موافقة البرهان على حوار مشروط تثير جدلاً في السودان

المطالبة بوقف الحرب تحتاج عملياً إلى موافقة طرفي القتال لكن «الدعم السريع» خارج العملية

أرشيفية لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يُحيّي مؤيديه في أم درمان غرب الخرطوم 29 يونيو 2019 (أ.ب)
أرشيفية لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يُحيّي مؤيديه في أم درمان غرب الخرطوم 29 يونيو 2019 (أ.ب)
TT

موافقة البرهان على حوار مشروط تثير جدلاً في السودان

أرشيفية لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يُحيّي مؤيديه في أم درمان غرب الخرطوم 29 يونيو 2019 (أ.ب)
أرشيفية لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يُحيّي مؤيديه في أم درمان غرب الخرطوم 29 يونيو 2019 (أ.ب)

أثار إبداء رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، موافقته على إطلاق حوار سوداني - سوداني جدلاً بين القوى السياسية في البلاد، إذ إنه يتجاوز الخلاف حول المشاركة والمقاطعة إلى سؤال: هل يستطيع حوار سياسي يجري فيما الحرب مستمرة أن يوقف القتال ويعيد توحيد البلاد، أم يتحوّل إلى ترتيب سياسي محصور فقط في مناطق سيطرة الجيش مع ما يعنيه ذلك من إعادة ترسيم لخريطة الحرب؟

وأعلن البرهان، في خطاب يوم السبت بمناسبة عيد الجيش، موافقته على «مبادرة» قدمتها مجموعة من السودانيين لتشكيل آلية وطنية مستقلة تهيئ لـ«حوار شامل»، حسب قوله. وتعهد بتوفير الضمانات القانونية والأمنية والسياسية واللوجستية للمشاركين، دون تدخّل من الدولة في الحوار أو في تنظيمه وتحديد أطرافه وأجندته ومخرجاته.

وكشف البرهان أيضاً عن موافقته على «حصانة مؤقتة» توقف الإجراءات الجنائية بحق المشاركين طوال فترة الحوار، مع حصانة دائمة للآراء والمواقف التي يطرحونها داخله.

لكن مبادرة رئيس مجلس السيادة بخصوص الحوار ترافقت في الوقت ذاته مع إعلانه، في الخطاب نفسه، رفضه لأي سلام يعيد «قوات الدعم السريع» ومسانديها إلى السلطة، مؤكداً أن طريق السلام يبدأ بإلقاء هذه القوات أسلحتها وتجميع عناصرها في مناطق محددة، وإلا فإن الجيش سيواصل العمليات العسكرية ضدها.

من جهته، عزز رئيس الوزراء، كامل إدريس، في تصريحات الأحد، اتجاه البرهان، وقال إن هدف حكومته هو استعادة السلام والمحافظة على وحدة السودان. بيد أنه طالب أيضاً بتصنيف «الدعم السريع» ضمن المنظمات «الإرهابية»، قاطعاً بعدم مساواة هذه القوات بالجيش. ورغم تأكيده تقدم الجيش في كردفان، فإنه أكد انطلاق الحوار السوداني - السوداني في وقت قريب، وأنه سينتهي بانتخابات حرة.

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)

وكشف حديث عضو لجنة مبادرة الحوار، المحامي نبيل أديب، جانباً مهماً من طبيعة العملية المقترحة، بقوله لصحيفة «صوت الأمة» إن إنهاء الحرب لم يوضع هدفاً للجنته، وإن مهمتها الأساسية تنحصر في الوصول إلى توافق سياسي. واستدرك: «قد يكون وقف الحرب واحداً من مخرجات الحوار إذا توافق عليه المشاركون».

ومن هذه التصريحات تبرز معضلة. فإذا توصل المشتركون في الحوار إلى المطالبة بوقف الحرب، فإن تنفيذ ذلك يحتاج عملياً إلى موافقة طرفي القتال. وفي حال بقاء «الدعم السريع» خارج العملية، فإن الحوار يستطيع إنتاج موقف سياسي ضد الحرب، لكنه لا يمتلك بمفرده آلية لوقف النار.

وكان لافتاً في هذا الإطار أن أديب ترك الباب موارباً أمام مشاركة بعض مكونات تحالف «تأسيس» الذي يضم فصائل سياسية وحركات مسلحة معارضة للجيش. وقال: «القوى المنضوية فيه التي لا تحمل السلاح يمكنها طلب المشاركة، على أن ينظر في أمرها وفق آليات اللجنة والمتحاورين».

وفرّق أديب بين الأجنحة السياسية والعسكرية للحركات المساندة للجيش، مثل «حركة العدل والمساواة»، بحيث يشارك جناحها المدني في الحوار، فيما يخضع العسكريون للترتيبات الأمنية والدمج والتسريح.

الدخان يتصاعد من أبنية في الخرطوم خلال اشتباكات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» (أرشيفية - رويترز)

من جهتها، رحبت «الكتلة الديمقراطية» المكونة من قوى وحركات مسلحة متحالفة مع الجيش، بالمبادرة، وعدتها «خطوة لمعالجة الأزمة» عبر مسار سياسي وطني. وطالبت، في بيان، بما سمته «ملكية سودانية للعملية»، وبتوسيع المشاركة فيها وعدم الإقصاء، وقصر الدور الدولي والإقليمي على التيسير والدعم.

وعلى الضفة الأخرى، رفض تحالف «صمود»، وهو تحالف سياسي مدني بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، أي حوار يجري تحت ما أُطلق عليه «دويّ المدافع». واشترط، في بيان، أن يكون وقف الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية مدخلاً لأي عملية سياسية مستقلة عن طرفي القتال.

وحذر التحالف من إجراء الحوار في مناطق سيطرة الجيش وحدها، وعده ترسيخاً لـ«انقسام غير معلن»، بينما تتوزع السيطرة على البلاد بين قوى مسلحة بما يهدد وحدة البلاد.

وذهبت «الحركة الشعبية لتحرير السودان - التيار الثوري الديمقراطي»، بقيادة ياسر سعيد عرمان، إلى توصيف المشكلة بأنها «أعمق من مجرد الحرب الراهنة». وقالت، في بيان، إنها ترتبط بأزمة بناء الدولة، وبتعدد الجيوش والميليشيات، وحذّرت مما أطلقت عليه «حواراً لا يعالج جذور الأزمة»، ومن إعادة إنتاج الصراع بما يمنح القوى المسلحة نفوذاً سياسياً مستمداً من قوة السلام.

مقاتلون من «الدعم السريع» في بلدة بشمال السودان يوم 15 يونيو 2019 (أ.ب)

أما حزب «الأمة» القومي فاشترط، من جهته، استقلال آلية الحوار وشمولها مكوّنات المجتمع، باستثناء حزب «المؤتمر الوطني» وواجهاته. وطالب زعيم «الأمة»، مبارك الفاضل المهدي، بوقف الحرب وبمصالحة وطنية ومفاوضات للترتيبات الأمنية تنتهي إلى جيش مهني واحد. ورأى المهدي، وفق منشور على منصة «إكس»، أن الحوار ينبغي أن يُعقد في مكان محايد، محذراً من أن اقتصاره عملياً على القوى الموجودة في مناطق الجيش قد يكرّس انقسام البلاد ويشجع استمرار الحرب، وعد وحدة السودان هي الاختبار الأخطر للمبادرة.

ومن منظور الجيش، يمثّل استبعاد «الدعم السريع» من السلطة رفضاً لمنح شرعية سياسية لقوة حملت السلاح ضده. لكن بقاء «قوات الدعم السريع» وحلفائها مسيطرين على مناطق من البلاد، يعني أن أي ترتيبات دستورية أو حكومية ينتجها حوار لا يشمل القوى الموجودة هناك ستواجه صعوبة في التطبيق على السودان كله.

وفي ظل وجود سلطات وجيوش ومؤسسات متوازية، تزداد مخاطر تحوّل خطوط السيطرة العسكرية إلى انقسام سياسي وإداري واقتصادي أكثر رسوخاً، مقابل أن إشراك القوى المسلحة لا يحل الأزمة، ما لم تعالج قضية تعدد الجيوش والسلاح، وشكل الدولة، وتقاسم السلطة والثروة، والعدالة والمحاسبة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، حسبما يقول محللون.

وفي هذا الإطار، تكشف تصريحات أديب أن لجنة الحوار لا تدّعي امتلاك قرارات ملزمة، فهي تقترح وتعمل على إزالة عوائق الحوار، وتنتهي مهمتها بانتهائه، بينما تطرح «إنهاء الأزمة والعودة إلى الانتقال» هدفاً عاماً.

لذلك فنجاح المبادرة لا يمكن قياسه بمجرد انعقاد الحوار أو عدد المشاركين فيه، وإنما بقدرته على الانتقال من توافق بين القوى السياسية إلى تسوية تعالج جذور الأزمة، وتوقف الحرب، وتعيد بناء دولة واحدة.


مقالات ذات صلة

السودان: 41 قتيلاً بقصف مركز للنازحين في النيل الأزرق... و«الدعم السريع» تنفي مسؤوليتها

شمال افريقيا قوات عسكرية تظهر في مطار الخرطوم الدولي (أ.ف.ب)

السودان: 41 قتيلاً بقصف مركز للنازحين في النيل الأزرق... و«الدعم السريع» تنفي مسؤوليتها

قُتل 41 شخصاً وأُصيب آخرون بقصف استهدف مركز إيواء نازحين في إقليم النيل الأزرق، وفق مجموعة قانونية سودانية.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»

عبد الواحد نور: لا حكم للبرهان وحميدتي بالبزة العسكرية

رفض عبد الواحد نور، رئيس حركة وجيش تحرير السودان، مشاركة البرهان وحميدتي في الحكم بصفتيهما العسكريتين، مشترطاً لخوض السياسة التخلي عن البزة العسكرية.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا جدار مسجد انهار بعد غارة بطائرة مسيّرة في مدينة الخرطوم بحري بالسودان (رويترز) p-circle

السودان: مقتل 26 امرأة و4 أطفال في ضربة بمسيّرة تابعة لـ«الدعم السريع»

قُتلت 26 امرأة و4 أطفال بضربة بطائرة مسيّرة تابعة لـ"قوات الدعم السريع" في جنوب شرق السودان، الجمعة، بحسب ما أفاد مسؤول وشهود عيان "وكالة الصحافة الفرنسية".

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا قائد الجيش رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان أثناء زيارته منطقة أمري الثلاثاء (إعلام مجلس السيادة)

البرهان يجدد رفضه التفاوض مع «الدعم السريع» و«أي جهة أخرى»

جدّد رئيس مجلس السيادة السوداني، قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، رفضه التفاوض مع «قوات الدعم السريع»، و«أي جهة أخرى»، وتمسك بمواصلة العمليات العسكرية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزير الصحة السوداني الدكتور هيثم محمد إبراهيم (أرشيفية-وكالة السودان للأنباء)

وزير الصحة لـ«الشرق الأوسط»: السودان استعاد 75 % من خدمات المرافق الصحية

أعلن وزير الصحة الاتحادي هيثم محمد انتقال السودان من مرحلة الاستجابة الطارئة في القطاع إلى مرحلة التعافي، وأعلن عودة 75 % من المرافق التابعة للخدمة.

وجدان طلحة (الخرطوم)

السودان: 41 قتيلاً بقصف مركز للنازحين في النيل الأزرق... و«الدعم السريع» تنفي مسؤوليتها

قوات عسكرية تظهر في مطار الخرطوم الدولي (أ.ف.ب)
قوات عسكرية تظهر في مطار الخرطوم الدولي (أ.ف.ب)
TT

السودان: 41 قتيلاً بقصف مركز للنازحين في النيل الأزرق... و«الدعم السريع» تنفي مسؤوليتها

قوات عسكرية تظهر في مطار الخرطوم الدولي (أ.ف.ب)
قوات عسكرية تظهر في مطار الخرطوم الدولي (أ.ف.ب)

قُتل 41 شخصاً وأُصيب آخرون بقصف استهدف مركز إيواء نازحين في إقليم النيل الأزرق، وفق مجموعة قانونية سودانية.، حسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت مجموعة محامو الطوارئ، في بيان نشرته على صفحتها بموقع «فيسبوك» ليل الجمعة-السبت: «ارتفع عدد القتلى إلى 41 ضحية جراء استهداف مسيّرة لمركز إيواء نازحي (أبو شندي) بمحلية ود الماحي في إقليم النيل الأزرق»، متهمةً «قوات الدعم السريع» بتنفيذ القصف.

بدوره، نفى تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)، الذي تقوده «قوات الدعم السريع» استهداف مركز إيواء نازحي «أبو شندي»، معتبراً أنها «مزاعم وأخبار مفخخة مصنوعة من الاستخبارات».

وقال تحالف تأسيس، في بيان نشره على صفحته بموقع «فيسبوك»، إن اتهامه يأتي في سياق محاولة يائسة ومكشوفة لتشويه صورة قواته عقب «الانتصارات الكبيرة» التي تحققت في الإقليم، مؤكداً «الالتزام بالعمل على تحقيق سودان جديد ديمقراطي، لا مركزي وموحَّد طوعياً يسع الجميع».

ويشهد السودان حرباً بين الجيش و«قوات الدعم السريع» شبه العسكرية منذ أبريل (نيسان) 2023، وأودى الصراع بحياة 59 ألف شخص، على الأقل وتسبب في نزوح نحو 13 مليون آخرين ودفع أجزاء كثيرة من السودان إلى المجاعة. ويحتاج أكثر من 30 مليون شخص لمساعدات إنسانية.


النور: لا حكم للبرهان وحميدتي كعسكريّين


 عبد الواحد نور مشاركاً في اجتماعات سابقة في نيروبي (إعلام تحالف صمود)
عبد الواحد نور مشاركاً في اجتماعات سابقة في نيروبي (إعلام تحالف صمود)
TT

النور: لا حكم للبرهان وحميدتي كعسكريّين


 عبد الواحد نور مشاركاً في اجتماعات سابقة في نيروبي (إعلام تحالف صمود)
عبد الواحد نور مشاركاً في اجتماعات سابقة في نيروبي (إعلام تحالف صمود)

رفض عبد الواحد نور، رئيس حركة «جيش تحرير السودان»، مشاركة البرهان وحميدتي في الحكم بصفتيهما العسكريتين، مشترطاً لخوض السياسة التخلي عن الصفة والبزة العسكرية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

وأكد نور في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن مستقبل السودان يجب أن يكون مدنياً، وأن امتلاك القوات لا يمنح قادتها حق الحكم. وشدد على أن حركته لن تنحاز إلى أي من طرفَي الحرب، ولن تشارك في تسوية تعيد الإسلاميين إلى السلطة.

ودعا إلى حل الجيش القائم وبناء جيش قومي جديد، تخضع له جميع القوات، بما فيها قوات حركته، وفق معايير موحدة، وتقتصر مهمته على حماية الأرض والشعب والدستور.

ورفض تقسيم السودان، محذراً من امتداد تداعيات الحرب إلى دول الجوار.


العاهل المغربي يشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية

العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)
العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)
TT

العاهل المغربي يشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية

العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)
العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)

دعا العاهل المغربي، الملك محمد السادس، إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً حقيقياً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، مع تحقيق التوازن والانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية. وشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة اهتمامات السياسات العمومية.

وقال الملك، في خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للولاية التشريعية الثانية عشرة، اليوم الجمعة، بالرباط، إن هذه الولاية تأتي في ظرفية استثنائية حافلة بالفرص التي قد لا تتكرر، لمواصلة الإنجازات في مختلف المجالات، مقدّماً تهانيه لأعضاء مجلس النواب على ثقة الناخبين.

وفي سياق حديثه عن الشباب، شدّد الملك محمد السادس على ضرورة وضع قضاياهم في صدارة اهتمامات هيئات الحكامة، من خلال تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.

وربط الخطاب الملكي هذا التوجه بتعزيز ثقة الشباب في قدراتهم على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص التي يوفرها لهم لبناء مستقبل أفضل في ظل الحرية والكرامة والاستقرار.

وفيما يتعلق بالتدبير الترابي، أكد الملك أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة يتمثل في العمل الميداني على المستوى الترابي، من خلال الوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها.

وأوضح أن النهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسار الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري، منبهاً إلى أن التأخير والاختلالات التي تُعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز ينعكسان سلباً على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعوق التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين.

في هذا الصدد، شدد الملك محمد السادس على أنه «لم يعد من المقبول أي تأخير، أو تماطل في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز»، بما يقتضيه ذلك من نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الأقاليم والجهات.

كما دعا إلى وضع حد للعراقيل التي تعوق عمل مؤسسات الجهة، من خلال تحديد أكثر وضوحاً للاختصاصات، والرفع من مواردها البشرية والمادية، وتنظيم العلاقات بين الدولة والجهات، ووضع آليات للتنسيق والتعاقد تتيح للجهات اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.

وعلى المستوى الاقتصادي، دعا الملك إلى تسريع المشاريع المبرمجة في البنيات التحتية، وإطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، خاصة في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. كما حثّ على الترشيد وتطوير قدرات المملكة في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية، داعياً القطاع الخاص الوطني إلى الارتقاء إلى فاعل استراتيجي في التحول التنموي، وأن يكون أكثر مبادرة وافتكاراً، وقدرة على خلق فرص الشغل والاستثمار والتصدير.

وبخصوص موضوع الهجرة والأزمة التي اندلعت مع إسبانيا، قال الملك محمد السادس إن المقاربة المتوازنة التي اعتمدها المغرب في تدبير ظاهرة الهجرة أسفرت عن نتائج ملموسة، غير أن النموذج الحالي للتعاون في هذا المجال أصبح متجاوزاً، وهو ما تؤكده الأزمات المتكررة.

وفي هذا السياق، أكد الملك أن الشراكة مع إسبانيا عرفت تطورات مهمة في مختلف المجالات، بما فيها محاربة الهجرة غير الشرعية، لكنها باتت تواجه تحديات كبيرة مرتبطة ببعض المقتضيات القانونية المتجاوزة، والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع. وأوضح أن هذه المقتضيات والقرارات تحول، مع الأسف، دون ترحيل الأطفال القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وتُغذي أطماع الشبكات الإجرامية.

وفي معرض حديثه عن التصريحات غير المسؤولة، الصادرة عن بعض الأوساط السياسية والإعلامية، شدد الملك محمد السادس على أن الشراكة اختيار سياسي والتزام إرادي، ولن تكون أبداً محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز، مؤكداً أن المغرب سيقدم لشركائه وثيقة استراتيجية واضحة وعملية، تؤسس لوجه جديد من الشراكة، بما يعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية.

وفي رسالة إلى أعضاء المؤسسة التشريعية، أكد الملك محمد السادس أن الانتداب البرلماني «أمانة والتزام سياسي وتعاقد أخلاقي» يربط البرلمانيين بالمواطنين، داعياً أعضاء البرلمان إلى الاضطلاع بمسؤوليتهم الوطنية، قائلاً: «كونوا - رعاكم الله - في مستوى هذه المسؤولية الوطنية التي تتحملونها أمام الله، وأمام المواطنين، وأمام التاريخ».

كان الملك محمد السادس مرفوقاً بولي العهد الأمير مولاي الحسن، والأمير مولاي رشيد، والأمير مولاي أحمد.