زيارة راتكليف الغامضة وتهديدات موسكو لعواصم أوروبية... هل دخلت الحرب مرحلة جديدة؟

بوتين أمام توسيع المواجهة أو قبول سلام لا يلبي كل أهدافه

ترمب وبوتين خلال لقاء جمعهما في ألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (رويترز)
ترمب وبوتين خلال لقاء جمعهما في ألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (رويترز)
TT

زيارة راتكليف الغامضة وتهديدات موسكو لعواصم أوروبية... هل دخلت الحرب مرحلة جديدة؟

ترمب وبوتين خلال لقاء جمعهما في ألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (رويترز)
ترمب وبوتين خلال لقاء جمعهما في ألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (رويترز)

أول ما لفت الأنظار في زيارة مدير وكالة الاستخبارات الأميركية جون راتكليف الغامضة إلى موسكو قبل أيام، أنها أُحيطت بسرية كاملة، وأثارت تكهنات وجدالات أكثر مما وضعت من أجوبة.

كانت موسكو تنتظر من أسابيع زيارة أخرى، تحمل أبعاداً سياسية لدفع عملية السلام. وأعلنت أكثر من مرة استعدادها لاستقبال مبعوثي الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، لكن بدلاً منهما جاء «رجل المهمات السرية» وفقاً لوصف بعض الدوائر الروسية، ومثال ذلك أنه ذهب إلى كوبا في مايو (أيار) حاملاً رسالة تحذيرية مماثلة. جاء الرجل كما اتضح لاحقاً، مكلفاً بشكل مباشر من الرئيس دونالد ترمب لحمل رسالة واحدة مغزاها بحسب قاموس ترمب: «لا تفتحوا باب الجحيم».

القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية ميخايلو دراباتي (يمين) ووزير الدفاع يفغين خمارا خلال مراسم رفع العلم الوطني في كييف الأحد (إ.ب.أ)

اللافت هنا، مع إحاطة الزيارة بالكتمان لدرجة أن الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف قال عندما حطت طائرة المسؤول الأميركي في مطار فنوكوفا الحكومي إنه لا يعلم شيئاً عن الموضوع، أن هذه الزيارة أعادت إلى الأذهان زيارة مماثلة كان سلفه في المنصب ويليام بيرنز قد قام بها إلى موسكو في نهاية عام 2021 وسط ازدياد تقارير عن حشود عسكرية روسية واستعدادات لإرسال قوات إلى أوكرانيا.

قال بيرنز وقتها للروس: «لا تقدموا على غزو أوكرانيا! عندها نفت موسكو كل المزاعم الغربية حول الحشود، لكنها أطلقت عمليتها العسكرية بعد مرور أقل من 3 أشهر على الزيارة».

اللافت أيضاً أن راتكليف جاء إلى موسكو قادماً من ريغا عاصمة لاتفيا، وعاد إليها بعد الزيارة السريعة ليمكث فيها 24 ساعة قبل أن ينطلق في رحلة العودة إلى بلاده.

لذلك اكتسبت التسريبات حول أنه جاء لتحذير روسيا من مهاجمة بلدان حوض البلطيق أو حلفاء واشنطن في «الناتو» أبعاداً جدية رغم حرص ترمب لاحقاً على تخفيف لهجته والحديث عن أن زيارة مدير جهاز الاستخبارات إلى موسكو «روتينية إلى حد ما».

المعطيات الروسية التي تسربت تشير إلى أن الدافع الأساسي للزيارة كان التحذير من مهاجمة منشآت عسكرية غربية، وضرورة الامتناع عن توجيه أي ضربات إلى مواقع ترى موسكو أنها باتت أهدافاً مشروعة في بلدان البلطيق أو بولندا ورومانيا وبلدان أوروبية أخرى.

زعماء أوروبيون يحضرون مراسم إحياء الذكرى الـ35 لاستقلال أوكرانيا أمام «كاتدرائية القديسة صوفيا» في كييف (أ.ف.ب)

ورغم أن الكرملين أكد مراراً أنه لا يخطط لمهاجمة دول «الناتو» وأن التقارير الغربية حول ذلك مجرد «تهويش إعلامي يهدف لشيطنة روسيا، وإثارة الذعر في أوروبا تجاهها»، فإن التطورات التي وقعت خلال الأشهر الأخيرة من عمر الحرب الأوكرانية حملت تبدلاً ملحوظاً في المواقف، وباتت موسكو توجه تحذيرات وأحياناً تهديدات مباشرة إلى بلدان أوروبية أبرمت اتفاقات عسكرية وتفاهمات على إطلاق صناعات مشتركة مع كييف.

تبدل المزاج السياسي

سبق الزيارة والتطورات المتسارعة خلال الأشهر الأخيرة ميدانياً، وتصاعد الهجمات المتبادلة بين موسكو وكييف، بروز مؤشرات قوية، وفقاً لمصادر روسية حول تبدُّل مهم في المزاج الغربي عموماً والأميركي خصوصاً تجاه ملف التسوية السياسية في أوكرانيا. وقد ظهر ذلك بوضوح في قمة حلف شمال الأطلسي في يوليو (تموز) الماضي لجهة الاتفاق على زيادة الإنفاق العسكري، وتوسيع المساعدات لأوكرانيا، وزيادة الضغوط على موسكو. تزامن ذلك مع تسريع الاتحاد الاوروبي وتائر المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وتراجع واشنطن عن رؤيتها السابقة لمسار تسوية الصراع، من خلال النكوص عن تفاهمات قمة ألاسكا التي شكلت وفقاً للكرملين الإطار الوحيد العملي للتسوية السياسية. تلك التفاهمات أقرت بسيطرة روسية في دونباس، وأكدت حتمية «التنازلات الأوكرانية» عن الأراضي، وحمّلت أوروبا مسؤولية عدم عرقلة التسوية المحتملة، وتحمّل ترمب شخصياً عبء الضغط على كييف والعواصم الأوروبية لدفع التسوية.

رأى خبراء روس أن إدارة الرئيس ترمب تراجعت عن رؤيتها السابقة على خلفية الحرب مع إيران، والتوافقات التي جرت داخل «الناتو» والرغبة في عدم توسيع هوة الخلافات مع أوروبا.

مسيّرة انتحارية روسية تم تدميرها قريباً من العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز)

تبدل موازين القوى على الأرض

تزامن ذلك مع تبدل ملموس في فهم الوضع الميداني ودرجة تأثيره على الاستعداد لدفع المسار السياسي. وقامت السردية الروسية على «امتلاك زمام المبادرة» على الأرض، وتحقيق الروس اختراقات عدة ميدانياً تمثلت في «تحرير» الجزء الأعظم من دونباس، وفرض سيطرة مطلقة تقريباً في دونيتسك بعد لوغانسك، فضلاً عن نجاح موسكو في إقامة شريط عازل محمي بشكل جيد على طول الحدود الشرقية في خاركيف وسومي. كان المشهد يوحي بأن موسكو كسبت الحرب على الأرض، وتنتظر إقراراً سياسياً بالواقع الجديد لرسم ملامح التسوية المقبلة.

مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف (أ.ف.ب)

لكن في المقابل، قاد تبنّي الأوكرانيين استراتيجية توسيع المعركة في العمق الروسي واستهداف منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية بشكل نشط ويومي، إلى إرهاق كبير للكرملين. وبرزت أزمات نقص الوقود المتفاقمة، وتصاعد التوتر الداخلي بعدما باتت المعركة تدخل إلى كل مدينة وقرية روسية إلى تغيير في هيكلية المعركة. بالتزامن مع إثبات التقنيات الحديثة التي طورتها أوكرانيا أنها فعالة وأنها أسهمت بشكل مباشر في إقامة توازن صعب ومعقد على الأرض. بمعنى آخر، في مواجهة القوة الكبرى التقليدية لروسيا على الأرض وقدرتها على مواصلة التقدم البطيء لكن المستمر، رسخت أوكرانيا وضعها كقوة لا يُستهان بها في مجال التقنيات العسكرية الحديثة لدرجة أنها باتت جزءاً من حسابات المجتمع الأوروبي والغربي عموماً في أي قوة مشتركة مستقبلية.

هذا التبدل في موازين القوى، رأى خبراء أنه أسهم في تبدل المزاج السياسي لترمب حيال التسوية، وفي اتساع حجم التحرك الأوروبي لتكثيف الدعم للقوة العسكرية الأوكرانية.

اتفاقات عسكرية

في هذا المجال، أبرمت أوكرانيا اتفاقات واسعة للتعاون والشراكة في التصنيع العسكري مع العديد من الدول الأوروبية لتحويل أراضيها إلى قاعدة إنتاج دفاعي مشترك. أبرز الاتفاقات ومجالات التعاون كانت اتفاقيات المسيّرات؛ إذ أعلنت كييف توقيع اتفاقات تعاون عسكري تقضي بإشراك الدول الأوروبية في العمل المباشر وشراء التقنيات والأسلحة الأوكرانية، لا سيما في مجال الطائرات المسيّرة، ونقل الإنتاج الصاروخي؛ حيث بدأت دول أوروبية وشركات دفاعية كبرى مثل «إم بي دي إيه» (MBDA) بنقل أجزاء من ترسانتها وتكنولوجيا التصنيع العسكري إلى أوكرانيا، بما في ذلك تقديم المعلومات الضرورية لإنتاج صواريخ «سكالب» (SCALP) بعيدة المدى.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

ثم الصناعات الدفاعية والتمويل حيث ربط الاتحاد الأوروبي جزءاً كبيراً من حزم المساعدات والقروض الضخمة (مثل قرض الـ90 مليار يورو لعامي 2026 و2027) بتقديم العقود الموقعة مع شركات الصناعات الدفاعية لتوفير أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ والذخائر والأنظمة المضادة للصواريخ الباليستية. وأخيراً تحالف الراغبين الذي تقود فيه دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا تنسيقاً مشتركاً لتعزيز الإنتاج المحلي والمشترك للأسلحة داخل أوكرانيا، وضمان استمرار الإمدادات والدعم التقني. وكان أحدث تطور في إطار هذا التحالف الاتفاق على زج قوات مشتركة في أوكرانيا بعد التوصل إلى اتفاق لوقف النار، وهو أمر ترفضه موسكو بشدة.

خيارات بوتين

على خلفية هذه التطورات التي ارتبطت بتحركات على الأرض لفرض مزيد من القيود على موسكو، مثل ملاحقة السفن التجارية الروسية واستهداف «أسطول الظل» الذي ينشط لتجاوز العقوبات المفروضة، فضلاً عن التأثير المباشر لنقل التكنولوجيا الغربية لكييف في توسيع الاستهدافات داخل العمق الروسي، بدأ الكرملين تحركاً لمواجهة الموقف عبر تصعيد محسوب تمثّل أولاً في إعلان عزم القوات الروسية على استهداف السفن الغربية في مقابل كل استهداف للسفن الروسية، ثم في تصعيد أوسع تمثّل في تهديد البلدان التي تقيم تعاوناً عسكرياً تصنيعياً مباشراً مع أوكرانيا، مثل بريطانيا وفرنسا وبلدان البلطيق وبولندا وغيرها.

وحملت هذه التهديدات إشارات واضحة إلى اقتراب الوضع من حافة توسيع نطاق المواجهة. ووفقاً لخبراء روس لم يكن بمقدور الكرملين الذي يحقّق اختراقات على الأرض أن يسمح بتبدل الوضع وحرمانه من كل إنجازاته الميدانية، فضلاً عن أن استهداف السفن الروسية من شأنه أن يضيّق الخناق جداً على الكرملين الذي حافظ على اقتصاد ثابت طوال سنوات، بفضل الالتفاف على العقوبات الغربية. كما أن توسيع نطاق التعاون العسكري وتطوير قدرات أوكرانيا الاستراتيجية من شأنهما أن يضربا واحداً من أهم مرتكزات بوتين للتسوية المحتملة التي ترى أن أوكرانيا يجب أن تكون معزولة السلاح تقريباً وبعيدة عن التحالفات والتكتلات.

لذلك فإن خيار توسيع رقعة المعركة بات يبدو حتمياً، وفقاً لتقديرات خبراء روس، لكن توقيته قد يكون بعد الاستحقاق الانتخابي النيابي في روسيا المقرر الشهر المقبل.

في هذا الإطار جاءت التهديدات المباشرة لبريطانيا وفرنسا بضرب أصول بحرية أو منشآت عسكرية تساعد أوكرانيا، لتضع إشارة أخيرة في هذا السياق.

نقاط القوة والضعف

لكن في المقابل، يرى فريق من الخبراء أن هذا التصعيد قد يسبق التوصل إلى صيغة مرضية للتسوية، بمعنى أنه محسوب بدقة لدفع واشنطن إلى تغيير خياراتها والانخراط بشكل أنشط في مسار التسوية. وهنا يضع البعض عناصر قوة بيد بوتين، بينها التباينات الداخلية في الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي تجاه فكرة الصراع المفتوح مع روسيا، والموقف الصيني، والتوترات الإقليمية المتفاقمة، بما في ذلك الوضع في الشرق الأوسط، وإقبال واشنطن على انتخابات نصفية قد تدفع ترمب إلى إعادة النظر في بعض السياسات.

بينما تبدو عناصر الضعف أو التحديات التي يواجهها بوتين أكثر إلحاحاً، وبينها تماسك ما يُوصف في موسكو بأنه «حزب الحرب في أوروبا»، وتفاقم الضغوط الاقتصادية والمعيشية الداخلية في روسيا، وترسيخ مكانة أوكرانيا بوصفها منتجاً مهماً للتقنيات العسكرية الحديثة تحتاج إليه أوروبا في بناء سياساتها المستقبلية، ووجود فريق قوي في إدارة ترمب لا يدعم تقديم تنازلات كبيرة إلى موسكو.

في كل الأحوال، ووفقاً لتحليل بعض الخبراء قد تنجح التحذيرات القوية التي نقلت إلى الكرملين في كبح جماح مؤقت للتطورات المنتظرة، بما في ذلك على صعيد التأجيج العسكري، واستهداف دول أخرى خارج نطاق الرقعة الجغرافية للمعركة حالياً، لكن كل هذا يرتبط بطبيعة وحجم التطورات على الأرض وفي المواقف السياسية في المرحلة التي تلي الاستحقاق الانتخابي النصفي في الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

روسيا تخفض توقعاتها لإنتاج وتصدير الغاز

الاقتصاد كان الكرملين قد صرح هذا الشهر بأن أوروبا تلحق الضرر بنفسها بشراء الغاز باهظ الثمن من السوق الفورية بدلاً من اختيار الإمدادات الروسية الأقل تكلفة (رويترز)

روسيا تخفض توقعاتها لإنتاج وتصدير الغاز

خفضت وزارة الاقتصاد الروسية توقعاتها لإنتاج وتصدير البلاد من الغاز الطبيعي هذا العام، في الوقت الذي تستعد فيه أوروبا لإنهاء مشترياتها الأخيرة من الغاز الروسي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا بقايا مُسيرة انتحارية روسية دُمرت بالقرب من العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز)

ضربات روسية على أوكرانيا بالتزامن مع لقاء زيلينسكي وترمب

قال مسؤولون أوكرانيون، أمس الثلاثاء، إن روسيا قتلت ثمانية أشخاص، في هجمات استهدفت المركز الصناعي لأوكرانيا ومناطق أخرى على خط الجبهة

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيسان الأميركي والأوكراني يتصافحان خلال اجتماعهما على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ)

زيلينسكي: ناقشت مع ترمب هدنة بقطاع الطاقة وجهود إنهاء الحرب

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أمس (الثلاثاء) إنه ناقش مع نظيره الأميركي دونالد ترمب الجهود الرامية لإنهاء الحرب مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك (الولايات المتحدة))
الولايات المتحدة​ صورة مركبة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يسار) ونظيره الروسي سيرغي لافروف (ا.ف.ب)

روبيو يلتقي لافروف اليوم على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، أن وزير الخارجية ماركو روبيو، سيلتقي نظيره الروسي سيرغي لافروف، صباح الأربعاء على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أ.ب)

روبيو يتهم أوكرانيا بضرب سفن تحمل شحنات نفط لأميركا

اتهم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اليوم الثلاثاء أوكرانيا بضرب سفن وشحنات نفط لها علاقات بالولايات المتحدة خلال هجمات كييف الانتقامية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إدارة ترمب تسعى إلى شلّ «الجنائية الدولية»

الرئيس دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة الدولية (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة الدولية (أ.ب)
TT

إدارة ترمب تسعى إلى شلّ «الجنائية الدولية»

الرئيس دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة الدولية (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة الدولية (أ.ب)

يوم 14 يوليو (تموز) الماضي، أطلق ماركو روبيو وزير الخارجية الأميركي تصريحات عنيفة في صحيفة «وول ستريت جورنال» بحق المحكمة الجنائية الدولية، أتبعها ببيان رسمي صادر عن وزارته وبمقطع فيديو على منصة «إكس». وخلاصة ما قاله: «في اللحظة التي نتحدث فيها، تشن المحكمة الجنائية الدولية والدول الحليفة لها حرباً ضد بلادنا لا تستخدم فيها الصواريخ والرصاص، بل القوانين والاتفاقات وبقوة القانون الدولي».

وهدّد روبيو بإطلاق حملة مضادة: «ستتم تعبئة كامل أجهزة الحكومة من أجل شلّ قدرة هذه المحكمة بشكل منهجي على العمل، وعلى استهداف العسكريين أو المسؤولين الأميركيين». والخلفية التي انطلق منها أن المحكمة المذكورة فتحت في عام 2020 تحقيقاً بشأن جرائم قد تكون القوات الأميركية ارتكبتها في أفغانستان وفي «السجون السرية» التابعة لوكالة المخابرات المركزية في أوروبا. ورداً على ذلك، فرضت واشنطن عقوبات على فاتو بنسودا، المدعية العامة السابقة، ما أدى إلى تجميد التحقيق. بيد أن قيام المحكمة بإصدار مذكرتي توقيف، في عام 2024، بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت بتهم كثيرة، منها ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في غزة، ضاعف الغضب الأميركي وعزم واشنطن على تطويق المنظّمة، لا بل شلها تماماً من خلال مجموعات متلاحقة من الإجراءات المضادة والعقوبات.

وذهب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في الخطاب الذي ألقاه الثلاثاء أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى حدّ مطالبة الدول الأعضاء في المحكمة إلى الانسحاب منها. وقال: «أدعو الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية إلى الانسحاب رسمياً من هذه المؤسسة المارقة فوراً». ووفق ترمب، فإن واشنطن «لن تسمح أبداً بإخضاع أفراد القوات المسلحة الأميركية أو أي شخص آخر للتحقيق أو لمحاكمات صورية أمام محكمة معادية لأميركا، ولا اختصاص لها بالنسبة إلينا». وليست الولايات المتحدة، كما روسيا والصين وإسرائيل، عضواً في المحكمة. وكانت واشنطن قد وقعت على نصوص المحكمة التأسيسية. بيد أنها لم تصادق قط على «نظام روما الأساسي» الذي أنشأها في عام 2002. وحالياً، تضم المحكمة 125 دولة عضوة.

حملة ضغوط

بالنسبة لروبيو، فإن وزارته ستقوم بـ«حملة شاملة لتفكيك التهديد غير المقبول للسيادة الأميركية الذي تمثله المحكمة الجنائية».

ويريد روبيو تفكيك المحكمة «لبنة لبنة» من خلال تطويقها سياسياً ودبلوماسياً ومالياً لشلّها عن الحركة وممارسة الضغوط القصوى والعقوبات على أفرادها وعلى الكيانات والدول التي تتعاون معها، عبر «عقوبات ثانوية».

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قبل انعقاد مؤتمر صحافي أميركي - دنماركي في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ب)

ووفق روبيو، فإن المحكمة «تديرها شبكة من المنظمات اليسارية غير الحكومية ومن حكومات العالم الثالث المعادية لأميركا. وما يجمع بينهم هو كرههم للولايات المتحدة». وتطالب الإدارة الأميركية المحكمة بثلاثة أمور: سحب مذكرات التوقيف بحق المسؤولين الإسرائيليين، وإغلاق التحقيقات المفتوحة بشأن ارتكابهم جرائم في الأراضي الفلسطينية، ووضع حد للتحقيق بشأن تجاوزات القوات الأميركية، وأخيراً مطالبة المحكمة بتعديل قانونها الأساسي لمنع قضاتها من ملاحقة مواطني الدول غير الأعضاء. وتلاحق المحكمة الجنائية الدولية، ومقرها مدينة لاهاي الهولندية، منذ عام 2002، مرتكبي أخطر الجرائم، مثل الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

جاءت ردة الفعل الرسمية الأولى على لسان يوهان فاديفول، وزير خارجية ألمانيا الذي رفض التجاوب مع دعوة الانسحاب الأميركية. ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عنه قوله: «لن نفعل ذلك بالطبع... إنها مؤسسة مهمة». وأضاف: «بصراحة، لا أفهم أيضاً هذا النداء من حيث المضمون. فهذا أحد المجالات التي نرصد فيها بالفعل اختلافاً مؤسفاً في السياسة عن إدارة الولايات المتحدة». واستطرد فاديفول قائلاً: «نحن بحاجة بالطبع إلى هذه الولاية القضائية على المستوى الدولي. فهي جزء من النظام القائم على القواعد الذي وضعه عالمنا لنفسه. وهي جزء من تاريخ حضارتنا. وهي تعبر عن الفصل بين السلطات وسيادة القانون، وكذلك عن إعلاء شأن الإنسانية... ولذلك فمن الواضح تماما أننا نقف إلى جانب المحكمة الجنائية الدولية في هذا الأمر».

قلق البلد المضيف

تقول مصادر دبلوماسية في باريس على اطّلاع على ما تخطط له الإدارة الأميركية التي سبق لها أن فرضت مجموعة واسعة من العقوبات على قضاة وعاملين تابعين للمحكمة، إن واشنطن تراهن على ثلاثة أمور.

الرئيس الأميركي متحدثاً للصحافة لدى وصوله إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك يوم 22 سبتمبر (رويترز)

الأول: العقوبات التي تتهيأ لفرضها على المحكمة بصفتها هيئة وليس فقط على أفراد تابعين لها. والثاني: السعي إلى إقامة تحالف يضم الدول المناوئة للمحكمة وأولها روسيا التي صدرت بحق رئيسها في العام 2023 مذكرة توقيف بسبب الحرب في أوكرانيا. وثاني هذه الدول الصين التي لم تستسغ إصدار المحكمة، في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، مذكرة توقيف بحق الزعيم العسكري في ميانمار الجنرال مين أونغ هلاينغ، حليف بكين بسبب الجرائم التي ارتكبت بحق الأقلية المسلمة «روهينغا». ووفق صحيفة «فاينانشال تايمز»، فإن ترمب سعى خلال زيارته للصين في شهر مايو (أيار) الماضي إلى دفع الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى التعاون معه لتطويق المحكمة الجنائية. والثالث: الضغط على الدول المنتمية للمحكمة التي ترابط على أراضيها قوات أميركية (اليابان، وكوريا الجنوبية، وألمانيا) أو تحظى بدعم عسكري ومالي وحماية أميركية من أجل دفعها للانسحاب من عضوية المحكمة، وهي تعد أن بدء الانسحاب قد يجر انسحابات متلاحقة. والهم الأول لواشنطن تجنب أن يساق عسكريون أميركيون أمام محكمة دولية، الأمر الذي يفسر سبب تمسكها بالتوصل إلى اتفاقات مع الدول التي تنتشر فيها قوات أميركية توفر الحماية القانونية لها.

المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي (أ.ف.ب)

ما يقلق المحكمة، وأيضاً هولندا التي تستضيف مقرها، أن العقوبات الأميركية المرتقبة على المحكمة بصفته هيئة، وليس على أفراد منها، ستكون لها تبعات عملية كثيرة. ونقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن مسؤولين هولنديين لم تسمهم أن العقوبات ستمنع المحكمة من الوصول إلى الخدمات المالية وخدمات تكنولوجيا المعلومات، بل قد تمنعها حتى من دفع رواتب موظفيها الأميركيين.

وعندما فُرضت العقوبات على كريم خان، المدعي العام السابق للمحكمة في عام 2025، فقد إمكانية الوصول إلى بريده الإلكتروني على «مايكروسوفت»، وجُمّدت حساباته المصرفية، ومُنع من دخول الولايات المتحدة. بيد أن ستيفان راب، السفير الذي عينه الرئيس باراك أوباما مبعوثاً له لقضايا جرائم الحرب وأدار فريق التحقيق في الجرائم المرتكبة في رواندا، قال لصحيفة «Le Temps» السويسرية إن المحكمة «يمكن أن تنجو من هذه الضربة القاضية»، والشرط لذلك أن الدول الأعضاء عليها أن تتحرك، وأن تعد أن ما تقوم به واشنطن هو «اعتداء على سيادتها».


الكرملين: بوتين مستعد لعقد اجتماع مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
TT

الكرملين: بوتين مستعد لعقد اجتماع مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

أعلن المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستعد لعقد اجتماع مع نظيره الأميركي دونالد ترمب، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ونقلت وكالة أنباء «سبوتنيك» الروسية، اليوم الأربعاء، عن بيسكوف قوله للصحافيين: «حتى الآن، لا توجد تفاصيل بشأن عقد أي اجتماعات رفيعة المستوى. إذا تحدثنا عن الاجتماع الروسي الأميركي، فإن الرئيس جاهز. في الواقع، يؤكد الرئيسان، بوتين وترمب، دائما في محادثاتهما الهاتفية على استعدادهما لعقد اجتماع آخر بمرور الوقت، إذا لزم الأمر».

وأضاف: «أما بالنسبة لاجتماع بوتين مع زيلينسكي (الرئيس الأوكراني)، فإن موقفنا معروف جيداً هنا. وقال بوتين إن زيلينسكي، إذا أراد، يمكنه القدوم إلى موسكو».

وأشار المتحدث باسم الكرملين إلى أنه «في هذه الحالة، سيتم تقديم الضمانات الأمنية اللازمة له»، مشيراً إلى أن زيلينسكي «يعرف جيداً ما هي القرارات التي يجب اتخاذها».

وأضاف: «في أي حالة أخرى، سيكون من غير العملي عقد اجتماع قمة قبل الانتهاء من العمل على مستوى الخبراء، لأنه سيكون مضيعة للوقت».

وتابع بيسكوف: «عسكرة أوكرانيا مستمرة، وتحاول الدول الأوروبية جمع المزيد والمزيد من الأموال لشراء الأسلحة».

وأشار إلى أن «نظام كييف يواصل نشاطه الإرهابي إلى حد ما، حتى الآن لا توجد شروط مسبقة للدخول في المسار السلمي للمفاوضات. على الرغم من أننا، كدولة روسية، لا نزال منفتحين على المفاوضات السلمية».

وذكر بيسكوف أن «القيادة البريطانية منخرطة في إثارة المشاعر المعادية للروس، وأن ألمانيا وفرنسا وعدداً من الدول الأوروبية الأخرى تفعل الشيء نفسه في انسجام تام».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن، أمس الثلاثاء، عن وجود نية لديه لعقد اجتماع جديد مع نظيره الروسي.


ضربات روسية على أوكرانيا بالتزامن مع لقاء زيلينسكي وترمب

بقايا مُسيرة انتحارية روسية دُمرت بالقرب من العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز)
بقايا مُسيرة انتحارية روسية دُمرت بالقرب من العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز)
TT

ضربات روسية على أوكرانيا بالتزامن مع لقاء زيلينسكي وترمب

بقايا مُسيرة انتحارية روسية دُمرت بالقرب من العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز)
بقايا مُسيرة انتحارية روسية دُمرت بالقرب من العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز)

قال مسؤولون أوكرانيون، أمس الثلاثاء، إن روسيا قتلت ثمانية أشخاص، في هجمات استهدفت المركز الصناعي لأوكرانيا ومناطق أخرى على خط الجبهة، بالتزامن مع لقاء الرئيس فولوديمير زيلينسكي نظيره الأميركي دونالد ترمب في «الأمم المتحدة».

وكثّفت موسكو غاراتها الجوية، خلال الصيف، ووسّعت هجماتها لتشمل أهدافاً اقتصادية تتراوح بين الشركات والموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية، في وقت توقفت فيه إلى حد كبير مكاسبها على الأرض، بعد أكثر من أربع سنوات ونصف السنة من حربها في أوكرانيا.

وقال رئيس الوزراء الأوكراني سيرغي كوريتسكي، عبر تطبيق «تلغرام»: «تستهدف روسيا عمداً الشركات والمزارع والمستودعات والسكك الحديدية ومنشآت الطاقة والمباني السكنية».

وقال الجيش الأوكراني، أمس الثلاثاء، إنه استهدف مصفاة نفط روسية في مدينة أوفا، التي تبعد أكثر من 1300 كيلومتر عن الحدود مع أوكرانيا. وأضاف أنه قصف أيضاً مصفاة كويبيشيف للنفط في منطقة سامارا، الواقعة على نهر الفولجا.

وقال حاكم منطقة سامارا إن طائرات مُسيرة أوكرانية أصابت أهدافاً مدنية في المنطقة، ما أسفر عن مقتل شخص، وإصابة أربعة آخرين. وينفي الطرفان استهداف المدنيين.

وقالت شركة إنتر بايب، أكبر مُنتج للأنابيب في أوكرانيا، إن ضربة صاروخية روسية استهدفت منشأة تابعة لها في مدينة دنيبرو، ما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص، وإصابة سبعة آخرين.

وقال ممثلو ادعاء إن هجمات روسية على منطقة خيرسون في جنوب البلاد أودت بحياة شخصين، في حين أفاد حاكم المنطقة بمقتل شخص، قرب ميناء أوديسا المُطل على البحر الأسود.

وفي منطقة دونيتسك الشرقية، التي يتركز فيها كثير من المعارك على خط الجبهة، قالت الشرطة إن قنابل جوية روسية قتلت شخصاً في كراماتورسك، إحدى المدن التي تسعى روسيا للسيطرة عليها.

واستهدفت ضربة روسية سفينة شحن ترفع عَلَم أنتيغوا وبربودا في ميناء بمنطقة أوديسا بجنوب أوكرانيا، ما أدى إلى مقتل القبطان الأوكراني، وفق ما أعلن حاكم المنطقة أوليغ كيبر، الأربعاء.

واستهدف الهجوم أيضاً بنى تحتية مدنية، متسبباً باندلاع حرائق في مستودعات تخزَّن فيها أدوية ومنتجات غذائية، وفق ما أفاد كيبر على «تلغرام».