محكمة بريطانية تمنح أمّاً من غزة حق الانتقال إلى البلاد وسط جدل سياسي

تظاهر آلاف المؤيدين للفلسطينيين في شوارع لندن بعد حرب 7 أكتوبر (أرشيفية - رويترز)
تظاهر آلاف المؤيدين للفلسطينيين في شوارع لندن بعد حرب 7 أكتوبر (أرشيفية - رويترز)
TT

محكمة بريطانية تمنح أمّاً من غزة حق الانتقال إلى البلاد وسط جدل سياسي

تظاهر آلاف المؤيدين للفلسطينيين في شوارع لندن بعد حرب 7 أكتوبر (أرشيفية - رويترز)
تظاهر آلاف المؤيدين للفلسطينيين في شوارع لندن بعد حرب 7 أكتوبر (أرشيفية - رويترز)

فازت أمّ من غزة بحقّ الانتقال إلى بريطانيا، بموجب قرار صادر عن محكمة الهجرة، قد يفتح المجال أمام مزيد من اللاجئين الفلسطينيين للوصول إلى المملكة المتحدة.

وذكرت المرأة، التي لم يُكشف عن هويتها، أن منعها من الانضمام إلى ابنها وابنتها في المملكة المتحدة يشكّل انتهاكاً لحقها في الحياة الأسرية، المنصوص عليه في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وأيّدت محكمة الهجرة العليا هذا الطعن، معتبرة أن قرار وزارة الداخلية سيؤدي إلى «عواقب قاسية لا مبرر لها».

وجاء الحكم رغم سريان وقف إطلاق النار في المنطقة، وبعد معركة قانونية طويلة خاضتها الحكومة لمنع نزوح لاجئين من غزة، بهدف الانضمام إلى عائلاتهم بالمملكة المتحدة، في أعقاب الدمار الذي خلّفته الحرب الإسرائيلية على القطاع.

وفي السياق ذاته، حذّر كريس فيليب، وزير الداخلية في حكومة الظل، من أن الحكم قد «يفتح الباب على مصراعيه» أمام طلبات لمّ الشمل من غزة. وقال إن مثل هذه الأحكام تُقوّض قدرة الحكومة على «تحديد من يدخل المملكة المتحدة ومن لا يدخلها»، مضيفاً: «لا يمكننا استقدام آباء كل مهاجر في المملكة المتحدة، وهذا الحكم قد يفتح الباب على نطاق واسع. يجب على الحكومة استئناف القرار».

وأضاف فيليب، بحسب ما أوردته صحيفة «تلغراف» البريطانية، أن الأمر يستدعي «إلغاء محكمة الهجرة لتمكين الحكومة من اتخاذ هذه القرارات بصورة منفردة»، داعياً إلى الانسحاب من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

وكانت وزيرة الداخلية شبانة محمود قد حصلت، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، على حكم من محكمة الاستئناف يقيد قدرة الفلسطينيين الفارين من غزة، على الاستناد إلى المادة الثامنة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان للانضمام إلى عائلاتهم في المملكة المتحدة.

وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود تغادر داونينغ ستريت عقب اجتماع لمجلس الوزراء في لندن (رويترز)

وفَرّت الأمّ الغزّية، التي لا تتحدث الإنجليزية، من غزة إلى مصر في يناير (كانون الثاني) 2024، حيث كانت تعيش بمفردها. لكنها كانت ترغب في الانضمام إلى ابنتها، وهي مواطنة بريطانية، وابنها البالغ، وهو لاجئ في المملكة المتحدة.

وقد خلصت المحكمة إلى أنهم حافظوا على روابط أسرية متينة من خلال تواصل منتظم، رغم انفصالهم لمدة 16 عاماً؛ إذ ظلوا على اتصال دائم عبر الهاتف وتطبيق «واتساب». وزارت الأم ابنتها، التي عُرفت بالأحرف الأولى «دبليو إس»، في بريطانيا، وقدّمت لها الدعم خلال فترة علاجها من السرطان وغيره من الأمراض.

قرار المحكمة يرفض «الانفصال العاطفي»

قضت محكمة الهجرة بأن قرار وزارة الداخلية برفض منحها تصريح دخول للانضمام إلى ابنتها «سيؤدي إلى عواقب قاسية غير مبررة عليها وعلى أطفالها في المملكة المتحدة، وبالتالي يُعدّ تدخّلاً غير متناسب في حقهم في الحياة الأسرية بموجب المادة الثامنة».

واستأنفت وزارة الداخلية هذا الحكم، غير أن المحكمة العليا أيّدته. وقالت القاضية تيريز كامارا إنه لم يكن هناك أي خطأ قانوني، وخلصت المحكمة إلى أنه «في ضوء الأدلة التي لم يُطعن فيها بشأن دور الأسرة في الثقافة الفلسطينية والغزّية، لم ترتكب القاضية أي خطأ في مراعاة التقاليد الثقافية والاجتماعية، فضلاً عن حقيقة أنها لم تعِش بمفردها إلا حتى وقت قريب».

وأشارت تلك الأدلة إلى وجود توقعات لدى سكان غزة بأن تعيش الأم مع ابنتها في المملكة المتحدة، التي تنعم بأمان نسبي، وأن عيشها بمفردها يُعدّ أمراً غير مألوف وغير لائق. وأضافت المحكمة: «إن عدم القيام بذلك سيُنظر إليه على أنه إخلال بكرامة الأسرة، وسيُثير الاستنكار والإدانة».

ولاحظت القاضية كامارا أن الأسرة تربطها «رابطة وثيقة ومترابطة عاطفياً، نشأت من خلال المعاناة المشتركة، والرعاية المتبادلة، والروابط الثقافية المتينة للحياة الأسرية الفلسطينية». وأضافت: «في رأيي، لا يقتصر الانفصال الحالي على مجرد بُعد المسافة؛ بل هو شرخ عاطفي له آثار نفسية عميقة على الابنة».

وأُبلغت المحكمة بأن الأم تعاني من اضطراب ما بعد الصدمة الحاد، ومن شعور بالذنب لنجاتها من فاجعة فقدان 90 فرداً من عائلتها في حرب غزة.

وكانت الأم معزولة في مصر، حيث لا تتمتع بوضع قانوني، وتعيش بمفردها، وتعاني من تدهور حالتها النفسية وإهمال ذاتها. كما أُبلغت المحكمة بأن ابنتها، وهي أم لأطفال صغار وتعيل والدتها وأقاربها المقربين من خلال عملها في بريطانيا، تعاني أيضاً من مشكلات نفسية خطيرة.

منع الروابط البعيدة

اقترحت وزيرة الداخلية البريطانية تعديل القانون للحد من إمكانية الاحتجاج بحقوق المادة الثامنة، بحيث يُعتدّ فقط بأفراد الأسرة المباشرين، بدلاً من روابط الأقارب البعيدة «المشبوهة».

وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، كسبت وزيرة الداخلية استئنافاً أفضى إلى إلغاء قرار محكمة الهجرة، الذي كان قد سمح لعائلة فلسطينية بالقدوم إلى المملكة المتحدة بموجب برنامج مخصص للاجئين الأوكرانيين.

مظاهرة تدعو إلى وقف إطلاق النار في غزة - لندن - 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 (أرشيفية - أ.ف.ب)

وجادلت العائلة بأن حالتهم استثنائية، لدرجة أنه ينبغي السماح لهم بالانضمام إلى شقيق والدهم بالمملكة المتحدة بموجب البرنامج. وحكم قضاة محكمة الاستئناف بأن الروابط العائلية بين الأخوين، لم تكن قوية بما يكفي لتبرير دخولهما إلى المملكة المتحدة بموجب المادة 8.

وقالت المحكمة أيضاً إنه يجب على محاكم الهجرة مراعاة حقوق وزيرة الداخلية بموجب المادة 8 في التصرف بما يخدم «الرفاه الاقتصادي للبلاد... أو لحماية حقوق وحريات الآخرين».

وفي سياق متصل، قال متحدث باسم وزارة الداخلية البريطانية: «نشعر بخيبة أمل إزاء قرار المحكمة، ونحن بصدد دراسة هذا الحكم. ليس من المناسب التعليق أكثر على هذه القضية في هذه المرحلة. وبشكل أعم، تعمل الحكومة على مراجعة شاملة لتطبيق المادة 8 محلياً للحد من عدد الطعون الكيدية، مع ضمان حماية المحتاجين إليها فعلاً».


مقالات ذات صلة

خاص فلسطينيون يسيرون بين مخيمات النازحين المقامة إلى جوار المباني المدمرة في مدينة غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب) p-circle 02:36

خاص عصابات غزة تقتل وتخطف فلسطينيين من مناطق «حماس»

تحت غطاء من الغارات الإسرائيلية المكثفة في أنحاء متفرقة في غزة، نفذت العصابات المسلحة عمليات خطف وإعدام لفلسطينيين، في مناطق تسيطر عليها «حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مجموعة من النساء ينتظرن الأخبار بينما تعمل فرق الدفاع المدني الفلسطيني على انتشال رفات 67 فرداً من عائلة أبو نصر من تحت أنقاض منزلهم المدمر بعد غارة إسرائيلية في بيت لاهيا شمال مدينة غزة 15 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

عائلات فلسطينية في غزة تطالب بمعرفة مصير أبنائها المفقودين

طالبت عشرات العائلات الفلسطينية من ذوي المفقودين، الاثنين، بالكشف عن مصير أبنائهم الذين اختفوا خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فرق «الدفاع المدني» الفلسطيني تعمل على انتشال رفات 67 فرداً من عائلة أبو نصر من تحت أنقاض منزلهم بعد تدميره في غارة جوية إسرائيلية ببيت لاهيا شمال مدينة غزة - 15 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

مقتل فلسطينيَين وإصابة 11 جرّاء العمليات الإسرائيلية في غزة

أعلنت وزارة الصحة في غزة، اليوم (الاثنين)، مقتل فلسطينيَين اثنين وإصابة 11 آخرين خلال الساعات الـ24 الماضية جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جانب من الدمار جراء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (رويترز)

​إندونيسيا تجهِّز ألف جندي للنشر المحتمل في غزة مطلع أبريل

قال المتحدث باسم الجيش الإندونيسي دوني ‌برامونو، اليوم الاثنين، إن جاكرتا ‌تجهز ‌ألف ​عسكري ‌لنشر ⁠محتمل ​في غزة بحلول ⁠أوائل أبريل.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا ‌)

ضرائب لتمويل زيادات على رواتب القطاع العام تُشعل الشارع اللبناني

زحمة سير خانقة بوسط بيروت جراء احتجاجات أقفلت الطرقات اعتراضاً على الضرائب الجديدة (إ.ب.أ)
زحمة سير خانقة بوسط بيروت جراء احتجاجات أقفلت الطرقات اعتراضاً على الضرائب الجديدة (إ.ب.أ)
TT

ضرائب لتمويل زيادات على رواتب القطاع العام تُشعل الشارع اللبناني

زحمة سير خانقة بوسط بيروت جراء احتجاجات أقفلت الطرقات اعتراضاً على الضرائب الجديدة (إ.ب.أ)
زحمة سير خانقة بوسط بيروت جراء احتجاجات أقفلت الطرقات اعتراضاً على الضرائب الجديدة (إ.ب.أ)

فتحت القرارات التي أقرّتها الحكومة اللبنانية، الاثنين، خصوصاً تلك المتصلة بزيادة الرسوم على البنزين، ورفع ضريبة القيمة المضافة بنسبة 1 في المائة، باب مواجهة سياسية ونقابية، بعدما ترافقت مع احتجاجات ميدانية وقطع طرقات في أكثر من منطقة، وسط تحذيرات من تداعياتها على الاستقرار الداخلي قبل شهرين من الاستحقاق الانتخابي.

وقدّمت الحكومة الخطوة بوصفها جزءاً من سلّة متكاملة هدفها تأمين موارد لتغطية زيادات متأخرة للقطاع العام والعسكريين وتفرّغ أساتذة الجامعة اللبنانية، في حين رأت قوى معارضة ونقابات عمالية أن ما جرى «ترقيع مالي»، و«يُموَّل من جيوب المواطنين».

سلام: الجزء الضريبي هو الأصغر

وفيما يتعلق بقرارات الحكومة الضريبية، قال رئيس الحكومة نواف سلام: «علينا أن نرى هذا القرار الذي اتخذته الحكومة، الاثنين، بشكل متكامل، والجزء الضريبي فيه هو الجزء الأصغر»، مشدداً على أن «القطاع العام يستحق هذه الزيادات، وهي زيادات متأخرة، والعسكريون يستحقون هذه الزيادة أيضاً، والجامعة ستفرّغ مزيداً من أساتذتها المتعاقدين».

وأضاف سلام: «الكلفة تُقدر لهذه الأمور بنحو 800 مليون دولار... من أين سنؤمّنها؟»، لافتاً إلى أن الحكومة قررت «تحسين جباية الضرائب وتحسين الجباية الجمركية التي تحسنت بنسبة 150 في المائة، وإن شاء الله تصبح السنة المقبلة 210 في المائة، إلى جانب إصدار أوامر بتحصيل رسوم إضافية من الكسارات، وإعادة النظر بملف الأملاك البحرية والنهرية لتحصيل المتأخرات».

وفيما يخص رفع الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1 في المائة، قال سلام: «أضفنا 1 في المائة، وهي ضريبة على الأغنياء... ولا تطول غالبية أصحاب الدخل المحدود والطبقات الشعبية؛ لأن التعليم والصحة معفيان، والكثير من المواد الاستهلاكية معفاة»، مؤكداً: «لا يمكننا أن نقبل القول إننا قمنا بزيادات تؤثر على الطبقات الشعبية».

وأشار إلى أن الزيادة على البنزين «لم تكن قراراً سهلاً، مقابل إلغاء زيادات على المازوت؛ لأن هذا الأمر يتعلق بأناس يستفيدون من هذه المادة في الجرود في موسم البرد، وبالصناعيين».

احتجاجات وقطع طرق

ميدانياً، سُجّلت زحمة سير خانقة على جسر الرينغ في وسط بيروت، بعدما أقفل محتجّون الطريق، اعتراضاً على قرار الحكومة الأخير، كما جرى قطع طريق الكولا في بيروت، وخلدة جنوب العاصمة، وأوتوستراد البالما في طرابلس بشكل جزئي، احتجاجاً على زيادة الرسوم ورفع الضريبة على القيمة المصافة 1 في المائة.

عناصر من قوى الأمن الداخلي ينتشرون في وسط بيروت خلال احتجاجات على الضرائب الجديدة (أ.ب)

في المقابل، قال النائب أديب عبد المسيح، لـ«الشرق الأوسط»، إنّ القرارات الأخيرة «مرفوضة بالكامل»، وعدَّ أنّها «تندرج ضمن أجندة خفية»، متسائلاً عن جدوى أن «تُقْدم حكومة تصف نفسها بالإصلاحية والإنقاذية على خطوات غير إصلاحية تتخذها بصورة عشوائية، وهي تدرك مسبقاً أنّها ستُحرّك الشارع ضدها وقد تؤدي إلى إقفال البلد».

وحذّر عبد المسيح من تداعيات هذه الإجراءات على الاستقرار الداخلي، قائلاً: «اليوم، لم يتحرّك العسكريون المتقاعدون بعد، لكن في حال تحرّكوا سيشلّون البلد»، سائلاً عن «خلفيات توقيت هذه القرارات قبل الاستحقاق الانتخابي بشهرين».

وفيما يتصل بتأثير الزيادات الأخيرة، ولا سيما رفع سعر البنزين بنحو 300 ألف ليرة (3.3 دولار)، وفرض رسم بنسبة 1 في المائة على القيمة المضافة (يرتفع من 11 إلى 12 في المائة)، رأى عبد المسيح أنّ انعكاسها سيكون مباشراً على المواطنين، موضحاً أنّ الحكومة «تمنح القطاع العام زيادة تُقدَّر بنحو 100 دولار على راتبه، لكنها في المقابل تستعيد من المواطن شهرياً ما يقارب 150 دولاراً عبر الضرائب وارتفاع الأسعار»، ما يعني عملياً، وفق تعبيره، «قضم الزيادة بالكامل، وإضافة نحو 50 دولاراً فوقها».

وكشف عبد المسيح أنّ «مجموعة من النواب بدأت التحضير للطعن بهذه القرارات أمام مجلس شورى الدولة»، لافتاً إلى أنّ «فرض رسم الـ1 في المائة يحتاج إلى أن يُطرَح في مجلس النواب»، مؤكداً أنّه «لا يمكن أن يمرّ بهذه السهولة». وأضاف: «اليوم، إذا ملأت خزان سيارتك فستلاحظ أن الفارق على الصفيحة (20 لتراً) يصل إلى نحو أربعة دولارات»، مشدداً على أنّ «هذا المسار غير مقبول».

تمويل من جيوب العمال

بدوره، قال رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان، كاسترو عبد الله، لـ«الشرق الأوسط»، إنّ «ما أقدمت عليه الحكومة مؤسف للغاية، وهو امتداد لسياسات كل الحكومات السابقة التي أوصلت البلاد إلى الانهيار».

وأضاف عبد الله أنّ «الدولة بدل أن تضع خطة إنقاذ حقيقية، تتجه إلى إجراءات ترقيعية، عبر منح زيادات للقطاع العام وللعسكريين لا تُغني ولا تُسمن من جوع، ثم تُموّلها عملياً من جيوب العمال والفئات الأكثر فقراً، في وقتٍ تجاوزت فيه البطالة نسباً كارثية وارتفعت معدلات الهجرة بشكل غير مسبوق».

عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون في وسط بيروت خلال احتجاجات على الضرائب الجديدة (أ.ب)

وتوقّف عبد الله عند قرار رفع الرسم على صفيحة البنزين بقيمة 300 ألف ليرة، مشيراً إلى أنّ «القرار بدأ تطبيقه عملياً منذ منتصف الليل، ما أدى إلى ارتفاع فوري في الأسعار، وخلق حالة فوضى في محطات الوقود».

وحذّر من أنّ «أي زيادة على المحروقات لا تضرب البنزين وحده، بل تطول النقل العام والخاص، ونقل البضائع، والسلّة الغذائية، والخبز، وحتى الطبابة والاستشفاء»، مؤكداً أن كل القطاعات مرتبطة بكلفة الطاقة.

وحذّر عبد الله من أنّ «هذه الزيادات ستفتح الباب أمام موجة جديدة من الغلاء والاحتكار، في ظل ضعف الرقابة الرسمية»، مؤكداً أنّ الاتحاد الوطني «يتابع التحركات مع عدد من الجهات الرقابية والمجتمع المدني والهيئات المطلبية والمتقاعدين، ويجري التحضير لعقد لقاءات واتخاذ خطوات تصعيدية مناسبة».


رمضان في غزة... زينة بين الأنقاض والخيام وسط صعوبات معيشية (صور)

أنوار تتلألأ وأطفال يلهون في خان يونس بغزة قبل ساعات من استقبال شهر رمضان الكريم (إ.ب.أ)
أنوار تتلألأ وأطفال يلهون في خان يونس بغزة قبل ساعات من استقبال شهر رمضان الكريم (إ.ب.أ)
TT

رمضان في غزة... زينة بين الأنقاض والخيام وسط صعوبات معيشية (صور)

أنوار تتلألأ وأطفال يلهون في خان يونس بغزة قبل ساعات من استقبال شهر رمضان الكريم (إ.ب.أ)
أنوار تتلألأ وأطفال يلهون في خان يونس بغزة قبل ساعات من استقبال شهر رمضان الكريم (إ.ب.أ)

في إحدى خيام دير البلح بوسط قطاع غزة، تحاول الأسر الاحتفاظ بلمسة الفرح لشهر رمضان رغم صعوبات الحياة اليومية. جوانة (11 عاماً) وشقيقتها تيمة، بمساعدة والدتهما صفاء الحسنات، صنعن زينة رمضان من الورق المقوى المستخرج من كراتين المساعدات الغذائية، فيما استخدمن المناديل الورقية لتشكيل ورد أبيض حول هلال كارتوني.

تقول الحسنات لـ«الشرق الأوسط»، وهي أم لأربعة أطفال: «استقبال شهر رمضان في غزة، والقيام بأجوائه رفاهية صعبة المنال، في ظل أوضاع إنسانية ومعيشية صعبة، فالفانوس تحول لقصاصات ورق معتمة بلا ضوء، خصوصاً في ظل وجود آلاف السكان في خيام مهترئة لا تقي برد الشتاء أو حر الصيف».

هلال مصنوع من الورق وزينة من المناديل في خيمة صفاء الحسنات بدير البلح

وتوقفت الحرب في قطاع غزة منذ سريان وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعد أسابيع من القصف والدمار، خلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة. ومع أن الهدوء النسبي منح السكان فرصة لالتقاط الأنفاس، فإن القطاع لا يزال يواجه صعوبات معيشية حادة؛ إذ يعاني الأهالي من نقص حاد في السلع الأساسية، وانقطاع متكرر للكهرباء، وأزمة مياه شرب نظيفة، بالإضافة إلى تدمير المنازل والبنية التحتية، مما يضاعف من تحديات الحياة اليومية.

فتاة تحمل فانوساً استعداداً لاستقبال شهر رمضان المبارك في خان يونس (إ.ب.أ)

والكهرباء محدودة في غزة، لذا يعتمد الأطفال على بطارية صغيرة لتشغيل الزينة الرمضانية، في حين تحاول الأسر التخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية؛ عبر الاعتماد على الزينة الورقية والمواد المتاحة لتوفير مسحة فرح للأطفال.

نقص السلع الأساسية وارتفاع الأسعار

تقول الحسنات: «أهالي قطاع غزة للأسف يستقبلون رمضان بالألم والفقد وصعوبة المعيشة... الاحتلال الإسرائيلي يتعنت في إدخال المساعدات للسكان. الأوضاع المعيشية كارثية. الآلاف من السكان فقدوا عملهم وزادت معدلات البطالة، وبات أكثر من 90 في المائة من السكان يعتمدون على المؤسسات الدولية في تلبية احتياجاتهم الأساسية».

فلسطينيون يعلقون الزينة فوق أنقاض منازلهم المدمرة استعداداً لاستقبال شهر رمضان المبارك في خان يونس (إ.ب.أ)

تشكو الأم كذلك من زيادة مستمرة لأسعار السلع في غزة، وتقول الحسنات: «للأسف ما زالت الأسعار مرتفعة، خصوصاً ما يتعلق بالاحتياجات الضرورية للسكان، هذا إن وجدت، حيث إن الاحتلال تعمد إدخال الكماليات من حاجيات السكان ومتطلباتهم؛ مثل السكريات والدهون والكربوهيدرات، ويقلل من السلع الأساسية كاللحوم والخضار والفواكه المهمة وغاز الطهي، لذا فما هو متوفر سعره غالٍ قياساً بالأوضاع الاقتصادية للسكان ومصادر دخلهم المحدود».

وشهدت أسعار السلع الأساسية في غزة ارتفاعاً حاداً، حيث سجل مؤشر أسعار المستهلك في قطاع غزة زيادة قياسية بنسبة 43.21 في المائة في مايو (أيار) الماضي، مقارنة بشهر أبريل (نيسان) من العام نفسه، نتيجة استمرار العدوان الإسرائيلي وحدودية دخول الشاحنات التجارية التي نقلت السلع إلى القطاع، مما أدى إلى نقص حاد في الدجاج واللحوم والفواكه ومنتجات الألبان والبيض، وفق الجهاز المركزي للإحصاء.

توقفت الحرب واستمرت المعاناة

وعن تغير الاستعداد للشهر الكريم مقارنة بالأعوام السابقة، تقول الأم الأربعينية: «بالطبع اختلف، فالخيام هي ملجأ السكان للعيش بلا أمان بسبب استمرار القصف رغم الإعلان عن وقف النار، وموائد العائلات باتت حزينة بسبب المقاعد الفارغة لأصحابها الذين رحلوا، فضلاً عن عدم مقدرة السكان على تلبية احتياجات رمضان من مأكل ومشرب ككل عام قبل الحرب».

مظاهر من الاستعداد لشهر رمضان في خان يونس بغزة (إ.ب.أ)

وتقول الحسنات إن هذا العام خفت حدة القصف الذي طال القطاع، لكنه لم يتوقف، وتتابع: «رمضان العام الماضي بدأته إسرائيل باستئناف الحرب التي كانت أشد من السابق، فضلاً عن إغلاق المعابر بشكل كامل، كما اختلف في عدد القبور التي يمكن زيارتها من قبل السكان، فالأعداد فاقت التصور».

ويتفق معها المصور الحر عطية درويش (38 عاماً)، ويقول: «رمضان يختلف من حيث المشاعر والظروف. فقبل الحرب، رغم الحصار، كانت الحياة أكثر استقراراً نسبياً. أما اليوم، فيحمل رمضان طابعاً إنسانياً أعمق، تسوده مشاعر الفقد والصبر».

بين المنازل المدمرة يعلق فلسطينيون الزينة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

ويستطرد درويش أن المظاهر الرمضانية في قطاع غزة تغيرت في القطاع بعد الحرب، إذ أصبحت الأولوية لتأمين الاحتياجات الضرورية، وتراجعت مظاهر الزينة والولائم الكبيرة، كما أن التجمعات العائلية قد تكون أقل بسبب ظروف السكن والنزوح.

الاعتماد على المساعدات الإنسانية

ويرصد درويش استقبال الأهالي لشهر رمضان في غزة بمزيج من الارتياح الحذر والألم؛ فوقف إطلاق النار منح الناس فرصة لالتقاط الأنفاس، لكن آثار الحرب ما زالت حاضرة في البيوت المهدّمة، وفقدان الأحبة، وصعوبة الأوضاع المعيشية. رغم ذلك، يحرص كثيرون على إحياء أجواء الشهر بروح إيمانية عالية وشعور بالتكافل.

ويقول درويش: «الأوضاع لا تزال صعبة؛ نسبة كبيرة من الأسر تعاني من تراجع الدخل أو فقدانه، مع استمرار تحديات الكهرباء والمياه والخدمات. كما أن عملية إعادة الإعمار بطيئة، ما ينعكس على الاستقرار اليومي للعائلات».

أوضاع معيشية صعبة تمر بقطاع غزة لم تمنع سكانها من الاستعداد لاستقبال شهر رمضان (إ.ب.أ)

وعن توفر السلع الأساسية، يقول درويش: «يتوفر جزء كبير من السلع، لكن ليس دائماً بالكميات الكافية أو بالأسعار المناسبة للجميع. بعض الأصناف قد يشهد نقصاً مؤقتاً، خصوصاً اللحوم وبعض المواد المستوردة، بينما تتوافر الخضراوات والمواد الأساسية بشكل أفضل نسبياً، ويشهد بعض السلع الأساسية ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالأعوام السابقة بسبب تكاليف النقل وقلة المعروض في فترات معينة». ويختتم درويش حديثه بأن الأسر في غزة تركز على الأساسيات إن وجدت، إذ إن كثيراً من العائلات يعتمد على المساعدات الإنسانية.

ومنذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر الماضي، قتل 601 شخص، إلى جانب 1607 إصابات، جراء القصف الإسرائيلي في القطاع، وفقاً لوزارة الصحة بغزة.


عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: قناص غامض قتل وصفي التل برصاصة من الخلف

TT

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: قناص غامض قتل وصفي التل برصاصة من الخلف

وصفي التل مع الملك حسين (غيتي)
وصفي التل مع الملك حسين (غيتي)

كان رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات الذي رحل مطلع الشهر الحالي، لاعباً وشاهداً على محطات حساسة في تاريخ بلاده.

بدأ الرجل سبعينات القرن الماضي مساعداً لمدير المخابرات، ثم مديراً لها حتى عام 1982. وفي ذروة الصدام الفلسطيني - الأردني، خطفته «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» قبل أحداث سبتمبر (أيلول) 1970. تولى أيضاً وزارة الداخلية لعامين، قبل أن يكلفه الملك حسين رئاسة الحكومة مطلع 1984، وجمع معها منصب وزير الدفاع، حتى أبريل (نيسان) 1985.

ظل عبيدات لأكثر من عقد ونصف العقد في مركز القرار. ولعب بعدها أدواراً استفادت من خلفيته القانونية، من رئاسة اللجنة الملكية لصياغة الميثاق الوطني مطلع التسعينات، إلى أدوار حقوقية وقضائية كان آخرها رئاسة مجلس أمناء المركز الوطني لحقوق الإنسان حتى 2008.

قبل أسابيع من «طوفان الأقصى»، التقيت عبيدات في عمّان. كان يفترض أن تُنشر المقابلة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لكن الحدث الكبير فرض تأجيلها، خصوصاً في ظل تطرق الرجل إلى محطات شائكة، سيما في ملف العلاقات الأردنية - الفلسطينية.

في الحلقة الأولى من شهادته، يعود عبيدات إلى سنوات التكوين الأولى، حين بدأت رحلته السياسية والمهنية طالب حقوق في بغداد عشية ثورة 14 يوليو (تموز) 1958، ثم عودته إلى العراق بعد سقوط الحكم الملكي، وما رافق ذلك من تحولات كبرى في المنطقة.

تنتقل الشهادة إلى بداياته العملية في الأردن، من تجربة قصيرة في المحاماة، إلى التحاقه بالأمن العام، ثم مشاركته في مكتب التحقيقات السياسية الذي شكّل النواة الأولى للعمل الاستخباري المنظم. وتُختتم بسرد تفصيلي لظروف تأسيس جهاز المخابرات العامة عام 1964، وبنية الجهاز الناشئ، وأسماء رجاله الأوائل، في مرحلة كانت فيها الدولة الأردنية تعيد بناء أدواتها في إقليم شديد الاضطراب.

دولة الرئيس، كنت طالباً في بغداد وحدثت ثورة 1958، أين كنت عندما حدثت الثورة؟

- الحقيقة أنهيت السنة الأولى في كلية الحقوق، وعدت للأردن لقضاء العطلة الصيفية مع أسرتي، وأثناء وجودي في مدينة إربد جاءت الأنباء بقيام الثورة، ثورة 14 تموز في العراق التي أطاحت الحكم الملكي؛ ولذلك بعد انتهاء العطلة الصيفية عدت إلى بغداد وكان هناك حكم جمهوري لعبد الكريم قاسم والمجموعة التي كانت معه.

كانت صعبة العودة إلى بغداد في ضوء ما حدث في 14 تموز؟

- واجهت بعض الصعوبات. حتى في الطريق واجهتنا صعوبات بالعودة، حيث كانت الحدود شبه مغلقة بين الأردن والعراق، فاضطررنا إلى أن نعود من خلال دمشق، وأيضاً بطرق صحراوية عدنا من دمشق إلى بغداد، وكانت رحلة شاقة من دمشق.

أحمد عبيدات خلال المقابلة مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط» في عمّان (الشرق الأوسط)

متى غادرت بغداد؟

- بعد انتهاء السنة الأخيرة من الدراسة، وفي اليوم الأخير من الامتحانات في السنة الرابعة عام 1961، وفور انتهاء آخر امتحان غادرت باتجاه المنزل الذي كنت أسكنه مع بعض الطلبة الأردنيين، وجهزت نفسي وعدت في اليوم نفسه إلى الأردن، وكانت الحدود قد أُعيد فتحها بين بغداد وعمان.

هل كان معك طلاب بالجامعة ممن تولوا بعد ذلك مناصب في العراق؟

- طبيعي، صدام حسين نفسه كان معنا في كلية الحقوق، وكان يدرس في كلية الحقوق بالفترة المسائية، فقد كانت الدراسة قسماً صباحياً وقسماً مسائياً.

هذا كان في عام 1958؛ لأنه في عام 1959 حاول اغتيال عبد الكريم قاسم ثم هرب، فهل رأيته بالجامعة؟

- لقد رأيته مرة واحدة بالصدفة، وكان معه آخرون وأحدهم عُين محافظاً في وقت لاحق. وبعض الطلبة الآخرين أصبحوا محامين وكان معنا عدد محدود، لا أتذكر أسماءهم الآن.

متى عدت إلى بغداد؟

- عدت إلى بغداد سنة 1983 كنت وزيراً للداخلية. وذهب لحضور مؤتمر وزارة الداخلية العرب بعد 22 سنة وبعض الأشهر.

من التقيت في بغداد كوزير للداخلية؟

- سعدون شاكر.

هل كانت لك علاقة قوية مع سعدون شاكر، أم كانت علاقة عادية؟

- علاقة عادية، وبعدها لجأ للأردن هو وعائلته في وقت متأخر بعد الغزو الأميركي، وطبعاً تعرفت على طه ياسين رمضان ومحمد مهدي صالح وزير التجارة لاحقاً، وهو موجود في الأردن حالياً.

كيف كان طه ياسين رمضان؟ سعدون شاكر قيل إنه وزير داخلية شرس وعنيف؟

- قد يكون بالنسبة للعراقيين كذلك، أما بالنسبة لنا كانت علاقات مجاملات أكثر منها علاقات عميقة تتعرف من خلالها على سلوكه اليومي.

هل التقيتم أحداً سوى وزير الداخلية بهذه الزيارة؟

- كانت اللقاءات محدودة، وكان الأمير نايف يعدّ عميد وزراء الداخلية العرب وقتها.

وهل كان الأمير نايف بهذا الاجتماع؟

- نعم، كان بالاجتماع، أمضيت ثلاثة أيام فقط في بغداد، وبعد انتهاء المؤتمر طلبت من العراقيين سيارة وسائقاً من دون حرس، حيث ذهبت إلى الأماكن التي كنت أسكنها أثناء دراستي في منطقة الأعظمية والوزيرية. مناطق لطيفة كانت مناطق هادئة ويسكنها دائماً فئة المهنيين من الناس، مهندسون أطباء محامون وضباط.

رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات (الشرق الأوسط)

كنت وزيراً للداخلية ومدير مخابرات بالوقت نفسه؟

- لا، أنا كنت مديراً للمخابرات لمدة سبع سنوات ونصف السنة، ثم أُحلت على التقاعد، وفي اليوم الثاني عُيّنت وزيراً للداخلية، فقد شغر منصب وزير الداخلية في حكومة المرحوم مضر بدران، بانتقال المرحوم سليمان عرار الذي عُيّن رئيساً للمجلس الوطني الاستشاري الذي جاء لتغطية غياب مجلس النواب.

عندما عدت من بغداد ماذا عملت؟

- عندما عدت لم أتقدم بطلب توظيف لديوان خدمة الموظفين. وكان توجهي العمل في المحاماة، كان والدي يعمل في الأمن العام ضابطاً. وقد أحيل على التقاعد وسكن في محافظة إربد هو ووالدتي وأخواتي.

أذكر أني ذهبت في يوم وزرت رئيس محكمة البداية في مدينة إربد المرحوم الأستاذ سعيد الدرة، فاستقبلني بكل ترحاب قدمت له نفسي أنا فلان وخريج حقوق بغداد، وطلبت منه أن ينصحني أين أتدرب مع المحامين الممارسين في منطقة إربد. رحَّب بي الرجل وقال في إربد لا يوجد عدد كبير من المحامين الممتازين في ذلك الوقت، لكن هناك شخصين أرشحهما لك.

فعلاً ذهبت لواحد من المحامين اللذين رشحهما لي. وفعلاً رحب بي الرجل. لكن كانت مشكلته أنه لا يعمل في جميع الأيام. وبدأت التدريب عنده، بعد أشهر عدة وجدت أن إربد لا يتوفر فيها حراك اقتصادي قانوني. بمعنى لا توجد قيمة مضافة تساعدني لكي أكون محامياً ناجحاً، فاقترحت على والدي أن أنتقل للعمل والسكن في عمّان.

فكان رد والدي بأنه لا يستطيع مساعدتي؛ لأن راتبه التقاعدي في ذلك الوقت كان بسيطاً جداً وبيتنا بالأجرة ولي شقيقات ما زلن يدرسن في المدارس. وأنه من الصعب أن يتم تقسيم الراتب بين أسرة كاملة وفرد واحد من الأسرة.

وسألني عن توفر خيارات أخرى، فأجبته بأني ذاهب إلى عمان وسأقدم طلب توظيف إلى ديوان الخدمة المدنية.

وبالفعل، وبعد أسابيع قليلة طُلبت لديوان الخدمة المدنية وتسلمت كتاب تعييني في مالية الجمارك، وعُيّنت في جمارك عمّان.

متى دخلت سلك المخابرات العامة؟

- لقد تأسست المخابرات عام 1964، وقبل ذلك كنت التحقت بجهاز الأمن العام برتبة ضابط، لم يكن هناك وقتها جهاز للمخابرات، أي قبل عام 1964، وكان جهاز الأمن العام حينها يضم قسماً يتولى قضايا المباحث العامة كما تسمى في بعض الدول العربية.

طبعاً أعلن جهاز الأمن العام عن وظائف لحاملي درجة القانون، وقد كان الحقوقيون يلتحقون بالأمن العام وبالجيش. في الجيش طبعاً يلتحق من يحمل درجة القانون بالقضاء العسكري، وفي الأمن العام يلتحقون بقضاء الشرطة. أو للعمل ضمن اختصاصه في أي موقع يحدد من قِبل إدارة الجهاز.

كانت هناك لجنة تقابل الراغبين في التجنيد، ذهبت وقابلت اللجنة. وبعد فترة قصيرة تم قبولي. وفعلاً قدمت استقالتي من مالية الجمارك والتحقت بالأمن العام. وبعدها أدخلونا دورة لمدة ثلاثة أشهر في كلية الشرطة. بعد الأشهر الثلاثة مُنحت رتبة ملازم أول وكان ذلك في 1/4/1962، وكنت قد اشتغلت بالجمارك 5 أو 6 أشهر.

إذن، في عام 1962 صرت بالأمن العام؟

- في شهر أبريل (نيسان) من عام 1962، صرت ملازماً أول في الأمن العام، وبعدها بقليل تم تشكيل مكتب التحقيقات السياسية من الجيش والأمن العام، وقد تشكل المكتب من ضباط حقوقيين أتوا من الجيش، مثل المرحوم مضر بدران الذي جاء من القضاء العسكري ومعه أديب طهبوب، وقد كان الاثنان يحملان رتبة نقيب (كابتن)، ومن الأمن العام جئت أنا وطارق علاء الدين زميلي الذي تسلم بعدي مديراً للمخابرات. وبالفعل، ذهبنا الأربعة إلى مكتب التحقيقات السياسية برئاسة محمد رسول الكيلاني وكان بالأمن العام.

ومكتب التحقيقات السياسية كان يتعامل بقضايا تحوَل من أي جهة أمنية أو رسمية أو من الجيش أو الاستخبارات العسكرية أو من الديوان الملكي.

بعد فترة من الزمن وبعدما اطلعوا على نتائج عملنا، أمر الراحل الملك الحسين أن يتم تشكيل جهاز له مرجعية قانونية في البلاد. فصدر قانون المخابرات العامة سنة 1964 والذي تشكلت المخابرات العامة بموجب أحكامه.

غادرت الأمن العام وذهبت للمخابرات، وكان العاملون والمؤسسون للجهاز في ذلك الوقت من خيرة قيادة المخابرات العامة، وكان محمد رسول الكيلاني هو أول مدير للمخابرات. ومن بعده جاء مضر بدران، وبعده تسلم الجهاز نذير رشيد، ثم عاد محمد رسول مرة أخرى لفترة بسيطة. وبعده تسلمت إدارة الجهاز ومن بعدي تسلم طارق علاء الدين - رحمهم الله جميعاً.

شاءت الأقدار أن تكون تجربتك في المخابرات بمرحلة ساخنة أردنياً وعربياً. كلنا نحمل آثار 1967، أنت كنت ضابطاً بالمخابرات وحصلت الحرب، بماذا شعرت حينها؟

- في 1967، وكأي مواطن عربي، كنا الشباب الموجودين في الدائرة نشعر بالصدمة الكبرى، شعرنا بأنها هزيمة وليست نكسة. هزيمة عسكرية، هزيمة سياسية، هزيمة نفسية، هزيمة اجتماعية بكل ما تعنيه الكلمة.

هل خطر على بالك ليت الأردن لم يشارك بالقتال؟

- طبعاً؛ لأن في هذه القضية كنت مُطلعاً على جانب من المشاورات مع الرئيس عبد الناصر.

ما رأي المخابرات في المشاركة الأردنية بالحرب؟

- لم يكن هناك رأي للمخابرات. وكان الرأي السياسي مثلاً لشخصية بحجم ووزن شخصية وصفي التل، بأن دخول الأردن الحرب عام 1967، هو خطأ. صحيح أن وصفي لم يكن في المسؤولية، لكنه ظل قريباً من الملك ومؤثراً.

بعد هذه السنوات بتقديرك لماذا ذهب الملك حسين إلى الحرب؟

- الملك حسين كان يعتقد أن إسرائيل ستحتل الضفة الغربية، سواء شاركنا في الحرب أو لم نشارك. وأن المشاركة مغامرة قد تنجح وقد لا تنجح. طبعاً الكارثة كانت اكتشاف أن الطيران المصري دُمّر بالكامل، والمشكلة الأكبر عندما علمنا بأن هذا السلاح صار مدمراً بنصف ساعة.

هل علمتم كجهاز مخابرات عن تدمير الطيران المصري سريعاً؟

- لا، لم نكن نعلم، لكن الشعور بالمرارة كان واضحاً على المستويين الرسمي والشعبي. فالخسارة بالنسبة للأردن كانت كبيرة.

هل خشيتم على النظام؟

-لم نخش على النظام، لكننا سعينا لاحتواء الغاضبين. وبررنا غضبهم، وتحمّلنا المسؤولية في أن نستوعب صدمة الهزيمة بكل مراراتها.

بدأت وانتهت حرب عام 1967 وهُزمت الجيوش العربية، وعاد الموضوع الفلسطيني إلى الواجهة وبدأ الرهان على المنظمات الفلسطينية، كان هذا أهم ملف عندكم؟

- طبعاً، كان هذا الأمر مصيرياً جداً.

متى التقيت ياسر عرفات أول مرة؟

- بعد أحداث سبتمير (أيلول) 1970 (المواجهات الأردنية - الفلسطينية)، ولم أكن قد جلست معه قبل ذلك.

عبد الناصر مصالحاً الملك حسين وعرفات خلال قمة القاهرة في سبتمبر 1970 (أ.ف.ب)

وهل كان خروج ياسر عرفات من عَمّان مع الوفد العربي بعلم المخابرات والسلطة الأردنية؟

- ليس هذه القصة، القصة أنه خرج مع وفد رسمي.

وللمفارقة، عندما أصبحت مديراً للمخابرات كان معي سائق، وقد كان هذا السائق يقود مدرعات عسكرية في الجيش العربي خلال أحداث أيلول. وقد روى لي هذا السائق، بأنه كان يقود المدرعة التي حملت ياسر عرفات إلى المطار. وقد أبلغني بأن عرفات غادر متخفياً مرتدياً زياً خليجياً.

طبعاً، المصفحات كانت وسيلة التنقل للوفود الرسمية، وبطبيعة الحال لو تم الكشف عن هوية عرفات فلم يكن ليعتقل في تلك الفترة؛ لأنه خرج لحضور قمة عربية في القاهرة. وبالمناسبة، رجع إلى عمّان بعد مؤتمر القمة مباشرة.

هل ذهبت إلى مؤتمر القمة حينها؟

- نعم، لكن نحن كوفد لم نحضر المؤتمر، حضر الملوك والأمراء والرؤساء فقط. وكانت عُقِدت القمة لوقف الأحداث، وكوفود رسمية لم نحضر اجتماع الرؤساء، وعندما جاء الملك حسين التأم المؤتمر برؤساء الوفود فقط.

هل كان من الصعب ذهاب الملك حسين حينها؟

- لا، وقد أُجرِيت مصالحة بين الراحل الحسين وبين عرفات. انتهى المؤتمر ورجعنا إلى الطائرة، ونحن بالطائرة وصلنا خبر وفاة عبد الناصر، وتأثر الملك حسين جداً.

من أبرز القيادات الفلسطينية التي اُعتُقلت في ذلك الوقت؟

- بالصدفة اعتقلنا أبو إياد وكان مع قيادات مختلفة ومنهم محمود المعايطة من قيادات «البعث». وفعلاً وُجِدوا في الدائرة. لكن لا شيء حصل معهم. ضيفوهم ولم يتعرضوا لشيء ولا أحد سألهم.

في تلك الأثناء غادر رئيس الوزراء الأردني وقتها وصفي التل إلى اجتماع وزراء الدفاع في القاهرة، وتم اغتياله هناك، هل نُصح بألا يذهب؟

- سمعت بأنه نُصح، لكنه قال إن مصر دولة تحترم نفسها وتحترم ضيوفها، وبعدها غادر.

وصفي التل مع الملك حسين (غيتي)

ما هو الخيط الغامض في عملية اغتيال وصفي التل؟

- الخيط الغامض حتى الآن أن المجموعة التي أطلقت النار عليه كانت في مواجهته بمدخل الفندق. بالتشريح الطبي اتضح أن رصاصاتها لم تكن هي التي أودت بحياته. ما أودى بحياته رصاصة قاتلة من الخلف من قناص كان في مكان آخر غير مرئي. قناص لم يُعرف لليوم. ولا أحد يعلم من هو.

هل يمكن القول إن وصفي التل كان مغامراً برحلته الأخيرة إلى القاهرة؟

- لا، وصفي ليس مغامراً، وصفي صاحب مشروع سياسي مختلف. لذلك؛ وصفي شخصية متفردة فيما تقول وتفعل.

هل تم توجيه عمليات ضد الأردن غير عملية وصفي التل؟

- بهذا الشكل لا.

تعتقد أن قرار اغتيال وصفي التل أخذه أبو إياد؟

- لوحده مستحيل، أخذته القيادة الفلسطينية وبظني أبو عمار كان مطلعاً.

لماذا تم اغتيال وصفي التل دون سواه من المسؤولين العسكريين أو الأمنيين؟

- لقد اتهمت «منظمة أيلول الأسود» التي قادها وأسسها أبو إياد بأن الشهيد وصفي التل كان هو صاحب القرار في طرد بقية الفدائيين الذين تحصنوا بمناطق شجرية في محافظة جرش وعجلون شمال البلاد.

وهل كان متسبباً بتلك الحادثة؟

-لا.

إذن، ما هو سبب تلك الحادثة التي أسفرت عن طرد الفدائيين؟

- الفدائيون الموجودون في جرش اعتدوا على مركز الشرطة وقتلوا بعض أفراده. عدوان سافر في النهار أمام المواطنين، كلهم فرد فعل الجيش كان عفوياً بأن هاجم أقرب المواقع للفدائيين. وهكذا بدأت المشكلة. في الساعات الأولى استسلم أكبر عدد من الفدائيين وسلموا سلاحهم والباقي قاوم. هناك من قُتل وهناك من فرّ إلى الضفة الغربية بعدما انتهى الفلتان. كل الذين سلموا سلاحهم نُقلوا للقاعدة الجوية في المفرق.

كانوا يحمّلون وصفي التل مسؤولية ما حدث في عجلون وجرش. وصفي التل، رئيس حكومة ووزير دفاع. من ناحية أدبية، أي إنسان يحترم نفسه لا يستطيع أن يتخلى عن مسؤوليته الأدبية بأن يتحمّل المسؤولية. كان من الممكن لغيره أن ينسحب ويقول أنا لم أكن أعلم ولا علاقة لي. وصفي التل ضحى بنفسه وسكت.

إذن، القرار كان للجيش؟ وهل قُتل في تلك العملية أبو علي إياد؟

- نعم.

هل كانت صعبة هذه المرحلة على المخابرات؟

- صعبة جداً، كل المرحلة كانت صعبة.

أنت تعرضت لعملية خطف قبل أحداث عام 1970 على يد «الجبهة الشعبية» ثم على يد «فتح». هذه كانت «شمة هواء» (نزهة) ولم يُحقق معك؟

- نهائياً. لم يتم سؤالي سؤالاً واحداً.

اختطفتك «الجبهة الشعبية» ولم تحقق معك؟

- لم أُسأل سؤالاً واحداً. هذا أمر غريب. شربنا الشاي بقينا لمدة ساعة أو ساعتين، انتقلنا إلى بيت في عمّان من الوحدات. هناك شربنا الشاي وأكلنا كعكة وأعادوني إلى بيتي في جبل التاج.

هل هدّد مدير المخابرات حينها بشن عملية عسكرية للإفراج عنك؟

- قيل لي إن مضر بدران (مدير المخابرات) قال لرئيس الأركان وأنا عند «الجبهة الشعبية»: سأتحرك الآن، سأحرك سرية تابعة للمخابرات العامة بأسلحتها وعرباتها وأهاجم مقر «الجبهة الشعبية» في الوحدات، فقال له لا تفعل شيئاً. انتظر مني أن أجري اتصالاتي.

هل تتذكر كيف وأين خُطفت؟

- طبعاً، كنت أسكن بشقة في منطقة بجبل التاج، بعد ظهر يوم من الأيام، كنت أنوي الخروج ومعي أسرتي ومعنا شقيق زوجتي طبيب في الخدمات الطبية الملكية، عند مغادرتنا، وإذ بسيارات مسلحة أوقفتنا وأجبرتني على الدخول بسيارة «فولكس فاجن». فنظرت إلى شقيق زوجتي الذي كان يرتدي لباسه العسكري، وطلبت منه البقاء مع زوجتي والأولاد. فقالوا «لا. كمان تعال» فأخذوه معي وذهبنا إلى منطقة مخيم الوحدات، وبعدها بدأت السيارات المسلحة المرافقة تطلق النار بالهواء ابتهاجاً باعتقالي أو خطفي.

ما هي رتبتك حينها؟

- لا أذكر تماماً، كنت عقيداً أو عميداً في المخابرات. لكن كنت مساعداً لمدير المخابرات حينها.

كم استمر خطفك؟

- فقط ساعات، بعد أن وصلنا إلى الوحدات وإذ بنا ندخل مقر «الجبهة الشعبية».

تم استقبالنا هناك، ولم يضايقنا أحد. واستقبلنا رجل من «الجبهة الشعبية» كان في قمة التهذيب. جلسنا عنده بحدود الساعتين. وبعدها جاءت سيارة نقلتنا إلى منطقة في جبل عمّان إلى بيت أحد قيادات «الجبهة الشعبية»، لا أذكر اسمه. فقدم لنا ضيافة في منزله. واعتذر منا ثم طلب لنا مركبة توصلنا إلى بيتي في جبل التاج.

فدائيون فلسطينيون في محيط قلعة عجلون خلال المواجهات مع الجيش الأردني في ديسمبر 1970 (أ.ف.ب)

وصلت المنزل ووجدت أن جيراني الذين يسكنون بجانب بيتي المستأجر استقبلوا عائلتي وأقاموا عندهم. وذهبت عندهم وبقيت حتى صباح اليوم التالي.

في صباح ذلك اليوم جاءت مجموعة من منظمة «فتح» وطلبوا مني أن أرافقهم كما طلبوا من الجار الذي استقبلني وعائلتي أن يأتي معنا، وهو هاشم علي سالم، وقد كان يعمل في مجال «القاصات الحديدية».

وبعد أن وصلنا إلى مكان أو موقع مكتب منظمة «فتح»، جاء رجل منهم وقال: لا نريد شيئاً مع السلامة.

وتركونا نرحل سيراً على الأقدام دون أي إشارة إلى أسباب اعتقالنا أو خطفنا.

عُدتُ سيراً على الأقدام إلى البيت وبعدها بقليل جمعنا أغراضنا من المنزل أنا وعائلتي، وتم تأمين طريقة لإخراجنا من منطقة جبل التاج. وذلك من خلال اتصالات بين دائرة المخابرات والجيش والمقاومة، فجاءت سيارة وركبنا مع حرس من «الكفاح المسلح»، وتنقلت المركبة بين مناطق من عَمّان الشرقية، وقد واجهتنا نقاط تفتيش متعددة. لكن كنا نتجاوز تلك النقاط من خلال كلمة سر يقولها أحد حراس «الكفاح المسلح». وعندما وصلنا منطقة جبل الحسين ركبنا سيارة أخرى وأوصلونا إلى نقطة واعتذروا عن إكمالهم الطريق، وطلبوا منا المشي إلى أي مكان تريده بحكم أننا صرنا بأمان.

كنت أريد أن أصل إلى موقع دائرة المخابرات في موقعها القديم. لكن كان أمامنا منطقة تُشكل تقاطعاً حرجاً، وكان الجيش يطلق النار؛ حتى لا يتعدى أحد من الفدائين تلك النقطة العسكرية.

نزلنا من المركبة وكانت امرأتي حاملاً وقتها، ومعنا أولادنا، وبقينا نسير بحذر. وعندما اقتربت من موقع عملي في المخابرات طلبت من أسرتي البقاء حتى أذهب للدائرة وأعود لهم. جئت بمركبة من المخابرات وعدت لأسرتي ونقلتهم إلى بيت آخر استأجرته قريباً من مكان العمل وأنا عدت لعملي بعد تأمين عائلتي.



تتحدث اليوم بهدوء، لكن في تلك اللحظة وأنت بين «الجبهة الشعبية» و«فتح»، ما هي مشاعرك لحظتها؟

- الاستغراب سيطر عليّ تماماً.

هل هو شعور المستسلم، أم أنك فكرت بما يخبئ القدر؟

- تماماً الاستغراب يأخذك في أكثر من فكرة واتجاه.

إذن، لم يتم التحقيق معك خلال ساعات اختطافك؟

- نهائياً، ولا كلمة، شربنا شاياً فوق وشربنا شاياً تحت.

هل كان الغرض من العملية استفزازاً؟

- لا أعرف ما هو الغرضن أو ما هي الغاية من مثل تلك الاستفزازات، وماذا يريدون.

عندما رجعت إلى المخابرات ماذا فعلت، أو ما هي الاجراءات التي اتخذتها بعد الحادثة؟

- لا شيء؛ لأنه في تلك الأحداث كانت المخابرات مثلها مثل أي مؤسسة أمنية أو رسمية مهددة ومستهدفة.