تحت شعار «أنجزنا ومكملين»... «التحول الوطني» يرسخ ريادته أكبر محركات «رؤية 2030»

باكتمال 71 % من مبادراته التنفيذية... وجاذبية استقطبت 31.7 مليار دولار

مركز الملك عبد الله المالي (كافد) (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي (كافد) (الشرق الأوسط)
TT

تحت شعار «أنجزنا ومكملين»... «التحول الوطني» يرسخ ريادته أكبر محركات «رؤية 2030»

مركز الملك عبد الله المالي (كافد) (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي (كافد) (الشرق الأوسط)

عندما انطلقت شرارة «برنامج التحول الوطني» في عام 2016 بوصفه أول وأكبر البرامج التنفيذية المخصصة لهيكلة وتطبيق مستهدفات «رؤية 2030»، وضعت السعودية أمامها خريطة طريق واضحة لبناء الممكنات التأسيسية الكبرى. ويتأصل هذا البرنامج الاستراتيجي بريادته المطلقة؛ إذ يستأثر بمفرده بمسؤولية تحقيق 34 هدفاً استراتيجياً من أصل 96 هدفاً إجمالياً تشتمل عليها الرؤية، وهي هندسة بنيوية تمنح البرنامج وزناً نوعياً يعادل 35 في المائة من المستهدفات الاستراتيجية الكلية للبلاد، مما يجعله المحرك الأوسع نطاقاً، والأكثر شمولاً في مسيرة التنمية الوطنية الحديثة.

واليوم يترجم التقرير السنوي الصادر عن البرنامج لعام 2025 تحت شعار «أنجزنا ومكملين» النضج التنفيذي والمالي البالغ لهذه الانطلاقة؛ كاشفاً عن اكتمال 71 في المائة من إجمالي مبادراته التنفيذية، بالتوازي مع قفزة نوعية في جاذبية بيئة الأعمال السعودية نجحت في استقطاب 119.2 مليار ريال (31.79 مليار دولار) استثمارات أجنبية مباشرة أسهمت في توليد 35.2 ألف وظيفة نوعية، ليتصدر البرنامج مسيرة الانتقال الجذري من مرحلة التأسيس إلى مرحلة قطف ثمار الأثر التنموي المستدام الذي يعزز الاقتصاد، ويمس جودة حياة الإنسان على أرض المملكة.

وتقوم آلية العمل التنفيذي للبرنامج على قيادة محفظة مشاريع مرنة وضخمة تضم أكثر من 313 مبادرة نوعية تشرف على هندستها وتطبيقها سبع وزارات رئيسة، هي: وزارة الاقتصاد والتخطيط، ووزارة البيئة والمياه والزراعة، ووزارة العدل، ووزارة التجارة، ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، ووزارة الاستثمار، وبمشاركة فاعلة من أكثر من 50 جهة حكومية، ومنفذة. ولضمان كفاءة الأداء المالي، والتشغيلي، والقدرة العالية على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية العالمية، يتم قياس ورصد مدى التقدم المحرز في هذه المبادرات بشكل دوري وصارم عبر 78 مؤشراً استراتيجياً معتمداً لقياس الأداء.

أناس يسيرون في مدينة البوليفارد بالرياض (رويترز)

طفرة رقمية ووفورات بمليارات الريالات

وفي المحاور المرتبطة بالحوكمة، والتكنولوجيا، ثبّت البرنامج مفهوم ثقافة الأداء، والتميز في العمل الحكومي عبر تسريع مخرجات التحول الرقمي الشامل، وتكامل البيانات.

وأظهر التقرير أن وفورات المبادرات الحكومية الرقمية تجاوزت عتبة الـ9.2 مليار ريال، مما يعكس كفاءة الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي في المنظومة الذكية.

وتوّجت هذه الجهود بتحقيق المملكة تقدماً عالمياً بارزاً بحلولها ضمن أفضل ست دول على مستوى العالم في مؤشر الأمم المتحدة لتطوير الحكومة الإلكترونية، مدفوعةً بمبادرات وزارات العدل، والتجارة، والاتصالات التي أسهمت في إصدار السجلات الفورية، وتطوير الأنظمة العدلية الرقمية لتجفيف البيروقراطية، وتسهيل قطاع الأعمال.

تمكين القطاع الخاص والتحول الاقتصادي

أما على الصعيد الاقتصادي، فقد ركز التقرير على تعزيز دور القطاع الخاص في دعم الاقتصاد الوطني، حيث ارتفع عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى 1.7 مليون منشأة، بالتوازي مع قفزة نوعية في إجمالي تكوين رأس المال للقطاع الخاص غير النفطي ليغطي حاجز الـ1089 مليار ريال. كما تصدرت المملكة دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في إجمالي قيمة الاستثمار الجريء، وهو مؤشر يعكس تنامي ثقة الصناديق العالمية في منظومة الابتكار السعودية.

وللعام الثاني على التوالي، وثق التقرير قصص نجاح منشآت وطنية ملهمة؛ حيث استعرض الأثر التنموي لـ«الشركة الوطنية للخدمات الزراعية» في رفع كفاءة المزارعين، وقصة نجاح شركة «نادك» باعتبار أنها شريك استراتيجي أسهم في تعزيز الاكتفاء الذاتي، وبناء منظومة الأمن الغذائي المستدام، لتقليل الاعتماد على الواردات.

منظر عام لحديقة الملك سلمان أحد المشاريع الضخمة في الرياض (رويترز)

تمكين المجتمع وجاذبية سوق العمل

وعلى صعيد التنمية المجتمعية وسوق العمل، حققت المبادرات التنموية أثراً ملموساً في تعزيز دخل الأسر الناشئة؛ إذ سجلت الأسر المنتجة المدعومة من بنك التنمية الاجتماعية مبيعات قياسية تجاوزت 22.5 مليار ريال. وقادت الجهود المشتركة مع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية تمكين الكوادر الوطنية عبر منصات العمل المرن، والتطوع، ونظام حماية الأجور، مما أسهم في الارتقاء بالقطاع غير الربحي على أنه رافد اقتصادي واجتماعي مستدام.

الاستدامة البيئية

وتتوزع مستهدفات البرنامج ونسب إنجازها لتغطي أربعة محاور تنموية رئيسة؛ يتصدرها محور الاستدامة البيئية، والأمن المائي، والغذائي. إذ أظهر التقرير السنوي نجاحاً قياسياً للبرنامج في ملف استدامة الموارد الحيوية، وحماية البيئة؛ حيث تمكنت المملكة من إصلاح أكثر من مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي المتدهورة، وهي مساحة تعادل مساحة مدينة الرياض مكررة 6 مرات، فضلاً عن زراعة أكثر من 151 مليون شجرة على أراضي المملكة حتى نهاية عام 2025 ضمن مستهدفات مبادرة «السعودية الخضراء».

وعلى صعيد صون الطبيعة، ارتفع عدد المحميات السعودية المدرجة في القائمة الخضراء للاتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN) إلى 5 محميات، تشمل: محمية الوعول، ومحمية عروق بني معارض، ومحمية الملك سلمان بن عبد العزيز الملكية، ومحمية عاذر، ومحمية الملك عبد العزيز الملكية. كما أن محمية جزر فرسان أول محمية سعودية تنضم إلى اتفاقية «رامسار» الدولية للأراضي الرطبة.

وشهد عام 2025 إطلاق «رحلة العقد البرية»، وهي المهمة البحثية الوطنية الأكبر من نوعها لاستكشاف الموائل الطبيعية، وبناء قاعدة بيانات وطنية للتنوع الأحيائي. ونتيجة لتوسيع نطاق الحماية، بلغت نسبة المناطق المحمية البرية المسجلة 18.1 في المائة، ونسبة المحميات البحرية 16.3 في المائة من إجمالي مساحة المملكة، مع إعلان محميتين بحريتين جديدتين هما: محمية رأس حاطبة، ومحمية قوب الزرقاء.

وفي ملف الأرصاد، أسهمت جهود المركز الوطني للأرصاد وبرنامج استمطار السحب في خفض الحالات والعواصف الغبارية والرملية بنسبة 53 في المائة خلال عام 2025، وبالتوازي مع رفع دقة التوقع والإنذار المبكر للأخطار الجوية قبل 3 أيام من حدوثها إلى 85.64 في المائة مقارنة بـ60 في المائة فقط عام 2017.

الأمن المائي والغذائي

وكرس التقرير ريادة المملكة في أنها أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم؛ إذ قفزت الطاقة الإنتاجية اليومية للمياه المحلاة إلى 16 مليون متر مكعب يومياً في عام 2025، مقارنة بنحو 4.6 مليون متر مكعب في عام 2016، واختارت الأمم المتحدة المملكة باعتبار أنها نموذج عالمي يحتذى في تسريع تحقيق الهدف السادس للتنمية المستدامة الخاصة بالمياه.

ونجحت المملكة في إضافة 9 أرقام قياسية جديدة في موسوعة «غينيس» لعام 2025 في قطاع المياه، شملت بناء أكبر منظومة تحلية بتقنية التناضح العكسي على أصغر مساحة أرض في مشروع «منظومة الخبر-المرحلة الثانية» بطاقة 670.8 ألف متر مكعب يومياً، وتسجيل أقل استهلاك طاقة في العالم بواقع 1.7 كيلو واط/ساعة للمتر المكعب بمشروع «منظومة إنتاج الشعيبة-المرحلة الخامسة»، فضلاً عن إطلاق أكبر واحة للابتكار المائي في العالم برابغ على مساحة تتجاوز 33 ألف متر مربع.

وعلى صعيد البنية التحتية، نفذت خطوط وشبكات مياه ممتدة بطول تجاوز 3.7 مليون متر طولي لخدمة أكثر من 27 مليون مستفيد، وارتفعت سعة محطات المعالجة إلى 21.6 ألف متر مكعب يومياً لخدمة 21.6 مليون مستفيد عبر شبكات صرف صحي بطول 1.4 مليون متر طولي. وتكللت هذه الجهود في موسم حج عام 1446هـ بضخ ونقل 1.2 مليون متر مكعب يومياً للمشاعر المقدسة بمطابقة جودة بلغت 100 في المائة.

وفي قطاع الزراعة، تم تفعيل منصة «لتدوم» الرقمية للحد من الهدر الغذائي، وارتفعت الطاقة التخزينية للصوامع بنسبة 40 في المائة لتصبح الأعلى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبلغت قيمة صادرات التمور السعودية 1.7 مليار ريال لتصل إلى 133 دولة، محتلة المرتبة الأولى عالمياً.

أرقام صامتة تحولت إلى إنجازات

وأكد الرئيس التنفيذي لبرنامج التحول الوطني، المهندس فواز بن علاء الرابح، في كلمته الافتتاحية للتقرير، أن مسيرة التحول تجاوزت مرحلة التأسيس وبناء الممكنات الهيكلية لتستقر في مرحلة النضج، وحصاد الأثر المستدام، مشيراً إلى أن البرنامج نجح في تحويل الأرقام الصامتة إلى قصص نجاح واقعية تلمس حياة المواطن، والمقيم، والزائر.

وجاء في نص كلمته الموجهة لقطاعات الأعمال والمنظومة الحكومية: «إن رحلة التحول الوطني هي رحلة طويلة، ومستمرة، وتتطلب وضوحاً راسخاً في الهدف، ودقة متناهية في التنفيذ، ومرونة عالية وعميقة للقيمة التنافسية، وقدرة مستمرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية العالمية المتسارعة».

وأضاف الرابح: «إذ نطوي اليوم بكل فخر فصلاً حافلاً بالإنجازات الاستثنائية، والنجاحات النوعية لعام 2025، فإننا ننظر إلى المستقبل بثقة أكبر، وعزيمة أصلب، مستندين إلى أساس بنيوي متين أثمرته الرؤية، ومستفيدين من الخبرات الوطنية المتراكمة، والأنظمة التشريعية المحدثة، والقدرات البشرية المؤهلة، لنواصل معاً تعظيم الأثر التنموي، وترسيخ المنجز الاقتصادي، وتحقيق المستهدفات الطموحة لرؤية السعودية 2030 في مرحلتها القادمة».


مقالات ذات صلة

شريان لوجستي بين السعودية وتركيا يربط الخليج بأوروبا

الاقتصاد مصافحة بين الجاسر وأورال أوغلو عقب توقيع مذكرتَي التفاهم (إكس)

شريان لوجستي بين السعودية وتركيا يربط الخليج بأوروبا

وقّعت السعودية وتركيا مذكرتَي تفاهم كُبريين للتعاون في قطاعَي السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، لترسما ملامح تحول جذري في مسار حركة التجارة الدولية...

«الشرق الأوسط» (الرياض) سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد مستثمر يتابع شاشة التداول في السوق السعودية (أ.ف.ب)

مؤشر السوق السعودية يغلق بارتفاع 1.3 %

أنهى مؤشر السوق السعودية الرئيسية (تاسي) جلسة الثلاثاء مرتفعاً بنسبة 1.3 في المائة، ليغلق عند مستوى 11115 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها 7.6 مليار ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مصافحة بين الجاسر وأورال أوغلو عقب توقيع مذكرتي التفاهم (إكس)

السعودية وتركيا توقِّعان مذكرتَي تفاهم لتعزيز التعاون في قطاع السكك الحديدية

وقّعت السعودية وتركيا مذكرتَي تفاهم كبيرتين للتعاون المشترك في قطاعي السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، في خطوة تاريخية وُصفت بأنها بداية التحول الجذري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رصيف ميناء الملك عبد العزيز (موانئ)

«إكسترا» تدشن مركزاً لوجستياً بـ8 ملايين دولار في ميناء الدمام

افتتح وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للموانئ، المهندس صالح الجاسر، المركز اللوجستي الجديد لشركة «إكسترا» في ميناء الدمام.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
الاقتصاد نائب أمير منطقة تبوك يدشّن مشروع «واجهة الشمال» للمعارض والمؤتمرات (واس)

السعودية تعزّز قطاع المعارض والمؤتمرات بمشروع «واجهة الشمال» بـ14.7 مليون دولار

دشّن نائب أمير منطقة تبوك شمال غربي السعودية، الأمير خالد بن سعود بن عبد العزيز، مشروع «واجهة الشمال» للمعارض والمؤتمرات باستثمارات تجاوزت 55 مليون ريال.

«الشرق الأوسط» (تبوك)

حكم قضائي أميركي يبطل رسوم تأشيرات العمالة الماهرة

متظاهرون خارج مركز الهجرة الفيدرالي في نيوآرك بنيوجيرسي الاثنين (أ.ف.ب)
متظاهرون خارج مركز الهجرة الفيدرالي في نيوآرك بنيوجيرسي الاثنين (أ.ف.ب)
TT

حكم قضائي أميركي يبطل رسوم تأشيرات العمالة الماهرة

متظاهرون خارج مركز الهجرة الفيدرالي في نيوآرك بنيوجيرسي الاثنين (أ.ف.ب)
متظاهرون خارج مركز الهجرة الفيدرالي في نيوآرك بنيوجيرسي الاثنين (أ.ف.ب)

أبطل قاضٍ فيدرالي أميركي قراراً لإدارة الرئيس دونالد ترمب، كان يفرض رسوماً قدرها 100 ألف دولار على الشركات الراغبة في تقديم طلبات لتأشيرات العمالة الماهرة من فئة «إتش1بي (H-1B)»، عادّاً أن هذه الرسوم تمثل ضريبة غير مصرح بها، وليست مجرد رسم تنظيمي يمكن للسلطة التنفيذية فرضه من دون موافقة الكونغرس.

وقضى القاضي ليو سوركين، من المحكمة الفيدرالية في ماساتشوستس، بإلغاء السياسة «بأكملها»، في حكم يشكل انتكاسة جديدة لمحاولات الإدارة الأميركية تشديد القيود على الهجرة القانونية، حتى في القطاعات التي تعتمد على كفاءات أجنبية لسد نقص واضح في العمالة المختصة. وجاء القرار بعد دعوى رفعتها 20 ولاية قالت إن الرسوم أضرت بقدرتها على توظيف عمال مهرة في مؤسسات عامة، بينها الجامعات والمستشفيات ومراكز البحث.

متظاهر يقف في وجه عناصر «إدارة الهجرة والجمارك الأميركية - آيس» خارج قاعة تُستخدم مركز احتجاز بمدينة نيوآرك بنيوجيرسي (أرشيفية - أ.ف.ب)

لكن أهمية الحكم لا تتوقف عند البعد القانوني... فالقرار يعيد فتح النقاش بشأن العلاقة بين سياسة الهجرة والتنافسية الاقتصادية، خصوصاً في لحظة أصبحت فيها التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والبحث العلمي، ركائز أساسية لقوة الدول وقدرتها على النمو.

تكلفة الابتكار

برنامج «إتش1بي (H-1B)» ليس تفصيلاً إدارياً صغيراً في منظومة الهجرة الأميركية. فهو أحد المسارات الأساسية التي تتيح للشركات استقطاب مهندسين، ومبرمجين، وباحثين، وأطباء، وخبراء في مجالات تتطلب معرفة مختصة. وعلى الرغم من أن البرنامج كان دائماً موضع جدل، بسبب اتهامات باستغلاله أحياناً لخفض الأجور أو للاستبدال بعمال أميركيين، فإن رفع تكلفة الطلب الواحد إلى 100 ألف دولار كان سيحوّله عملياً إلى حاجز مالي ضخم.

وكان من شأن هذه الرسوم أن تضرب الشركات الصغيرة والناشئة بصورة خاصة؛ لأنها لا تملك الموارد المالية نفسها التي تملكها الشركات التكنولوجية العملاقة. فإذا استطاعت شركة كبرى تحمل تكلفة إضافية كهذه في حالات محدودة، فإن شركة ناشئة تعمل في الذكاء الاصطناعي أو الأمن السيبراني أو البرمجيات المتقدمة قد تجد نفسها عاجزة عن استقدام خبير تحتاج إليه لتطوير منتج أو إطلاق مشروع جديد.

ناشطتان ترفعان لافتة تطالب بالعدالة لطالبي الهجرة في فلوريدا (أرشيفية - إ.ب.أ)

من هنا، اكتسب الحكم أهمية خاصة لدى قطاع التكنولوجيا. فهذه الشركات لا تتنافس فقط على الأسواق ورأس المال، بل على العقول. وفي الاقتصاد العالمي الجديد، تصبح الكفاءات المختصة مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الطاقة أو البنية التحتية أو التمويل.

حدود السلطة

من الناحية القانونية، ركز الحكم على مسألة جوهرية: مَن يملك حق فرض أعباء مالية بهذا الحجم؟ القاضي عدّ أن الرسوم أقرب إلى ضريبة أو عقوبة مالية، وأن فرضها يتطلب تفويضاً واضحاً من الكونغرس. وهذا يعني أن السلطة التنفيذية لا تستطيع، تحت عنوان تنظيم الدخول إلى الولايات المتحدة، أن تفرض تكلفة ضخمة تغيّر عملياً طبيعة برنامج كامل.

كما أشار الحكم إلى أن السياسة صيغت على عجل ومن دون مسار رسمي للتعليق العام، رغم أن آثارها كانت ستطول قطاعات واسعة، بينها التكنولوجيا والتمويل والطب والتعليم العالي. وهذا البعد الإجرائي مهم؛ لأنه، وفق محللين، يكشف عن أن القضية لم تكن مجرد خلاف بشأن الهجرة، بل بشأن طريقة صنع القرار العام حين تكون له تداعيات اقتصادية واسعة.

متظاهران خارج مركز الهجرة الفيدرالي في نيوآرك بنيوجيرسي الاثنين (أ.ف.ب)

في المقابل، لا يلغي الحكم حجج الإدارة ومؤيديها. فهناك انتقادات جدية لبرنامج «إتش1بي (H-1B)» خصوصاً حين يستخدمه بعض الشركات للضغط على الأجور أو تقليل فرص العمال المحليين. لكن السؤال يبقى: هل يكون الإصلاح عبر رسم شامل وباهظ، أم عبر رقابة أدق على الأجور، ومنع الاستبدال غير العادل، وتعزيز تدريب العمال الأميركيين؟

سباق الكفاءات

المخاوف من تأثير القيود على شركات التكنولوجيا أسهمت في إبراز خطورة القرار الملغى... فهذه الشركات باتت الرافعة الجديدة لاقتصادات العالم وتنافسيتها؛ لأنها تقود قطاعات الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والحوسبة السحابية، والأمن الرقمي، والتطبيقات الطبية المتقدمة. وأي سياسة تحدّ من قدرتها على جذب المواهب قد تنعكس على الابتكار والإنتاجية ومكانة الولايات المتحدة في السباق العالمي.

لذلك؛ يمكن قراءة الحكم بوصفه محاولة لإعادة التوازن... فهو لا يقدّم برنامج «إتش1بي (H-1B)» على أنه برنامج مثالي دون ثغرات، لكنه يرفض معالجة مشكلاته بسياسة قد تخنق الابتكار وتضر بالمؤسسات التي تحتاج فعلاً إلى مهارات نادرة. والرسالة الأوسع أن «حماية العمال المحليين» و«التنافسية التكنولوجية» يجب ألا تكونا هدفَين متعارضين. المطلوب إصلاح منظم وعادل؛ لا حواجز مالية قد تدفع بالكفاءات والشركات إلى البحث عن فرص في أماكن أخرى.


مكاسب التكنولوجيا تدفع «وول ستريت» للصعود وسط تهدئة جيوسياسية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

مكاسب التكنولوجيا تدفع «وول ستريت» للصعود وسط تهدئة جيوسياسية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

ارتفعت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت» يوم الثلاثاء، مدعومة بمكاسب أسهم التكنولوجيا لليوم الثاني على التوالي بعد تراجع حاد في الجلسة السابقة، إلى جانب تحسن شهية المخاطرة مع انحسار التوترات في الشرق الأوسط.

وصعدت أسهم شركات تصنيع الرقائق «إنتل» و«برودكوم» و«مايكرون تكنولوجي» بنسب تراوحت بين 1.5 في المائة و3.2 في المائة، وفق «رويترز».

وقفز سهم شركة «أبلايد ديجيتال» بنحو 11 في المائة بعد توقيع عقد إيجار بقيمة 5.2 مليار دولار لمركز بيانات للذكاء الاصطناعي مع شركة أميركية كبرى في قطاع الحوسبة السحابية.

وارتفع مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات بنسبة 2.3 في المائة، فيما صعد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» لقطاع التكنولوجيا بنسبة 0.7 في المائة.

وكانت أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي قد تعرضت لضغوط في الأسبوع الماضي، بعد أن أثارت توقعات شركة «برودكوم» المخيبة للآمال مخاوف بشأن ارتفاع تقييمات القطاع، خصوصاً في شركات الرقائق التي شهدت موجة صعود قوية خلال العام.

وقال كين ماهوني، الرئيس التنفيذي لشركة «ماهوني» لإدارة الأصول: «أعتقد أن سبب تماسك السوق هو أن المحللين لم ينتهوا بعد من رفع توقعاتهم». وأضاف أن التوقعات القوية للأرباح، ولا سيما في قطاع التكنولوجيا، ما زالت تدعم الاتجاه الصعودي رغم المخاوف من التضخم وأسعار الفائدة وعدم اليقين الجيوسياسي.

وشهدت ثمانية من أصل 11 قطاعاً رئيسياً في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» ارتفاعاً، وكان قطاع السلع الاستهلاكية الكمالية الأكثر مكاسب بارتفاع 1.6 في المائة.

وارتفعت أسهم «ألفابت» و«ميتا» بنحو 2 في المائة لكل منهما، ما دعم مؤشر خدمات الاتصالات الذي صعد 1.4 في المائة.

وعلى الصعيد الجيوسياسي، أعلنت إيران وإسرائيل وقف الهجمات المتبادلة بعد دعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في حين بقيت هدنة هشة قائمة وسط استمرار غياب اتفاق سلام دائم وإغلاق مضيق هرمز.

وتراجعت أسعار النفط بأكثر من 2 في المائة، متخلية عن معظم مكاسب الجلسة السابقة، مع استمرار الحذر في الأسواق.

وفي الساعة 9:42 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي 383.86 نقطة أو 0.76 في المائة إلى 51169.87 نقطة، وصعد «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 54.33 نقطة أو 0.73 في المائة إلى 7460.06 نقطة، وزاد «ناسداك» المركب 196.75 نقطة أو 0.76 في المائة إلى 26126.41 نقطة.

كما ارتفع مؤشر «راسل 2000» للشركات الصغيرة بنسبة 1.8 في المائة.

ويأتي هذا الزخم في ظل تفاؤل متزايد بقطاع الذكاء الاصطناعي وترقب الاكتتابات العامة المرتقبة، بما في ذلك «سبايس إكس» و«أوبن إيه آي»، رغم المخاوف من احتمال مبالغة التقييمات في قطاع التكنولوجيا سريع النمو.

كما يترقب المستثمرون بيانات التضخم لشهر مايو (أيار)، المقرر صدورها يوم الأربعاء، للحصول على إشارات أوضح بشأن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن الحرب في إيران على مسار الأسعار والسياسة النقدية.

وزاد تقرير وظائف أقوى من المتوقع يوم الجمعة من المخاوف بشأن احتمال لجوء مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» إلى مزيد من التشديد النقدي خلال الفترة المقبلة، مع تسعير الأسواق لاحتمال بنسبة 43 في المائة لرفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر، وفق أداة «فيدووتش» التابعة.

ومن بين الأسهم البارزة، قفز سهم «نوفالنت» بنحو 40 في المائة بعد موافقة شركة «غلاكسو سميث كلاين» على شرائها مقابل 10.6 مليار دولار، في واحدة من أكبر صفقاتها خلال السنوات الأخيرة.

وتفوقت الأسهم الرابحة على الخاسرة بنسبة 3.16 إلى 1 في بورصة نيويورك، و2.99 إلى 1 في «ناسداك».

وسجل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» ستة عشر مستوى قياسياً جديداً خلال 52 أسبوعاً، مقابل أربعة مستويات منخفضة جديدة، فيما سجل «ناسداك» المركب 94 مستوى قياسياً جديداً و48 مستوى منخفضاً جديداً.


شريان لوجستي بين السعودية وتركيا يربط الخليج بأوروبا

مصافحة بين الجاسر وأورال أوغلو عقب توقيع مذكرتَي التفاهم (إكس)
مصافحة بين الجاسر وأورال أوغلو عقب توقيع مذكرتَي التفاهم (إكس)
TT

شريان لوجستي بين السعودية وتركيا يربط الخليج بأوروبا

مصافحة بين الجاسر وأورال أوغلو عقب توقيع مذكرتَي التفاهم (إكس)
مصافحة بين الجاسر وأورال أوغلو عقب توقيع مذكرتَي التفاهم (إكس)

خطت خطط التكامل اللوجستي الإقليمي خطوة استراتيجية بالغة الأثر؛ حيث وقّع وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي، المهندس صالح بن ناصر الجاسر، مع وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، مذكرتَي تفاهم كُبريين للتعاون في قطاعَي السكك الحديدية والخدمات اللوجستية.

وتأتي هاتان المذكرتان وغيرهما من اتفاقيات لترسم ملامح تحول جذري في مسار حركة التجارة الدولية، عبر إنشاء ممر نقل بري سلس يربط منطقة الخليج العربي بالقارة الأوروبية مباشرة.

وأعلن الوزير أورال أوغلو، في تدوينة رسمية عبر حسابه على منصة «إكس»، أن إبرام مذكرتَي التفاهم عقب اجتماعه بالجاسر يطلق مرحلة جديدة من شأنها تعزيز تبادل الخبرات والتعاون الفني في نطاق واسع يمتد من المراكز اللوجستية إلى التطبيقات الحديثة. وأكد رغبة البلدين في ترسيخ التعاون المشترك في قطاع السكك الحديدية على أسس أشد قوة وأطول استدامة، لا سيما في مجالات التكنولوجيا، والبنية التحتية، والتدريب، وتنمية الموارد البشرية، معرباً عن أمله في أن تسهم هذه الخطوات في تعزيز الترابط الإقليمي ودعم التجارة والتنمية بالمنطقة.

وكان الجاسر كشف في وقت سابق عن أن الدراسات المشتركة لمشروع الربط الحديدي الإقليمي بين المملكة وتركيا عبر الأردن وسوريا، من المتوقع اكتمالها قبل نهاية العام الحالي، مستندة إلى واقع لوجستي قائم؛ إذ تصل الشبكة الحديدية الوطنية السعودية بالفعل حالياً إلى الحدود الأردنية عبر منفذ «الحديثة» الحدودي؛ مما يضع لبنة أساسية لربط الموانئ والممرات الخليجية بمنظومة نقل قارية موحدة تؤمن تدفق البضائع برياً بين الدول والأسواق العالمية.

مصافحة بين الجاسر وأورال أوغلو عقب توقيع مذكرتَي التفاهم (إكس)

خريطة الربط

ويستند هذا التحرك اللوجستي البارز إلى مسارات عملية بدأت تتبلور ملامحها إثر إقرار اتفاق ثلاثي سابق جمع بين وزارات النقل في تركيا وسوريا والأردن، واضعاً خريطة طريق فنية تمتد لما بين 4 و5 سنوات لإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة.

وينطلق هذا الشريان من الشبكات التركية المرتبطة بجنوب أوروبا، ليعبر الأراضي السورية ممتداً بطول 350 كيلومتراً عبر المحاور الرئيسية في حلَب ودمشق، وصولاً إلى عَمّان وميناء العقبة، قبل أن يتصل بشبكة السعودية الممتدة نحو بقية دول الخليج وسلطنة عمان المطلة على المحيط الهندي.

وتسير هذه المخططات على مسارَين؛ أولهما تشغيل عاجل للمنافذ الحديدية بين أنقرة ودمشق لتنشيط التجارة البينية، وثانيهما ربط استراتيجي طويل الأجل يعتمد على قطارات الشحن السريع لنقل الحاويات مباشرة من الموانئ الخليجية إلى قلب أوروبا. ومن شأن هذا المسار أن يوفر طريقاً مستدامة تختصر زمن الشحن التجاري من 15 يوماً إلى 6 أيام فقط، وأن يخفض التكاليف بما بين 20 و30 في المائة، فضلاً عن أنه يمنح سلاسل الإمداد ممراً برياً آمناً يتجاوز المضائق المائية القلقة مثل مضيقَيْ هرمز وباب المندب.

انفتاح دمشق وأنقرة

وتتكامل هذه المخططات الاستراتيجية مع تحركات موازية ومكثفة على خط أنقرة - دمشق؛ لتأمين الممرات الشمالية للمشروع وتجهيز بنيتها التحتية والمصرفية، تمهيداً لانطلاق «قطار الربط القاري».

ففي توازٍ متسق مع خط الربط السككي الكبير، شهدت الجبهة الاقتصادية بين أنقرة ودمشق نقلة نوعية؛ حيث أعلن وزير التجارة التركي، عمر بولاط، خلال «قمة الأناضول لاقتصادات المدن»، المنعقدة في مدينة غازي عنتاب الحدودية، عن إتمام الاستعدادات لافتتاح معبر «إصلاحية» للسكك الحديدية مع سوريا، والتأهب لفتح معبر «نصيبين»، إلى جانب بدء دراسة التشريعات لافتتاح فروع لبنوك ومؤسسات أعمال تركية في المدن السورية، كاشفاً عن خطةٍ طموحٍ لرفع حجم التبادل التجاري من 3 مليارات دولار حالياً إلى 5 مليارات في المدى القريب، وصولاً إلى 10 مليارات دولار بحلول عام 2030. وجدد بولاط تأكيد بلاده على أن أولوية أنقرة القصوى هي الحفاظ على وحدة الدولة السورية وسيادتها الوطنية، مشيراً إلى أن تركيا قدمت كل الإسهامات الدبلوماسية والاقتصادية الممكنة لدعم استقرار جارتها.

وزير التجارة التركي عمر بولاط متحدثاً خلال جلسة ضمن «قمة اقتصادات المدن» في غازي عنتاب (حسابه على إكس)

من جانبه، طرح وزير الاقتصاد والصناعة السوري، محمد نضال الشعار، الرؤية الاقتصادية لما وصفها بـ«سوريا الجديدة»، موجهاً رسالة واضحة ومباشرة إلى المستثمرين ورجال الأعمال الأتراك بضرورة تغيير «الخلفية الفكرية» عند دخول الأسواق السورية؛ داعياً إياهم إلى الانتقال من عقلية «الصفقات العابرة والأرباح السريعة» إلى مربع «الشراكات الاستراتيجية طويلة الأجل بهدف البناء وليس الربح المجرد».

وزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار متحدثاً خلال جلسة ضمن «قمة الأناضول لاقتصادات المدن» في غازي عنتاب (إعلام تركي)

وأوضح الشعار أن سوريا «تمتلك اليوم فرصة صناعية هائلة غير موجودة في كثير من دول العالم بصفتها بلداً ناشئاً يزخر بالخبرات والطاقات الشابة»، مؤكداً أن كثيراً من الشركات التركية قد بدأت العمل الفعلي على الأرض، لا سيما في محافظة حلب العريقة صناعياً، في وقت تسعى فيه شركات أخرى لاستكمال تراخيصها. وشدد الشعار على أن رفع معدلات النمو الاقتصادي في دمشق - بصفتها الشريك الطبيعي لأنقرة - سينعكس بشكل طردي ومباشر على مستويات النمو في كلا البلدين.

وفي البُعد الدبلوماسي الحاكم لهذه الشراكة الناشئة، حدد السفير التركي في دمشق، نوح يلماظ، ملامح المرحلة الجديدة بأنها تقوم بالكامل على مبدأ «رابح - رابح»، عادّاً أن الاستقرار السياسي الدائم في سوريا لن يتحقق إلا عبر بوابة إعادة الازدهار والإنعاش الاقتصادي. ووصف يلماظ التكامل الجغرافي بين الطرفين بأن تركيا تمثل «البوابة الرئيسية والآمنة للمنتجات السورية نحو الأسواق العالمية وأوروبا... في المقابل؛ تُعد الأراضي السورية الممر اللوجستي الاستراتيجي والحيوي لتركيا نحو أسواق الشرق الأوسط وعمق الخليج العربي»؛ مما يفسر الاهتمام البالغ بإنشاء مناطق إنتاج وتجارة منظمة ومشتركة بين غازي عنتاب وحلب لبناء قواسم اقتصادية مشتركة، أيدها والي غازي عنتاب، كمال تشابار، بالتشديد على الترابط التاريخي بين ازدهار حلب وانعكاسه المباشر على الولايات التركية الحدودية في إطار ما وصفه بـ«قانون الأخوة».