أعاد الإسباني فرناندو كارو، الرئيس التنفيذي لنادي باير ليفركوزن، النقاش إلى مكانه الصحيح بعد خروج ألمانيا من كأس العالم، حين قال إن كرة القدم الألمانية تواجه «إخفاقات هيكلية وثقافية»، داعياً إلى استثمارات أكبر في تطوير المواهب، ودمج أفضل بين المدرسة والرياضة، وتحديث البنية التحتية، والتخلص من البيروقراطية التي تعيق العمل.
هذا الحديث صدر من مسؤول يعمل في واحدة من أكبر المدارس الكروية في العالم، ومن دولة رفعت كأس العالم أربع مرات، وبلغت نهائيات البطولات الكبرى مرات لا تُحصى، ومع ذلك ترى أن مستقبلها يحتاج إلى مراجعة، وأن جودة اللاعبين القادرين على الوصول إلى أعلى المستويات لم تعد كما كانت، وأن الطريق إلى استعادة المكانة يبدأ من القاعدة، لا من المنتخب الأول.
في رأيي، هذه التصريحات تستحق أن نتوقف عندها كثيراً في السعودية، لأن كرة القدم لدينا تعيش مشروعاً كبيراً، لكنه بحاجة إلى أن ينتقل من مرحلة التجريب إلى مرحلة البناء المستدام، حيث تصبح الاستراتيجية أقوى من ردود الفعل، وتصبح الهوية الفنية أوضح من نتائج مباراة أو بطولة.
كرة القدم السعودية لا ينقصها الطموح، ولا الدعم، ولا الإمكانات، لكنها بحاجة إلى فلسفة كروية تُعرف بها، كما نعرف المدرسة الإسبانية، والانضباط الألماني، والتنظيم الياباني، والتكوين الفرنسي، والتطور المغربي، والهوية الهولندية التي حافظت على ملامحها عبر عقود طويلة رغم تغير الأجيال والمدربين.
هذا النوع من الهوية لا يصنعه منتخب أول، ولا مدرب كبير، ولا جيل موهوب، وإنما تصنعه منظومة كاملة تعمل وفق نسق واحد، يبدأ من الطفل، ويمر بالمدرسة، ثم الأكاديمية، فالنادي، وصولاً إلى المنتخب الوطني.
إذا كانت ألمانيا تطالب بمزيد من الاستثمار في صناعة اللاعبين، فنحن أولى بذلك. نحن بحاجة إلى أكاديميات أكثر جودة، وإلى مدارس وجامعات تجعل الرياضة جزءاً من مشروعها التعليمي، وإلى مدربين مؤهلين، ومناهج تدريب موحدة، وبرامج لا تقيس نجاحها بعدد البطولات فقط، وإنما بعدد اللاعبين الذين يصلون إلى أعلى المستويات عاماً بعد آخر.
كما أن بناء كرة القدم لا يمكن أن يبقى مسؤولية الاتحاد والأندية وحدهما، لأن التجارب العالمية تؤكد أن المجتمع بأكمله شريك في هذه المهمة.
المدرسة، والأسرة، والجامعة، والقطاع الخاص، والجهات الحكومية، جميعها تصنع اللاعب قبل أن يصل إلى الملعب.
في تقديري الشخصي، أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه هو أن نختزل مستقبل كرة القدم السعودية في نتائج المنتخب الأول. المستقبل يبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة، من طفل في مدرسة، ومدرب في أكاديمية، وحصة رياضية، وجامعة، ومنهج علمي، وفلسفة فنية، ومجتمع يؤمن بأن الرياضة صناعة وليست نشاطاً. عندها فقط، ستكون الهزائم جزءاً من طبيعة كرة القدم، لا دليلاً على وجود أزمة، وستصبح الانتصارات امتداداً لعمل تراكمي، لا لحظة استثنائية ننتظر تكرارها.
