في كل عام تبهرنا المملكة العربية السعودية بإضافات وأعمال وإعمار وإنشاءات جديدة، في خدمة وراحة وسقاية وأمان الحجاج وتأمين سلامتهم وخدمتهم، وهذا ليس بالجديد، بل منذ تأسيس المملكة وهي في خدمة ضيوف الرحمن، حيث تلقى الأولوية عند ملوك السعودية، وهي خدمة خالدة تالدة «لا يظلمكموها إلا كافر» و «لا ينزعها منكم إلا ظالم»، كما حدثنا رسول الله عليه الصلاة والسلام.
كان الحج قديماً صعباً وتعباً ومشقة، بل وخطراً في السفر ومخاطر الطريق. وكان الحاج يودع أهله ويوصي من بعده إن لم يرجع، سواء من مخاطر الطريق من نهب وقتل في سفره براً، سواء قادماً من المشرق أو المغرب، يواجه مشقة الطريق قبل المناسك، فالحج والطواف على الحصى التي كانت تدمي أقدامه والحر الشديد، والتدافع على الجمرات بسبب ضيق المكان.
وبفضل الإنجازات التي تحققت منذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز إلى اليوم، أصبح صحن الطواف في الكعبة على الرخام المبرد، وفي أجواء طوعت مناخ بطحاء مكة الشديد الحر، إلى جو مبرد بأحدث التقنيات، وبعد أن كان ازدحام وتدافع رمي الجمرات يترك ضحايا وأمواتاً، أصبح اليوم رمي الجمرات من أسهل المناسك وأيسرها بعد بناء جسر الجمرات، مما يعكس حالة من التطوير وتقليل المخاطر، في سياسة واضحة قامت عليها المملكة العربية السعودية.
توسعة الحرمين الشريفين من التوسعات الكبيرة، على مر العصور، بدءاً من زيادة القدرة الاستيعابية لصحن المطاف والمسجد، وتوسيعات شملت المطارات والموانئ والمنافذ الحدودية وتسهيل الإجراءات للحجاج، فالمملكة قدمت أرقى الخدمات في الأمن والضيافة لحجاج بيت الله الحرام، ليستطيعوا أداء فريضة الحج في جو مليء بالأمن والطمأنينة والراحة، وفي ظل أحدث التقنيات. فتأمين قرابة مليوني حاج للصلاة في عرفة وفي زمن واحد لا يتجاوز بضع ساعات تفويجاً ونفرة للحجيج وخدمات لوجستية، لا تتمكن منه دول كبرى.
لا يمكن النظر إلى كل هذا على أنه حدث عادي لمجرد تكراره كل عام، ولكن هذا الحدث تكمن صعوبته في عمليات التفويج لحجاج ليس لسانهم واحداً، ولكنهم يلبون ويرددون نفس الكلام «لبيك اللهم لبيك» في طمأنينة تامة، بعد توفير أفضل وسائل الحماية والسلامة في كل المشاعر، وما كانت لتتحقق لولا العزم والثقة وتلبية أوامر الله.
المملكة العربية السعودية تمكنت بنجاح من تفويج وتأمين حجاج بيت الله في طواف قدومهم، والوقوف في عرفات والمبيت في مزدلفة بجدارة عالية وخدمات جليلة تلقاها كبار السن وذوو الاحتياجات الخاصة، مما يتطلب جاهزية لا مثيل لها.
إنه تاريخ حافل بالإنجازات ومراحل متتالية في خوض معارك التنمية والإصلاح والتطوير قاربت على المائة عام، كانت ثمار جهد وعطاء كبير منذ زمن موحد قبائل الجزيرة العربية الملك عبد العزيز، حتى أصبحت في دولة لها أركان حكم وجغرافيا لها سيادة وهيبة، تعززت مكانتها بهمة وكفاح رجالها، وحولت المملكة العربية السعودية من مجرد دولة تصدر البترول، إلى دولة فاعلة في الاقتصاد العالمي وشريك مهم في الصناعة، ودولة مؤثرة إقليمياً وعالمياً.
السعودية اليوم تشهد حراكاً تنموياً وتطويرياً في مجالات شتى، ليست فقط في سقاية الحجاج وأمنهم، بل أصبحت تسابق الزمن في مشاريع الإعمار والتعليم والتنمية المستدامة ضمن حزمة من الإصلاحات المتواترة، عبر سياسات ومراسيم تناقلتها أجيال خلف أخرى بهمة الرجال وعزيمتهم ورثوا الفخر والكرم والشجاعة عبر أجيال، فكانوا أوتاداً ضاربة في رمال الصحراء، لا تزحزحها ولا حتى تهزها العواصف ولا رمالها المتحركة.
