في جدة... أمسية تستعيد إرث فوزي محسون وحكاياته الإنسانية والفنية

خالد لـ«الشرق الأوسط»: والدي لم يختلف مع أم كلثوم

الفنان محمد السلطان خلال أدائه أغاني من إرث الراحل الفني خلال الأمسية (الشرق الأوسط)
الفنان محمد السلطان خلال أدائه أغاني من إرث الراحل الفني خلال الأمسية (الشرق الأوسط)
TT

في جدة... أمسية تستعيد إرث فوزي محسون وحكاياته الإنسانية والفنية

الفنان محمد السلطان خلال أدائه أغاني من إرث الراحل الفني خلال الأمسية (الشرق الأوسط)
الفنان محمد السلطان خلال أدائه أغاني من إرث الراحل الفني خلال الأمسية (الشرق الأوسط)

في ليلة موسيقية استثنائية لـ«سيد الشجن» الراحل فوزي محسون، كانت المدينة الساحلية جدة (غرب السعودية) حاضرة بكل تفاصيلها؛ إذ إن الفنان الراحل يُعدّ من رواد الأغنية السعودية الأصيلة، وعبر ألحانه نقل جمالها إلى مساحات أرحب من التجديد.

ولم تكتفِ أمسية «سيد الشجن» التي أقامتها جمعية الثقافة والفنون بجدة، باستعادة أصداء أغنياته وألحانه التي بقيت خالدة في ذاكرة الجمهور وترددها الأجيال، ومنها: «من بعد مزح ولعب»، و«يا ناس حظي تعبان»، و«روح أحمد الله وبس»، و«جاني والله جاني»، بل اقتربت أكثر من حياة الإنسان خلف الفنان، وحكايات البدايات التي صنعت مسيرته، وذلك من خلال جلسة حوارية مع ابنه المهندس خالد فوزي محسون.

المهندس خالد فوزي محسون يتحدث عن جوانب من حياة والده خلال الأمسية (الشرق الأوسط)

البدايات ودفء الأسرة

يقول المهندس خالد إن والده عاش حياة اجتماعية بسيطة ومستقرة محاطاً بعائلته وأبنائه، مشيراً إلى أن صالون منزل الأسرة في حي الكندرة آنذاك، لم يكن مجرد سكن للعائلة، بل كان أشبه بـ«صالون ثقافي»؛ إذ كان مشرعاً دوماً لكل الأصدقاء والفنانين والموهوبين من داخل المملكة وخارجها.

ويضيف: «أحبَّ والدي البساطة، ورغم شهرته الواسعة، فإنه ظل وفياً لوظيفته في (مصلحة البريد والبرق) حتى تقاعده، وكان يرى في خدمة الناس والالتزام اليومي معهم والوقوف إلى جانبهم ودعمهم واجباً عليه».

وتحدث نجل الفنان الراحل عن البدايات، حيث قال: «كان والدي شغوفاً بالموسيقى منذ مرحلة الطفولة، درس الابتدائية في مدرسة الرشدية، ثم انتقل إلى مدرسة الفلاح حيث درس المرحلة الثانوية... ومن القصص التي أذكرها تعرفه على أحد زملائه واشتراكهما في تعلم العزف معاً، وفي تلك الأيام اشترى والدي أول عود له، لتبدأ من هنا رحلته الفنية».

وأشار المهندس خالد إلى أسماء فنية لامعة كانت حاضرة في صالون والده الفني؛ منهم الموسيقار المصري الراحل محمد الموجي، ومحمد عبده، وعبادي الجوهر، وسامي إحسان، وعمر كدرس، ومحمد السراج، ومحمد عمر، مضيفاً: «كانوا يجتمعون للنقاش وتبادل الأفكار والألحان في أجواء من الصداقة والمحبة».

ويضيف خالد أن والده كان يرى الفن هواية شخصية فقط، وهو ما جعله يتمسك بوظيفته ولم يتركها حتى وفاته، وأضاف: «كان والدي يردد دائماً أنه مجرد هاوٍ، يغني متى شاء وكيفما أراد».

أنباء الخلاف مع أم كلثوم

كشف المهندس خالد في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن أول أغنية سجلها والده للإذاعة هي «نور الصباح»، وكان عمره آنذاك 18 عاماً، نافياً الأنباء التي تداولت رفض الإذاعة إجازة صوت والده عقب رسوبه في الاختبار أمام لجنة فنية صارمة. وتحدث عن الثلاثي الفني الذي كونه والده مع الشاعرة الحجازية ثريا قابل ورفيق دربه الشاعر صالح جلال، والذي شكل حالة فريدة من التناغم الفني.

كما تحدث المهندس خالد عن سوء الفهم الذي فسره البعض بأنه خلاف مع كوكب الشرق أم كلثوم حول أغنيتها «الحب كله»: «لم يكن للفنانة القديرة أم كلثوم أي علاقة بالأمر، بل كان مرتبطاً باجتزاء الموسيقار بليغ حمدي لـ30 ثانية من لحن المجرور الحجازي الذي وضعه والدي في أغنيته الشهيرة (عشقته ولا لي بالمقادير حيلة)». وأضاف أن أم كلثوم، بحسب ما كان يرويه والده، سافرت إلى جدة والتقته في فندق الكندرة، وقدمت له اعتذارها عن الواقعة.

وتابع: «استقبل والدي اعتذار كوكب الشرق بكل ود ولطف، بل أعرب كذلك عن سعادته بغنائها لحناً من ألحانه، ليتحول هذا الموقف إلى صداقة جمعته بكوكب الشرق والموسيقار بليغ حمدي».

وفي الوقت الذي عُرف فيه محسون بطيبته وعفويته ونقاء سريرته، كشف المهندس خالد أن والده كان يصرّ على إحياء حفلات زفاف أهل جدة بالمجان ودون أي مقابل، فضلاً عن مواقفه الإنسانية المتعددة في مساعدة الناس، والوقوف إلى جانبهم، والشفاعة لهم لقضاء حوائجهم. وأعلن المهندس خالد خلال الأمسية، عزمه تدوين كتاب خاص يوثّق مسيرة والده الراحل.

الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة خلال تكريم المهندس خالد نجل الراحل فوزي محسون (الشرق الأوسط)

مدرسة فنية متفردة

من جهته، قال الشاعر ضياء خوجة لـ«الشرق الأوسط»، إن الراحل فوزي محسون كان يتميز بمدرسته الفنية التي لا تشبه أحداً، ليس داخل المملكة فقط وإنما خليجياً وعربياً، مشيراً إلى أن «المستمع كان يستطيع أن يتعرف على لحنه بمجرد سماعه»، مؤكداً أن ما ميز تجربة «سيد الشجن» حسن اختياراته للكلمة من البيئة المحلية، وتقديمها بأسلوب «السهل الممتنع»؛ بكلمات بسيطة وقريبة من الناس، لكنها تحمل قيمة شعرية وجمالية وتصل إلى كل مستمع.

وأضاف: «أنا شخصياً بصفتي شاعراً استفدت كثيراً من تجربته، خصوصاً أنه كان يهتم بالمفردة الحجازية، ويختار الألوان التي تعبر عن البيئة المحلية، ولذلك كنت أحرص على متابعة أعماله والاستماع إلى ما يلحنه، وكذلك إلى الشعراء الذين كان يقدم أعمالهم، ومنهم يوسف راجح وغيره من الذين ارتبطت أسماؤهم بتجربته».

وأكد خوجة أن أثر فوزي محسون الحقيقي لم يكن في ألحانه فقط، بل في لفتاته الإنسانية العفوية التي نبعت من قلبه تجاه زملائه والجيل الجديد؛ حيث جعلت حكايات قلبه الأبيض، ونقاء سريرته، ومواقفه التي جمعت بين نبل الأخلاق الحجازية وعظمة الفن، من سيرته قصة إنسانية تُروى قبل أن تكون مسيرة فنية تُعزف وهو المقياس الحقيقي للفنان؛ أن تنتهي حياته، لكن لا تنتهي أعماله، وأن تظل ألحانه تعيش في ذاكرة الناس جيلاً بعد جيل.

تكريم المصورة سوزان إسكندر بمناسبة اليوم العالمي للتصوير الفوتوغرافي (الشرق الأوسط)

احتفاء بتجربة الراحل

من جهته، أكد محمد آل صبيح، مدير فرع جمعية الثقافة والفنون بجدة، أن هذه الأمسية تأتي امتداداً لمبادرة الجمعية التي أُطلِقت عام 2018، لتكريم أصحاب التجارب التي أسهمت في صناعة إرث فني وثقافي كبير، وقال: «نحتفي اليوم بتجربة فوزي محسون الفنية المتكاملة؛ على مستوى الموسيقى واللحن والكلمة والأداء... فقد كان واحداً من أهم صناع الأغنية السعودية، ومن المهم بالنسبة لنا ألا يكون الاحتفاء بالرواد مجرد استعادة للماضي، بل أن يكون جسراً يصل هذا الإرث بالأجيال الجديدة، ولذلك استضفنا اليوم الفنان الشاب محمد السلطان، الذي تفاعل معه الجمهور عند تقديمه أغاني فوزي محسون بصوته وأسلوبه الخاص».

وأشار آل صبيح إلى أن تكريم الرواد هو جزء من مسيرة طويلة للجمعية تمتد منذ تأسيسها، وتتمثل في تقديم التكريم لمن يستحقه، وحفظ ذاكرة المبدعين، وجعل إرثهم حاضراً أمام الأجيال الجديدة.

يُشار إلى أن الأمسية التي أقامتها الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة، لاستحضار سيرة الفنان الراحل فوزي محسون، شهدت مشاركة الفنان محمد السلطان وتأديته لأغانٍ من إرث الراحل الفني، بالإضافة إلى تكريم المصورة سوزان إسكندر بمناسبة اليوم العالمي للتصوير الفوتوغرافي.


مقالات ذات صلة

السعودية وبولندا تبحثان التعاون الدفاعي والعسكري

الخليج الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)

السعودية وبولندا تبحثان التعاون الدفاعي والعسكري

بحث الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي مع نظيره البولندي فواديسواف كوشينياك كاميش، التعاون العسكري والدفاعي بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والشيخ محمد بن عبد الرحمن (الشرق الأوسط)

قطر تجدد تضامنها الكامل مع السعودية

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي والشيخ محمد بن عبد الرحمن رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، آخر المستجدات الإقليمية، وتعزيز علاقات البلدين.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
خاص تستخدم «SandboxAQ» الذكاء الاصطناعي مع «أرامكو» لفحص أكثر من مليون محفّز كيميائي واختيار نحو 10 مرشحين للاختبارات المخبرية (أدوبي)

خاص «SandboxAQ» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية أمام فرصة لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى صناعات قابلة للتصدير

تسعى السعودية لتحويل استثمارات الذكاء الاصطناعي إلى صناعات ومِلكية فكرية قابلة للتصدير عبر تطبيقات متقدمة في الطاقة والرقائق والأدوية والملاحة.

نسيم رمضان (لندن)
الخليج الأمير محمد بن سلمان لدى ترؤسه جلسة مجلس الوزراء في الرياض الثلاثاء (واس)

مجلس الوزراء: السعودية موطن الأمن والأمان… ولن تسمح بتهديد أمنها

ثمَّن مجلس الوزراء السعودي الدور الحازم للقوات المسلحة في الدفاع عن الوطن، وحماية مكتسباته ومقدراته، وردع أي اعتداء أو تهديد لسيادته وسلامة شعبه والمقيمين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا محادثات وزير الخارجية المصري مع الرئيس التنفيذي للصندوق السعودي للتنمية (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)

تأكيد مصري على مساندة السعودية... وتحذير من تداعيات التصعيد الحوثي

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي «الاستعداد لتقديم جميع أشكال الدعم والاستجابة لأي طلبات من الجانب السعودي، بما يعكس عمق العلاقات الأخوية»

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

استعاد الأردن، الثلاثاء، قطعة أثرية نادرة قررت أستراليا إعادتها إلى المملكة يعود تاريخها إلى نحو 12 ألف عام قبل الميلاد (أي عمرها 14 ألف عام)، وهي واحدة من ثلاثة أجزاء شكّلت لوحاً معمارياً حجرياً منقوشاً ومصنوعاً من الحجر الطيني.

وتسلّم القطعة الأثرية وزير الخارجية أيمن الصفدي خلال مراسم أُقيمت في المعرض الوطني الأسترالي على هامش زيارة الدولة التي يجريها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لأستراليا، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت وزارة الخارجية الأردنية في بيان: «اكتُشفت القطعة عام 1983 خلال أعمال تنقيب نفّذتها بعثة مشتركة من جامعة سيدني وكلية ووستر، قبل نقلها إلى المعرض الوطني الأسترالي عام 1985، وفق ترتيبات اتفق عليها البلدان» في ذلك الحين.

واوضحت أن «القطعة تكتسب أهمية أثرية وتاريخية استثنائية؛ إذ تشكّل، مع الجزأين الآخرين، ما يُعد أقدم منحوتة كبيرة الحجم معروفة في العالم، بينما يحفظ الأردن الجزأين الآخرين في متحف الأردن في عمّان ومتحف دار السرايا في إربد (89 كلم شمال عمان)».

وأكد الصفدي، خلال مراسم التسليم التي حضرتها من الجانب الأسترالي المبعوثة الخاصة للحكومة الأسترالية لشؤون الفنون سوزان تمبلمان، ومسؤولون في المتحف معنيون بالشؤون الثقافية والفنية، «أهمية التعاون الأردني الأسترالي في مجال التنقيب عن الآثار وحفظها»، معرباً عن شكره للحكومة الأسترالية والمتحف على تعاونهما وإعادة القطعة الأثرية إلى الأردن.

ويحتوي الأردن على أكثر من 100 ألف موقع أثري مكتشف، سجَل منها أكثر من 15 ألف موقع رسمياً، بحسب دائرة الآثار العامة.

كما يضم العديد من المواقع المسجلة على لائحة التراث العالمي لمنظمة «اليونسكو» منها مدينة البتراء الأثرية (مدينة الأنباط الوردية)، وقصر عمرة (قصر صحراوي أموي)، وموقع أم الرصاص الأثري، وصحراء وادي رم التي تشبه تضاريسها سطح القمر، والمغطس (موقع معمودية السيد المسيح بحسب التقليد المسيحي).


مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)

بعد نجاحها في تسجيل 11 عنصراً على قوائم التراث غير المادي بـ«اليونسكو»، أبرزت مصر تسجيل مدن القاهرة والجيزة وأسوان بوصفها مدناً تراثية ذات طابع ثقافي في المنظمة الدولية، حسبما أشارت الدكتورة هالة عبد الجواد، ممثلة اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو»، التي أكدت خلال مؤتمر «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» الذي عُقد، الثلاثاء، بالمجلس الأعلى للثقافة في وزارة الثقافة المصرية «أن التراث يمثل الذاكرة الحية للشعوب، وأن مصر تمتلك تراثاً مادياً وغير مادي ووثائقياً ثرياً»، مشيرة في الوقت نفسه إلى أهمية توثيق الممارسات التراثية وتسجيلها ونقلها إلى الأجيال الجديدة والعالم المحيط.

المؤتمر الذي يحتفي باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته «اليونسكو» ليوافق 17 أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، ويستمر 3 أيام بمشاركة أكثر من 160 باحثاً، بدأت فعالياته بعرض التنورة، واستعراض نماذج من الفنون التراثية، وعُرض فيلم تسجيلي عن التراث الثقافي غير المادي المصري، واستعرض مستهدفات الخطة التنموية المتعلقة بالحرف التراثية، إلى جانب إبراز نماذج من الأعمال الحرفية في مدن مصرية عدة، منها الأقصر والمنوفية والواحات وشلاتين.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة ورئيس اللجنة العلمية المنظمة للمؤتمر، الدكتور أشرف العزازي، أن المؤتمر يقوم على شراكة بين مؤسسات ومنظمات معنية بالتراث، في مقدمتها اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو» وجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا وجمعية «خير بلدنا». وأوضح في بيان للمجلس، أن التراث الثقافي غير المادي هو ذاكرة حية للمجتمع، ويشمل هذا التراث الحكايات والأمثال والأغاني والموسيقى، والفنون الشعبية، والحرف التقليدية والمعارف المرتبطة بالطبيعة والبيئة، وغيرها من أشكال التعبير التي تمنح المجتمعات خصوصيتها الثقافية.

شارع المعز في القاهرة (وزارة السياحة والآثار)

وأشار إلى امتلاك مصر رصيدا تراثياً متنوعاً يمتد من الوادي والدلتا إلى سيناء والنوبة والصعيد والسواحل، بما تحمله هذه البيئات من فنون وموسيقى وحرف وعادات وتقاليد وأشكال متنوعة من التعبير الثقافي. وقال إن هذا التنوع ثروة وطنية تستحق أن نقدمها للعالم بوصفها جزءاً أصيلاً من الشخصية الثقافية المصرية.

وفي هذا السياق، تكتسب الجهود المصرية لتسجيل عناصر التراث الثقافي غير المادي على قوائم منظمة «اليونسكو» أهمية خاصة، سواء قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، أو القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، بما يعزز حضور التراث المصري على الساحة الدولية.

وكانت مصر قد سجلت 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونسكو» للتراث العلمي غير المادي من بينها «السيرة الهلالية» و«الأراجوز» و«التحطيب» و«الخط العربي»، و«النخلة: المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«آلة السمسمية» بالاشتراك مع المملكة العربية السعودية، وكان «الكشري المصري» أحدث العناصر المسجلة.

من جانبها، أكدت الدكتورة نهلة إمام على أهمية الاحتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته منظمة «اليونسكو»، وشددت في كلمتها خلال المؤتمر على أن تسجيل عناصر التراث في قوائم «اليونسكو» ليس الغاية الوحيدة؛ إذ يتطلّب صونه التعاون بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني وحاملي التراث الذين يمثلون الركيزة الأساسية لاستمراره. وأشارت إلى حصول مصر على دعم مادي لصون بعض الحرف التراثية، ومنها الأراجوز، مؤكدة دورها الفاعل في تنفيذ الاتفاقية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي.

ودعت إلى تعزيز التعاون بين خبراء التراث والمؤسسات التعليمية، بما فيها المدارس المنتسبة لـ«اليونسكو» والجامعات، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية في ظل الانفتاح العالمي. وأوضحت أن اللجنة الوطنية تقوم بتنسيق العمل مع منظمات «اليونسكو» و«الإيسيسكو» و«الألكسو»، وتنفيذ المشروعات والفعاليات المشتركة، فضلاً عن دعم جهود توثيق التراث، ورفع التقارير إلى وزارة الخارجية. كما أشارت إلى تسجيل القاهرة وأسوان والجيزة مدناً تراثية لدى «اليونسكو»، مؤكدة أهمية التشبيك بين المؤسسات المعنية والتراث المصري.

ويؤكد الدكتور محمد شبانة، عضو اللجنة العلمية للمؤتمر، أن تسجيل المدن المصرية الثلاثة القاهرة والجيزة وأسوان مدناً ثقافية بمنظمة «اليونسكو» يعود لما تحتويه من صناعات ثقافية وتراثية كبيرة مثل صناعة السينما في الجيزة وصناعات ثقافية أخرى في القاهرة وأسوان.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المؤتمر يسعى لإبراز كثير من عناصر التراث المصري اللامادي الذي يشكل جزءا من وجدان المصريين عبر العصور»، مشيرا إلى أن الأبحاث المقدمة في المؤتمر ستفضي لتوصيات شتى مرتبطة بتسجيل عناصر جديدة في اليونسكو. مبينا أن هناك عنصرا جديدا يتم التوجه لتسجيله بـ«اليونسكو»، وهو آلة العود المصرية صناعتها وسماتها الخاصة «فالعود المصري مدرسة مستقلة في العزف الموسيقي وفي نغماته وصناعته، وهو ما نسعى للتأكيد عليه، وتسجيله ضمن التراث غير المادي»، على حد تعبيره.

جانب من مؤتمر التراث الثقافي غير المادي (وزارة الثقافة)

وفي كلمتها، أوضحت الدكتورة عبير عناني، ممثلة جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، أن التعاون بين الجامعة ووزارة الثقافة امتداد لشراكة بدأت، العام الماضي، ولفتت إلى ابتكار مجموعة من طلابها تطبيقاً لترجمة اللغة الهيروغليفية، حصلوا بسببه على جائزة من وزارة الثقافة، ومن المقرر أن يعرضوا مشروعهم خلال إحدى جلسات اليوم الثاني للمؤتمر بمقر الجامعة.

وترى الدكتورة دينا سليمان المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» والمشاركة في المؤتمر، أن إبراز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان ضمن المدن التراثية الثقافية بـ«اليونسكو» فرصة لإعادة النظر إلى التراث المصري بوصفه منظومة متكاملة، لا تقتصر على الآثار والمباني التاريخية، وإنما تشمل أيضاً العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية التي تناقلها المصريون عبر الأجيال.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تكتسب هذه الخطوة أهميتها من تأكيدها على التنوع الحضاري الذي تمثله المدن الثلاث؛ فالقاهرة تختزن طبقات متراكمة من التاريخ والعمران والحرف التقليدية، بينما ترتبط الجيزة بتراث أثري استثنائي يعكس مكانة مصر القديمة، وتتميز أسوان بخصوصية ثقافية وإنسانية تتجلى في التراث النوبي والفنون الشعبية والممارسات الاجتماعية المتوارثة».

وختمت أن «الحفاظ على التراث غير المادي ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من أي استراتيجية لتطوير هذه المدن، من خلال توثيق الروايات الشفهية، ودعم الحرفيين، ونقل المعارف التقليدية إلى الأجيال الجديدة، وإشراك المجتمعات المحلية في تحديد عناصر تراثها وصونها؛ فالتسجيل الدولي ليس غاية في حد ذاته، وإنما مسؤولية تستلزم وضع خطط مستدامة تضمن استمرار هذا التراث في حياة الناس».


أحمد حلمي يُعَول على «حدوتة» للعودة إلى «المسار الصحيح»

حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)
حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)
TT

أحمد حلمي يُعَول على «حدوتة» للعودة إلى «المسار الصحيح»

حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)
حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)

بعد 4 سنوات من الغياب، يعود الفنان المصري أحمد حلمي إلى السينما مجدداً عبر أحدث أفلامه «حدوتة»، الذي يُعَول عليه لاستعادة مساره الصحيح كنجم شُباك، تصدرت أغلب أفلامه أعلى الإيرادات، وحقق من خلالها نجاحاً جماهيريا لافتاً، غير أن مجموعة من أحدث أفلامه لم تحقق الإيرادات المعتادة أو النجاح المنشود، على غرار «خيال مآتة»، و«واحد تاني» اللذين عُرضا في عاميْ 2019 و2022.

وتحدَّد يوم 11 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لعرض فيلم «حدوتة» الذي تشارك في بطولته أمينة خليل وماجد المصري وخالد الصاوي، إلى جانب رحمة أحمد، وشيرين، ومحمد عبد العظيم، ويظهر به بعض نجوم التمثيل ضيوف شرف. والفيلم من إنتاج أحمد بدوي، بمشاركة صندوق «بيغ تايم» السعودي، وكتبه أحمد عبد الرحمن، وإخراج مازن أشرف.

وتدور أحداث العمل في إطار كوميدي اجتماعي، ويؤدي أحمد حلمي من خلاله شخصية رجل فقَدَ والديه منذ طفولته، وتولت تربيته أسرة بديلة، في حين يتعرض لسلسلة من المفارقات الكوميدية والإنسانية التي تؤثر في مسار حياته وتكشف عن جوانب مختلفة من شخصيته.

ويلتقي حلمي في أول تعاون له مع الفنانة أمينة خليل، كما يُعد هذا التعاون الأول بينه وبين المخرج مازن أشرف، الذي يُعد هذا العمل ثاني أفلامه بعد فيلمه الأول «5 جولات».

كان أحمد حلمي قد انتهى من تصوير فيلم آخر، هذا العام، بعنوان «أضعف خلقه»، الذي تُشاركه بطولته هند صبري، وهو من تأليف وإخراج عمر هلال، في ثاني أفلامه بعد «فوي فوي فوي»، وإنتاج محمد حفظي، ويدور في إطار الكوميديا السوداء، وتقرَّر تأجيل عرضه للصيف المقبل.

ويرى الناقد خالد محمود أن استعادة حلمي تألقه فنياً بعد فترة تراجع قد تفتح الباب ليس فحسب لعودته لما كان عليه، بل سوف تسهم كذلك في استعادة أغلب نجوم جيله مكانتهم.

ملصق الفيلم الذي يعيد أحمد حلمي للمنافسة من جديد (حساب أحمد حلمي على «إنستغرام»)

وأضاف محمود، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «حلمي نجم محبوب، حقق جماهيرية لافتة عبر اختيارات ذكية، لكن أفلامه الماضية لم تحقق النجاح الجماهيري نفسه، ولم تشهد توحده مع الشخصيات التي يقدمها كأفلامه السابقة التي لم يعتمد فيها على موهبته فحسب، ولكن على ذكاء الفكرة وتفردها، مما وضعه في مكانة مختلفة تَجاوب معها الجمهور بشكل كبير.

ولفت محمود إلى أن «آفة نجوم الكوميديا المصريين عدم العمل على تطوير المشروع الذي يقدمونه وتفضيلهم المنطقة الآمنة، خوفاً من تغيير قد يصيب أو يخطئ، لكن من المهم أن يتجاوز حلمي ذلك، ويستعيد مكانته عبر اختيارات تُحسَب له، وقد يكون فيلم (حدوتة) فرصة أخرى وليست أخيرة، مثل بعض نجوم جيله؛ لأن مكانة حلمي كممثل لم يشغلها أحد، وهناك حالة جيدة تربطه بالجمهور، لكن الغياب لـ4 سنوات لم يكن في صالحه ولا صالح السينما ولا الجمهور».

في السياق نفسه، تستقبل صالات السينما، خلال الفترة المقبلة، عدداً من الأفلام الجديدة، مِن بينها فيلم «ولا كان عالبال» من بطولة نور النبوي وياسمينا العبد في أولى بطولاتها السينمائية إلى جانب أشرف عبد الباقي ومروان المسلماني، وإخراج أحمد عماد، والمقرر عرضه 28 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وقد جرى تصوير أغلب مشاهد الفيلم بمدينة الأقصر (جنوب مصر)، حيث البطل مرشد سياحي يقود فوجاً سياحياً ويقع في حب فتاة وسط المعابد التاريخية.

كما يُعرَض في اليوم نفسه فيلم «نصيب»، من بطولة ياسمين صبري ومعتصم النهار، وقد تأجّل عرضه لنهاية الشهر ليبعد نسبياً عن توقيت طرح فيلمها «مطلوب عائلياً» مع كريم عبد العزيز الذي انطلق عرضه في السابع من الشهر الحالي، وتصدَّر إيرادات الأفلام منذ اليوم الأول لعرضه. أما فيلم «نصيب» فتدور أحداثه من خلال فتاة جميلة تجد نفسها أمام أكثر من عريس، وتخوض رحلة بحث عن الشخص المناسب الذي يمكن أن يشاركها حياتها. الفيلم من تأليف أحمد عبد الفتاح، وإخراج أحمد خالد أمين.

ملصق فيلم «ولا كان عالبال» (الشركة المنتجة)

وأشار الناقد خالد محمود إلى أن العروض السينمائية تتواصل بشكل جيد بعد موسم الصيف الذي شهد تنوعاً لافتاً وأفلاماً ذات إنتاجات كبيرة حققت إيرادات مماثلة، على غرار فيلم «DOGS 7».

لكن الناقد أحمد سعد الدين يرى أن اختيار توقيت عرض فيلم «حدوتة» غير موفَّق، حيث يُطرَح يوم افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي. وقال، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، إنه «كان يجب على صُناع الفيلم إدراك أن توجه الجمهور يكون للمهرجان الذي يعرض أفلاماً من مختلف دول العالم، مما يؤثر سلباً على الأفلام المصرية التي تُعرَض في التوقيت نفسه».

ولفت إلى أن «إيرادات الفيلم يتحدد مصيرها من الأسبوع الأول»، مشيراً إلى «أن أحمد حلمي من النجوم الذين يتوقع منهم الجمهور تقديم موضوعات شيقة، مثلما اعتادوا منه، عبر أفلام تحترم عقل المتفرج، لكن فيلميه الأخيرين لم يصادفهما الإقبال الجماهيري نفسه الذي لقيته أفلامه السابقة».

وتصدرت أفلام أحمد حلمي شُباك التذاكر بمصر مرات عدة على غرار «صايع بحر» 2004، و«زكي شان» 2005، و«مطب صناعي» 2006، و«كده رضا» 2007، و«آسف على الإزعاج» 2008، و«ألف مبروك» 2009، و«عسل أسود» 2010، و«إكس لارج» 2011، و«على جثتي» 2013.