عودة المنصات البحرية للتشغيل تُنعش سلاسل إمداد الطاقة في السعودية

خبير لوجستي لـ«الشرق الأوسط»: تُحرّك منظومة متكاملة تفتح آفاقاً جديدة لتوطين الخدمات والصناعات المساندة

منصة بحرية تابعة لـ«شيلف دريلينغ» إحدى الشركات التابعة لـ«أديس القابضة» السعودية (الشركة)
منصة بحرية تابعة لـ«شيلف دريلينغ» إحدى الشركات التابعة لـ«أديس القابضة» السعودية (الشركة)
TT

عودة المنصات البحرية للتشغيل تُنعش سلاسل إمداد الطاقة في السعودية

منصة بحرية تابعة لـ«شيلف دريلينغ» إحدى الشركات التابعة لـ«أديس القابضة» السعودية (الشركة)
منصة بحرية تابعة لـ«شيلف دريلينغ» إحدى الشركات التابعة لـ«أديس القابضة» السعودية (الشركة)

تستعيد السعودية تدريجياً طاقتها التشغيلية في قطاع الحفر البحري، بعد إعلان شركتي «أديس القابضة» و«الحفر العربية»، خلال يومين متتاليين، استئناف تشغيل منصاتهما البحرية التي كانت معلَّقة مؤقتاً، في تطور يعيد جزءاً مهماً من الأسطول البحري إلى العمل، ويعزز وضوح مستويات النشاط في سوق الحفر.

والمنصة البحرية هي منشأة متخصصة تستخدم لحفر آبار النفط والغاز في البحر، وتضم معدات وأنظمة وطواقم فنية لتنفيذ عمليات الحفر والتحكم في الآبار، إلى جانب أعمال صيانة الآبار وإعادة تأهيلها والعمليات المرتبطة بتطوير وإنتاج الحقول. وتحتاج هذه المنصات إلى إمدادات مستمرة من المعدات وقطع الغيار ومواد وكيماويات الحفر، إضافة إلى خدمات الصيانة والسلامة والإعاشة ونقل العاملين، فيما تتولى سفن الإمداد نقل جانب كبير من احتياجاتها من الموانئ وقواعد الدعم اللوجستي إلى مواقع العمل.

وبالتالي، فإن عودة المنصة إلى التشغيل تعني عودة الطلب إلى سلسلة واسعة من الأنشطة المرتبطة بها، من النقل والموانئ والمستودعات إلى المعدات والصيانة والخدمات الهندسية والفنية.

«أديس» أولاً... ثم «الحفر العربية»

وكانت «أديس القابضة» الشركة التابعة لـ«صندوق الاستثمارات العامة» أول من أعلن تلقيها إخطارات باستئناف العمل في جميع منصاتها البحرية التي عُلّق تشغيلها مؤقتاً في السعودية يوم الثلاثاء، مؤكدة أن معدلات تشغيل منصات الحفر المرفوعة المتعاقد عليها تتجاوز 90 في المائة، بدعم من مستويات إيجار يومي مرتفعة.

وأشارت الشركة إلى أن استئناف العمل يمنح رؤية أوضح لمستويات النشاط في المنطقة، ويعكس متانة الأساسيات التي تقوم عليها سوق الحفر البحري في دول الخليج، موضحة أن تعليق بعض المنصات كان راجعاً إلى تطورات إقليمية، لا إلى ضعف في الطلب.

وعلّق الرئيس التنفيذي لـ«أديس القابضة»، محمد فاروق، على هذا التطور قائلاً إنه يعبّر عن انفراج إيجابي في الوضع الإقليمي، مقروناً بجاهزية فرق العمل لاستئناف النشاط، مشدداً على أن سلامة الموظفين والأصول تبقى في مقدمة أولويات الشركة.

وأبقت «أديس» على توقعاتها للأرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء لعام 2026 ضمن نطاق 4.50 إلى 4.87 مليار ريال (1.20 إلى 1.30 مليار دولار)، وهو ما يستند إلى حجم المجموعة واتساع انتشارها الجغرافي عبر 123 منصة حفر، إضافة إلى الوفورات التشغيلية الناتجة عن استحواذها على «شيلف دريلينغ».

وفي اليوم التالي مباشرة، أعلنت «الحفر العربية» تلقيها إشعارات باستئناف تشغيل ما تبقى من منصاتها البحرية المعلّقة، متوقعةً أن يصل معدل تشغيل أسطولها البحري إلى 100 في المائة مع نهاية الربع الثالث من عام 2026.

وذكرت الشركة أن استئناف تشغيل هذه المنصات يعكس استمرار تعافي نشاط قطاع الحفر البحري، معتبرة أن الوصول إلى تشغيل كامل للأسطول يمثل محطة مهمة تعزز جاهزيتها التشغيلية وقدرتها على تلبية احتياجات السوق.

وكانت «الحفر العربية» قد أعلنت، في يوليو (تموز) الماضي، إمكانية استئناف تشغيل ثلاث منصات حفر بحرية كانت قد علقت أعمالها مؤقتاً بسبب الظروف الإقليمية، موضحة أن التعليق جاء كإجراء احترازي بالتنسيق مع العملاء والجهات المعنية، مع إعطاء الأولوية لمتطلبات السلامة.

منصّة بحرية تابعة لـ«الحفر العربية» (الشركة)

إعادة تشغيل «منظومة متكاملة»

وفي قراءته لتداعيات استئناف النشاط، أوضح الخبير اللوجستي حسن آل هليل، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن ما تقوم به الشركتان لا يمكن اختزاله في مجرد عودة أصول حفر إلى الخدمة، بل هو إعادة تشغيل لمنظومة متكاملة تمتد من المورّد إلى المصنع فالمستودع فالميناء، وصولاً إلى المنصة البحرية وموقع البئر.

وبيّن أن المنصة البحرية تمثل الحلقة الأخيرة من سلسلة إمداد ضخمة، تضم قطع الغيار والمعدات والمواد الاستهلاكية وكيماويات الحفر، فضلاً عن الصيانة والفحص والمعايرة والسلامة والإعاشة ونقل العاملين والمعدات. كما تعتمد هذه المنصات على شبكة نقل بحري عبر سفن الإمداد، والتي ترتبط بدورها بالنقل البري والموانئ والمستودعات وقواعد الدعم اللوجستي.

وأضاف آل هليل أن عودة المنصة إلى العمل تعني في جوهرها عودة الطلب على منظومة خدمات كاملة على البر، لافتاً إلى أن نشاط المنصات لا يقتصر على حفر آبار جديدة، بل يمتد ليشمل صيانة الآبار وإعادة تأهيلها، وعمليات الحفر المتخصصة، والخدمات المرتبطة بتطوير حقول النفط والغاز وإنتاجها.

القطاعات المستفيدة

يتسع نطاق المستفيدين من استئناف النشاط ليشمل شركات الخدمات اللوجستية والنقل البري والبحري والمستودعات والموانئ والمناولة، إضافة إلى شركات المعدات وقطع الغيار والصيانة والخدمات الهندسية والكيماويات ومعدات السلامة والخدمات المساندة.

ويعتقد آل هليل أن الأثر الأبرز قد يظهر في مجال إدارة المخزون والتخطيط لسلاسل الإمداد؛ كون طبيعة العمل البحري تجعل تكلفة نقص أي قطعة غيار حرجة مرتفعة للغاية، فالوصول إلى المنصة يستلزم ترتيبات بحرية خاصة، وأي تأخر في توفير قطعة أو مادة أساسية قد يوقف عملية تشغيلية بأكملها؛ ما يجعل تكلفة عدم التوفر أعلى بكثير من تكلفة التخزين المسبق.

ويتوقع حسن أن يدفع ذلك الشركات إلى بناء مخزونات استراتيجية محلية للمواد الحرجة، وتحسين التنبؤ بالطلب، وربط مستويات المخزون بخطط الحفر والصيانة، وتقليص زمن التوريد من المورّد إلى موقع التشغيل.

فرصة... للمحتوى المحلي

لا يقتصر الأثر الاقتصادي لاستئناف النشاط على تنشيط الطلب فحسب، بل يمكن أن يفتح آفاقاً أوسع أمام الشركات السعودية لتوطين أجزاء أكبر من سلسلة القيمة المرتبطة بالحفر البحري. وتشمل هذه الفرصة تصنيع قطع الغيار والمكونات محلياً، وتطوير قدرات الصيانة والإصلاح، وإنشاء مراكز إمداد متخصصة، وتوطين الخدمات الفنية، إلى جانب بناء شركات سعودية قادرة على تقديم حلول متكاملة للمنصات البحرية.

ويشدد آل هليل على أن مقياس المحتوى المحلي في هذا السياق لا ينبغي أن يقتصر على حجم المشتريات من الشركات السعودية، بل يجب أن يمتد ليشمل قدرة الاقتصاد المحلي على تلبية الاحتياجات الحرجة وضمان استمرارية العمليات.

ويوضح أن التوسُّع في التصنيع والخدمات المحلية يقلّل من تعرض العمليات لمخاطر الشحن الدولي، وتقلبات أسعار النقل، وطول فترات التوريد، والاضطرابات الجيوسياسية، وهو ما يرفع من مرونة سلاسل الإمداد المرتبطة بقطاع الطاقة.

إحدى المنصات البحرية التابعة لـ«أديس» (الشركة)

المنافسة في القطاع

يرى آل هليل أن المرحلة المقبلة قد تمنح أفضلية واضحة للشركات التي تجمع بين الجودة والسرعة والقدرة المحلية، ذلك أن المنافسة في قطاع الحفر البحري لا تُحسم بالسعر وحده. ويضيف أن المورّد القادر على توفير قطعة الغيار أو الخدمة في الوقت المناسب قد تكون قيمته أعلى من مورّد آخر يعرض سعراً أقل لكنه يحتاج إلى أسابيع للوصول؛ خصوصاً في ظل ارتفاع تكلفة توقف المنصة. وبذلك، تنتقل شركات الخدمات اللوجستية من دور «الناقل التقليدي أو مقدّم الخدمة» إلى دور أكثر ارتباطاً باستمرارية العمليات نفسها، من خلال ضمان توفر الاحتياجات في الوقت والمكان المناسبين.

«الجاهزية» تحسم عودة المنصة

يشرح آل هليل أن عملية العودة تمر عادة بعدة مراحل؛ تبدأ بالتقييم الفني وفحص المعدات والأنظمة الرئيسية، والتأكد من جاهزية الطواقم وقطع الغيار والمواد، تليها إعادة بناء الجاهزية اللوجستية، وتجهيز المستودعات وقواعد الإمداد، والتأكد من جاهزية وسائل النقل البري والبحري وسفن الإمداد.

وإذا احتاجت المنصة إلى إعادة تموضع، تُضاف إلى ذلك مرحلة الانتقال إلى موقع العمل، قبل إجراء اختبارات السلامة والتشغيل، ثم البدء التدريجي في العمليات.

وقد تكون هذه العودة سريعة نسبياً إن كانت المنصة في حالة جيدة ولا تحتاج إلى صيانة كبيرة، في حين قد تمتد إلى أسابيع عدة إذا استلزم الأمر صيانة أو إعادة تجهيز أو تغيير الموقع.

ويؤكد آل هليل أن «زمن العودة لا تحدده المنصة وحدها، بل تحدده جاهزية سلسلة الإمداد المحيطة بها»، فالجاهزية الفنية وحدها لا تكفي ما لم تتوفر قطعة الغيار أو المادة التشغيلية أو الخدمة البحرية في التوقيت المناسب.

عودة المنصات... أثر يتجاوز قطاع الحفر

مع استئناف «أديس» و«الحفر العربية» تشغيل منصاتهما البحرية، يتجاوز مدلول هذا التطور مجرد عودة أصول تشغيلية إلى مواقعها، ليصل إلى إعادة تحريك دورة اقتصادية كاملة تشمل الموردين والمصنّعين وشركات النقل والموانئ والمستودعات والخدمات الفنية والهندسية.

ومن هذا المنظور، يقول آل هليل إن الفرصة الأهم تكمن في الانتقال من منطق «تلبية الاحتياج» إلى منطق «ضمان استمرارية العمليات». فاللوجستيات في قطاع الحفر البحري، بحسب وصفه، لا تعني مجرد نقل قطعة غيار من مكان إلى آخر، بل تعني ضمان وصول المادة الصحيحة إلى المكان الصحيح وفي الوقت الصحيح، بما يحول دون توقف المنصة عن العمل.

وبالتالي، فإن عودة المنصات البحرية إلى التشغيل قد تمثل أكثر من مجرد انتعاش في نشاط شركات الحفر؛ فهي تعيد تحريك منظومة اقتصادية بأكملها، وتمنح الشركات السعودية فرصة لالتقاط قيمة أكبر من دورة الإنفاق في قطاع الطاقة، عبر التوسع في الخدمات والتصنيع المحلي، وبناء سلاسل إمداد أكثر سرعة ومرونة.


مقالات ذات صلة

وزير الاقتصاد الياباني: التعاون مع السعودية ضرورة لضمان أمن الطاقة العالمي

الاقتصاد وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني ريوسي أكازاوا أثناء كلمته في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (الشرق الأوسط)

وزير الاقتصاد الياباني: التعاون مع السعودية ضرورة لضمان أمن الطاقة العالمي

أكد وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني، ريوسي أكازاوا، أن السعودية شريك موثوق لا غنى عنه لضمان أمن الطاقة العالمي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الأمير عبد العزيز بن سلمان يتحدث في افتتاح منتدى الطاقة الدولي في الرياض (تركي العقيلي)

عبد العزيز بن سلمان: الرياض عاصمة أمن الطاقة

أكد وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، أن الرياض تمثل عاصمة أمن الطاقة، مشيراً إلى أن هذه المكانة تعكس جهود المملكة والعاملين والعاملات في القطاع.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري متسوقون في مركز تجاري بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)

تحليل إخباري لماذا يشعر الناس بأنهم أفقر بينما الاقتصاد ينمو؟

الأرقام تقول إن الاقتصادات تنمو، والإنتاج يرتفع، والتكنولوجيا تحقق قفزات غير مسبوقة، والثروات الخاصة تبلغ مستويات قياسية، ولكن...

أنطوان الحاج
شمال افريقيا العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)

العاهل المغربي يشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية

دعا العاهل المغربي، الملك محمد السادس، إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً حقيقياً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا  عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي مجتمعا مع وزير المالية راشد أبوغفة (إلى اليمين) ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك (المصرف)

ليبيا: نفقات المؤسسات التشريعية والتنفيذية في مرمى الانتقادات الشعبية

أعاد إنفاق المؤسسات الليبية الجدل بشأن أولويات توزيع المال العام، وسط انتقادات للبذخ الحكومي وشكاوى معيشية تتزامن مع إضراب المعلمين للمطالبة بحقوقهم المالية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

عبد العزيز بن سلمان: الرياض عاصمة أمن الطاقة


افتتاح أعمال الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض أمس (وزارة الطاقة السعودية)
افتتاح أعمال الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض أمس (وزارة الطاقة السعودية)
TT

عبد العزيز بن سلمان: الرياض عاصمة أمن الطاقة


افتتاح أعمال الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض أمس (وزارة الطاقة السعودية)
افتتاح أعمال الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض أمس (وزارة الطاقة السعودية)

أكد وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، أن المملكة ماضية في تنفيذ خططها والوفاء بالتزاماتها تجاه العالم مهما كانت الظروف، واصفاً الرياض بأنها «عاصمة أمن الطاقة»، ومشدداً على أن ضمان الإمدادات يتطلب تعاوناً دولياً وتنسيقاً بين الدول المنتجة والمستهلكة.

وجاءت تصريحات الأمير عبد العزيز خلال افتتاح الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، أمس، ضمن فعاليات أسبوع الطاقة في الرياض، الذي يناقش تحديات الأسواق ومستقبل القطاع في ظل المتغيرات الجيوسياسية وتنامي الطلب العالمي. وتتواصل فعاليات أسبوع الطاقة، اليوم، مع انطلاق مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين للطاقة، بمشاركة وزراء ومسؤولين وقادة شركات وخبراء ومستثمرين.


منتدى الطاقة الدولي يؤكد أولوية أمن الإمدادات ويرحب بعودة الولايات المتحدة

صورة جماعية للمشاركين في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (إكس)
صورة جماعية للمشاركين في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (إكس)
TT

منتدى الطاقة الدولي يؤكد أولوية أمن الإمدادات ويرحب بعودة الولايات المتحدة

صورة جماعية للمشاركين في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (إكس)
صورة جماعية للمشاركين في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (إكس)

أكد المتحدثون في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، أهمية ضمان موثوقية إمدادات الطاقة، وتعزيز الاستثمارات في مختلف منظوماتها، ورفع مرونة البنية التحتية وسلاسل الإمداد، بما يدعم استقرار الأسواق ويعزز القدرة على مواجهة المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية. وشددوا على ضرورة تنويع مصادر الطاقة وتطوير قدرات الإنتاج والتكرير والنقل والتخزين، إلى جانب توظيف التقنيات الحديثة وتعزيز التعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة.

وفي مؤشر على أهمية المنتدى بوصفه منصة للحوار الدولي في قطاع الطاقة، رحّب الأمين العام للمنتدى، إلى جانب الوزراء والوفود المشاركة، بإعلان الولايات المتحدة عودتها إلى عضويته، تأكيداً لدوره منصة محايدة للحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، ودعمه للبحوث والتقارير المستندة إلى البيانات، وفقاً لبيان وزارة الطاقة السعودية.

جاء ذلك خلال الاجتماع الذي استضافته الرياض تحت شعار «أمن الطاقة والأهداف المشتركة في عصر جديد»، ضمن فعاليات «أسبوع الطاقة في الرياض».

وافتتح وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية، الأمير عبد العزيز بن سلمان، أعمال الاجتماع، مؤكداً أن المملكة أثبتت قدرتها على ضمان موثوقية إمدادات الطاقة، ومواصلة الاستثمار والاستعداد لمواجهة مختلف الظروف والتحديات. وأشار إلى أن الرياض باتت عاصمة لأمن الطاقة عالمياً، وأن المملكة ماضية في الوفاء بالتزاماتها وتعزيز موثوقية الإمدادات في مختلف الظروف.

وأوضح أن خط أنابيب شرق-غرب يجسد نهج المملكة في تعزيز مرونة منظومة الطاقة؛ إذ يوفر مساراً بديلاً لنقل الإمدادات إلى الأسواق العالمية عبر ينبع على البحر الأحمر.

وشدد الأمير عبد العزيز على أن أمن الطاقة مسؤولية مشتركة تتطلب تعاوناً وتنسيقاً دوليين فاعلين، مؤكداً أنه يمثل ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصادات واستدامة نموها وقدرتها التنافسية. واستشهد بالتقلبات الحادة التي شهدتها أسواق الطاقة في عام 2008، بوصفها دليلاً على أهمية الحوار والاستثمار والاستعداد المسبق لمواجهة تغيرات الأسواق وضمان تلبية الطلب.

وفي هذا السياق، أشار إلى أهمية منتدى الطاقة الدولي بوصفه منصة تجمع الدول المنتجة والمستهلكة ودول العبور، بما يتيح مناقشة التحديات وفهم وجهات النظر المختلفة وتحديد مجالات التعاون العملي الداعمة لأمن الطاقة.

الأمير عبد العزيز بن سلمان في اجتماع منتدى الطاقة الدولي (إكس)

ولفت إلى أن تطوير البنية التحتية للطاقة يستغرق سنوات، وأن تعزيز مرونتها يتطلب الاستثمار والاستعداد قبل الحاجة إليها، محذراً من أن تكلفة عدم الاستعداد قد تكون أكبر بكثير على الاقتصاد العالمي من تكلفة الاستثمار المسبق. وأكد أن أمن الطاقة يستدعي الاستثمار في مختلف مكونات المنظومة، بما يشمل قدرات التكرير والنقل وخطوط الأنابيب والبنية التحتية، موضحاً أن نهج المملكة يشمل البترول والغاز والطاقة المتجددة والطاقة النووية والطاقة الحرارية الأرضية.

مشاركة دولية ومناقشات حول أمن الطاقة

ترأس الأمير عبد العزيز بن سلمان الاجتماع بمشاركة جيلبرتو بيكيتو فراتين، وزير البيئة وأمن الطاقة الإيطالي، والسيناتور هاينيكن لوكبوبيري، وزير الدولة للموارد البترولية في نيجيريا، فيما حضر الجلسة الافتتاحية المهندس جاسم الشيراوي، الأمين العام لمنتدى الطاقة الدولي.

وشهد الاجتماع مشاركة وزراء طاقة من مختلف أنحاء العالم، وقادة في القطاع، ورؤساء منظمات دولية، لبحث أمن الطاقة واستقرار الأسواق والاستثمار، وتعزيز الحوار والتعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة في ظل المتغيرات التي تشهدها الأسواق العالمية.

وعبّر الوزراء وممثلو قطاع الطاقة المشاركون عن تضامنهم مع المملكة العربية السعودية وشعبها، عقب الهجمات التي استهدفت البنية التحتية المدنية، مؤكدين أن انعقاد الاجتماع في الرياض يجسد مرونة المملكة ويعكس روح الوحدة والالتزام المشترك.

كما رحب الأمين العام للمنتدى والوزراء والوفود المشاركة بإعلان الولايات المتحدة عودتها إلى المنتدى، تأكيداً لأهمية دوره منصة محايدة للحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، ودعمه للبحوث والتقارير المستندة إلى البيانات.

وتضمن برنامج الاجتماع جلسات حوارية تناولت قضايا أمن الطاقة وأساسيات الأسواق ومرونة سلاسل الإمداد والتغيرات في العرض والطلب. وأدار الجلسة الأولى الدكتور دانيال يرغن، نائب رئيس مجلس إدارة «إس آند بي غلوبال»، فيما أدارت الجلسة الثانية الدكتورة أمريتا سين، مؤسسة شركة «إنرجي أسبكتس» ومديرة بحوث أسواق الطاقة فيها، وركزت على الاستثمار والتجارة في حلول الطاقة المستدامة، وسبل تعزيز إتاحة الطاقة النظيفة والموثوقة بتكلفة ميسورة.

وتناولت الجلسة الختامية دور الحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة وأهمية شفافية البيانات في دعم استقرار أسواق الطاقة. ووفقاً لبيان وزارة الطاقة، أكدت الجلسة أهمية المسؤولية المشتركة عن أمن الطاقة، واستدامة الاستثمار في مختلف منظومات الطاقة، ودعم مسارات طاقة مستدامة وميسورة التكلفة.

الأمير عبد العزيز بن سلمان في اجتماع منتدى الطاقة الدولي (إكس)

أولويات الاستثمار ومرونة سلاسل الإمداد

أكدت المناقشات أهمية تنويع سلاسل الإمداد وتعزيز مرونة البنية التحتية، إلى جانب الاستثمار في الإنتاج والتكرير والغاز الطبيعي المسال وشبكات الكهرباء والتخزين، والتوسع في التقنيات الجديدة وسلاسل إمداد المعادن الحرجة. كما تناولت دور التجارة والتقنيات في دعم مسارات الطاقة المختلفة، وفقاً للأولويات والظروف الوطنية لكل دولة.

وفي إطار تعزيز الشفافية وتطوير البيانات المتعلقة بأسواق الطاقة، شهد «أسبوع الطاقة في الرياض» انعقاد الاجتماع السابع لرؤساء المنظمات المشاركة في مبادرة بيانات المنظمات المشتركة (JODI)، التي يتولى منتدى الطاقة الدولي تنسيق أعمالها.

وناقش الاجتماع خريطة طريق المبادرة للفترة من 2026 إلى 2030، الهادفة إلى تعزيز قدرات الدول على تقديم البيانات، وتوفير معلومات أكثر شمولاً وحداثة عن البترول والغاز، بما في ذلك بيانات المخزونات والمنتجات المكررة. كما رحب الوزراء المشاركون باستمرار التعاون ضمن برنامج العمل الثلاثي المشترك بين وكالة الطاقة الدولية ومنتدى الطاقة الدولي ومنظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك).

ويُعدّ منتدى الطاقة الدولي، الذي تتخذ أمانته العامة من الرياض مقراً لها، أكبر تجمع عالمي لوزراء الطاقة، ومنصة رئيسية للحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة، بما يسهم في تعزيز أمن الطاقة العالمي عبر حوار مفتوح وشامل يغطي مختلف مصادر الطاقة وتقنياتها ومنظوماتها.


يرغن لـ«الشرق الأوسط»: استقرار أسواق الطاقة أولوية سعودية

دانيال يرغن نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال»
دانيال يرغن نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال»
TT

يرغن لـ«الشرق الأوسط»: استقرار أسواق الطاقة أولوية سعودية

دانيال يرغن نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال»
دانيال يرغن نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال»

أكد نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال» (S&P Global)، الدكتور دانيال يرغن، أن استقرار أسواق الطاقة يمثل مبدأً أساسياً في نهج السعودية، مشيراً إلى أن الرياض تتبنى رؤية طويلة الأجل للسوق، وتسعى إلى الحد من التقلبات الحادة في الأسعار، سواء صعوداً أو هبوطاً.

وقال يرغن، خبير الطاقة الحائز جائزة بوليتزر، في حديث لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي المنعقد في العاصمة السعودية، إن التحول في قطاع الطاقة لا يعني الاستغناء عن مصادر الطاقة التقليدية، بقدر ما يعني إضافة إمدادات جديدة إلى مزيج الطاقة العالمي، بما يتيح تلبية الطلب المتنامي. وأوضح أن الجزء الأكبر من نمو الطلب المتوقع سيأتي من الدول النامية، وقد يصل حجمه إلى ما يعادل إضافة نظام طاقة بحجم الصين إلى الطلب العالمي، الأمر الذي يستدعي استثمارات كبيرة وحلولاً متنوعة، في ظل عدم قدرة مصدر واحد للطاقة على تلبية احتياجات العالم بمفرده.

وفيما يتعلق بتطورات أسواق النفط على المدى القريب، أوضح يرغن الذي يرأس مؤتمر «سيراويك» أحد أبرز المؤتمرات الدولية المعنية بصناعة الطاقة، أن الضغوط الراهنة تتركز بصورة أكبر في سوق الديزل، نتيجة محدودية قدرات التكرير، وليس بسبب نقص فوري في إمدادات النفط الخام. وأضاف أن التوترات الجيوسياسية، بما فيها الحرب الروسية الأوكرانية والاضطرابات في منطقة الخليج، أسهمت في زيادة حساسية أسواق الديزل للتطورات السياسية، في ظل أهمية هذا الوقود للاقتصادات والصناعات وقطاع النقل.

وعن أبرز الملفات المطروحة على الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي، أشار يرغن إلى أن أمن الطاقة محور رئيسي للنقاش، بمفهوم يتجاوز ضمان تدفق الإمدادات ليشمل حماية البنية التحتية للطاقة، وضمان استمرارية تشغيلها، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، والاستفادة من التكنولوجيا في مواجهة التحديات المتزايدة.

وأضاف أن الاستثمار والتقنية والقدرة على تلبية الطلب العالمي هي من أبرز القضايا المطروحة، إلى جانب ضرورة تبني نقاش أكثر واقعية بشأن تحول الطاقة، يأخذ في الحسبان المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية والتكنولوجية التي يشهدها العالم، بدلاً من الاكتفاء بأهداف وُضعت قبل 11 عاماً في ظل ظروف مختلفة.

وتعكس هذه القضايا، حسب محاور حديثه، التحدي الذي تواجهه أسواق الطاقة العالمية في المرحلة المقبلة: الموازنة بين أمن الإمدادات واستقرار الأسواق من جهة، ومواكبة التحول في منظومة الطاقة وتلبية الطلب المتزايد من جهة أخرى، بما يتطلب استثمارات مستدامة وتعاوناً دولياً وحلولاً تراعي اختلاف احتياجات الدول وظروفها الاقتصادية.