توفيق السيف
كاتب سعودي حاصل على الدكتوراه في علم السياسة. مهتم بالتنمية السياسية، والفلسفة السياسية، وتجديد الفكر الديني، وحقوق الإنسان. ألف العديد من الكتب منها: «نظرية السلطة في الفقه الشيعي»، و«حدود الديمقراطية الدينية»، و«سجالات الدين والتغيير في المجتمع السعودي»، و«عصر التحولات».
TT

نحتاج إلى تعليم يعدّ الشاب لحياة معقدة

استمع إلى المقالة

دعنا نؤكد مرة بعد مرة أن المجتمعات العربية، تحتاج قطعاً إلى توفير ما يكفي من الوظائف للشباب الذين أنهوا تعليمهم. لكن ينبغي التأكيد أيضاً أن توليد وظائف حقيقية، مشروط بالتوسع المنتظم لحجم الدورة المالية وقاعدة الإنتاج، وليس مجرد توفر أموال إضافية، أو مبانٍ نملأها بكل من يحتاج إلى وظيفة.

بعبارة أخرى، فثمة طريقتان لتوفير الوظائف: الأولى خلق مسميات وظيفية حقيقية أو وهمية، يسجل طلاب العمل أسماءهم فيها، ويتسلمون رواتبهم منها. وهذا ممكن دائماً طالما توفر المال. أما الطريقة الأخرى، فهي التنمية الشاملة والمستدامة، أي زيادة حجم الاقتصاد، لا سيما قطاع الإنتاج الذي يضيف قيماً اقتصادية، لم تكن موجودة في الأصل. الفارق بين اقتصاد إنتاجي واقتصاد خدمي، هو كالفرق بين مصنع يصنع أشياء ودكان يبيعها. فالمصنع يضيف قوة جديدة للدورة الاقتصادية، بينما الدكان ينقل تلك القوة بين مكان وآخر، من دون إضافة ملموسة.

إن ازدهار اليابان والصين وكوريا الجنوبية على سبيل المثال، يرجع في المقام الأول إلى صناعتها الضخمة، التي جعلت الأموال تتدفق عليها من مختلف بلدان العالم، فتضيف قوة جديدة إلى دورتها الاقتصادية، وتولد وظائف جديدة لطالبي العمل.

هناك في المقابل تجربة الهند في السبعينات، حين سعت الحكومة لخلق وظائف، بعضها وهمي، لمجرد تخفيف حدة البطالة. وقد أدت الزيادة المفرطة في الموظفين إلى تعقيد المعاملات الحكومية وشيوع الرشوة والفساد. وقد استمر هذا الوضع حتى مطلع القرن الحالي، حين أوقفت الحكومة تلك السياسة البائسة، واتخذت سبيل التنمية المستدامة والشاملة، ليس لحل مشكلة التوظيف، بل لتغيير وجهة الاقتصاد في البلد ككل. ونعرف اليوم نتائج هذا التحول، حيث بات الناتج القومي الإجمالي للهند هو الأسرع نمواً بين دول العالم الآن. ومعه تحسنت ظروف المعيشة ومستويات الدخل وعرض الوظائف ومكانة البلد على المستوى الدولي. وتقول أرقام رسمية إن مدينة بنغالور التي تمثل مركز الهند التقني، تحتضن 14000 شركة صغيرة startup تبلغ قيمتها 164 مليار دولار. ويقول رئيس وزراء ولاية كارناتاكا، التي تقع فيها بنغالور إن هذه المدينة باتت قبلة للشركات الدولية الراغبة في إنجاز وظائف عالية القيمة، وفيها حالياً 875 مركزاً لتقديم الخدمات التي تتطلب مهندسين ذوي خبرات عالية. ويتوقع أن ترتفع قيمة هذا القطاع إلى 110 مليارات دولار خلال السنوات الأربع المقبلة.

- حسناً، ما الذي يمكننا فعله؟

خلال العقدين الأخيرين، بذلت الحكومات العربية جهوداً جبارة لتطوير نظم التعليم فيها. لكن هذا التطوير لم يلامس العلة القاتلة في النظام، أي كون هدفه الأول إعداد موظفين لسوق العمل. تخرّج الجامعات العربية عشرات الآلاف من الشباب سنوياً. لكن نسبة كبيرة منهم يبقون عاطلين من العمل؛ لأن الاقتصادات المحلية عاجزة عن توليد وظائف جديدة بقدر متناسب.

الحل إذن ليس في تحسين جودة المناهج والمباني، مع أنها ضرورية على أي حال. الحل هو إعادة توجيه النظام التعليمي ككل، ليخدم هدفاً واحداً، هو إعداد الطالب ليقيم عمله الخاص، وليس العمل موظفاً عند غيره. ويجب التركيز على الأعمال الإنتاجية، من الزراعة إلى الصناعات البسيطة، إلى تطوير الحلول الرقمية للأعمال، وصولاً إلى التقنيات المتقدمة.

كثير من الناس يظنون هذا الاقتراح تخيلياً. لا لسبب سوى اعتيادهم على تعليم بسيط، يوفر وظائف بسيطة. فماذا لو فكرنا في تعليم أكثر تقدماً وتعقيداً، كي يهيئ أبناءنا لحياة أكثر تعقيداً وتقدماً، حياة محورها إنتاج الأشياء وليس استعمالها أو استهلاكها؟

التعليم الذي نحتاج إليه هو التعليم الذي يركز على تأهيل الشاب للتطلع إلى الآفاق البعيدة والمغامرة، والحساب الدقيق للعواقب، ونقد الواقع، والتمرد على المألوف، وإدارة الحياة والأعمال. هذا خير من إنفاق الوقت في علوم مفيدة، لكنها لا تعينهم على مواجهة تعقيدات الحياة الجديدة وتحدياتها.