بنك اليابان يقترب من تسريع رفع الفائدة

ضعف الين والتضخم يدفعان طوكيو لتعجيل التشديد النقدي

مقر بنك اليابان في وسط العاصمة طوكيو (رويترز)
مقر بنك اليابان في وسط العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يقترب من تسريع رفع الفائدة

مقر بنك اليابان في وسط العاصمة طوكيو (رويترز)
مقر بنك اليابان في وسط العاصمة طوكيو (رويترز)

تتزايد المؤشرات على أن بنك اليابان يستعد لرفع أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول)، وربما تسريع وتيرة التشديد النقدي بعد ذلك، في تحول مهم تقوده المخاوف من استمرار ضعف الين واتساع ضغوط الأسعار، فيما تتحرك طوكيو بالتوازي لتعزيز التنسيق المالي مع شركائها، مع استعداد كبير الدبلوماسيين الماليين اليابانيين للقاء نظيره الكوري الجنوبي الأسبوع المقبل.

وقالت ثلاثة مصادر مطلعة على توجهات بنك اليابان إن رفع الفائدة بات مطروحاً بقوة في الاجتماع المقبل يومي 17 و18 سبتمبر، وإن البنك يدرس أيضاً الانتقال من وتيرة الرفع الحالية، البالغة مرتين تقريباً سنوياً، إلى تحركات أكثر تقارباً إذا استمرت مخاطر التضخم.

وقال أحد المصادر إن «رفعاً مبكراً للفائدة أصبح في الأفق»، مضيفاً أن البنك قد يسرع وتيرة الزيادات اللاحقة، وهي وجهة نظر أيدها مصدر آخر.

وتفاعلت سوق السندات سريعاً مع هذه التوقعات، إذ ارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عامين، الأكثر حساسية لمسار السياسة النقدية، فيما سجل عائد سندات الخمس سنوات مستوى قياسياً. وتسعر الأسواق حالياً احتمالاً يقترب من 80 في المائة لرفع الفائدة في سبتمبر.

ويأتي التحول المحتمل بعدما أنهى بنك اليابان في 2024 برنامج التحفيز النقدي الضخم الذي استمر نحو عقد، وبدأ دورة تدريجية لتطبيع السياسة. ورفع البنك أسعار الفائدة عدة مرات، كان آخرها في يونيو (حزيران)، عندما أوصل سعر الفائدة إلى 1 في المائة، وهو أعلى مستوى في 31 عاماً. لكن البنك أبقى السياسة دون تغيير في يوليو (تموز)، مع توجيه رسالة أكثر تشدداً للأسواق، محذراً من أن تزايد ضغوط الأسعار قد يدفع التضخم الأساسي إلى تجاوز هدفه البالغ 2 في المائة. وأظهر ملخص آراء اجتماع يوليو أن بعض أعضاء مجلس السياسة طالبوا بتسريع رفع الفائدة لتجنب التأخر في مواجهة التضخم.

الين يعقد الحسابات

تأتي العملة اليابانية في قلب هذه الحسابات. فرغم تعافي الين من أدنى مستوى في 40 عاماً الذي سجله الشهر الماضي، فإن استمرار ضعفه يرفع تكلفة الواردات من الطاقة والمواد الخام والغذاء، ويزيد احتمالات انتقال تلك التكاليف إلى المستهلك.

وتزداد مخاوف البنك أيضاً بفعل تداعيات الصراع في الشرق الأوسط على أسعار المواد الأولية، إلى جانب الطلب العالمي القوي المرتبط بالذكاء الاصطناعي، الذي أسهم في رفع أسعار عدد من المنتجات والمكونات الصناعية.

وبقي تضخم أسعار الجملة عند مستويات مرتفعة قرب أعلى مستوياته في ثلاثة أعوام خلال يوليو، وهو ما يزيد احتمالات تمرير الشركات ارتفاع التكاليف إلى أسعار التجزئة. كما تشير استطلاعات الأسر والشركات والاقتصاديين إلى ارتفاع توقعات التضخم باتجاه 2 في المائة أو تجاوزها.

وكان محافظ بنك اليابان كازو أويدا قد قال عقب اجتماع يوليو إن البنك سيأخذ القلق المتزايد داخل مجلس السياسة من مخاطر التضخم في الاعتبار عند اتخاذ القرارات المقبلة، مشيراً إلى إمكانية تسريع رفع الفائدة إذا تبين أن الأوضاع المالية لا تزال ميسرة أكثر من اللازم.

وفي المقابل، تظل أمام البنك معادلة دقيقة؛ فمع اقتراب سعر الفائدة من مستويات أكثر حياداً بالنسبة للاقتصاد، يحتاج صناع السياسة إلى تقييم آثار الزيادات السابقة على النمو والاستهلاك. إلا أن تصاعد مخاطر التضخم قد يجعل الانتظار لفترة طويلة أكثر تكلفة.

ويعتقد بعض المحللين أن رفع الفائدة في سبتمبر يمكن أن يفتح الباب أمام زيادة أخرى في ديسمبر (كانون الأول)، وهو ما سيعني عملياً تحول بنك اليابان نحو وتيرة رفع قد تصل إلى مرة كل ثلاثة أشهر، مقارنة بالنهج التدريجي الذي اتبعه حتى الآن.

تنسيق مع سيول

ويتزامن ذلك مع تحركات دبلوماسية مالية متزايدة في المنطقة. وأعلنت وزارة المالية اليابانية أن كبير مسؤوليها للشؤون المالية الدولية أتسوشي ميمورا سيلتقي نظيره الكوري الجنوبي في طوكيو في 21 أغسطس (آب)، من دون الكشف عن جدول أعمال المحادثات.

ويكتسب الاجتماع أهمية خاصة لأن ميمورا كان الشخصية الرئيسية وراء التدخل الياباني - الأميركي المشترك الأخير لشراء الين، في خطوة نادرة هدفت إلى وقف التراجع الحاد للعملة. كما تدخلت كوريا الجنوبية أواخر الشهر الماضي ببيع الدولار لدعم عملتها، ما يضع تحركات أسواق الصرف واستقرار العملات الآسيوية في خلفية اللقاء المرتقب.

ويعكس ذلك أن معالجة ضعف الين لم تعد تقتصر على التدخل المباشر في سوق العملات. فطوكيو باتت تتحرك عبر ثلاث قنوات مترابطة: التدخل في سوق الصرف، وتشديد السياسة النقدية، وتعزيز التنسيق المالي الدولي.

وستتجه الأنظار الآن إلى بيانات التضخم والين وتصريحات مسؤولي بنك اليابان قبل اجتماع سبتمبر. فإذا استمرت ضغوط الأسعار وضعف العملة، فقد يمثل الاجتماع بداية مرحلة أسرع من تطبيع السياسة النقدية اليابانية، بعد سنوات طويلة كانت فيها طوكيو الاستثناء الأبرز بين الاقتصادات الكبرى في تبني أسعار فائدة شديدة الانخفاض.


مقالات ذات صلة

حرب البحر الأسود تهدّد شرايين تجارة الحبوب العالمية

الاقتصاد سفينة شحن بميناء نوفوروسيسك في البحر الأسود بروسيا (رويترز)

حرب البحر الأسود تهدّد شرايين تجارة الحبوب العالمية

مع انتقال الهجمات بصورة متزايدة إلى السفن والموانئ ومنشآت التصدير في البحر الأسود، عاد واحد من أهم ممرات تجارة الحبوب في العالم إلى دائرة الخطر

لمياء نبيل (القاهرة)
الاقتصاد مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

اليوان يواصل الصعود رغم ضغوط الأسهم الصينية

واصل اليوان الصيني التحرك قرب أعلى مستوياته في ثلاثة أعوام ونصف العام، متجهاً لتسجيل مكاسب للأسبوع السابع على التوالي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ ب)

الأسهم اليابانية عند قمة قياسية والسندات تتراجع

تحركت الأسواق اليابانية، الجمعة، في اتجاهين متباينين يعكسان تعقيدات المرحلة التي يمر بها ثالث أكبر اقتصاد في العالم

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد لقطة جوية بطائرة مسيّرة تُظهر العلم التركي يرفرف فوق منطقة سارايبورنو (رويترز)

المركزي التركي يرفع توقعاته للتضخم إلى 28 % بنهاية 2026

رفع البنك المركزي التركي توقعاته للتضخم بنهاية عام 2026 إلى 28 % من 26 % لكنه أبقى هدفه المؤقت للتضخم للفترة نفسها عند 24 %

«الشرق الأوسط» (إسطنبول )
الاقتصاد مقر «بنك الشعب» الصيني في العاصمة بكين (رويترز)

الصين تعيد هندسة إدارة السيولة قصيرة الأجل

تتحرك بكين نحو مرحلة أدق في إدارة السيولة مع انتقال «بنك الشعب (المركزي الصيني)» تدريجياً من التركيز على عمليات إعادة الشراء لأجل 7 أيام إلى الليلة الواحدة.

«الشرق الأوسط» (بكين)

حرب البحر الأسود تهدّد شرايين تجارة الحبوب العالمية

سفينة شحن بميناء نوفوروسيسك في البحر الأسود بروسيا (رويترز)
سفينة شحن بميناء نوفوروسيسك في البحر الأسود بروسيا (رويترز)
TT

حرب البحر الأسود تهدّد شرايين تجارة الحبوب العالمية

سفينة شحن بميناء نوفوروسيسك في البحر الأسود بروسيا (رويترز)
سفينة شحن بميناء نوفوروسيسك في البحر الأسود بروسيا (رويترز)

لم تعد الحرب في البحر الأسود مجرد مواجهة عسكرية بين روسيا وأوكرانيا، بل تحولت مجدداً إلى أحد أبرز مصادر المخاطر على تجارة الغذاء العالمية، مع تصاعد الهجمات على الموانئ والسفن وارتفاع تكلفة التأمين، في منطقة يُتوقع أن تصدر منها روسيا وأوكرانيا معاً أكثر من 60 مليون طن من القمح خلال الموسم الحالي.

وزادت المخاوف بعدما عرضت أوكرانيا، عبر طرف ثالث، وقف الهجمات المتبادلة على السفن المدنية في البحر الأسود، في محاولة لتخفيف الضغط على طرق التصدير، في حين لم تبدِ موسكو حتى الآن استعداداً لقبول هدنة مماثلة. وتأتي المبادرة بعد تصاعد حاد للهجمات خلال يوليو (تموز) وأغسطس (آب)، استهدف موانئ وسفناً على جانبي البحر الأسود.

وتكمن أهمية التطورات في الوزن الاستثنائي للمنطقة في سوق القمح. فقد قدرت وزارة الزراعة الأميركية صادرات روسيا من القمح في موسم 2026 -2027 بنحو 47 مليون طن في مايو (أيار)، قبل رفع التقدير في يوليو إلى نحو 47.5 مليون طن، لتبقى موسكو أكبر مصدر للقمح في العالم. أما صادرات أوكرانيا فتدور التقديرات حول 14 مليون طن؛ ما يعني أن البلدين يمثلان معاً كتلة تصديرية تفوق 60 مليون طن.

* أوديسا... شريان اقتصادي تحت النار

بالنسبة إلى أوكرانيا، يمثل البحر الأسود الطريق الأرخص والأكثر قدرة على نقل المنتجات الزراعية. ففي عام 2025 عالجت الموانئ الأوكرانية 82.2 مليون طن من البضائع، جاءت المنتجات الزراعية في الصدارة بنحو 44.2 مليون طن، أي أكثر من نصف إجمالي حركة الموانئ. ورغم الحرب، صدَّرت هذه الموانئ منتجات إلى 55 دولة، وذلك حسب بيانات سلطات ميناء أوديسا.

ومنذ تشغيل الممر البحري الأوكراني في سبتمبر (أيلول) 2023، نقل الطريق أكثر من 190 مليون طن من البضائع، بينها أكثر من 110 ملايين طن من الحبوب، وفق بيانات حكومية أوكرانية في أبريل (نيسان) 2026. وهذا الحجم يوضح لماذا يصعب تعويض موانئ أوديسا وتشورنومورسك وبيفديني بالسكك الحديدية أو طرق النقل البري ونهر الدانوب.

وفي أول شهرين تقريباً من 2026 وحدهما، عالجت الموانئ الأوكرانية أكثر من 15 مليون طن، استحوذت موانئ «أوديسا الكبرى» على 14.5 مليون طن منها، بينها 8.5 مليون طن من الحبوب، في حين عالجت موانئ الدانوب 1.1 مليون طن فقط، منها 221 ألف طن من الحبوب.

وتكشف الفجوة بين الرقمين عن حدود البدائل المتاحة لكييف. فصحيح أن الدانوب والسكك الحديدية يوفران شبكة أمان، لكن الأمم المتحدة سبق أن أشارت إلى أن الطرق النهرية أكثر تكلفة، ولا تستطيع استقبال سفن الشحن الكبيرة نفسها التي تستخدمها الموانئ البحرية، كما تتطلب زمناً أطول للوصول إلى الأسواق الخارجية.

سفينة شحن تغادر ميناء أوديسا على البحر الأسود في أوكرانيا (رويترز)

* الضربات تصل إلى بوابة روسيا

لكن المخاطر لم تعد أوكرانية فقط؛ فقد تسببت هجمات حديثة على نوفوروسيسك، مركز تصدير الحبوب الروسي الرئيسي على البحر الأسود، في توقف عمليات بمنشآت للحبوب؛ وهو ما أدى إلى قفزة فورية في أسعار القمح في الأسواق العالمية. وارتفعت العقود الآجلة للقمح في شيكاغو بنحو 3 في المائة عقب أحدث اضطرابات الميناء، في مؤشر على حساسية السوق لأي تهديد للإمدادات الروسية.

وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية؛ فإذا تعرضت صادرات روسيا وأوكرانيا للاضطراب في الوقت نفسه، فلن تواجه السوق مشكلة منتج واحد أو ميناء واحد، وإنما تهديداً لاثنين من أكبر موردي القمح والحبوب في العالم.

* التأمين يتحول إلى ضريبة حرب

وتظهر الفاتورة الاقتصادية بصورة أوضح في سوق التأمين البحري. فقد تجاوزت أقساط مخاطر الحرب الإضافية على بعض الرحلات في البحر الأسود 1 في المائة من قيمة السفينة في يوليو، في حين قدرت مصادر في سوق التأمين المعدلات في بعض الحالات بنحو 1.5 في المائة، ارتفاعاً من مستويات أدنى بكثير قبل موجة التصعيد الأخيرة.

وهذا يعني، على سبيل المثال، أن سفينة تبلغ قيمتها 50 مليون دولار قد تتحمل علاوة حرب إضافية تصل إلى 500 ألف - 750 ألف دولار للرحلة الواحدة، قبل إضافة تكاليف الوقود والتأخير والشحن والتشغيل.

ولا تتوقف الخسارة عند التأمين. فارتفاع المخاطر يدفع بعض ملاك السفن إلى رفض دخول المنطقة أصلاً، في حين يطالب آخرون بأجور شحن أعلى. وقد حذرت «أونكتاد» منذ بداية الحرب من أن زيادة تكاليف الشحن البحري للحبوب يمكن أن تنتقل سريعاً إلى أسعار الغذاء؛ إذ قدرت في موجة الاضطراب الأولى أن تزامن ارتفاع أسعار الحبوب والشحن يمكن أن يزيد أسعار الغذاء للمستهلكين عالمياً بنحو 4 في المائة، يأتي نحو نصفها من ارتفاع تكاليف النقل وحده.

سفينة قرب مدخل مضيق البوسفور في البحر الأسود بتركيا (رويترز)

* أسعار الغذاء دخلت الأزمة من موقع مرتفع

ويأتي التصعيد الجديد في وقت أسعار الغذاء العالمية مرتفعة بالفعل. فقد بلغ مؤشر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة 131.1 نقطة في يوليو، وهو أعلى مستوى في أكثر من ثلاث سنوات، مع ارتفاع أسعار الحبوب 3.4 في المائة خلال الشهر وقفزة أسعار القمح 5.8 في المائة، وسط مخاوف من اضطراب صادرات البحر الأسود والأضرار المناخية بالمحاصيل.

وكان مؤشر «فاو» قد بلغ 130.3 نقطة في يونيو (حزيران)، بزيادة 1.7 في المائة على أساس سنوي، رغم انخفاض أسعار الحبوب آنذاك بفعل توقعات وفرة الإمدادات من البحر الأسود. وهذا التغير السريع بين يونيو ويوليو يكشف إلى أي مدى يمكن للمخاطر العسكرية أن تقلب اتجاه السوق في غضون أسابيع.

ورغم أن المخزونات العالمية توفر قدراً من الحماية، فإن الخطر يتركز في التجارة الفعلية وتوقيت وصول الشحنات. فالأسواق قد تكون لديها كميات كافية من القمح إجمالاً، لكن تعطل ميناء رئيسي أو تأخر السفن أو تضاعف كلفة التأمين يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع الأسعار لدى المشترين النهائيين.

* الشرق الأوسط في مقدمة المتأثرين

وتبدو دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من الأكثر حساسية لأي اضطراب جديد. فمصر، على سبيل المثال، من أكبر مستوردي القمح عالمياً، وتشير تقديرات وزارة الزراعة الأميركية إلى واردات قد تصل إلى 13.5 مليون طن في موسم 2026- 2027، بعدما بلغت التقديرات للموسم السابق 15.5 مليون طن. كما رفعت الوزارة توقعاتها لواردات السودان إلى 2.8 مليون طن، والسعودية إلى 4.2 مليون طن في الموسم السابق.

وتجعل هذه الأرقام أي زيادة بنسب محدودة في سعر القمح أو الشحن عبئاً بمئات الملايين من الدولارات على فواتير الاستيراد الحكومية والخاصة، خصوصاً في الاقتصادات التي تدعم الخبز أو تعاني أصلاً ضغوطاً على العملات الأجنبية.

والتجربة السابقة تبرهن على أهمية فتح الممرات. فقد سمحت مبادرة حبوب البحر الأسود التي توسطت فيها الأمم المتحدة وتركيا بين 2022 و2023 بخروج نحو 32.9 مليون طن من الحبوب والمواد الغذائية من أوكرانيا، وذهب نحو 64 في المائة من شحنات القمح ضمن المبادرة إلى الدول النامية والأقل نمواً... وقد أسهمت المبادرة، إلى جانب تحسن الإمدادات، في خفض أسعار الغذاء العالمية بنحو 22 في المائة من ذروتها، حسب «أونكتاد».

ولهذا؛ فإن عرض الهدنة الأوكراني الحالي يتجاوز البعد العسكري. فالسؤال بالنسبة للأسواق هو ما إذا كان البحر الأسود يستطيع الاحتفاظ بدوره ممراً تجارياً موثوقاً، أم أن الحرب ستضيف بصورة دائمة «ضريبة مخاطر» إلى كل طن من القمح يغادر موانئ المنطقة.

وحتى الآن، لا تشير التطورات إلى عودة سريعة للاستقرار. فالموانئ تتعرض للهجمات، وأقساط التأمين ارتفعت، وأسعار القمح أصبحت أكثر حساسية للأخبار العسكرية، في حين تعتمد عشرات الدول على الإمدادات القادمة من روسيا وأوكرانيا. ومع كل يوم إضافي من التصعيد، تنتقل تكلفة الحرب تدريجياً من السفن والموانئ على البحر الأسود إلى فواتير الغذاء وموائد المستهلكين حول العالم.


طفرة الذكاء الاصطناعي تدفع العوائد الحقيقية للسندات لأعلى مستوى في أكثر من عقد

شعار الذكاء الاصطناعي «إيه آي» يعلو جدار مركز «غوغل» الجديد خلال حفل افتتاحه في برلين (د.ب.أ)
شعار الذكاء الاصطناعي «إيه آي» يعلو جدار مركز «غوغل» الجديد خلال حفل افتتاحه في برلين (د.ب.أ)
TT

طفرة الذكاء الاصطناعي تدفع العوائد الحقيقية للسندات لأعلى مستوى في أكثر من عقد

شعار الذكاء الاصطناعي «إيه آي» يعلو جدار مركز «غوغل» الجديد خلال حفل افتتاحه في برلين (د.ب.أ)
شعار الذكاء الاصطناعي «إيه آي» يعلو جدار مركز «غوغل» الجديد خلال حفل افتتاحه في برلين (د.ب.أ)

قفزت مؤشرات تكلفة الاقتراض المعدلة وفقاً للتضخم، إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقد في الاقتصادات الكبرى، مع تكثيف شركات الذكاء الاصطناعي والحكومات إصداراتها من السندات، ما يزيد المخاطر التي تواجه أسواق الأسهم والاقتصاد العالمي.

وتُقصد بالعوائد الحقيقية العائدات التي يطلبها المستثمر في السندات فوق معدل التضخم، وهي مؤشر مهم على تكلفة الاقتراض الفعلية التي تتحملها الحكومات والشركات. وتتحدد هذه العوائد عادةً وفقاً لتوقعات النمو وأسعار الفائدة، إلى جانب عوامل العرض والطلب على الأموال.

وتقترب العوائد الحقيقية على السندات الأميركية لأجل 30 عاماً، والمقاسة من خلال السندات المرتبطة بالتضخم، من أعلى مستوياتها في 18 عاماً، عند نحو 3 في المائة. كما تتداول العوائد الحقيقية على السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات قرب أعلى مستوياتها في أكثر من عقد، وفق «رويترز».

ويرى مستثمرون ومحللون أن موجة الاقتراض المتزايدة من جانب شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة، المعروفة باسم «هايبرسكايلرز»، في وقت تواصل فيه الحكومات الإنفاق بكثافة، كانت من أبرز العوامل التي دفعت العوائد إلى الارتفاع، مع مطالبة المستثمرين بعوائد أعلى للاستمرار في شراء الكميات الكبيرة من السندات المطروحة في الأسواق.

ومع بقاء توقعات التضخم مستقرة إلى حد كبير رغم الحرب مع إيران، أدى ارتفاع العوائد الحقيقية إلى دفع العوائد الاسمية للسندات إلى الصعود في أنحاء العالم خلال الأشهر الأخيرة.

ودفعت الولايات المتحدة يوم الخميس أعلى تكلفة اقتراض لها منذ عام 2001، عند بيع سندات لأجل 30 عاماً في مزاد؛ إذ بلغ العائد 5.22 في المائة.

تدفق هائل للسندات

أصدرت شركات من بينها «ألفابت» و«أمازون» و«ميتا» ما يقرب من 220 مليار دولار من السندات منذ بداية العام؛ أي أكثر من ضعف قيمة الإصدارات المسجلة طوال عام 2025، والتي بلغت 108 مليارات دولار، وفق بيانات مجموعة بورصة لندن للأوراق المالية.

وقال فيفيك بول، كبير استراتيجيي الاستثمار في المملكة المتحدة لدى معهد «بلاك روك» للاستثمار: «هناك منافسة على رأس المال لم نشهد لها مثيلاً تقريباً في الآونة الأخيرة».

وأضاف: «مع تسارع عوامل مثل التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، تتزايد مشكلة ندرة رأس المال، وهو ما ينعكس بوضوح في ارتفاع عوائد السندات».

وتواصل الحكومات أيضاً الاقتراض بوتيرة مرتفعة. ومن المتوقع أن يبلغ عجز الموازنة الأميركية نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أو 1.9 تريليون دولار، هذا العام، مقابل 5 في المائة بفرنسا و4 في المائة ببريطانيا.

وقال آل كاترمل، مدير أول لمحافظ الدخل الثابت لدى «ميرابو لإدارة الأصول»: «في أوروبا، يمثل الإنفاق الدفاعي وأمن الطاقة والاستثمار في البنية التحتية، محركات أكثر أهمية من الإنفاق على الذكاء الاصطناعي تحديداً».

كما تسعّر الأسواق احتمال رفع أسعار الفائدة، وهو ما يؤدي، مع ثبات العوامل الأخرى، إلى دفع العوائد الحقيقية إلى الارتفاع. وقال ماكس كيتسون، استراتيجي أسعار الفائدة الأوروبية لدى «باركليز»، إن قوة النمو الاقتصادي، لا سيما في الولايات المتحدة، تمثل عاملاً مهماً في هذا الاتجاه.

وأشار أيضاً إلى أن البنوك المركزية لم تعد تشتري السندات بالوتيرة السابقة، بعدما كانت مشترياتها تسهم في كبح العوائد.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

احذروا الأسهم

تمثل العوائد الحقيقية معياراً لتكلفة الاقتراض المعدلة وفقاً للتضخم التي تواجهها الحكومات والشركات.

فإذا كان السند يدر عائداً اسمياً قدره 3 في المائة، بينما تبلغ توقعات التضخم 2 في المائة، فإن عائده الحقيقي يبلغ نحو 1 في المائة. وفي بعض الأحيان تكون توقعات التضخم العامل الرئيسي وراء تحركات العوائد الاسمية، لكن المحللين يقولون إن العوائد الحقيقية كانت المحرك الأهم في الآونة الأخيرة.

ومن الناحية النظرية، ينبغي أن يؤدي ارتفاع العوائد الحقيقية إلى تقليص الجاذبية النسبية للأسهم؛ إذ يمكن للمستثمرين تحقيق عوائد أفضل معدلة وفقاً للتضخم من خلال السندات، في حين تصبح التدفقات النقدية المستقبلية للشركات أقل جاذبية عند خصمها باستخدام عوائد أعلى.

لكن الأسهم، التي سجلت مستويات قياسية مدفوعة بأرباح قوية للشركات واقتصادات صامدة، تجاهلت هذه المخاوف حتى الآن؛ فقد رفع «جيه بي مورغان» توقعاته لأرباح الشركات المدرجة في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» الأميركي، بينما أظهرت بيانات «إل إس إي جي» أن أرباح الشركات الأوروبية الكبرى من المتوقع أن تسجل أسرع نمو لها منذ أواخر عام 2022.

لكن مات كينغ، مؤسس «ساتوري إنسايتس»، كان أكثر تشاؤماً، قائلاً إن شركات التكنولوجيا الكبرى تستنزف سيولتها النقدية، وستضطر بصورة متزايدة إلى اللجوء إلى الائتمان، وعندها سيبدأ ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية في التأثير عليها.

وقال في مذكرة: «نتوقع استمرار ارتفاع العوائد الحقيقية إلى أن تؤدي إلى خنق الاقتراض الذي دفعها إلى الارتفاع، وكذلك التحول نحو الأصول عالية المخاطر الذي غذّى صعود الأسهم».

كما يمكن أن تؤدي زيادة تكاليف الاقتراض المعدلة وفقاً للتضخم، عند بلوغها مستويات معينة، إلى دفع الشركات والأسر إلى خفض الاستهلاك والاستثمار، ما يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي.

وقال أشوك بهاتيا، كبير مسؤولي الاستثمار لدى «نيوبيرغر»، إن العوائد الحقيقية الأميركية لا تزال دون مستوى 3 في المائة إلى 4 في المائة، الذي يقدّر أنه يبدأ عنده التأثير على النمو الاقتصادي.

وأضاف: «لكن مستويات اليوم تمثل إشارة تحذيرية إلى أن النمو، رغم بقائه متيناً حالياً عند 1.5 في المائة إلى 2 في المائة، قد يبدأ في التعرض للتهديد».

وقال بهاتيا إنه يتوخى الحذر تجاه السندات طويلة الأجل بسبب المخاوف المتعلقة بالسياسة المالية، بينما رأى كيتسون من «باركليز» أن العوائد الحقيقية قد تواصل الارتفاع في ظل غياب رغبة سياسية كافية لدى الحكومات لخفض عجز الموازنات.

وأضاف: «العوامل الهيكلية التي تقف وراء هذه الزيادات في العوائد لا تزال قائمة. ولا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأنها ستختفي في أي وقت قريب».


النحاس يتراجع مع تزايد مخاوف الطلب رغم اتجاهه لتحقيق مكاسب أسبوعية

قضبان نحاس معروضة على رفوف شركة «سي آند آر ميتالز» في ميامي بفلوريدا (أ.ف.ب)
قضبان نحاس معروضة على رفوف شركة «سي آند آر ميتالز» في ميامي بفلوريدا (أ.ف.ب)
TT

النحاس يتراجع مع تزايد مخاوف الطلب رغم اتجاهه لتحقيق مكاسب أسبوعية

قضبان نحاس معروضة على رفوف شركة «سي آند آر ميتالز» في ميامي بفلوريدا (أ.ف.ب)
قضبان نحاس معروضة على رفوف شركة «سي آند آر ميتالز» في ميامي بفلوريدا (أ.ف.ب)

تراجعت أسعار النحاس يوم الجمعة، لكنها ظلت مرتفعة بشكل طفيف على أساس أسبوعي، في ظل تساؤلات المحللين حول قدرة الطلب العالمي على مواكبة الارتفاع القوي الذي شهدته أسعار المعدن الأحمر في الآونة الأخيرة.

وانخفض سعر النحاس القياسي لأجل ثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن بنسبة 0.34 في المائة إلى 14100.50 دولار للطن المتري بحلول الساعة 07:15 بتوقيت غرينتش. ويتجه النحاس لتحقيق مكاسب أسبوعية بنحو 0.3 في المائة، ما سيشكل سابع ارتفاع أسبوعي متتالٍ له، في أطول سلسلة مكاسب منذ عام 2020، بإجمالي مكاسب بلغ 5.49 في المائة خلال هذه الفترة، وفق «رويترز».

وفي بورصة شنغهاي للعقود الآجلة، انخفض عقد النحاس الأكثر تداولاً بنسبة طفيفة بلغت 0.12 في المائة إلى 107690 يواناً (15970.64 دولار) للطن.

وساهم تراجع الضغوط التضخمية وانحسار المخاوف بشأن رفع أسعار الفائدة في دعم توقعات النشاط الاقتصادي، بعد صدور بيانات تضخم أميركية جاءت إيجابية.

وقال أندي فريدة، المحلل لدى «فاست ماركتس»: «قد يبدو الطلب على المعادن الأساسية قوياً، لكننا ما زلنا نرى أن قدرته على الحفاظ على الزخم القوي نفسه غير مؤكدة، بالنظر إلى السرعة التي ارتفعت بها أسعار الأصول، في وقت لا يزال فيه نمو الأجور ضعيفاً نسبياً».

ووفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لبورصة شيكاغو التجارية، يتوقع متداولو أسعار الفائدة حالياً احتمالاً بنسبة 34 في المائة لرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في اجتماعه المقرر في سبتمبر (أيلول)، انخفاضاً من 44 في المائة في الأسبوع الماضي.

وتراجعت أسعار الألومنيوم في بورصة لندن للمعادن بنسبة 0.75 في المائة، ومن المتوقع أن تنهي الأسبوع منخفضة بنحو 1.19 في المائة. وفي بورصة شنغهاي للعقود الآجلة، انخفض سعر الألومنيوم بنسبة 1.14 في المائة.

وساهمت توقعات تعافي الإمدادات من الشرق الأوسط في تخفيف بعض المخاوف بشأن نقص المعروض، فيما أعلنت شركة «نورسك هيدرو» أن إنتاج الألومينا في مصفاة «ألونورتي» بالبرازيل بدأ في العودة إلى مستوياته الطبيعية يوم الخميس، بعد تراجع مؤقت في الإنتاج كان قد ساهم في دعم الأسعار.

وبالنسبة إلى المعادن الأخرى المتداولة في بورصة لندن للمعادن، تراجع الزنك بنسبة 0.33 في المائة، والرصاص بنسبة 0.24 في المائة، والنيكل بنسبة 0.36 في المائة، والقصدير بنسبة 0.07 في المائة.

وفي بورصة شنغهاي للعقود الآجلة، انخفض الزنك بنسبة 0.19 في المائة، والرصاص بنسبة 0.88 في المائة، والنيكل بنسبة 1.32 في المائة، بينما استقر القصدير تقريباً، مرتفعاً بنسبة طفيفة بلغت 0.04 في المائة.