حرب البحر الأسود تهدّد شرايين تجارة الحبوب العالمية

هجمات الموانئ ترفع التأمين فوق 1 %... و60 مليون طن من القمح في دائرة الخطر

سفينة شحن بميناء نوفوروسيسك في البحر الأسود بروسيا (رويترز)
سفينة شحن بميناء نوفوروسيسك في البحر الأسود بروسيا (رويترز)
TT

حرب البحر الأسود تهدّد شرايين تجارة الحبوب العالمية

سفينة شحن بميناء نوفوروسيسك في البحر الأسود بروسيا (رويترز)
سفينة شحن بميناء نوفوروسيسك في البحر الأسود بروسيا (رويترز)

لم تعد الحرب في البحر الأسود مجرد مواجهة عسكرية بين روسيا وأوكرانيا، بل تحولت مجدداً إلى أحد أبرز مصادر المخاطر على تجارة الغذاء العالمية، مع تصاعد الهجمات على الموانئ والسفن وارتفاع تكلفة التأمين، في منطقة يُتوقع أن تصدر منها روسيا وأوكرانيا معاً أكثر من 60 مليون طن من القمح خلال الموسم الحالي.

وزادت المخاوف بعدما عرضت أوكرانيا، عبر طرف ثالث، وقف الهجمات المتبادلة على السفن المدنية في البحر الأسود، في محاولة لتخفيف الضغط على طرق التصدير، في حين لم تبدِ موسكو حتى الآن استعداداً لقبول هدنة مماثلة. وتأتي المبادرة بعد تصاعد حاد للهجمات خلال يوليو (تموز) وأغسطس (آب)، استهدف موانئ وسفناً على جانبي البحر الأسود.

وتكمن أهمية التطورات في الوزن الاستثنائي للمنطقة في سوق القمح. فقد قدرت وزارة الزراعة الأميركية صادرات روسيا من القمح في موسم 2026 -2027 بنحو 47 مليون طن في مايو (أيار)، قبل رفع التقدير في يوليو إلى نحو 47.5 مليون طن، لتبقى موسكو أكبر مصدر للقمح في العالم. أما صادرات أوكرانيا فتدور التقديرات حول 14 مليون طن؛ ما يعني أن البلدين يمثلان معاً كتلة تصديرية تفوق 60 مليون طن.

* أوديسا... شريان اقتصادي تحت النار

بالنسبة إلى أوكرانيا، يمثل البحر الأسود الطريق الأرخص والأكثر قدرة على نقل المنتجات الزراعية. ففي عام 2025 عالجت الموانئ الأوكرانية 82.2 مليون طن من البضائع، جاءت المنتجات الزراعية في الصدارة بنحو 44.2 مليون طن، أي أكثر من نصف إجمالي حركة الموانئ. ورغم الحرب، صدَّرت هذه الموانئ منتجات إلى 55 دولة، وذلك حسب بيانات سلطات ميناء أوديسا.

ومنذ تشغيل الممر البحري الأوكراني في سبتمبر (أيلول) 2023، نقل الطريق أكثر من 190 مليون طن من البضائع، بينها أكثر من 110 ملايين طن من الحبوب، وفق بيانات حكومية أوكرانية في أبريل (نيسان) 2026. وهذا الحجم يوضح لماذا يصعب تعويض موانئ أوديسا وتشورنومورسك وبيفديني بالسكك الحديدية أو طرق النقل البري ونهر الدانوب.

وفي أول شهرين تقريباً من 2026 وحدهما، عالجت الموانئ الأوكرانية أكثر من 15 مليون طن، استحوذت موانئ «أوديسا الكبرى» على 14.5 مليون طن منها، بينها 8.5 مليون طن من الحبوب، في حين عالجت موانئ الدانوب 1.1 مليون طن فقط، منها 221 ألف طن من الحبوب.

وتكشف الفجوة بين الرقمين عن حدود البدائل المتاحة لكييف. فصحيح أن الدانوب والسكك الحديدية يوفران شبكة أمان، لكن الأمم المتحدة سبق أن أشارت إلى أن الطرق النهرية أكثر تكلفة، ولا تستطيع استقبال سفن الشحن الكبيرة نفسها التي تستخدمها الموانئ البحرية، كما تتطلب زمناً أطول للوصول إلى الأسواق الخارجية.

سفينة شحن تغادر ميناء أوديسا على البحر الأسود في أوكرانيا (رويترز)

* الضربات تصل إلى بوابة روسيا

لكن المخاطر لم تعد أوكرانية فقط؛ فقد تسببت هجمات حديثة على نوفوروسيسك، مركز تصدير الحبوب الروسي الرئيسي على البحر الأسود، في توقف عمليات بمنشآت للحبوب؛ وهو ما أدى إلى قفزة فورية في أسعار القمح في الأسواق العالمية. وارتفعت العقود الآجلة للقمح في شيكاغو بنحو 3 في المائة عقب أحدث اضطرابات الميناء، في مؤشر على حساسية السوق لأي تهديد للإمدادات الروسية.

وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية؛ فإذا تعرضت صادرات روسيا وأوكرانيا للاضطراب في الوقت نفسه، فلن تواجه السوق مشكلة منتج واحد أو ميناء واحد، وإنما تهديداً لاثنين من أكبر موردي القمح والحبوب في العالم.

* التأمين يتحول إلى ضريبة حرب

وتظهر الفاتورة الاقتصادية بصورة أوضح في سوق التأمين البحري. فقد تجاوزت أقساط مخاطر الحرب الإضافية على بعض الرحلات في البحر الأسود 1 في المائة من قيمة السفينة في يوليو، في حين قدرت مصادر في سوق التأمين المعدلات في بعض الحالات بنحو 1.5 في المائة، ارتفاعاً من مستويات أدنى بكثير قبل موجة التصعيد الأخيرة.

وهذا يعني، على سبيل المثال، أن سفينة تبلغ قيمتها 50 مليون دولار قد تتحمل علاوة حرب إضافية تصل إلى 500 ألف - 750 ألف دولار للرحلة الواحدة، قبل إضافة تكاليف الوقود والتأخير والشحن والتشغيل.

ولا تتوقف الخسارة عند التأمين. فارتفاع المخاطر يدفع بعض ملاك السفن إلى رفض دخول المنطقة أصلاً، في حين يطالب آخرون بأجور شحن أعلى. وقد حذرت «أونكتاد» منذ بداية الحرب من أن زيادة تكاليف الشحن البحري للحبوب يمكن أن تنتقل سريعاً إلى أسعار الغذاء؛ إذ قدرت في موجة الاضطراب الأولى أن تزامن ارتفاع أسعار الحبوب والشحن يمكن أن يزيد أسعار الغذاء للمستهلكين عالمياً بنحو 4 في المائة، يأتي نحو نصفها من ارتفاع تكاليف النقل وحده.

سفينة قرب مدخل مضيق البوسفور في البحر الأسود بتركيا (رويترز)

* أسعار الغذاء دخلت الأزمة من موقع مرتفع

ويأتي التصعيد الجديد في وقت أسعار الغذاء العالمية مرتفعة بالفعل. فقد بلغ مؤشر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة 131.1 نقطة في يوليو، وهو أعلى مستوى في أكثر من ثلاث سنوات، مع ارتفاع أسعار الحبوب 3.4 في المائة خلال الشهر وقفزة أسعار القمح 5.8 في المائة، وسط مخاوف من اضطراب صادرات البحر الأسود والأضرار المناخية بالمحاصيل.

وكان مؤشر «فاو» قد بلغ 130.3 نقطة في يونيو (حزيران)، بزيادة 1.7 في المائة على أساس سنوي، رغم انخفاض أسعار الحبوب آنذاك بفعل توقعات وفرة الإمدادات من البحر الأسود. وهذا التغير السريع بين يونيو ويوليو يكشف إلى أي مدى يمكن للمخاطر العسكرية أن تقلب اتجاه السوق في غضون أسابيع.

ورغم أن المخزونات العالمية توفر قدراً من الحماية، فإن الخطر يتركز في التجارة الفعلية وتوقيت وصول الشحنات. فالأسواق قد تكون لديها كميات كافية من القمح إجمالاً، لكن تعطل ميناء رئيسي أو تأخر السفن أو تضاعف كلفة التأمين يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع الأسعار لدى المشترين النهائيين.

* الشرق الأوسط في مقدمة المتأثرين

وتبدو دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من الأكثر حساسية لأي اضطراب جديد. فمصر، على سبيل المثال، من أكبر مستوردي القمح عالمياً، وتشير تقديرات وزارة الزراعة الأميركية إلى واردات قد تصل إلى 13.5 مليون طن في موسم 2026- 2027، بعدما بلغت التقديرات للموسم السابق 15.5 مليون طن. كما رفعت الوزارة توقعاتها لواردات السودان إلى 2.8 مليون طن، والسعودية إلى 4.2 مليون طن في الموسم السابق.

وتجعل هذه الأرقام أي زيادة بنسب محدودة في سعر القمح أو الشحن عبئاً بمئات الملايين من الدولارات على فواتير الاستيراد الحكومية والخاصة، خصوصاً في الاقتصادات التي تدعم الخبز أو تعاني أصلاً ضغوطاً على العملات الأجنبية.

والتجربة السابقة تبرهن على أهمية فتح الممرات. فقد سمحت مبادرة حبوب البحر الأسود التي توسطت فيها الأمم المتحدة وتركيا بين 2022 و2023 بخروج نحو 32.9 مليون طن من الحبوب والمواد الغذائية من أوكرانيا، وذهب نحو 64 في المائة من شحنات القمح ضمن المبادرة إلى الدول النامية والأقل نمواً... وقد أسهمت المبادرة، إلى جانب تحسن الإمدادات، في خفض أسعار الغذاء العالمية بنحو 22 في المائة من ذروتها، حسب «أونكتاد».

ولهذا؛ فإن عرض الهدنة الأوكراني الحالي يتجاوز البعد العسكري. فالسؤال بالنسبة للأسواق هو ما إذا كان البحر الأسود يستطيع الاحتفاظ بدوره ممراً تجارياً موثوقاً، أم أن الحرب ستضيف بصورة دائمة «ضريبة مخاطر» إلى كل طن من القمح يغادر موانئ المنطقة.

وحتى الآن، لا تشير التطورات إلى عودة سريعة للاستقرار. فالموانئ تتعرض للهجمات، وأقساط التأمين ارتفعت، وأسعار القمح أصبحت أكثر حساسية للأخبار العسكرية، في حين تعتمد عشرات الدول على الإمدادات القادمة من روسيا وأوكرانيا. ومع كل يوم إضافي من التصعيد، تنتقل تكلفة الحرب تدريجياً من السفن والموانئ على البحر الأسود إلى فواتير الغذاء وموائد المستهلكين حول العالم.


مقالات ذات صلة

وزير خارجية ألمانيا: تعطيل حرية الملاحة يهدد بحدوث مجاعات

أوروبا وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يدلي بتصريح على متن طائرة في شونيفيلد بألمانيا قبيل التوجه إلى إسطنبول يوم 23 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

وزير خارجية ألمانيا: تعطيل حرية الملاحة يهدد بحدوث مجاعات

حذّر وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول من تداعيات الهجمات على الممرات البحرية، سواء في مضيق هرمز أو هجمات الحوثيين أو الهجمات الروسية على شحنات الحبوب.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا أشخاص يشاركون في احتجاج في فيينا بالنمسا يوم 16 أكتوبر 2026 (رويترز)

ترقُّب نزول آلاف الطلاب إلى شوارع فيينا احتجاجاً على ميزانية غير كافية

تترقب فيينا خروج تظاهرات بعد ظُهر الخميس يشارك فيها آلاف الطلاب احتجاجاً على الميزانية المخصصة للجامعات والتي تُعد غير كافية للتعويض عن التضخم وارتفاع الأسعار.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
الاقتصاد فرن في منشأة «أوروبِس» في هامبورغ بألمانيا (رويترز)

النحاس يتراجع مع ارتفاع المخزونات وتراجع مخاوف الإمدادات

تراجعت أسعار النحاس، الخميس، مع تدفق كميات إضافية إلى مستودعات بورصة لندن للمعادن، ما خفف بعض المخاوف بشأن الإمدادات، رغم استمرار الاختناقات في سلاسل التوريد.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد شخص يسير أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر «نيكي» الياباني في شركة أوراق مالية في طوكيو (أ.ب)

الأسواق الآسيوية تتراجع رغم نتائج قوية لشركات التكنولوجيا

واجهت الأسهم الآسيوية صعوبة في الحفاظ على مكاسبها خلال التعاملات المبكرة يوم الخميس، رغم التوقعات الإيجابية لنتائج شركات التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد المركز المالي في السعودية (واس)

أرباح 6 بنوك سعودية ترتفع في الربع الثالث... و«الجزيرة» الأعلى نمواً

ارتفعت أرباح 6 بنوك سعودية في الربع الثالث، بقيادة «الجزيرة» نمواً و«الراجحي» قيمةً، في حين تراجعت أرباح ثلاثة بنوك بفعل ضغوط تشغيلية وائتمانية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«وول ستريت» تتراجع وسط مخاوف من عوائد استثمارات الذكاء الاصطناعي

لافتات عند تقاطع شارعي برود وول ستريت بالقرب من أعلام أميركية ترفرف أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
لافتات عند تقاطع شارعي برود وول ستريت بالقرب من أعلام أميركية ترفرف أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

«وول ستريت» تتراجع وسط مخاوف من عوائد استثمارات الذكاء الاصطناعي

لافتات عند تقاطع شارعي برود وول ستريت بالقرب من أعلام أميركية ترفرف أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
لافتات عند تقاطع شارعي برود وول ستريت بالقرب من أعلام أميركية ترفرف أمام بورصة نيويورك (أ.ب)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها في مستهل تعاملات الجمعة، مع تصاعد المخاوف من أن الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد لا تحقق العوائد المرجوة، في ظل تنامي القلق بشأن كلفة التوسع في مراكز البيانات وسبل تمويله.

وتجدّدت الضغوط على أسهم التكنولوجيا عقب إعلان النتائج المالية لشركة «ميتا»، التي أثارت مخاوف من لجوء شركات التكنولوجيا الكبرى إلى إصدار أسهم جديدة لتأمين التمويل اللازم لمواصلة الإنفاق المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

وتراجعت المؤشرات الأميركية الرئيسية الثلاثة في مستهل التداولات، وإن سجل مؤشر «ناسداك» أداءً أفضل نسبياً من المؤشرين الآخرين، في تحول عن نمط التداول الذي ساد الجلسات الأخيرة.

وبعد نحو عشر دقائق من بدء التداول، انخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي بنسبة 1 في المائة إلى 52.322.22 نقطة، فيما تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.5 في المائة إلى 7.625.19 نقطة. وهبط مؤشر «ناسداك» المجمع، الذي تطغى عليه أسهم شركات التكنولوجيا، بنسبة 0.4 في المائة إلى 25.915.39 نقطة.

وعلى صعيد الأسهم، تراجعت أسهم شركات تكنولوجية كبرى، من بينها «ميتا» و«أمازون»، في حين سجلت أسهم بعض شركات أشباه الموصلات، مثل «ميكرون»، و«إيه إم دي»، مكاسب.

وقال ديفيد موريسون، كبير محللي الأسواق لدى شركة «تريد نيشن»، في مذكرة، إن الأسواق قد تتجه إلى التعامل بقدر أكبر من الانتقائية مع الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بدلاً من تحركها بصورة جماعية في الاتجاه نفسه.

وأوضح أن أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي اعتادت التحرك في اتجاهات متشابهة، صعوداً أو هبوطاً، وإن كان الصعود هو الاتجاه الغالب. لكنه أشار إلى أن تجدد التركيز على مصادر تمويل التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يدفع المستثمرين إلى التمييز بصورة أوضح بين الشركات، استناداً إلى قدرتها على تمويل استثماراتها وتحقيق عوائد منها.

وأضاف موريسون أن الشركات ليست متشابهة، وأن موجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ستفرز رابحين وخاسرين، أياً يكن المسار الذي ستتخذه السوق.


الصين تحث شركات النفط والغاز المحلية على زيادة الإنتاج والإمدادات

صهاريج تخزين النفط في شنغهاي (رويترز)
صهاريج تخزين النفط في شنغهاي (رويترز)
TT

الصين تحث شركات النفط والغاز المحلية على زيادة الإنتاج والإمدادات

صهاريج تخزين النفط في شنغهاي (رويترز)
صهاريج تخزين النفط في شنغهاي (رويترز)

كشفت الإدارة الوطنية للطاقة في الصين عبر موقعها الإلكتروني، الجمعة، عن عقد اجتماع مع ممثلي شركات النفط والغاز الطبيعي العاملة في البلاد يوم الخميس الماضي، حيث طالبتها الإدارة ببذل أقصى جهد ممكن لزيادة إنتاجها وإمداداتها للسوق المحلية، في ظلِّ الموقف الدولي الحاد والمُعقَّد بالنسبة لإمدادات الطاقة.

ونقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن بيان الإدارة القول، إن ممثلي كثير من الشركات منها «سينوبك» و«كنووك» المملوكتان للدولة حضروا الاجتماع الذي شهد مناقشة خطط الشركات لزيادة إنتاجها واحتياطاتها من النفط والغاز الطبيعي.

تأتي تحركات الحكومة الصينية في الوقت الذي يستمر فيه اضطراب إمدادات الطاقة العالمية بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران المستمرة منذ 28 فبراير (شباط) الماضي، والتي أدت إلى إغلاق مضيق «هرمز» على الخليج بدرجة كبيرة، وهو المضيق الذي كانت تمرُّ عبره، قبل اندلاع الحرب، نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية، كان يتجه معظمها إلى الأسواق الآسيوية، ومنها السوق الصينية.

وتُعدُّ الصين أكبر دولة مستوردة للنفط في العالم حالياً.


تباطؤ طفيف للنشاط الاقتصادي الأميركي في أكتوبر وسط تصاعد الضغوط التضخمية

يعمل موظفون في أحد المصانع بمدينة لوس أنجليس في كاليفورنيا (رويترز)
يعمل موظفون في أحد المصانع بمدينة لوس أنجليس في كاليفورنيا (رويترز)
TT

تباطؤ طفيف للنشاط الاقتصادي الأميركي في أكتوبر وسط تصاعد الضغوط التضخمية

يعمل موظفون في أحد المصانع بمدينة لوس أنجليس في كاليفورنيا (رويترز)
يعمل موظفون في أحد المصانع بمدينة لوس أنجليس في كاليفورنيا (رويترز)

تباطأ النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة بشكل طفيف خلال أكتوبر (تشرين الأول)، رغم استمرار قوة الطلب التي أتاحت للشركات رفع أسعار السلع والخدمات، في مؤشر على احتمال تفاقم التضخم واستمراره عند مستويات مرتفعة خلال الأشهر المقبلة.

وأعلنت مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال»، الجمعة، أن القراءة الأولية لمؤشر مديري المشتريات المركب للإنتاج في الولايات المتحدة، الذي يقيس أداء قطاعَي الصناعة والخدمات، تراجعت إلى 57.6 نقطة في أكتوبر، من 58.4 نقطة في سبتمبر (أيلول)، حين سجلت أعلى مستوى في خمس سنوات. وتشير القراءة التي تتجاوز 50 نقطة إلى نمو نشاط القطاع الخاص.

وعوّض تحسّن أداء القطاع الصناعي تراجعاً طفيفاً في قطاع الخدمات الذي يمثّل الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي الأميركي.

وأظهرت نتائج المسح أن الاقتصاد الأميركي بدأ الربع الرابع من العام على أساس متين، بعد أداء يُتوقع أن يكون قوياً خلال الربع الثالث، الممتد من يوليو (تموز) إلى سبتمبر. ويتوقع اقتصاديون أن يُظهر التقدير الأولي للناتج المحلي الإجمالي، الذي ستصدره الحكومة الأسبوع المقبل، نمواً بنحو 3 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الثالث، مدفوعاً أساساً بإنفاق المستهلكين واستثمارات الشركات في الذكاء الاصطناعي.

ولم يُظهر الاقتصاد الأميركي حتى الآن مؤشرات واضحة على تضرّره بشدة من صدمة أسعار النفط الناجمة عن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران. وأسهمت المدخرات، واستردادات الضرائب السخية خلال الربيع، والمبالغ المستردة من الرسوم الجمركية، والأداء القوي لسوق الأسهم، وأرباح الشركات، في توفير هامش دعم للنشاط الاقتصادي.

غير أن اقتصاديين حذّروا من أن التداعيات التضخمية للصراع المطول في الشرق الأوسط قد تؤدي إلى تباطؤ إنفاق المستهلكين خلال الربع الحالي.

وفي المقابل، ارتفع مؤشر الطلبات الجديدة التي تلقتها الشركات إلى 58.2 نقطة في أكتوبر، من 58.1 نقطة في سبتمبر، مسجلاً أعلى مستوى منذ مارس (آذار) 2022. وجاءت الزيادة مدفوعة بشكل أساسي بقطاع الخدمات، في ظل ارتفاع الطلب المحلي، الذي تعزّز جزئياً بفعل بناء المخزونات تحسباً لاضطرابات محتملة، إلى جانب نمو الصادرات.

الأسعار تسجّل أعلى مستوى منذ أغسطس 2022

وعلى صعيد الأسعار، ارتفع مؤشر أسعار الإنتاج إلى 59.8 نقطة في أكتوبر، من 58.4 نقطة في سبتمبر، مسجلاً أعلى قراءة منذ أغسطس (آب) 2022، مع زيادة الشركات أسعار السلع والخدمات في قطاعي الصناعة والخدمات.

وتزامن ذلك مع تدهور إضافي في أداء الموردين في تسليم مستلزمات الإنتاج إلى المصانع، إذ انخفض مؤشر أوقات تسليم الموردين إلى 38.1 نقطة، من 40.9 نقطة في سبتمبر، مسجلاً أدنى مستوى له منذ أكثر من أربع سنوات. وتشير القراءة المتراجعة إلى إطالة فترات التسليم وتزايد الاختناقات في سلاسل الإمداد.

وقال كبير الاقتصاديين المعنيين بالأعمال في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، كريس ويليامسون، إن ضغوط التكاليف لا تزال مصدر قلق رئيسياً، مضيفاً أن اختناقات سلاسل الإمداد تفاقمت، في وقت تتزايد فيه الطلبات المتراكمة، ما يمنح الشركات قدرة أكبر على تمرير التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين.

وكانت أسعار المستهلكين والمنتجين قد سجلت زيادات قوية في سبتمبر، وفق بيانات حكومية صدرت خلال الشهر الحالي، ما أثار مخاوف من اتساع نطاق التضخم في مختلف قطاعات الاقتصاد.

وفي سبتمبر، رفع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة بمقدار 25 نقطة أساس، إلى نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة.

ويتوقع اقتصاديون أن يُبقي البنك المركزي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه الأسبوع المقبل، قبل أن يستأنف رفع تكاليف الاقتراض في ديسمبر (كانون الأول).

وحول تكاليف الإنتاج، تراجع مؤشر الأسعار التي تدفعها الشركات مقابل مستلزمات الإنتاج إلى 64.9 نقطة في أكتوبر، من 65.9 نقطة في سبتمبر، لكنه ظل عند مستوى مرتفع. وواجهت الشركات الصناعية خصوصاً ارتفاعاً في الأسعار خلال الشهر، مع بقاء المؤشر قريباً من أعلى مستوياته في أربع سنوات.

أما التوظيف فانخفض إجمالاً بعد ارتفاعه الحاد في سبتمبر، في حين زادت المصانع عدد العاملين لديها. وارتفع مؤشر التوظيف في القطاع الصناعي إلى أعلى مستوى منذ مارس 2012.

وأوضح ويليامسون أن الشركات تسعى إلى زيادة طاقتها الإنتاجية لتلبية الطلب الأقوى من العملاء.