداً في ليبيا، فإن استقلاليته ظلت محدودة خلال عهد نظام معمر القذافي، وفق رئيس «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية»، خالد بوزعكوك، الذي يرى أن النقابات والاتحادات العمالية «تخوض تجربة حديثة في بناء حضور مستقل عن الدولة، بما يؤهلها تدريجياً للاضطلاع بدور ضاغط على الحكومات».

وشهد الإطار القانوني للعمل النقابي تطورات متعاقبة؛ إذ صدر في عهد النظام السابق تشريع ينظم تأسيس النقابات، والروابط المهنية والاتحادات وعملها، قبل أن يعتمد مجلس النواب منذ عامين قانوناً جديداً لتنظيم العمل النقابي. وجاء ذلك بالتوازي مع محاولات النقابات استكمال انتخاباتها، وتسوية أوضاعها التنظيمية.

غير أن هذا التحول لا يعني أن العمل النقابي غاب عن ليبيا خلال العقود الماضية، بل إن حضوره لم يكن مصحوباً بالثقل السياسي، الذي يسمح له بالتأثير في القضايا الوطنية. لكن التنظيم القانوني حالياً يتيح فرصة أوسع للمشاركة في معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، بحسب الحريري.

وتعيد التحركات الأخيرة إلى الواجهة تجربة «الاتحاد العام التونسي للشغل»، الذي اضطلع بأدوار اجتماعية وسياسية بارزة، من الدفاع عن حقوق العمال وتحسين الأجور، إلى المشاركة في الحوار الوطني خلال الأزمات. كما كان الاتحاد أحد مكونات الرباعي الراعي للحوار الوطني التونسي، الذي نال جائزة نوبل للسلام عام 2015.

ويرى بوزعكوك أن التجربة التونسية قابلة للاستلهام في ليبيا، بالنظر إلى التقارب الجغرافي والاجتماعي بين البلدين، وإلى «أهمية وجود تنظيمات نقابية قادرة على الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والمشاركة في النقاش العام». لكنه يربط اتساع هذا الدور بقدرة النقابات الليبية على بناء مؤسسات مستقلة وفاعلة.

واعتبر بوزعكوك أن استقرار أي تجربة ديمقراطية حديثة يتطلب عملاً نقابياً منظماً، يستطيع نقل المطالب الاقتصادية إلى المجال العام، ومراقبة أداء الحكومات، والدفع نحو احترام الحقوق وترسيخ مدنية الدولة. لكن يظل تحقيق ذلك مرتبطاً بقدرة النقابات على تحويل الاحتجاجات المتفرقة إلى عمل مؤسسي مستدام.

وتشمل أولويات العمل النقابي الحر، وفق بوزعكوك، «حماية الحق في الإضراب والتظاهر السلمي، وتوفير العمل اللائق والضمان الاجتماعي والتأمين الطبي، وتحسين قوانين العمل وظروفه وساعاته، فضلاً عن صون حرية التعبير والتنظيم والاقتراع والانتخاب».

من احتجاج سابق للمطالبة بخروج القوات الأجنبية من ليبيا (الشرق الأوسط)

لكن الطريق نحو نموذج نقابي أكثر تأثيراً يتطلب استكمال متطلبات التنظيم الداخلي؛ وفي هذا السياق يشير الحريري إلى أن «نقابات ليبية لم تستكمل انتخاباتها أو تسوية أوضاعها القانونية»، معتبراً أن تشكيل الاتحادات واستكمال هذه الإجراءات سيمنحان الحركة النقابية قدرة أكبر على توحيد المطالب، والتفاوض بشأنها.

وبين تصاعد الإضرابات واتساع المطالب المعيشية، تطرح التجربة الليبية سؤالاً يتجاوز تحسين الأجور إلى طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه النقابات في الحياة العامة. واستلهام النموذج التونسي يظل احتمالاً مطروحاً، يتوقف تحققه على استقلالية التنظيمات النقابية وتماسكها، ومدى قدرتها على الاستمرار خارج موجات الاحتجاج الآنية.


موريتانيا تتمسك بـ«الحياد الإيجابي» في قضية الصحراء المغربية

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

موريتانيا تتمسك بـ«الحياد الإيجابي» في قضية الصحراء المغربية

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

جدّدت الحكومة الموريتانية، مساء (الأربعاء)، موقفها من قضية الصحراء القائم على ما سمته «الحياد الإيجابي»، وذلك بعد مغادرة بعثة الأمم المتحدة «المينورسو» الإقليم، وسط مخاوف من انهيار اتفاق وقف إطلاق النار في الصراع الأقدم داخل القارة الأفريقية.

وقال وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان الناطق باسم الحكومة الموريتانية محمد ولد ببانا إن موقف موريتانيا من النزاع في الصحراء المغربية يقوم على «الحياد الإيجابي التام»، وأضاف في ردوده على أسئلة الصحافيين خلال مؤتمر صحافي، أن موريتانيا تتابع تطورات الأوضاع في الدول المحيطة بها.

وأكد ولد ببانا أن موريتانيا «تعتبر نفسها جزءاً من الحل، وليست جزءاً من المشكلة»، مشدداً على أن هذا الموقف سبق أن عبّرت عنه الحكومة في مناسبات عدة، ومؤكداً أن تكرار السؤال نفسه بصيغ مختلفة «لن يغير من ثبات» هذا الموقف.

الوزير الناطق باسم الحكومة الموريتانية خلال مؤتمر صحافي أمس الأربعاء (الشرق الأوسط)

في غضون ذلك، قالت صحف محلية موريتانية إن السلطات طلبت من المواطنين في المناطق المتاخمة للصحراء المغربية توخي الحذر، والعودة إلى الأراضي الموريتانية إن كانوا خارجها، والتأكد من وجودهم داخل الحدود، والابتعاد عن خط الحدود أو المناطق الملتبسة.

وقالت الصحف إن حكام المقاطعات الحدودية، خصوصاً في ولاية داخلت نواذيبو، حذروا رعاة الماشية والسكان الرحل من البقاء في مناطق قد تشكل خطراً عليهم، وذلك في إشارة إلى مناطق تداخل حدودي.

وقالت «وكالة الأخبار المستقلة» إنها اطلعت على رسائل صوتية متداولة منسوبة إلى حاكم مقاطعة الشامي، ومسؤول مركز أتميمشات الإداري، وهي مناطق حدودية، تحث السكان على الاحتياط والحذر «في ظل مغادرة بعثة الأمم المتحدة» المناطق المتنازع عليها بين المغرب وجبهة بوليساريو.

وكان مجلس الأمن الدولي قد صوّت في 30 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على مشروعي قرار لتمديد ولاية البعثة، أحدهما أميركي والآخر روسي، لكن لم يُعتمد أي منهما. ونال المشروع الأميركي، الذي يعدل ولاية البعثة ووجودها مستقبلاً، 11 صوتاً، لكن روسيا نقضته.

ونال المشروع الروسي، وهو تمديد لمدة عام، ثلاثة أصوات مقابل صوت واحد ضد (الولايات المتحدة) وامتناع 11 عضواً، بينما يتطلب اعتماده تسعة أصوات.

وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، الأحد الماضي، إن فترة تصفية البعثة بدأت في ذلك اليوم، وإن فريقاً صغيراً سيشرف على نقل المعدات. بينما قال الأمين العام أنطونيو غوتيريش إن مغادرة البعثة لا تلغي حق شعب الصحراء في تقرير المصير، ودعا إلى «أقصى درجات ضبط النفس».

ووصف الديوان الملكي المغربي النتيجة بأنها خطوة مهمة نحو إغلاق الملف في الأمم المتحدة. بينما اعتبرت جبهة «بوليساريو» إنهاء البعثة «غير مقبول»، في حين أعربت الجزائر عن «عميق الأسف».