«الخليج» يواجه أثر تثبيت الفائدة الأميركية بدعم النفط وقوة المالية العامة

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: زخم التنويع يخفف ضغوط تكلفة التمويل

اقتصادات الخليج تمتص أثر الفائدة الأميركية المرتفعة بدعم قوة المالية العامة وارتفاع أسعار النفط (الإنترنت)
اقتصادات الخليج تمتص أثر الفائدة الأميركية المرتفعة بدعم قوة المالية العامة وارتفاع أسعار النفط (الإنترنت)
TT

«الخليج» يواجه أثر تثبيت الفائدة الأميركية بدعم النفط وقوة المالية العامة

اقتصادات الخليج تمتص أثر الفائدة الأميركية المرتفعة بدعم قوة المالية العامة وارتفاع أسعار النفط (الإنترنت)
اقتصادات الخليج تمتص أثر الفائدة الأميركية المرتفعة بدعم قوة المالية العامة وارتفاع أسعار النفط (الإنترنت)

تملك اقتصادات دول الخليج قدرة على امتصاص أثر إبقاء مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، مستفيدة من قوة المراكز المالية الحكومية، وارتفاع أسعار النفط، واستمرار زخم برامج التنويع الاقتصادي والاستثمارات في البنية التحتية.

وبينما يفرض ارتباط معظم العملات الخليجية بالدولار تحرك السياسات النقدية في المنطقة بصورة متقاربة مع واشنطن، فإن قوة الإيرادات النفطية والإنفاق الاستثماري توفران هامشاً يساعد على احتواء ضغوط تكلفة التمويل المرتفعة.

ويرى خبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن تثبيت الفائدة الأميركية ضمن نطاق 3.50 - 3.75 في المائة يمنح اقتصادات الخليج قدراً من الاستقرار والوضوح في تكاليف التمويل، رغم استمرار الضغوط على القطاعات الأكثر حساسية للفائدة، وفي مقدمتها العقارات والإنشاءات وتجارة التجزئة. وفي المقابل، تدعم أسعار النفط المالية العامة، بينما تستفيد البنوك والمودعون من العوائد المرتفعة، بما يعزز قدرة اقتصادات المنطقة على التعامل مع استمرار السياسة النقدية الأميركية المتشددة.

استقرار نقدي

وقال حمزة دويك، رئيس قسم التداول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى «ساكسو بنك»، إن قرار «الفيدرالي» الأميركي بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير عند مستوى 3.50 - 3.75 في المائة يوفر مساحة من الاستقرار لاقتصادات دول الخليج، لا سيما في ظل ربط معظم العملات الخليجية بالدولار الأميركي.

وبناءً على ذلك، يُرجح دويك أن تحافظ البنوك المركزية الخليجية على نهج السياسة النقدية الحالي لضمان التوافق النقدي مع واشنطن.

ورغم أن تكلفة التمويل المرتفعة تواصل الضغط على نمو الائتمان والقطاعات الحساسة لأسعار الفائدة، مثل العقارات والإنفاق الكمالي، يرى دويك أن الاقتصادات الخليجية تظل في موقع قوي نسبياً، مدعومة بمتانة الملاءة المالية الحكومية، والزخم المستمر لبرامج التنويع الاقتصادي، المترافقة مع تواصل الاستثمارات في البنية التحتية.

وعلى صعيد القطاع المصرفي، يتوقع أن تستفيد البنوك في المنطقة من هوامش صافي فائدة مرتفعة نسبياً طالما استمرت الفائدة عند مستوياتها العالية.

تمويل مرتفع التكلفة

من جانبه، قال مادور كاكار، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «إليفيت للخدمات المالية»، إن قرار «الاحتياطي الفيدرالي» ينعكس مباشرة على السياسة النقدية الخليجية عبر آلية ربط العملات بالدولار.

وأشار إلى أن مصرف الإمارات المركزي ثبت سعر الفائدة الأساسي عند 3.65 في المائة، كما سار المصرفان المركزيان في قطر والبحرين على النهج ذاته، بينما استقر سعر اتفاقيات إعادة الشراء «الريبو» في السعودية عند 4.25 في المائة.

ويرى كاكار أن الجوهر الحقيقي للقرار لا يكمن في خطوة التثبيت في حد ذاتها، وإنما في اتجاه المخاطر الكامنة خلفها؛ إذ صوّت ثلاثة أعضاء في لجنة السوق المفتوحة لصالح رفع الفائدة، بما يعكس انقساماً يميل نحو التشدد النقدي داخل «الفيدرالي»، بالتزامن مع تسعير أسواق العقود الآجلة احتمالية أعلى لمزيد من التشدد قبل نهاية العام.

وقال: «بالنسبة إلى دول الخليج، يعني ذلك أن مرحلة ترقب الأموال الزهيدة قد انقضت لعام 2026»، وهو ما يبقي تكلفة التمويل مرتفعة في القطاعات الحساسة للفائدة، مثل العقارات والإنشاءات وتجارة التجزئة.

لكن كاكار يرى جانباً إيجابياً يتمثل في ارتفاع أسعار خام برنت بأكثر من 20 في المائة خلال يوليو (تموز)، ما يجعل الحفاظ على مستويات الفائدة الحالية خياراً مفيداً لكبح التضخم المستورد، بالتزامن مع الإبقاء على جاذبية عوائد الودائع والصكوك الخليجية.

علم أمانة دول مجلس التعاون الخليجي (الشرق الأوسط)

أثر محايد

بدوره، يرى فيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في «سنشري فاينانشال»، أن قرار «الفيدرالي» يحمل أثراً متوازناً، أو محايداً في مجمله، على اقتصادات دول الخليج، مع ميل إيجابي طفيف على المدى القريب.

وقال إن الأسواق كانت تسعر احتمالية خفض الفائدة بنسبة تصل إلى واحد إلى ثلاثة، ما يعني أن قرار التثبيت أزال فعلياً مخاوف الارتفاع الفوري في تكاليف الاقتراض عن كاهل المقترضين في المنطقة، وهو ما يكتسب أهمية بالغة لقطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات المتوسطة الكبرى.

وأضاف أن اليقين بشأن اتجاه تكاليف التمويل يوجه قرارات الإنفاق الرأسمالي ورأس المال العامل وعمليات زيادة رأس المال بدرجة أكبر من الأهمية التي يشكلها المستوى المطلق لأسعار الفائدة نفسه.

ونظراً إلى ربط الريال السعودي والدرهم الإماراتي والدينار البحريني والريال القطري بالدولار الأميركي، تحركت البنوك المركزية الخليجية بالتوازي. وأشار فاليشا إلى أن مصرف الإمارات المركزي أبقى سعر الأساس عند 3.65 في المائة، كما أبقى البنك المركزي السعودي «ساما» معدل اتفاقيات إعادة الشراء عند 4.25 في المائة.

وأوضح أنه نظراً إلى استقرار أسعار الفائدة السائدة بين البنوك، مثل «إيبور» و«سايبور» وغيرها من المؤشرات الاسترشادية، عند مستويات تكيف معها المقترضون بالفعل على مدار خمس عمليات تثبيت متتالية، فإن الأثر الهامشي للقرار يظل محدوداً.

وعلى الصعيد المالي، قال فاليشا إن ارتفاع أسعار النفط المقترن بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وهي التوترات ذاتها التي تدفع «الفيدرالي» إلى توخي الحذر، يواصل دعم الموازنات الخليجية والإيرادات الهيدروكربونية.

وتستفيد البنوك، حسب فاليشا، من اتساع هامش صافي الفائدة، في حين تجني إدارات الخزينة في الشركات والمودعون الأفراد عوائد مجزية على ودائع الدرهم والريال.

لكن السلبيات المحتملة تظهر على مستوى الجهات السيادية والشركات الكبرى، إذ إن تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً مستوى 5.2 في المائة يرفع تكلفة تسعير إصدارات الصكوك والسندات المقومة بالدولار للمصدرين الرئيسيين في المنطقة. ومع بقاء اجتماع سبتمبر (أيلول) مفتوحاً على احتمال رفع الفائدة، يرى فاليشا أن فترة الهدوء الحالية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها وضعاً دائماً.

النفط والدولار

وبالنسبة إلى آفاق الأسواق، يرى دويك أن التطورات الجيوسياسية وظروف المعروض ستظل المحرك الأساسي لخام برنت، بدلاً من التأثر المباشر بقرار «الفيدرالي».

وأشار إلى أن البنك المركزي الأميركي نفسه لفت إلى صدمات إمدادات الطاقة والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بوصفها عوامل تغذي التضخم، ما يؤكد الأهمية الكبيرة لأسعار الخام في رسم آفاق الاقتصاد العالمي. وبالنسبة إلى اقتصادات الخليج، فإن استقرار أسواق النفط وتماسكها يظلان صمام أمان لدعم التوازنات المالية وخطط الإنفاق الحكومي.

ويتفق كاكار على أن العوامل الجيوسياسية ستبقى المحرك الرئيسي لأسواق النفط، مع تأثير التوترات بين الولايات المتحدة وإيران والاضطرابات المحيطة بمضيق هرمز في ملامح المشهد، بينما يقتصر أثر بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول على الحد من المكاسب عبر إضعاف توقعات الطلب.

أما فاليشا، فيرى أن الآفاق قصيرة الأجل للنفط تظل إيجابية وصاعدة بفعل العوامل الجيوسياسية أكثر من السياسة النقدية، مشيراً إلى قفزة أسعار خامي برنت وغرب تكساس الوسيط بأكثر من 7 في المائة عقب التصعيد الأخير في الشرق الأوسط، بما يعكس استمرار تفوق مخاوف اضطراب الإمدادات على القلق بشأن الطلب.

وأضاف أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يبقي التضخم العالمي عند مستويات مرتفعة، وبالتالي يقلل احتمالية خفض الفائدة الأميركية في المدى القريب.

أعلام دول الخليج العربي في إحدى المناسبات (أ.ف.ب)

الذهب والمعادن

وفي سوق العملات، يتوقع الخبراء أن يدعم تثبيت الفائدة قوة الدولار واستقراره مع تراجع رهانات التيسير النقدي، ما يعزز استقرار العملات الخليجية المرتبطة به، فيما يظهر الأثر بصورة أكبر في تكلفة التمويل ومعنويات الأسواق مقارنة بتحركات أسعار الصرف. كما قد تستمر العوائد الأميركية المرتفعة في جذب رؤوس الأموال إلى الأصول المقومة بالدولار.

أما الذهب، فيواجه عوامل متضاربة؛ إذ تضغط الفائدة المرتفعة وقوة الدولار على المعدن الذي لا يدر عائداً، في حين تدعم التوترات الجيوسياسية والمخاوف التضخمية ومشتريات البنوك المركزية الطلب على الملاذات الآمنة.

ويتوقع الخبراء بقاء الذهب حساساً لبيانات التضخم والتطورات في الشرق الأوسط، مع احتمال تعرضه لضغوط إضافية إذا ارتفعت توقعات تشديد السياسة النقدية.

وبالنسبة إلى المعادن الصناعية، سيظل أداء النحاس والألومنيوم مرتبطاً بتوقعات النمو العالمي. وبينما يوفر استمرار النشاط الاقتصادي دعماً للطلب، ترفع الفائدة المرتفعة تكاليف التمويل وتضغط على القطاعات الصناعية الحساسة للدورة الاقتصادية. وفي المقابل، تظل الآفاق المتوسطة الأجل مدعومة بالطلب الهيكلي الناتج عن مشاريع التحول الكهربائي والطاقة المتجددة والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.


مقالات ذات صلة

الخليج يهيئ بنيته التحتية لاستقطاب رؤوس الأموال الطويلة الأجل

خاص أحد مشاريع الطاقة الشمسية في الجوف شمال السعودية (واس)

الخليج يهيئ بنيته التحتية لاستقطاب رؤوس الأموال الطويلة الأجل

تستعرض السعودية والخليج فرصاً استثمارية واعدة في الطاقة المتجددة والبنية الرقمية، مع توجه متزايد نحو تمويل المشاريع بالشراكة مع القطاع الخاص.

عبير حمدي (الرياض)
الخليج مجلس الوزراء الكويتي خلال اجتماعه برئاسة الشيخ أحمد عبد الله الأحمد الصباح (كونا)

قانون جديد للجنسية الكويتية يسقط حقّ المجنّس في ممارسة الحقوق السياسية

أقرت الحكومة الكويتية مشروعاً لتعديل بعض مواد قانون الجنسية، ويقضي بإسقاط حق المتجنس في ممارسة الحقوق السياسية كالانتخاب أو الترشح أو التعيين في أي هيئة نيابية.

ميرزا الخويلدي (الكويت)
المشرق العربي الجيش الإسرائيلي يفجر منزلاً لفلسطيني في قرية تل قرب مدينة نابلس يوم 11 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

السعودية و7 دول تحمل إسرائيل مسؤولية تقويض الجهود لإنهاء النزاع في غزة

أدانت السعودية ومصر والأردن وباكستان وإندونيسيا وتركيا وقطر والإمارات الرفض الإسرائيلي لخريطة الطريق لاستكمال تنفيذ خطة الرئيس الأميركي لإنهاء النزاع في غزة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)

تحليل إخباري السعودية تمضي بتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة

تكثف السعودية عن مبادراتها الإقليمية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار، انطلاقاً من رؤية تربط بين خفض المخاطر الجيوسياسية وتهيئة البيئة اللازمة للنمو والتنمية.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الخليج تداعيات السفينة الجانحة انتقلت نحو مرحلة جديدة مع وصول نفط متسرب إلى البر الرئيسي للسلطنة (العُمانية)

جهود عمانية للحد من آثار التلوث الزيتي في «رأس مدركة»

كثفت اللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة في عُمان جهودها في الحد من آثار التلوث الزيتي في منطقة «رأس مدركة» عبر أعمال الاستجابة والتنظيف والرصد والمتابعة.

«الشرق الأوسط» (مسقط)

«الكريبتو» في البيت الأبيض... ترمب يدعم صناعة تعزز ثروة عائلته

ترمب يلقي كلمةً برفقة رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية بول أتكينز ورئيس لجنة تداول السلع الآجلة مايكل سيليغ ومستشار العملات الرقمية باتريك ويت ومسؤولين من جمعيات تجارية وممثلين عن شركات في قاعة روزفلت (رويترز)
ترمب يلقي كلمةً برفقة رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية بول أتكينز ورئيس لجنة تداول السلع الآجلة مايكل سيليغ ومستشار العملات الرقمية باتريك ويت ومسؤولين من جمعيات تجارية وممثلين عن شركات في قاعة روزفلت (رويترز)
TT

«الكريبتو» في البيت الأبيض... ترمب يدعم صناعة تعزز ثروة عائلته

ترمب يلقي كلمةً برفقة رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية بول أتكينز ورئيس لجنة تداول السلع الآجلة مايكل سيليغ ومستشار العملات الرقمية باتريك ويت ومسؤولين من جمعيات تجارية وممثلين عن شركات في قاعة روزفلت (رويترز)
ترمب يلقي كلمةً برفقة رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية بول أتكينز ورئيس لجنة تداول السلع الآجلة مايكل سيليغ ومستشار العملات الرقمية باتريك ويت ومسؤولين من جمعيات تجارية وممثلين عن شركات في قاعة روزفلت (رويترز)

يعود الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى واجهة المشهد في قطاع العملات المشفرة، داعياً الكونغرس إلى إقرار تشريع واسع يمنح الصناعة إطاراً تنظيمياً أكثر ملاءمة، في وقت تتزايد فيه ارتباطات عائلته التجارية بهذا القطاع وتتصاعد الانتقادات بشأن تضارب المصالح المحتمل بين أعماله الخاصة ومسؤولياته في البيت الأبيض.

واجتمع ترمب، الأربعاء، في البيت الأبيض مع مجموعة من أبرز مسؤولي شركات العملات المشفرة، في فعالية قُدمت رسمياً باعتبارها انطلاقة للجنة استشارية جديدة معنية بالابتكار، تقدم المشورة إلى لجنة تداول العقود الآجلة للسلع، إحدى الجهات التنظيمية الرئيسية للقطاع، وفق صحيفة «نيويورك تايمز».

لكن الاجتماع سلّط الضوء في الوقت نفسه على العلاقة المتشابكة بين الإدارة الأميركية وصناعة العملات المشفرة، التي أصبحت مصدراً كبيراً للثروة لعائلة ترمب. ووفقاً للصحيفة، حققت أعمال العملات المشفرة المرتبطة بالرئيس 1.4 مليار دولار العام الماضي.

ترمب يُبدي ردة فعل خلال مؤتمر صحافي مع مسؤولين تنفيذيين في مجال العملات المشفرة في غرفة روزفلت بالبيت الأبيض (رويترز)

ومن بين الحاضرين سيرغي نازاروف، الشريك المؤسس لشركة «تشين لينك»، التي أبرمت شراكة مع شركة «وورلد ليبرتي فاينانشال» التابعة لعائلة ترمب، إلى جانب مايك بيلشي، الرئيس التنفيذي لشركة «بيت غو»، الشريكة أيضاً مع الشركة العائلية. كما حضر براين أرمسترونغ، مؤسس «كوين بيس»، وأرجون سيتي، الرئيس التنفيذي لـ«كراكن»، وهما منصتان تتيحان تداول عدد من العملات الرقمية التي أطلقتها عائلة ترمب.

«كلاريتي»... المعركة التشريعية المقبلة

وتأتي تحركات ترمب في وقت تسعى فيه صناعة العملات المشفرة إلى دفع الكونغرس لإقرار قانون «كلاريتي» (Clarity Act)، الذي يهدف إلى وضع إطار تنظيمي شامل للعملات الرقمية ويمنح الشركات العاملة في القطاع قواعد أكثر وضوحاً وملاءمة للأعمال.

وكان مجلس النواب قد أقر نسخة من القانون بدعم من الحزبين، لكن التشريع يواجه عقبات في مجلس الشيوخ، حيث يطالب الديمقراطيون بإضافة قيود تمنع المسؤولين الحكوميين، بمَن فيهم الرئيس، من الاستفادة من بيع الأصول الرقمية.

ودعا ترمب خلال الاجتماع إلى إقرار القانون، واصفاً إياه بأنه تشريع قوي من شأنه أن يحافظ على تقدم الولايات المتحدة على الصين في مجال التكنولوجيا.

ترمب يتحدث بجوار الرئيس التنفيذي لشركة بورصة إنتركونتيننتال جيفري سي سبريتشر في غرفة روزفلت بالبيت الأبيض (رويترز)

من التشكيك إلى تبني العملات المشفرة

ويمثل موقف ترمب تحولاً كبيراً مقارنة بموقفه السابق من العملات المشفرة، إذ كان من المشككين في القطاع قبل أن يجعل دعمه له محوراً رئيسياً في حملته الانتخابية عام 2024، ثم يتحول لاحقاً إلى أحد مكونات أعمال عائلته.

وخلال العام الماضي، اتخذت الإدارة الأميركية سلسلة خطوات داعمة للصناعة، من بينها توقيع ترمب قانون «جينيوس» (GENIUS Act) الذي وضع إطاراً تنظيمياً للعملات المستقرة المرتبطة بالدولار.

كما أنهت هيئة الأوراق المالية والبورصات حملة تنظيمية طويلة ضد عدد من شركات العملات المشفرة الكبرى، بينها «كوين بيس» و«كراكن».

رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية بول أتكينز يتحدث بجوار ترمب (رويترز)

ترخيص مصرفي يثير جدلاً جديداً

لكن الجدل الأكبر يتعلق بتزايد التداخل بين قرارات الإدارة ومصالح عائلة ترمب التجارية.

ففي الأسبوع الماضي، منح مكتب مراقب العملة التابع لوزارة الخزانة موافقة أولية لشركة تابعة لـ«وورلد ليبرتي فاينانشال» للحصول على ترخيص مصرفي محدود. وتمتلك عائلة ترمب حصة كبيرة في الشركة.

ومن شأن الترخيص أن يسمح للشركة بإصدار عملتها المستقرة بنفسها بدلاً من الاعتماد على «بيت غو»، ما قد يخفض تكاليفها، وإن كان الترخيص لا يسمح لها باستقبال ودائع الأفراد أو تقديم القروض.

وأثارت الخطوة انتقادات حادة من الديمقراطيين، الذين يرون فيها مثالاً على تداخل المصالح الخاصة مع المسؤوليات الحكومية. في المقابل، تنفي إدارة ترمب وجود أي تضارب، وتقول إن الرئيس يتصرف بما يخدم المصلحة العامة.

الرئيس التنفيذي لشركة «كراكن» أرجون سيثي يتحدث خلال اجتماع بين المديرين التنفيذيين في مجال العملات المشفرة وترمب في غرفة روزفلت بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

فتح أوسع لقطاع الكريبتو

وفي تطور آخر يعكس التحول التنظيمي، اقترحت هيئة الأوراق المالية والبورصات، الثلاثاء، قواعد تسمح للشركات بجمع ما يصل إلى 75 مليون دولار سنوياً من دون التسجيل لدى الهيئة، وهو ما يمنح شركات القطاع مساحة أكبر لزيادة رأس المال خارج الإطار التقليدي للرقابة الفيدرالية.

وهكذا، لا يقتصر التحول الذي تشهده صناعة العملات المشفرة في عهد ترمب على دعم سياسي مباشر، بل يمتد إلى إعادة صياغة البيئة التنظيمية والمالية المحيطة بالقطاع.

لكن في الوقت نفسه، تضع المصالح التجارية المتنامية لعائلة الرئيس هذا التحول أمام اختبار سياسي وأخلاقي صعب: إلى أي مدى يمكن للإدارة أن تعزز صناعة ترتبط بها مصالح مالية مباشرة من دون أن تتحول السياسة التنظيمية إلى مصدر جديد لتضارب المصالح؟


هل تزاحم «الخزانة» الأميركية «الفيدرالي» على النفوذ في سوق السندات؟

مبنى وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)
مبنى وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)
TT

هل تزاحم «الخزانة» الأميركية «الفيدرالي» على النفوذ في سوق السندات؟

مبنى وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)
مبنى وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)

يثير قرار وزارة الخزانة الأميركية مضاعفة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل تساؤلات جديدة حول حدود تدخلها في الأسواق، وما إذا كان تحركها لدعم العوائد قد يعقّد مهمة الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار.

يوم الأربعاء، أعلنت وزارة الخزانة مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء سندات الخزانة التي تستحق خلال 10 إلى 30 عاماً إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، في وقت ارتفعت فيه تكاليف الاقتراض طويلة الأجل إلى مستويات لم تُسجل منذ سنوات. وأسهم الإعلان في دفع عوائد السندات إلى الانخفاض، بعدما بلغت عوائد الآجال الطويلة مستويات مرتفعة أثارت قلق الأسواق.

ويطرح التحرك سؤالاً أوسع بشأن الجهة الأكثر تأثيراً في ظروف الائتمان الأميركية، إذ اعتاد المستثمرون النظر إلى الاحتياطي الفيدرالي بوصفه المؤسسة الرئيسية القادرة على التأثير في تكاليف الاقتراض طويلة الأجل من خلال أدواته النقدية وعمليات شراء الأصول، وفق «رويترز».

وقال محللون إن استمرار «الخزانة» في استخدام عمليات إعادة الشراء لدعم سوق السندات قد ينقل جزءاً من مركز الثقل في السوق من الاحتياطي الفيدرالي إلى وزارة الخزانة، خصوصاً مع تحفظ رئيس «الفيدرالي» كيفين وارش على استخدام شراء الأصول كأداة للسياسة النقدية.

متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)

تدخل «الفيدرالي» ما زال بعيداً

ورغم ذلك، لا يرى المشاركون في السوق حالياً حاجة إلى تدخل مباشر من الاحتياطي الفيدرالي لشراء السندات بهدف تهدئة السوق.

وقال محللون إن عتبة تدخل «الفيدرالي» مرتفعة، إذ لا تزال الأسواق تعمل بصورة طبيعية، كما أن البنك المركزي ما زال قادراً على التحكم في سعر الفائدة قصير الأجل، وهو الأداة الأساسية التي يعتمد عليها لتحقيق أهدافه المتعلقة بالتضخم والتوظيف.

وتكتسب المسألة أهمية خاصة لأن شراء «الفيدرالي» للسندات طويلة الأجل سيكون مختلفاً في دلالته عن تحرك الخزانة. فمثل هذا التدخل يمكن أن يخفض العوائد طويلة الأجل أو يحد من ارتفاعها، لكنه سيُنظر إليه أيضاً باعتباره تيسيراً للسياسة النقدية، وهو ما قد يتعارض مع جهود البنك المركزي لكبح التضخم الذي لا يزال أعلى من هدفه البالغ 2 في المائة.

اختلاف الأهداف

ويتمثل الفارق الأساسي في أن الخزانة تقول إن هدفها من إعادة الشراء هو تحسين السيولة في سوق السندات، وليس تحديد مستوى للعوائد أو تنفيذ سياسة نقدية.

لكن تأثير العملية يتجاوز السيولة، لأن السندات طويلة الأجل تشكل مرجعاً أساسياً لتسعير الرهن العقاري وقروض الشركات وغيرهما من تكاليف الاقتراض. ولذلك فإن انخفاض عوائدها بعد تدخل «الخزانة» يمكن أن يخفف ظروف التمويل في الاقتصاد، حتى من دون تغيير سعر الفائدة الذي يحدده «الفيدرالي».

وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه عوائد السندات ضغوطاً من عدة اتجاهات، تشمل ارتفاع توقعات التضخم، واتساع احتياجات الحكومة إلى الاقتراض، إلى جانب زيادة إصدارات الشركات لتمويل الاستثمارات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

مبنى وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)

وارش أمام معادلة أكثر تعقيداً

ويزيد موقف وارش من حساسية المسألة. فقد أبدى رئيس «الفيدرالي» منذ فترة طويلة تشككاً في الاعتماد على شراء الأصول كأداة للسياسة النقدية، كما جعل تقليص الميزانية العمومية للبنك المركزي، التي تبلغ نحو 6.8 تريليون دولار، أحد أهدافه الرئيسية.

وفي الوقت نفسه، أشار وارش إلى استعداده للعمل مع وزارة الخزانة والتنسيق معها حيثما أمكن، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول كيفية إدارة العلاقة بين المؤسستين إذا استمرت ضغوط العوائد طويلة الأجل.

ولا يعني تحرك الخزانة حتى الآن أن السياسة النقدية انتقلت إلى وزارة الخزانة، أو أن «الفيدرالي» فقد قدرته على التحكم في أسعار الفائدة. لكن استمرار عمليات الشراء وتوسعها قد يفرض واقعاً جديداً على الأسواق، تصبح فيه قرارات «الخزانة» عاملاً أكثر أهمية في تحديد تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وهنا تكمن أهمية الخطوة: فالسؤال لم يعد فقط ما إذا كانت «الخزانة» تستطيع تهدئة سوق السندات، بل ما إذا كان تدخلها المتزايد سيغيّر تدريجياً العلاقة التقليدية بين السياسة المالية والسياسة النقدية في الولايات المتحدة.


دعم «الخزانة» الأميركية للسندات ينعش الأسهم الآسيوية ويضعف الدولار

شاشة تظهر بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا في سيول بكوريا الجنوبية (إ.ب.أ)
شاشة تظهر بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا في سيول بكوريا الجنوبية (إ.ب.أ)
TT

دعم «الخزانة» الأميركية للسندات ينعش الأسهم الآسيوية ويضعف الدولار

شاشة تظهر بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا في سيول بكوريا الجنوبية (إ.ب.أ)
شاشة تظهر بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا في سيول بكوريا الجنوبية (إ.ب.أ)

انتعشت معظم الأسهم والعملات الآسيوية الخميس، مع تحسن شهية المخاطرة بعد تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية والدولار، في أعقاب تدخل وزارة الخزانة لتهدئة الاضطرابات في سوق السندات، بعدما أثارت القفزة الأخيرة في العوائد مخاوف بشأن تكاليف التمويل العالمية.

وارتفع مؤشر «إم إس سي آي» للأسهم الآسيوية الناشئة 2.1 في المائة، متجهاً إلى تسجيل أفضل أداء له في جلسة واحدة منذ الخامس من أغسطس (آب)، بينما صعد مؤشر «إم إس سي آي» لعملات الأسواق الناشئة بما يصل إلى 0.4 في المائة، مسجلاً مستوى قياسياً قبل أن يقلص بعض مكاسبه.

وجاء تحسن المعنويات بعد إعلان وزارة الخزانة الأميركية، الأربعاء، مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء الديون طويلة الأجل، في خطوة ساعدت على تهدئة المستثمرين بعد ارتفاع عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوى له منذ عام 2007 في وقت سابق من الأسبوع.

وتدعم عوائد الخزانة المنخفضة عادة أصول الأسواق الناشئة، لأنها تخفف ضغوط التمويل وتقلل جاذبية الاستثمارات المقومة بالدولار، بينما يمنح تراجع العملة الأميركية دعماً إضافياً للعملات الآسيوية.

كوريا تقود الارتداد

وقادت الأسهم الكورية الجنوبية مكاسب المنطقة، إذ قفز مؤشر «كوسبي» نحو 6 في المائة، بدعم من صعود سهمي «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس» بين 10 و14 في المائة.

وارتفع المؤشر الإندونيسي 1.2 في المائة، بينما صعدت أسهم تايلاند 0.7 في المائة والفلبين 0.6 في المائة وماليزيا 0.2 في المائة.

وفي المقابل، تراجع المؤشر التايواني 0.2 في المائة، بينما انخفضت الأسهم السنغافورية 0.4 في المائة تحت ضغط أسهم البنوك الكبرى، ومنها «أو سي بي سي» و«دي بي إس».

وعلى صعيد العملات، ارتفع الرينغيت الماليزي بما يصل إلى 0.4 في المائة إلى 4.038 مقابل الدولار، وهو أقوى مستوى له منذ منتصف يونيو (حزيران)، بينما صعدت الروبية الإندونيسية إلى أعلى مستوى لها في أكثر من أسبوع.

ارتداد مؤقت؟

ورغم قوة المكاسب، حذر وي لي، رئيس استثمارات الأصول المتعددة لدى «بي إن بي باريبا سيكيوريتيز» في الصين، من أن الارتداد قد يكون مجرد موجة صعود مدفوعة بالارتياح، وليس بداية لتعافٍ مستدام.

وقال إن إشارة «الخزانة» توفر أرضية مهمة لعوائد السندات، لكن الضغوط الهيكلية الأساسية لا تزال قائمة، بما في ذلك زيادة إصدارات الديون عالمياً، وارتفاع إصدارات الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وأسعار النفط المرتفعة التي تبقي مخاطر التضخم قائمة.

وأضاف أن عدم اليقين بشأن مسار السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى جانب اجتماع جاكسون هول المرتقب الأسبوع المقبل، قد يعيدان تقلبات الأسواق؛ خصوصاً إذا لم تستمر عوائد الخزانة في الانخفاض أو يظل الدولار ضعيفاً.

وبذلك، تبدو مكاسب الأسواق الآسيوية مرتبطة في الوقت الراهن بهدوء سوق السندات الأميركية أكثر من كونها تحولاً مستقلاً في اتجاه الأصول الناشئة، ما يجعل استمرار الارتفاع مرهوناً بمسار العوائد والدولار وتوقعات «الفيدرالي» خلال الأيام المقبلة.