«أرشيف السودان للفن التشكيلي»... محاولة لتوثيق نصف قرن من الإنتاج البصري

المشروع يشمل الرسم والتلوين والتصوير والنحت والطباعة

لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)
لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)
TT

«أرشيف السودان للفن التشكيلي»... محاولة لتوثيق نصف قرن من الإنتاج البصري

لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)
لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)

يمكن في السودان أن تختفي لوحة كاملة دون أن تترك أثراً، لا يرتبط ذلك بقيمتها الفنية، بل بغياب المسار الذي يوصل إليها، فالأعمال موزعة بين بيوت خاصة، ومراسم، وصور قديمة، وذاكرة شفهية، دون نظام يربطها أو يتيح قراءتها ضمن سياق أوسع، هذه الفجوة لا تتعلق بالحفظ فقط، بل بإمكانية فهم التاريخ البصري الذي يعتمد على مصادر متفرقة وغير مكتملة.

من هذا الفراغ، يتشكل مشروع «أرشيف السودان للفن التشكيلي» كمحاولة لبناء مرجع منظم يغطي ما يقارب نصف قرن من الإنتاج البصري. في صيغته الحالية، يعمل المشروع على توثيق الأعمال خلال المدة من 1975 إلى 2025، مع الإشارة إلى أن مراحل البحث الأولى امتدت إلى ما قبل ذلك، وصولاً إلى خمسينات القرن الماضي، لفهم الجذور التي تشكلت منها المدارس الفنية الحديثة في السودان.

بالإضافة إلى جمع الأعمال، يعمل المشروع على تصنيفها وربطها بسياقاتها، من خلال قاعدة بيانات تفصيلية تشمل الفنانين والأعمال والمؤسسات، بهدف تحويل الإنتاج الفني من مواد متفرقة إلى مادة قابلة للبحث والتحليل، بما يسمح بقراءة التحولات البصرية عبر الزمن، وربطها بالسياقات السياسية والاجتماعية التي أثرت فيها.

يتحرك المشروع ضمن نطاق محدد يشمل «الرسم والتلوين، التصوير، النحت والطباعة»، مع تركيز على بناء هيكل منهجي يمكن التوسع منه لاحقاً، هذا التحديد يعكس إدراكاً لصعوبة التعامل مع المشهد ككتلة واحدة، ويضع أولوية لإنشاء قاعدة منظمة، بدلاً من إعادة إنتاج التشتت داخل الأرشيف نفسه.

أطلق المشروع من القاهرة العام الماضي (الشرق الأوسط)

على المستوى التقني، يعمل المشروع على تطوير منصة رقمية تتيح إدخال البيانات عبر نماذج مخصصة، تخضع للمراجعة قبل النشر، مع اعتماد نظام تخزين يضمن حماية المواد واستمرارية الوصول إليها، ويتم توثيق كل عمل ضمن بيانات تشمل تاريخ الإنتاج، الخامات، والسياق المرتبط به؛ ما يسمح بقراءة الأعمال ضمن شبكة من العلاقات، وليس كعناصر منفصلة.

كما يفتح المشروع باب المساهمة أمام الفنانين والباحثين، سواء عبر رفع الأعمال أو تقديم معلومات إضافية، في محاولة لتوسيع قاعدة البيانات بشكل مستمر، هذه المقاربة تنقل الأرشيف من كونه مشروعاً مغلقاً إلى مساحة تفاعلية تعكس تعددية المشهد الفني، وتحد من مركزية السرد، وتمنح المشاركين دوراً مباشراً في بناء المحتوى.

تأتي هذه الجهود في سياق سياسي واجتماعي ضاغط، لا سيما بعد اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، التي أدت إلى فقدان واسع للأعمال الفنية والوثائق. هذا الواقع أعاد طرح الأرشفة كأولوية، ليس فقط لتنظيم ما هو موجود، بل أيضاً لحماية ما تبقى من إرث مهدد بالاختفاء، في ظل غياب بنية قادرة على احتوائه.

تقول مديرة المشروع ريم سيف الجعيلي إن الفكرة نشأت من داخل الممارسة اليومية للعمل الفني، عبر مؤسسة «ذا ميوز ملتي استوديوز» التي تأسست عام 2019، وركزت على تنظيم المعارض والورش والإقامات الفنية، إلى جانب البرامج الثقافية المرتبطة بالمشهدين الثقافي والفني في السودان.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الاحتكاك المباشر بالفنانين والباحثين كشف مبكراً نقصاً واضحاً في التوثيق، وصعوبة الوصول إلى مصادر يمكن الاعتماد عليها، وهو ما انعكس على طبيعة العمل الثقافي نفسه، وجعل من الصعب بناء مشاريع تستند إلى معرفة دقيقة بتاريخ الفن السوداني»، لافتة إلى أن هذه الملاحظة قادت إلى بلورة فكرة الأرشيف في عام 2021، بوصفه محاولة لبناء منصة يمكن من خلالها قراءة الفن السوداني ضمن صورة شاملة، وليس كمجموعة أعمال متفرقة، مع التركيز على تقديم بنية تسمح بالفهم وليس الحفظ فقط.

وأوضحت أن «مرحلة التفكير استغرقت وقتاً قبل الانتقال إلى التنفيذ في 2022، حيث بدأ العمل على بناء قاعدة بيانات بالتعاون مع باحثين، بهدف جمع المعلومات الأساسية حول الفنانين داخل السودان وخارجه، وتحديد نطاق العمل بشكل أكثر دقة»، مشيرة إلى أن المشروع اعتمد على تحديد إطار زمني واضح يبدأ من خمسينات القرن الماضي كخلفية بحثية، بينما يركز التوثيق المنهجي في مرحلته الأولى على المدة بين 1975 و2025، بما يتيح قراءة التحولات الفنية ضمن نطاق يمكن التحكم فيه وتحليله.

وفيما يتعلق بفريق العمل، قالت إن المشروع يعتمد على نواة أساسية من 5 أفراد ضمن المؤسسة، إلى جانب فريق موسع يصل إلى نحو 10 أشخاص يعملون بشكل مباشر على الأرشيف، مع الاستعانة بخبرات متخصصة في مجالات الفن والنقد، مؤكدة حرصهم على مراعاة حقوق الملكية الفكرية عبر موافقة الفنانين وذويهم وهو ما جعلهم اليوم يسجلون بيانات أعمال نحو 40 فناناً بصرياً سودانياً مع استمرار العمل لإضافة آخرين خلال المرحلة المقبلة.


مقالات ذات صلة

«آرت بازل قطر» يعلن عن الفنانين والصالات المشاركة في دورته المقبلة

يوميات الشرق برحة مشيرب في الدوحة (آرت بازل)

«آرت بازل قطر» يعلن عن الفنانين والصالات المشاركة في دورته المقبلة

أعلن معرض «آرت بازل قطر» قائمة صالات العرض المشاركة في دورته الثانية التي ستقام في شهر يناير (كانون الثاني) من العام المقبل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق أغلب الأعمال وُلدت من مواد أُعيد تدويرها (وزارة الثقافة)

«ربع تون»... معرض فني جديد للفنان العراقي نصير شمّة

يقوم المعرض على إعادة توظيف نشارة الأخشاب وبقايا صناعة آلة العود، وتحويلها من وظيفتها التقليدية إلى تكوينات تشكيلية تنبض بالمقام والإيقاع.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق يهدي الفنان معرضه إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (الشرق الأوسط)

أحمد البحراني يستعيد ذاكرة الطفولة بـ«ضفاف الفرات»

كيف يمكن لقطعة خشب أنهت رحلتها في البحر أن تبدأ حياة جديدة؟ وأي ذاكرة تختبئ في طائر صغير، لا يحاكي الطبيعة بقدر ما يستعيد بيتاً بعيداً وطفولة لا تزال تسكن صاحبه

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من معرض «النزول إلى النهر» (الشرق الأوسط)

محمد عبلة يعيد اكتشاف «النهر» بالحركة الصاخبة والألوان

في معرضه «النزول إلى النهر» يعود الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة إلى نهر الطفولة الذي تشكلت على ضفافه ذاكرته البصرية.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق ستّ محاولات للاحتفاظ بأماكن لا يمكن اصطحابها (الشرق الأوسط)

جميل ملاعب: 50 عاماً بين السماء والأرض على جدران معرض

بيروت نقطة الانطلاق والعودة، لكنّ العودة في الرسم تختلف عن العودة الجغرافية...

فاطمة عبد الله (بيروت)

مغامر بريطاني يختتم رحلة استمرت 28 عاماً من دون وسيلة نقل

 كارل مع والدته أنجيلا بعد صوله إلى مدينة هالز (رويترز)
كارل مع والدته أنجيلا بعد صوله إلى مدينة هالز (رويترز)
TT

مغامر بريطاني يختتم رحلة استمرت 28 عاماً من دون وسيلة نقل

 كارل مع والدته أنجيلا بعد صوله إلى مدينة هالز (رويترز)
كارل مع والدته أنجيلا بعد صوله إلى مدينة هالز (رويترز)

بعد رحلة استمرت 28 عاماً قطع خلالها 50 ألف كيلومتر وعبر خلالها 4 قارّات من دون استخدام أي وسيلة نقل، وصل المغامر البريطاني كارل بوشبي إلى بلاده، الاثنين.

وتمسّك بوشبي الذي انطلق من أميركا الجنوبية عام 1998 بقاعدتين ذهبيتين طوال الرحلة: تجنب جميع وسائل النقل، والامتناع عن العودة قبل إكمال التحدي، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستُقبل، الاثنين، وسط مدينة هال في شمال غربي إنجلترا، حيث كان بانتظاره جمع من نحو 100 شخص، وتوجّه بالشكر لجميع من دعموه في أثناء رحلته.

وقال: «لم أقم بذلك وحدي»، مشيراً إلى أن الإنجاز كان ثمرة «جهد عالمي»، بعدما أشادت به رئيسة بلدية هال ماريا كاورد.

وأضاف: «لن تصدّقوا عدد الأشخاص الذين أسهموا في ذلك، لمساعدتنا على تخطي مختلف العراقيل التي واجهتنا. واجهنا حكومات وتحديات تعد من بين الأصعب».

وفي طريق العودة إلى مدينته، قطع الأميركيتين، وعبر مضيق بيرنغ المجمّد من ألاسكا إلى روسيا وأجزاء من آسيا الوسطى وأوروبا بين أدغال وجبال وصحارى.

وقوبل بالتصفيق، الأحد، في أثناء عبوره جسر هامبر الشهير بالقرب من هال وسط ضباب كثيف، قبل وصوله أخيراً إلى وسط المدينة ومتابعة طريقه إلى منزل والدته.

وحظي المظلي السابق البالغ 57 عاماً والذي جر أمتعته معه على متن عربة ذات إطار معدني، باستقبال رسمي، الاثنين.

ومن المقرر أن يلتقي بوشبي، الاثنين، والدته أنجيلا ونجله آدم البالغ 36 عاماً وحفيدته البالغة 12 عاماً والتي لم يسبق أن التقاها.

بدأ مغامرته عندما كان في التاسعة والعشرين من عمره عقب انهيار زواجه وعودة زوجته إلى آيرلندا الشمالية برفقة ابنهما.

وأُجبر على التوقف مرّات عديدة، بما في ذلك عندما رفضت موسكو منحه تأشيرة. كما عطّلته الأزمة المالية عام 2008، ومن ثم وباء «كوفيد - 19».

وأمضى تلك الفترات في المكسيك قبل أن يستأنف رحلته من النقطة نفسها التي توقف عندها فور حل كل مشكلة واجهته.

وقطع المانش سباحة مطلع أكتوبر (تشرين الأول) للعودة إلى المملكة المتحدة.

وقال في بيان لاحقاً: «إنه شعور جيّد بأن أكون على تراب المملكة المتحدة بعد كل هذه السنوات»، مؤكداً أن رحلته «لم تكن سهلة». وأضاف: «نستطيع جميعاً تحقيق أكثر مما يمكننا تخيّله».

وفي مقابلة معه من شمال فرنسا في سبتمبر (أيلول)، أعرب بوشبي عن بعض المخاوف من العودة إلى حياة أكثر طبيعية في بريطانيا، وقال «يتوجب عليّ التكيّف والاندماج مجدداً في عالم الكبار».


في تحدٍ للتصورات العلمية... اكتشاف بقايا دم في عظام ديناصور عمره 115 مليون سنة

صورة متخيلة لديناصور عملاق (جامعة كيرتن الأسترالية)
صورة متخيلة لديناصور عملاق (جامعة كيرتن الأسترالية)
TT

في تحدٍ للتصورات العلمية... اكتشاف بقايا دم في عظام ديناصور عمره 115 مليون سنة

صورة متخيلة لديناصور عملاق (جامعة كيرتن الأسترالية)
صورة متخيلة لديناصور عملاق (جامعة كيرتن الأسترالية)

عثر فريق بحثي دولي على خلايا دم حمراء متحجرة وجزيئات حيوية مشتقة من الهيموغلوبين، إلى جانب أحماض أمينية من بروتين الكولاجين، داخل عظام ديناصور عاش قبل نحو 115 مليون سنة في البرازيل، في اكتشاف غير مسبوق يفتح آفاقاً جديدة لدراسة الحياة القديمة، ويعيد النظر في قدرة الحفريات على الاحتفاظ بمكوناتها البيولوجية لملايين السنين.

وأوضح الباحثون، بقيادة جامعة كيرتن الأسترالية، أن البقايا اكتُشفت داخل عظام أطراف ديناصور من مجموعة الثيروبودات، يُعرف باسم «أراتاسوروس موسيوناسيونالي» (Aratasaurus museunacionali)، وعُثر على رفاته في شمال غرب البرازيل، ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» (PNAS).

وأظهرت التحليلات وجود أعداد كبيرة من خلايا الدم الحمراء المحفوظة داخل القنوات الوعائية في العظام. وتمكن الباحثون، للمرة الأولى، من إثبات وجود جزيئات كيميائية مشتقة من الهيموغلوبين داخل هذه الخلايا، بعد رصد مادة «الهيم» (Heme)، وهي المكوّن المسؤول عن حمل الأكسجين في بروتين الهيموغلوبين.

ويمثل ذلك دليلاً كيميائياً مؤكداً على وجود بقايا دم متحجرة، بخلاف دراسات سابقة رصدت تراكيب يُحتمل أنها تشبه خلايا الدم الحمراء في الحفريات، لكنها لم تتمكن من إثبات طبيعتها الكيميائية بصورة قاطعة.

وأثار الاكتشاف دهشة الباحثين؛ إذ إن بقاء مكونات بيولوجية حساسة، مثل خلايا الدم الحمراء وجزيئات الهيموغلوبين، محفوظة طوال 115 مليون سنة يتحدى التصورات العلمية بشأن المدة التي يمكن أن تصمد خلالها هذه المواد أمام التحلل.

وقال الباحثون إن العثور على جزيئات مشتقة من الهيم داخل خلايا دم حمراء بهذا العمر يمثل اكتشافاً استثنائياً ومحطة مهمة في دراسة الحفريات، مضيفين أن النتائج لا توسع السجل الأحفوري لبقايا الدم فحسب، بل توفر نافذة جزيئية مباشرة على الخصائص الفسيولوجية للحيوانات المنقرضة، بما يساعد العلماء على فهم طبيعتها والبيئة التي عاشت فيها.

وأوضحت الدراسة أن خلايا الدم الحمراء تمعدنت بفعل معدن «الهوسمانيت» (Hausmannite)، الذي عمل بمثابة كبسولة زمنية طبيعية؛ إذ ساعد على تثبيت التراكيب الخلوية والمكونات الحيوية، بما فيها الأحماض الأمينية المكونة لبروتين الكولاجين، وحمايتها من التحلل على مدى ملايين السنين.

ويرجح الباحثون أن هذا الحفظ الاستثنائي نتج عن دفن جثة الديناصور سريعاً بعد نفوقه، في بيئة منخفضة الأكسجين وغنية بالكائنات الحية الدقيقة، وهي ظروف ربما أسهمت في الحفاظ على المكونات البيولوجية داخل العظام.

وقال الباحثون إن النتائج تتحدى افتراضات علمية راسخة كانت تستبعد بقاء جزيئات حيوية، مثل الهيموغلوبين، خلال فترات زمنية جيولوجية طويلة. كما تفتح آفاقاً جديدة لدراسة تطور الدم وعمليات الأيض، وربما الاستدلال على مستويات النشاط لدى الحيوانات القديمة.

ووفق الفريق، فإن الدراسة تعيد تعريف حدود قدرة التراكيب الجزيئية على البقاء محفوظة عبر فترات زمنية طويلة، حتى في الظروف البيئية القاسية، كما أن لهذه النتائج أهمية محتملة في مجال علم الأحياء الفلكي؛ إذ قد تسهم في تطوير أساليب البحث عن أدلة على وجود حياة قديمة خارج كوكب الأرض.


لضيق المساحة… متحف يبيع لوحة كاندينسكي بـ62 ألف دولار وسعرها اليوم 80 مليوناً

من المتوقع أن تسجل لوحة «زوايا بارزة» رقماً قياسياً في المزادات (دار كريستيز)
من المتوقع أن تسجل لوحة «زوايا بارزة» رقماً قياسياً في المزادات (دار كريستيز)
TT

لضيق المساحة… متحف يبيع لوحة كاندينسكي بـ62 ألف دولار وسعرها اليوم 80 مليوناً

من المتوقع أن تسجل لوحة «زوايا بارزة» رقماً قياسياً في المزادات (دار كريستيز)
من المتوقع أن تسجل لوحة «زوايا بارزة» رقماً قياسياً في المزادات (دار كريستيز)

بعد نحو 15 عاماً على وفاة سولومون آر. غوغنهايم، خلصت المؤسسة المشرفة على مجموعته الفنية الضخمة إلى أنها تمتلك من أعمال الرسام الروسي فاسيلي كاندينسكي عدداً يفوق ما تستطيع التعامل معه أو استيعابه، حسب موقع «سي إن إن» الأميركي.

وكان رجل الأعمال الأميركي الراحل من أبرز مقتني أعمال كاندينسكي وأكثرهم دعماً له. لكن في عام 1964، وعلى الرغم من إدارته المتحف الذي يحمل اسمه في مانهاتن، قررت مؤسسة غوغنهايم طرح 50 لوحة من أصل 170 عملاً للفنان الروسي للبيع، مبررة الخطوة بـ«ضيق المساحة».

وعند إعلان القرار، قال هاري إف. غوغنهايم، ابن شقيق سولومون، إن أعضاء مجلس الأمناء يخشون أن ينتهي المطاف بهذه الأعمال حبيسة المخازن، بعيداً عن أعين الجمهور، وفقاً لما أوردته تقارير صحافية آنذاك. وأضاف: «خلصنا إلى أن هذا لا ينبغي أن يكون مصير هذه اللوحات».

كان ذلك موقفاً نبيلاً في حينه، لكنه ربما بدا، عند النظر إليه اليوم، قراراً باهظ الكلفة.

ففي مزاد أقيم في لندن في وقت لاحق من العام نفسه، بيعت اللوحات الخمسون مقابل 536 ألفاً و580 جنيهاً إسترلينياً، أي ما كان يعادل آنذاك نحو 1.5 مليون دولار. ومنذ ذلك الحين، عادت لوحات كثيرة من المجموعة إلى سوق الفن، ولكن بأسعار أعلى بكثير.

واليوم، تستعد إحدى تلك الأعمال، وهي لوحة «Betonte Ecken» (زوايا بارزة)، للعودة إلى قاعة المزادات، وسط تقديرات تشير إلى إمكان بيعها بسعر يتراوح بين 60 و80 مليون دولار. وكانت اللوحة قد بيعت في مزاد عام 1964 مقابل 22 ألف جنيه إسترليني فقط، أي نحو 62 ألف دولار آنذاك، أو ما يعادل 540 ألف دولار بقيمة اليوم، بعد أن رسا المزاد على تاجر أعمال فنية من نيويورك.

وقال ماكس كارتر، الرئيس العالمي لقسم فنون القرنين العشرين والحادي والعشرين في دار «كريستيز» للمزادات، التي تتولى تنظيم عملية البيع المرتقبة هذا الشهر: «كانت لدى غوغنهايم وفرة استثنائية من الأعمال الفنية في ذلك الوقت». وأضاف، في اتصال هاتفي من نيويورك، أن المؤسسة «باعت روائع فنية هائلة، وهو أمر يصعب تخيل حدوثه اليوم».

ولا تبدو لوحة «Betonte Ecken» مرشحة لتحطيم الرقم القياسي المسجل لأعمال كاندينسكي في المزادات فحسب، بل إن تحطيمه بات أمراً مؤكداً. فقد أعلنت «كريستيز» أن جهة ضامنة أكدت تقديم عرض يتجاوز الرقم القياسي السابق، البالغ 37.2 مليون جنيه إسترليني (44.55 مليون دولار)، والذي سُجل عام 2023 مقابل لوحة الفنان «Murnau mit Kirche II» (مورناو مع الكنيسة الثانية).

ويعكس الارتفاع الكبير في القيمة السوقية لأعمال كاندينسكي المكانة التي بات يحتلها الفنان في سوق الفن العالمية اليوم. فعلى الرغم من أن سمعته الفنية كانت راسخة بالفعل عندما باعت مؤسسة غوغنهايم اللوحات عام 1964، أي بعد مرور عقدين على وفاته، فإن لوحة «Betonte Ecken» كانت آنذاك، حسب كارتر، «متقدمة على عصرها إلى حد كبير».

أما اليوم، فقد أصبحت، على حد تعبيره، عملاً فنياً مرجعياً ضمن تاريخ الفن الحديث، واصفاً إياها بأنها «تجسيد نموذجي لفن كاندينسكي».