عبد العزيز الغيامة
صحافي سعودي منذ 1998 وحاصل على وسام الإعلام الرياضي العربي من الاتحاد العربي للصحافة الرياضية عام 2022 ورئيس لقسم الرياضة في صحيفة «الشرق الأوسط»
TT

إذا كان لكل كرة قدم بيت... فأين بيتنا؟

استمع إلى المقالة

في خضمِّ الإحباط الذي صاحب خروج الولايات المتحدة من كأس العالم، لم يكن أول ما أعلن عنه الاتحاد الأميركي لكرة القدم تغيير المدرب، أو البحث عن أسماء جديدة للمنتخب الأول، بل الحديث عن إصلاح المنظومة نفسها. المسؤولون هناك عادوا إلى الأسئلة الصعبة: كيف نصنع اللاعب؟ ولماذا أصبحت كرة القدم لعبة لا يستطيع كثير من الأطفال الوصول إليها؟ وكيف نبني بيئة تجعل المنتخب نتيجة طبيعية لعمل طويل، وليس مشروعاً يبدأ قبل البطولة بأشهر؟

ولم يكن أكثر ما لفت انتباهي في التجربة الأميركية حجم الاستثمار، بل مكانه. الاتحاد الأميركي افتتح هذا العام أول مركز تدريب وطني دائم في تاريخه، يضم مقره الإداري، و17 ملعباً، وصالات رياضية، ومراكز تغذية، ويستوعب جميع المنتخبات الوطنية، من البراعم حتى المنتخب الأول. لأول مرة أصبح لكرة القدم الأميركية عنوان واحد، وبيت واحد، وهوية واحدة.

قد يبدو الأمر للبعض منشأة رياضية جديدة، لكنه في الحقيقة أكبر من ذلك بكثير.

كل كرة قدم تحتاج إلى بيت. مكان تظهر فيه شخصيتها، وتُصنع فيه ثقافتها، وتُرسم فيه فلسفتها، وتُبنى فيه برامجها. عندما تدخل إلى مدينة كليرفونتين الفرنسية، أو سانت جورج بارك في إنجلترا، أو مقر الاتحاد الإسباني، فأنت لا ترى ملاعب فقط، بل ترى كيف تفكر تلك الدول في كرة القدم، وكيف تريد أن يبدو لاعبها بعد عشر سنوات، لا بعد المباراة المقبلة.

في تقديري الشخصي، من الصعب أن نتحدث عن بناء هوية كروية متكاملة، بينما لا يملك الاتحاد السعودي لكرة القدم، الذي يقود المنتخب السعودي، أحد أسياد الكرة الآسيوية، مقراً وطنياً يعكس مكانته وطموحه. قضى الاتحاد معظم تاريخه داخل مبنى اللجنة الأولمبية، ثم انتقل إلى مبنى مستأجر بعد أن لم تعد المساحات تستوعب الاتحادات الرياضية الجديدة.

القضية هنا ليست في المبنى بحد ذاته، بل في غياب مركز وطني يجسد شخصية الكرة السعودية، ويجمع تحت سقف واحد مكاتب الاتحاد، ومنشآت المنتخبات بمختلف فئاتها، والإدارات الفنية، والطب الرياضي، والتحليل، والتعليم، والتطوير، ليكون المكان الذي تتشكل فيه الهوية، وتُرسم فيه الفلسفة، وتُدار منه المشاريع التي يفترض أن تبني كرة القدم السعودية لعشرين وثلاثين عاماً مقبلة، لا أن تكتفي بإدارة عملها اليومي.

كتبت أمس أن ألمانيا، صاحبة أربعة ألقاب عالمية، ترى أن طريق العودة يبدأ من القاعدة، لا من المنتخب الأول. واليوم تقول الولايات المتحدة الشيء نفسه، رغم أنها تستضيف كأس العالم، ورغم إمكاناتها الاقتصادية الهائلة. الرسالة تكاد تكون واحدة في كل التجارب الناجحة: الإصلاح الحقيقي يبدأ من الأسفل، لا من الأعلى.

كرة القدم لا تُبنى من المنتخب الأول إلى الأكاديمية، بل من الأكاديمية إلى المنتخب الأول. ولا تُصنع هوية لاعب في معسكر قصير، بل في بيئة يعيشها سنوات، ويتشرب فيها طريقة اللعب، والانضباط، والثقافة، والفكر الفني.

لدينا اليوم استثمارات كبيرة، ونبني ملاعب حديثة، وأندية تتشكل، وهذا يمنح الكرة السعودية فرصة تاريخية. لكن هذه الفرصة تحتاج إلى مشروع يبقى لعشرات السنين، لا يرتبط بجيل معين، ولا برئيس اتحاد، ولا بمدرب منتخب.

في النهاية، سيبقى السؤال قائماً: عندما يريد طفل سعودي أن يرى مستقبل كرة القدم في بلده، أو عندما يزور مدرب أجنبي الاتحاد السعودي، أو عندما يجتمع مدربو جميع المنتخبات تحت سقف واحد... أين المكان الذي يعكس شخصية الكرة السعودية؟

لأن لكل كرة قدم عظيمة بيتاً تعرف به... والهوية دائماً تبدأ من عنوان.