من تشارلز إلى جورج... كيف صارت المدرسة الداخلية تقليداً ملكيّاً في بريطانيا

TT

من تشارلز إلى جورج... كيف صارت المدرسة الداخلية تقليداً ملكيّاً في بريطانيا

المدرسة الداخلية تقليدٌ متوارث عبر أجيال العائلة البريطانية المالكة (القصر الملكي البريطاني)
المدرسة الداخلية تقليدٌ متوارث عبر أجيال العائلة البريطانية المالكة (القصر الملكي البريطاني)

يغادر الأمير الصغير جورج البيت العائلي مطلع سبتمبر (أيلول) ليمضي أولى لياليه في مدرسة إيتون الداخلية العريقة. في الـ13 من عمره ينضمّ ابن ويليام وكيت إلى أجيال العائلة البريطانية المالكة التي أتمّت تعليمها المدرسي بعيداً عن المنزل.

يعود تاريخ المدرسة الداخلية في المملكة المتحدة إلى القرن الميلاديّ السادس، إلا أنه لم يصبح تقليداً ملَكياً فعلياً سوى في عام 1962، عندما غادر الأمير تشارلز (الملك الحالي) إلى مدرسة غوردنستاون في اسكوتلندا. هناك، واجهَ تشارلز التنمّر، والعنف، والعزلة.

في زمن حفيده جورج تبدّلت ظروف المدارس الداخلية وقواعدها الصارمة، فمقابل الرسوم السنوية التي تبلغ 84 ألف دولار، ينال الطالب في إيتون، وسائر المدارس الداخلية البريطانية الراقية، تعليماً نموذجياً، ويحظى بمتابعة نفسية وتربويّة تجهّزه للقيادة، والريادة. مع العلم بأنّ إيتون، التي أُنشئت عام 1440 بهدف تعليم الفقراء، خرّجت لاحقاً شخصياتٍ بريطانية مرموقة، و20 رئيس حكومة، من بينهم ديفيد كاميرون، وبوريس جونسون.

تأسست مدرسة إيتون الداخلية عام 1440 وخرّجت 20 رئيس حكومة (رويترز)

الأمير جورج نجم إيتون 2026

خضع الأمير جورج، وهو الثاني في ترتيب تولّي العرش البريطاني، لامتحان الدخول إلى إيتون. وفق مصدرٍ مطّلع على شؤون العائلة المالكة، لم يحظَ وريثُ الأمير ويليام بمعاملة خاصة بسبب مكانته. لكن إذا كانت الإجراءات الإدارية غير خاصة، فإنّ يوم دخول المدرسة لن يكون كذلك، إذ من المرتقب أن تواكبَ الأمير الصغير تغطية إعلامية عن كثب، على غرار ما حصل مع والده عام 1995.

من بين نحو 1350 تلميذاً، سيكون جورج نجم إيتون من دون منازع. هذا على الأقلّ من وجهة نظر الرأي العام البريطاني، والإعلام العالمي. أما من وجهة نظر المديرين، والمدرّسين، فهو يتساوى في الحقوق والواجبات مع سائر أترابه.

في إيتون سوف ينام الأمير الصغير بمفرده في غرفة خاصة، على غرار زملائه الموزعين على 25 مبنى مخصّصاً للمنامة يشرف عليها طاقم مقيم. وتكمن خصوصيته الوحيدة في أنه سوف يحظى بمواكبة فريق أمني محترف، كما حصل مع والده وعمّه الأمير هاري يوم كانا طالبَين هناك.

يومٌ دراسيّ في حياة الأمير جورج

وفق ما سبق أن أعلن والده، فإنّ الأمير جورج مهتمّ بالتاريخ الذي يُعَدّ مادّته الدراسية المفضّلة. أما على ضفّة الأنشطة الرياضية فهو يمارس كرة القدم، كما أنه بدأ بتلقّي دروس في الطيران، والغطس.

التاريخ هو المادة المفضلة لدى الأمير جورج (أ.ب)

في إيتون حيث يتساوى الاهتمام بالتنشئة الرياضية والفنية مع الدراسة الأكاديمية، يبدأ الطالب يومه عند الـ7:30 صباحاً بفطور جماعي. تليه عند الـ8 صلاة في كنيسة المدرسة. ثم ينطلق الطلّاب إلى صفوف ما قبل الظهر الممتدّة ما بين الـ9 والـ1 ظهراً، والتي تتنوّع ما بين 28 مادة، كاللغات القديمة والمعاصرة، والأدب الإنجليزي، والرياضيات، والعلوم، إضافةً إلى التاريخ، والجغرافيا، والاقتصاد، والعلوم السياسية، والكمبيوتر، وغيرها.

بعد استراحة الغداء، تُستأنَف الدراسة، فتُخصّص للموادّ الاختيارية، والأنشطة الرياضية. بعد العشاء، أي ما بين الـ7:30 والـ9 يراجع الطلّاب دروسهم، وينجزون فروضهم قبل الاستعداد للنوم عند الـ10.

الرحلة الدراسية في إيتون تتّسم بالانضباط وتمكين الطالب أكاديمياً واجتماعياً ورياضياً (موقع المدرسة)

جورج على خُطى ويليام وهاري؟

لن يشعر جورج بغربةٍ كبيرة بما أنّ مدرسته الجديدة تبعد ربع ساعة بالسيارة عن بيت العائلة. ويُتيح النظام في إيتون الخروج مرة أو مرتَين أسبوعياً بعد الظهر للزيارة، إضافةً إلى عطلة نهاية الأسبوع.

ويرجّح متابعون أن تكون رحلة الأمير الصغير المدرسيّة أسهَل من رحلة والده وعمّه. فبالتزامن مع دخولهما إلى إيتون، كان يعاني ويليام وهاري من تداعيات انفصال والديهما الأمير تشارلز والأميرة ديانا، ثم تلا ذلك الرحيل المفجع للأخيرة. أما جورج فمحاطٌ بعائلة متماسكة حتى الآن، وقد حرصت والدته كيت ميدلتون على أن تكون مدرسته قريبة من البيت.

اليوم الأول للأمير ويليام في إيتون عام 1995 (رويترز)

رغم الظروف الصعبة بالنسبة لمُراهق، لمعَ ويليام دراسياً وسلوكياً في إيتون. منذ انضمامه إلى المدرسة الداخلية عام 1995 وحتى تخرّجه منها عام 2000، فنال درجاتٍ عالية في التاريخ، والجغرافيا، والعلوم. وسرعان ما تحوّل إلى الطالب النموذجي، بخلاف شقيقه هاري الذي دخل المدرسة ذاتها في 1998. خلال إقامته في إيتون، شعر هاري بأنّ أخاه يتجنّبه وفق ما كتب في سيرته الذاتيّة. أما الصحافة البريطانية، فقد لاحقته إلى مقاعد الدراسة، ونشرت أخباراً عن تعاطيه المخدّرات في تلك الآونة.

الأمير هاري خلال دراسته في إيتون عام 2003 (رويترز)

لماذا يذهب الأمراء إلى المدرسة الداخلية؟

لا ينحصر تقليد المدرسة الداخلية بالنسبة إلى العائلة البريطانية المالكة بالأبناء الذكور بل ينسحب على الإناث. وإذا كان تشارلز هو الذي افتتح الطريق، فإنّ شقيقته آن تلقّت دروسها هي الأخرى في مدرسة بنيندن الداخلية للفتيات، ولحقتها مجموعة من أميرات الجيل الجديد.

لكن لماذا تحرص العائلة البريطانية المالكة على إرسال أبنائها وبناتها إلى المدارس الداخلية؟

في الابتعاد عن أمان القصور وأحضان الأبوَين فوائد كثيرة لناحية تطوير الشخصيّة، وبلوغ درجة معيّنة من الاستقلالية. كما أنّ النظام في المدارس الداخلية يوفّر للأمراء الصغار خصوصيةً بعيداً عن ضجيج القصور، وروتيناً مستقراً عندما يكون آباؤهم مسافرين، أو منشغلين. يبقى السبب الأهم، وهو أنّ المدرسة الداخلية تعلّم الانضباط، والصلابة، وأصول القيادة، وتحضّر أبناء العائلة المالكة لدخول الحياة العامة بثقة.

الأمير تشارلز برفقة والده الأمير فيليب في مدرسة غوردنستاون الداخلية في اسكوتلندا (موقع المدرسة)

المدارس الداخلية للفقراء قبل الأغنياء

للمفارقة، فإنّ المدارس الداخليّة البريطانية نشأت تلبيةً لاحتياجات الفقراء، وقد ظهرت أولى تلك المدارس خلال القرون الوسطى. كانت تستضيف أبناء العائلات الفقيرة، حيث تقدّم لهم التعليم والإقامة مجاناً.

ليس سوى في القرن الثامن عشر حتى بدأ الأرستقراطيون البريطانيون يرسلون أبناءهم إليها مقابل رسوم مالية. أما أول أفراد العائلة المالكة الذين انضمّوا إلى تلك المؤسسة فكان الأمير هنري ابن الملك جورج الخامس، وذلك عام 1910. إلّا أنّ التحوّل الجذري الذي غيّر النظرة إلى المدارس الداخلية حصل عام 1962 عندما حان دور الأمير تشارلز لخوض التجربة.

وفق الوثائق التاريخية، وما صوّره مسلسل «ذا كراون»، فإنّ تشارلز أمضى سنواتٍ سيئة للغاية في مدرسة غوردنستاون الداخلية. رغم اعتراض والدته الملكة إليزابيث، أصر والده الأمير فيليب على إرساله إليها، فهو تلقّى دروسه هناك. إلّا أنّ صورة المدارس الداخلية تحوّلت في زمننا هذا، في الواقع وعلى الشاشة كذلك؛ حيث منها تخرّجَ الساحر المحبوب «هاري بوتر».

فأي وجهٍ سيخطر أكثر في بال الأمير الصغير جورج خلال رحلته في إيتون؟ أهو وجه جدّه الحزين في المدرسة الداخليّة، أم نظّارات هاري بوتر الذي جلبَ الحلم والسعادة لعدد كبير من طلّاب المدارس الداخلية؟


مقالات ذات صلة

اعتقال والد ميغان ماركل في أميركا بسبب صور اعتداء جنسي على أطفال

الولايات المتحدة​ دوقة ساسكس ميغان ماركل (أ.ف.ب)

اعتقال والد ميغان ماركل في أميركا بسبب صور اعتداء جنسي على أطفال

ألقت قوات إنفاذ القانون الأميركية القبض على توماس ماركل، والد زوجة الأمير هاري، ميغان ماركل، في فلوريدا، بسبب حيازته لصور اعتداء جنسي على أطفال.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
أوروبا ملك بريطانيا تشارلز يظهر بالقرب من أعلام أنتيغوا وبربودا خلال زيارة إلى القاعدة البحرية التاريخية نيلسونز دوكيارد (رويترز)

الملك تشارلز يؤكد تصميمه على إصلاح أخطاء الماضي بعد وصمة «العبودية»

أخبر الملك تشارلز ملك بريطانيا قادة الكومنولث اليوم (الثلاثاء) بأن فهمه الأعمق ​لفظائع العبودية يجعله أكثر تصميماً على إصلاح أخطاء الماضي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأمير البريطاني هاري وزوجته ميغان ماركل يظهران في نوتنغهام بعد عودتهما إلى بريطانيا (أ.ب) p-circle

نهاية رحلة البحث... هاري وميغان ينتقلان إلى منزلهما الجديد في بريطانيا

كشفت تقارير صحافية حديثة أن الأمير البريطاني هاري وزوجته ميغان ماركل انتقلا إلى منزل جديد، في منطقة كوتسوولدز البريطانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم ملك بريطانيا تشارلز الثالث والملكة كاميلا التي تحمل مظلة خلال العرض السنوي لذكرى استقلال أنتيغوا وبربودا في ملعب السير فيفيان ريتشاردز بسانت جونز في أنتيغوا وبربودا يوم 1 نوفمبر 2026 (رويترز)

بالصور: أمطار الكاريبي تباغت الملك تشارلز... والمظلة مع كاميلا

فوجئ الملك تشارلز بأمطار غزيرة في أنتيغوا وبربودا، فأبدى إحباطه بينما مضت كاميلا بالمظلة الوحيدة، قبل أن يحصل على أخرى ويمزح بشأن ابتلال بدلته.

«الشرق الأوسط» (سان جورج)
يوميات الشرق ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)

الملك تشارلز يتمسّك بنهجه العائلي رغم تراجع شعبيته

يبدي ملك بريطانيا، تشارلز الثالث، ثقةً تامةً في أسلوب إدارته للملف العائلي، رغم الأوقات المضطربة التي تشهدها العائلة المالكة.

«الشرق الأوسط» (لندن )

بريطانيا تطلق قمراً صناعياً جديداً للمراقبة العسكرية إلى الفضاء

تم إرسال القمر الصناعي «تيتانيا» على متن صاروخ قابل لإعادة الاستخدام تابع لشركة «سبيس إكس» (رويترز)
تم إرسال القمر الصناعي «تيتانيا» على متن صاروخ قابل لإعادة الاستخدام تابع لشركة «سبيس إكس» (رويترز)
TT

بريطانيا تطلق قمراً صناعياً جديداً للمراقبة العسكرية إلى الفضاء

تم إرسال القمر الصناعي «تيتانيا» على متن صاروخ قابل لإعادة الاستخدام تابع لشركة «سبيس إكس» (رويترز)
تم إرسال القمر الصناعي «تيتانيا» على متن صاروخ قابل لإعادة الاستخدام تابع لشركة «سبيس إكس» (رويترز)

أعلنت وزارة الدفاع البريطانية إطلاق قمر صناعي جديد للمراقبة العسكرية إلى الفضاء، يحمل اسم «تيتانيا».

وسيساعد قمر الاستطلاع، الذي وُصف بأنه «عينان جديدتان» في مدار حول الأرض، القوات المسلحة البريطانية على رصد الأنشطة العسكرية على سطح الأرض.

وتم إرسال القمر الصناعي، الذي يبلغ وزنه 100 كيلوغرام ويقارب حجمه حجم الغسالة، إلى الفضاء في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على متن صاروخ قابل لإعادة الاستخدام تابع لشركة «سبيس إكس»، انطلق من ولاية كاليفورنيا. ويأتي إطلاقه بعد إطلاق قمر صناعي مماثل يحمل اسم «تايكي» قبل عامين.

وسيشكل القمران معًا جزءًا من مجموعة من الأقمار الصناعية العسكرية البريطانية، التي تطورها شركات داخل المملكة المتحدة، وتتولى قيادة الفضاء البريطانية تشغيلها.

كما أعلنت وزارة الدفاع أنها تختبر أجهزة استشعار أرضية متطورة جديدة لمراقبة الفضاء من ثلاثة مواقع حول العالم، وذلك في إطار مشروع أطلقت عليه اسم «إناروس».

وزير الدفاع البريطاني ويس ستريتينغ (أ.ف.ب)

ونقلت وكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا) عن وزير الدفاع، ويس ستريتينغ، قوله: «لقد بدأ العصر الفضائي الجديد. الفضاء يشكّل أساسًا لكل شيء، بدءًا من التنبؤات الجوية والمعاملات المالية، وصولًا إلى أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية واتصالات الهواتف المحمولة، كما أنه عنصر بالغ الأهمية لأمننا القومي وعملياتنا العسكرية».

وأضاف أن «وجود القمر تيتانيا الآن في مداره، إلى جانب تعزيز مشروع إناروس لقدراتنا على مراقبة أقمارنا الصناعية، يعني أننا أصبحنا قادرين على رصد التهديدات في وقت مبكر، وجعل المملكة المتحدة أكثر أمنًا».


أمين بن رشيد: «لمن يجرؤ» يبحث عن استعادة الحرية عبر الحب

الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)
الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)
TT

أمين بن رشيد: «لمن يجرؤ» يبحث عن استعادة الحرية عبر الحب

الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)
الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)

قال الممثل السوداني أمين بن رشيد إنه لم يرغب في تقديم شخصية «عثمان» التي يجسدها في فيلم «لمن يجرؤ»، بوصفها رجلاً ينتظر الشفقة، مؤكداً أن هشاشته أمام ظروف المنفى لا تسلبه كرامته أو قدرته على الحب والاختيار.

وأضاف بن رشيد، في حواره مع «الشرق الأوسط» أن ما جذبه إلى «عثمان» هو إصراره على مواصلة الحياة رغم الخوف، ورغبته في أن يحب وأن يشعر بأنه محبوب، لافتاً إلى أن المنفى يفسر جانباً من تجربته، لكنه لا يختصر هويته؛ لأن بحث الشخصية عن الحب يرتبط أيضاً بمحاولتها استعادة حريتها، والإحساس بأنها لا تزال قادرة على الحلم، واتخاذ القرارات.

ويتناول الفيلم اللبناني «لمن يجرؤ» الذي انطلق عرضه في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، وعرض أخيراً في مهرجان «الجونة السينمائي» علاقة تنشأ في بيروت بين «سوزان»، التي تؤديها الممثلة الفلسطينية هيام عباس، وهي أرملة في الستينات من عمرها، و«عثمان» الشاب السوداني الذي يعيش بلا أوراق رسمية، وبين فارق العمر واختلاف الخلفيات، ورفض المحيطين بهما، يحاول الاثنان حماية علاقتهما، بينما يضاعف اضطراب الواقع من حولهما صعوبة البحث عن حياة مشتركة، ويضع مشاعرهما أمام اختبارات تتجاوز ما يملكانه من رغبة في البقاء معاً.

وأوضح بن رشيد أن فهم شخصية «عثمان» اقتضى تخيّل حياة تسبق ظهوره الأول على الشاشة، بما تحمله من خسارات وذكريات وأمور يحتفظ بها لنفسه مشيراً إلى أنه بحث عما تركته هذه التجارب في نظرات الشخصية وحركتها وطريقتها في الاقتراب من الآخرين، حتى يشعر المشاهد بوجود ماضٍ يؤثر فيها، من دون أن يحتاج الفيلم إلى روايته كاملاً أو تفسير كل تصرف يصدر عنها.

ولفت إلى أن وضع «عثمان» القانوني يفرض عليه شعوراً مستمراً بعدم اليقين، يمتد أثره إلى أبسط تفاصيل يومه وقدرته على تصور المستقبل، موضحاً أنه أراد إبقاء هذا القلق حاضراً في الأداء من دون إظهاره في كل لحظة، فيواصل الحب والرغبة واتخاذ القرارات، بينما يظل احتمال فقدان ما يبنيه قائماً، وهو التوتر الذي وجده أساسياً في فهم الشخصية.

وأضاف أمين بن رشيد أن تداخل الحب مع الحاجة إلى الأمان كان من الجوانب التي حرص على تركها مفتوحة داخل الشخصية؛ إذ يمكن للقاء عاطفي أن يصبح ملاذاً لإنسان يعيش عدم الاستقرار، من دون أن ينفي ذلك صدق مشاعره. موضحاً أن «عثمان» يحمل احتياجات تتجاوز علاقته بـ«سوزان».

هيام عباس وأمين بن رشيد في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن فارق العمر لم يكن نقطة الانطلاق في بناء العلاقة مع البطلة، بل تاريخ كل شخصية وما تحمله من جراح ووحدة ورغبات، وما يمكن أن تجده لدى الأخرى. مشيراً إلى أن الوصول إلى ألفة مقنعة تطلّب الإصغاء والحضور والاستعداد للمفاجأة، لقناعته بأن صدق العلاقة أمام الكاميرا ينشأ من تفاعل الممثلين وثقتهما بما يحدث بينهما في أثناء المشهد.

واستعاد بن رشيد توجيهاً من المخرجة دانيال عربيد ظل حاضراً في ذهنه خلال العمل، حين قالت له إنها تريد إظهار الحب، موضحاً أن هذه الرؤية أثرت في تعامله مع مشاهد القرب العاطفي دفعته إلى البحث عن الحنان وحاجة كل شخصية إلى الأخرى، والانتباه إلى النظرات ومساحات الصمت وطريقة وجود «عثمان» بجوار «سوزان»، حتى يصل إحساسهما إلى المشاهد من دون تأكيد مباشر.

وتابع أن العمل إلى جانب هيام عباس عزز لديه أهمية أن يظل الممثل منفتحاً على شريكه، مهما بلغ استعداده للمشهد، مشيراً إلى أن التحضير يمنحه فهماً للشخصية، لكنه يحتاج في أثناء التصوير إلى استقبال ما يحدث أمامه والاستجابة له، وهذه التجربة عمّقت ثقته بأداء يسمح للمشهد بالتطور.

وعن غضب «عثمان» أمام رفض الآخرين للعلاقة التي تربطه بالبطلة، أوضح بن رشيد أنه يرتبط بشعوره بأنهم يحكمون عليه قبل معرفته، فيجد نفسه موزعاً بين الدفاع عن كرامته وحماية علاقته بسوزان، لافتاً إلى أنه حاول التعبير عن هذا التوتر بدرجات مختلفة، فيظهر الغضب أحياناً، ويبقى مكبوتاً أحياناً أخرى، بينما يحاول «عثمان» ألا يمنح نظرات المحيطين به القدرة على تقرير مصير ما يجمعه بالمرأة التي يحبها.

صناع الفيلم خلال حضور عرضه العالمي الأول في برلين (إدارة مهرجان برلين)

وأكد أنه لم يكن مطالَباً بالاتفاق مع جميع قرارات الشخصية كي يؤديها، بل بفهم دوافعها وما يجعلها ممكنة بالنسبة لها، خصوصاً أن تصرفاً يبدو غامضاً من الخارج قد يصبح مفهوماً عند النظر إلى تاريخ صاحبه ومخاوفه ورغباته.

وأعرب بن رشيد عن أمله في أن يرى المشاهد في «عثمان» رجلاً يحب ويرغب ويشك في نفسه، ويحمل كبرياءه وضعفه معاً، بعيداً عن التصنيفات التي تسبق أحياناً معرفة الأفراد، مؤكداً أن ما يهمه في السينما هو قدرتها على تقريبنا من أشخاص نجهل حكاياتهم، وإتاحة التعرف إلى ما يجمعنا بهم، مع الاحتفاظ بخصوصية تجاربهم وما يميز مساراتهم.

وعن طموحاته المقبلة، قال إنه يتطلع إلى شخصيات معقدة تمر بتحولات عميقة، وتتيح له الخروج من الصورة التي قد يتوقعها الآخرون منه، معرباً عن رغبته في خوض أدوار تاريخية ونفسية، وتجارب تتطلب أداءً جسدياً مختلفاً، أو تنتمي إلى عوالم خيالية مع سعيه إلى بناء مسيرة دولية تتسع لشخصيات تتنوع أصولها وحكاياتها.


مصر تراهن على تطوير السياحة النيلية باستثمارات صينية

السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)
السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)
TT

مصر تراهن على تطوير السياحة النيلية باستثمارات صينية

السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)
السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)

تراهن مصر على السياحة النيلية لتعزيز قدرة هذا النمط على جذب مزيد من السائحين والاستثمارات السياحية، بعد الاتفاق مع شركة صينية متخصصة لبناء وتشغيل سفينتين سياحيتين «5 نجوم» للعمل في رحلات نيلية بين الأقصر وأسوان.

جاء ذلك ضمن لقاءات عقدها وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، مع مسؤولي ومديري شركة «Century Cruises of China»، إحدى الشركات الصينية الكبرى العاملة في مجال السياحة النهرية على مستوى العالم، التي تتمتع بحضور قوي في السوقين الصينية والأميركية، خلال المشاركة المصرية في بورصة لندن الدولية للسياحة (WTM London 2026). وبحث الوزير مع مسؤولي الشركة سبل التعاون المشترك في مجال السياحة النيلية، وتعزيز الاستثمارات والتوسع في هذا المنتج السياحي المهم. وفق بيان للوزارة.

واستعرض مسؤولو الشركة الصينية حجم أعمالها في مصر، وخططها التوسعية المستقبلية بالسوق المصرية، مشيرين إلى اعتزامها بناء وتشغيل سفينتين سياحيتين في مصر من فئة الخمس نجوم، للعمل في مجال السياحة النيلية بين مدينتي الأقصر وأسوان، على أن يتم تشغيلهما اعتباراً من عام 2028.

السياحة النيلية تزدهر في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)

وأوضحوا الخطط التسويقية لإطلاق هذه السفن ومناقشة إمكانية التعاون مع الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي لتنفيذ حملات ترويجية مشتركة ومتنوعة للترويج للسفينتين والبرامج التي تنظمها الشركة لمنتجات سياحية أخرى، مثل سياحة الحوافز والمؤتمرات.

وأبدى شريف فتحي ترحيبه بالخطط الاستثمارية التي تعتزم الشركة تنفيذها في مصر، مؤكداً أن التوسع في بناء وتشغيل السفن السياحية ذات المستوى المتميز من شأنه دعم الطاقة الاستيعابية لمنتج السياحة النيلية، وتعزيز تنافسية مصر في مجال السياحة الفاخرة.

وتراهن مصر على تنوع الأنماط السياحية بها، مثل السياحة الثقافية والترفيهية والشاطئية والعلاجية والبيئية وسياحة السفاري والمؤتمرات، وتنضم السياحة النيلية لهذه الأنماط بوصفها نمطاً سياحياً قابلاً للاستثمار فيه وتعزيز مقوماته في مصر، خصوصاً في العاصمة والمدن التي تزدهر فيها السياحة الثقافية وتنتشر بها المواقع الأثرية مثل الأقصر وأسوان.

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «الاستثمار الصيني في السياحة النيلية من شأنه أن يعزز قدرة مصر على المنافسة في الأسواق السياحية، كما أن التوجه لبناء وتشغيل سفينتين بين الأقصر وأسوان باستثمارات صينية لا يؤدي لزيادة الطاقة الفندقية أو الاستيعابية للسياحة النيلية فقط، بل يمتد أثره ليشمل الاستفادة من خبرات كبيرة في السياحة النهرية».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «كما أن هذا التوجه يعطي تجربة سياحية تجمع بين الرفاهية والسياحة والتاريخ، وتجمع بين الإقامة الفندقية والرحلات النيلية وزيارة المواقع السياحية في الأقصر وأسوان، ويجذب شريحة من السائحين مرتفعي الإنفاق».

السياحة النيلية لها أشكال ومظاهر عدة (الشرق الأوسط)

لافتاً إلى ضرورة «دعم هذا التوجه بتحسين ودعم الخدمات والإنشاءات، مع ضرورة مشاركة الشركات في التشغيل والتنظيم».

ويؤكد أن هذا التوجه «فرصة لتحويل السياحة النيلية لتجربة سياحية عالمية على مدار العام، ويربط بين السوقين السياحيتين المصرية والصينية، ويؤدي إلى جذب الاهتمام العالمي بهذه السياحة، ما يعود بالنفع على السياحة النيلية وعلى التنمية السياحية، خصوصاً بمحافظات الصعيد».

وسبق أن أعلنت وزارة السياحة المصرية عن خطط لتنمية وتعزيز السياحة النيلية، ضمن خطتها للترويج للأنماط والمقاصد السياحية المصرية في حملات دعائية، أو عبر المعارض السياحية، وتستهدف مصر نمواً في قطاع السياحة، ليصل عدد السائحين إلى 30 مليون شخص سنوياً بحلول عام 2030.