أوروبا - روسيا... متى الصدام العسكري؟

جانب من مناورات قوات الأسطول الروسي في المحيط الهادئ (وزارة الدفاع الروسية - تلغرام)
جانب من مناورات قوات الأسطول الروسي في المحيط الهادئ (وزارة الدفاع الروسية - تلغرام)
TT

أوروبا - روسيا... متى الصدام العسكري؟

جانب من مناورات قوات الأسطول الروسي في المحيط الهادئ (وزارة الدفاع الروسية - تلغرام)
جانب من مناورات قوات الأسطول الروسي في المحيط الهادئ (وزارة الدفاع الروسية - تلغرام)

شكّلت حرب الخليج الأولى (1991) نموذجاً حربيّاً يُحتذى به في الحروب الحديثة، وفي كيفيّة القتال المشترك للقوى والأسلحة المختلفة. فقد كانت حرب مناورة سريعة استعملت فيها القنابل الذكيّة، وشكّلت فيها الهيمنة الجويّة، كما حرب المعلومات، الجزء الأهمّ. تم تحرير الكويت عبر حملة جويّة استمرت 38 يوماً، تلتها حملة بريّة حاسمة استغرقت فقط أربعة أيّام.

يشترط نجاح هذه المنظومة المُقاتلة، توفّر عمل مؤسساتي مُحترف على المستوى العسكريّ، وذلك بالطبع بدعم وتخطيط من المستوى السياسيّ. وإذا توافرت المؤسسات، فمن الحيويّ أن تتوفّر التكنولوجيا الحديثة. لكن المعادلة السريّة للنجاح، ترتكز على مزاوجة العمل المؤسّساتي مع التكنولوجيا الحديثة، وذلك بهدف إنتاج منظومة عسكريّة قادرة على خوض حروب المستقبل.

أجرى الرئيس بوتين إصلاحاً عسكريّاً في كل الأبعاد. فزاد موازنة الدفاع... كما معاشات العسكر... وقرر تخفيض عديد الجيش (أ.ب)

التجربة الروسيّة

تتحدّث كثير من الدراسات العسكريّة عن الفشل الروسيّ في كيفيّة القتال المشترك (Combined). وإذا توفّرت التكنولوجيا، كما العمق الصناعي العسكريّ، فإن الفشل كان مرافقاً، كما كانت الأثمان كبيرة جداً، خاصة في الأرواح البشريّة، في الكثير من الحروب التي خاضتها روسيا، أو قبلها الاتحاد السوفياتيّ. فعلى سبيل المثال لا الحصر، وفي الحرب على الشيشان، اعتمدت القوات الروسيّة على القدرة الناريّة المُفرطة، وعلى الدمار الشامل، من دون الأخذ في الاعتبار عنصر المناورة، وكيفيّة القتال في المدن (Urban)؛ في الحرب على جورجيا عام 2008، انتصرت روسيا على جيش جورجيّ ليس جاهزاً، وفي ظلّ تفاوت كبير في موازين القوى العسكريّة لصالح روسيا بالطبع.

بعد الحرب على جورجيا، بدأ الرئيس بوتين إصلاحاً عسكريّاً (Reform) وفي كل الأبعاد. فزاد موازنة الدفاع، كما معاشات العسكر، وقرر تخفيض عديد الجيش. كما أجرى تحسينات كبيرة في نوعيّة التدريب. وأعاد إحياء وتحديث الصناعات العسكريّة الروسيّة، وقرّر في عام 2015 الانخراط في الحرب السوريّة لتحقيق أهداف كثيرة، أهمّها اختبار المنظومة العسكريّة الروسيّة الجديدة. اختبار القيادة والسيطرة. كما اختبار الأسلحة الجديدة، وذلك بالإضافة إلى اختبار القدرة الروسيّة على نشر القوات العسكريّة خارج المحيط المباشر لروسيا.

قوات فنلندية وسويدية تشارك في مناورات لحلف «الناتو» قرب هيتا بفنلندا في 5 مارس 2024 (رويترز)

بوتين بين المُتخيّل والواقع الميداني

بعد تجربة الإصلاحات في سوريا واختبارها، قرّر الرئيس بوتين الحرب على أوكرانيا تحت اسم «العمليّة العسكريّة الخاصة»، لم يقل قط إنها حرب فعلاً، بالرغم من استمرارها لمدة أربع سنوات. في هذه الحرب، ذهبت الإصلاحات العسكريّة الروسيّة في مهبّ الريح. وإذا كانت فكرة الحرب على أوكرانيا ترتكز على المناورة، والقتال المشترك بين كلّ الأسلحة، وعلى الحرب السيبرانيّة، كما على الهيمنة الجويّة، بناء على الإصلاحات العسكريّة، وإذا كانت الأهداف السياسيّة للحرب هي السيطرة على كلّ أوكرانيا، فإن النتيجة بعد أربع سنوات لا توحي بالخير. لكن لماذا؟

بعد أربع سنوات لم يسيطر الجيش الروسي إلا على 20 في المائة تقريباً من الأراضي الأوكرانيّة. لم تكن الحرب خاطفة وسريعة، والتكلفة البشريّة وحسب الكثير من المراجع وصلت إلى ما يُقارب المليون بين قتيل وجريح. وإذا كان هدف الحرب على أوكرانيا استرداد مناطق نفوذ الاتحاد السوفياتي السابقة. فإن أغلب هذه المناطق أصبحت بعيدة عن روسيا، وذلك بدءاً من أرمينيا وأذربيجان، وكازاخستان وغيرها. وإذا كان هدف الحرب استرداد مكانة روسيا كقوّة عظمى، فإن روسيا اليوم تعاني من عزلة دوليّة، بحيث اضطرّت إلى إنتاج ما يُسمّى «بالأسطول الشبح» لتصدير نفطها سرّاً.

جنود ألمان يشاركون في مناورات عسكرية بليتوانيا عام 2024 (رويترز)

بعض كوارث الحرب الأوكرانيّة

تدخل معركة السيطرة على العاصمة كييف في التصنيف الكارثيّ العسكريّ. لم يُطبّق في هذه المعركة أيّ دروس عسكريّة مفيدة، خاصة بعد الإصلاح الذي أُجري على الآلة العسكريّة الروسيّة، إن كان في القتال المشترك أو التكتيك وحتى القدرة على التأقلم مع تطوّرات ومُستجدّات الواقع الميدانيّ، وقد يُضاف إلى أسباب الفشل أيضاً غياب الليونة الاستراتيجيّة (Strategic Flexibility)، بالإضافة إلى الأهداف الكبرى التي وُضعت (Maximalist)، والتي تبغي الحدّ الأقصى. بكلام آخر، وُضعت الأهداف العسكرية-السياسيّة، في حدّها الأقصى. وعندما عكس الواقع الميداني الحسابات الروسيّة الخاطئة، لم تتأقلم القوى العسكريّة كما السياسيّة مع واقع الحال. فماذا حصل في هذه المعركة؟

حسب بعض الدراسات، أو بالأحرى أغلبها. كانت معركة السيطرة على كييف فاشلة وبكلّ المقاييس. عكس الفشل الخلل المؤسساتيّ العسكريّ: استهلكت القوى لوجستيّتها بسرعة، من دون القدرة على التموين، وفشل المشاة في حماية تقدّم أرتال الدبابات المهاجمة، بحيث استطاعت بعض الصواريخ (Javelin) إيقاف رتل منها بطول 65 كيلومتراً حسب بعض الصور من الأقمار الاصطناعيّة. لم تقاتل القوى بطريقة مشتركة، إذ لم يؤمن سلاح الجوّ الروسيّ الهيمنة الجويّة بالرغم من التفوّق العددي والنوعي، قبل بدء العملية العسكريّة. عكس هذا الفشل سوء القيادة والسيطرة، وعدم القدرة على الابتكار التكتيكي (Tactical Innovation)، في ظل زاقع أن «الثقافة الاستراتيجيّة» تعتمد على القيادة من فوق (Top-Down) من دون السماح للمستوى الأدنى بحريّة اتخاذ القرار ميدانيّاً، وعلى كلّ المستويات.

دورية روسية قرب الحسكة شمال شرقي سوريا (أرشيفية - أ.ف.ب)

الخوف الأوروبيّ من القوة الروسيّة

حسب صحيفة «وول ستريت جورنال» وبعد تجربة لعبة الحرب (War Game) لهجوم روسيّ محتمل على «الناتو»، يعتقد القادة الأوروبيّون أن أي عملية عسكرية روسية ضد «الناتو» لن تحصل قبل عام 2029، وهي ستكون على نقاط ضعف «الناتو»، خاصة في دول البلطيق. والمهم ذكره هنا، هو غياب العم سام بالكامل عن لعبة الحرب هذه. كما يعتقد بعض القادة أن الحل السياسي للحرب الأوكرانيّة قد يُحرّر ما يُقارب من 200 ألف جندي روسي من الذين اكتسبوا خبرات ميدانيّة مهمّة، الأمر الذي سينقل التهديد مباشرة إلى داخل دول «الناتو». فهل هذا الخوف في محلّه؟

في الصراعات الجيوسياسيّة وخاصة العسكريّة، يتم التحضير دائماً للسيناريو الأسوأ، على أمل أن يحصل السيناريو الممتاز. لكن الأكيد، أن الجيش الروسي ليس جاهزاً في هذا الوقت للقيام بمغامرة عسكريّة جديدة ولعدّة أسباب منها:

حسب مركز الدراسات الاستراتيجيّة والدوليّة (CSIS)، قتل حتى الآن ما يُقارب الـ 325 ألف جندي روسي، وهو رقم أكبر من مجموع ما قتل من الجنود الروس، إن كان في الحقبة السوفياتيّة، أو الروسيّة ومنذ الحرب العالمية الثانية.

جنود من فرنسا وبولندا يشاركون في مناورة عسكرية مشتركة مع جنود من كثير من دول «الناتو» على نهر فيستولا في كورزينيو ببولندا... 4 مارس 2024 (د.ب.أ)

منذ عام 2024، حدّد نفس مركز الدراسات أن التقدّم الروسيّ العسكريّ البرّي داخل الأرض الأوكرانيّة، يُقاس بالأمتار، بين 15-70 متراً يومياً. وهي أبطأ حرب قياساً بالحروب التي خيضت في آخر مائة عام.

كانت التكلفة البشريّة لهذا التقدّم البطيء عالية جدّاً، بمعدّل 35 ألف جندي روسي شهريّاً. وهي، أي روسيا، قادرة على التعويض عن هذا الرقم، باعتماد الإغراءات الماليّة، كما السعي إلى التجنيد من المناطق الفقيرة في روسيا خاصة الأقليات.

إذن، وفي ظل هذه المعطيات، إن كان في الخسائر البشريّة، أو المادية والمتعلّقة بالعتاد. فهل يمكن لروسيا خوض حرب جديدة في وقت قريب ضد قارة بدأت تستعد عسكريّاً؟

في الختام، من المؤكد أن الحرب بشكل عام تستلزم خطاباً يرافقها (Narrative). فالخطاب هو استراتيجيّة بحد ذاته لكن على شكل مختلف كونه يرتكز على الكلمة والصورة. لكن للخطاب تتمّة، تتجسّد على أرض المعركة عبر الوسائل المتوفّرة والقدرة على الإنتاج العسكري بسرعة. فكيف سيتصرّف «الناتو» حيال تأمين الوسائل اللازمة للحرب؟ خاصة أن القدرة الروسيّة على التصنيع العسكريّ خاصة الذخيرة، تفوق قدرة كل دول «الناتو» مجتمعة وبنسبة أربعة أضعاف؟ كيف سيؤمن «الناتو» الوسائل العسكرية التي ستخدم الهدف السياسيّ العام، وذلك في ظلّ غياب قيادة أوروبيّة موحّدة، الأمر الذي يُذكّرنا بما نُسب إلى هنري كيسنجر يوماً حين قال: «بمن أتّصل إذا أردت الحديث مع أوروبا»؟


مقالات ذات صلة

وفد سوري يختتم زيارة لليابان للاستفادة من إعادة بناء هيروشيما

المشرق العربي وفد سوري يستمع إلى تجربة هيروشيما في إعادة الإعمار والتخطيط العمراني (الأشغال العامة والإسكان)

وفد سوري يختتم زيارة لليابان للاستفادة من إعادة بناء هيروشيما

كان الوفد السوري قد بدأ زيارته الرسمية، الجمعة، إلى اليابان، في إطار تعزيز التعاون الدولي والاستفادة من الخبرات العالمية في إعادة الإعمار والتعافي المبكر.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق تحفة عبرت الزمن قبل أن تعبر الحدود (أ.ف.ب)

عشرات الآلاف يتسابقون لرؤية تحفة تستردُّها إنجلترا بعد 950 عاماً

توقّع مدير المتحف البريطاني، نيكولاس كولينان، أن يشهد المتحف «إقبالاً هائلاً» على معرض «نسيج بايو»، مع بدء بيع التذاكر لمشاهدة هذه التحفة الفنية من القرن الـ11.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم  الطائرات المسيّرة أصبحت أحد أبرز أسلحة الحروب الحديثة (رويترز)

كيف تعمل أنظمة الدفاع الجوي ضد المسيّرات؟

يؤكد خبراء الدفاع أن صغر حجم المسيّرات وانخفاض ارتفاع تحليقها وتكلفتها المنخفضة جعلت مواجهتها أكثر تعقيداً من التعامل مع الطائرات التقليدية

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ما دفنه الزمن... لم ينسه المكان (مؤسّسة ألامو)

قذيفة حربية عمرها 190 عاماً تروي أسرار معركة تاريخية

عثر باحثون في ولاية تكساس الأميركية على قذيفة مدفع حديدية يُعتقد أنها استُخدمت خلال معركة ألامو عام 1836.

«الشرق الأوسط» (تكساس)
العالم البابا ليو الرابع عشر يبارك الحشود في نهاية المقابلة العامة الأسبوعية في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان - 24 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

البابا يدعو إلى «حلّ النزاعات كبشر وليس وحوشاً»

دعا البابا ليو الرابع عشر إلى حلّ النزاعات كبشر وليس وحوشاً في كلمة ألقاها خلال افتتاح اجتماع مع الكرادلة من أنحاء العالم في الفاتيكان.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)

حرائق الغابات في جنوب أوروبا ترغم الآلاف على النزوح

TT

حرائق الغابات في جنوب أوروبا ترغم الآلاف على النزوح

طائرة إطفاء تُلقي الماء على حريق غابات ينتشر إلى منطقة سكنية في كالونغ بكاتالونيا (إ.ب.أ)
طائرة إطفاء تُلقي الماء على حريق غابات ينتشر إلى منطقة سكنية في كالونغ بكاتالونيا (إ.ب.أ)

أرغمت حرائق الغابات في أنحاء مختلفة من جنوب أوروبا آلاف الأشخاص على الفرار من منازلهم، في حين أعلن الاتحاد الأوروبي الاثنين نشر أربع طائرات للمساعدة على مواجهة النيران في جنوب فرنسا.

ويكافح مئات من رجال الإطفاء حرائق أتت على أكثر من 20 ألف هكتار من الأراضي في البرتغال وإسبانيا وفرنسا واليونان وغيرها. ويأتي تمدد النيران في وقت تعاود الحرارة الارتفاع، وقد بلغت 43 درجة مئوية في إسبانيا، فيما لا تزال القارة تتعامل مع تداعيات موجات حر سُجّلت في مايو (أيار) ويونيو (حزيران) وتعزى إليها آلاف الوفيات.

ويرجح العلماء أن التغير المناخي الناجم عن حرق البشر للوقود الأحفوري يزيد من خطر موجات الحر وشدّتها، كما غيرها من ظواهر الطقس المتطرفة.

شخص يقف تحت نافورة ماء في بروكسل لتهدئة حرارة جسمه مع ارتفاع درجات الحرارة بدول أوروبية عدة (أ.ف.ب)

وتلقّى زهاء 10500 شخص أوامر بإخلاء منازلهم قرب مدينة بربينيان في جنوب غربي فرنسا، بينما يعمل رجال الإطفاء على مكافحة حريق في جبال البيرينيه أتى على أكثر من 4600 هكتار، بحسب السلطات.

وقال باتريس (53 عاماً) المقيم في المنطقة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «اقترب الحريق حتى مسافة 300 متر من المنازل. فوجئنا بسرعة انتشاره، كان أمراً مذهلاً، إلى حد يثير الهلع».

وقالت شارلوت بينيول: «بدأنا نرى الدخان نحو العاشرة والنصف ليلاً، ثم أخذ يقترب أكثر فأكثر. طرق أحد موظفي البلدية بابنا نحو الساعات الأولى بعد منتصف الليل ليخبرنا بضرورة المغادرة».

وأضافت الشابة البالغة 30 عاماً: «كانت رائحة الدخان خانقة».

وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين أن التكتل القاري خصص أربع طائرات لإلقاء المياه، للمساعدة على التعامل مع النيران في جنوب فرنسا.

وأوضحت عبر منصات التواصل الاجتماعي: «ستصل (الطائرات) اليوم من قبرص والسويد لدعم رجال الإطفاء الفرنسيين في محيط بيربينيان».

وأعلنت سلطات محلية في جنوب فرنسا أن المرحلة الثالثة من طواف الدراجات الهوائية، والتي تمرّ عبر جبال البيرينيه الاثنين من إسبانيا إلى فرنسا، ستقام بغياب المتفرجين الذين يصطفون عادة على جانبي المسار.

وسيعبر الدراجون الحدود بين البلدين خلال المرحلة البالغ طولها 196 كيلومتراً.

وواجه 300 عنصر إطفاء فرنسي صعوبة في السيطرة على حريق في منطقة جبلية تابعة لإقليم دروم بجنوب شرقي البلاد.

في اليونان، اجتاحت ألسنة اللهب مصنعين في مدينة سالونيكي (شمال)، ما دفع السلطات لإخلاء المنطقة المحيطة ودعوة السكان لإبقاء النوافذ مغلقة.

وفي إسبانيا، التهم حريق هدد الشواطئ السياحية في كوستا برافا (شمال)، أكثر من 2200 هكتار في يومين، ولا تزال فرق الإنقاذ تعمل على إخماده.

أجّجت درجات الحرارة المرتفعة في إسبانيا المخاوف من اندلاع مزيد من الحرائق، إذ بلغت 43 درجة مئوية في الأندلس وإكستريمادورا الأحد.

فرنسيون يقفزون في قناة سان مارتن بباريس مع ارتفاع درجات الحرارة لمستويات غير مسبوقة (أ.ب)

وفي البرتغال، قالت أجهزة الطوارئ إنها سيطرت على حريق قضى على نحو 13 ألف هكتار من الغابات والأراضي الشجرية في أحد أقاليم الشمال.

رغم ذلك، تبقى أربع مناطق برتغالية في حالة التأهب من الحر الاثنين.

درجة حرارة 41 درجة مئوية سجلت في وسط برلين يوم السبت 27 يونيو 2026 (رويترز)

وإلى الشرق، قالت السلطات المحلية إن حرائق كبرى دمّرت مئات الهكتارات من الغابات وكروم العنب والمساحات المشجّرة في جزيرة هفار الكرواتية، وفي منطقة تالي في ألبانيا.

وتأتي هذه الحرائق بعد أيام قليلة على موجة حرّ شديد شهدتها أوروبا بغربها وشرقها في أواخر يونيو، حيث أكد علماء أنه كان يستحيل أن تحصل في هذا الوقت المبكر من الصيف لولا التغير المناخي.

وكانت فرنسا من أكثر الدول تأثراً بهذه الموجة التي استمرت لما يقارب أسبوعين. وأعلنت السلطات أن عدد الوفيات الزائد عن المعدلات، تجاوز ألفين في أسبوع فقط، بينما أبلغت إسبانيا وبلجيكا عن أكثر من ألف حالة وفاة «زائدة».

ورفعت مناطق عدة في البرتغال وإسبانيا وفرنسا مستوى التحذير من الحر في الأيام المقبلة. ورجح خبراء أن الارتفاع الجديد في درجات الحرارة قد يستمر حتى نهاية الأسبوع.

وقال الكولونيل إريك بيلجوانو من جهاز الإطفاء الفرنسي، مناشداً سكان المناطق القريبة من حريق البيرينيه اتخاذ الاحتياطات لتجنب إشعال الحرائق، إن «التغير المناخي حاضر هنا، نحن نعيش نتائجه، وما زلنا في بداية يوليو (تموز)».

وأضاف: «سيكون الموسم طويلاً بالنسبة لمن يكافحون الحرائق. عليكم أن تساعدونا».


هجوم روسي واسع يستبق قرارات «الناتو» لدعم كييف

رجل إطفاء يعمل على إخماد نيران بعد غارات روسية على مشارف كييف الاثنين (رويترز)
رجل إطفاء يعمل على إخماد نيران بعد غارات روسية على مشارف كييف الاثنين (رويترز)
TT

هجوم روسي واسع يستبق قرارات «الناتو» لدعم كييف

رجل إطفاء يعمل على إخماد نيران بعد غارات روسية على مشارف كييف الاثنين (رويترز)
رجل إطفاء يعمل على إخماد نيران بعد غارات روسية على مشارف كييف الاثنين (رويترز)

شنّت القوات الروسية مجدداً واحدة من أكبر الهجمات الصاروخية على كييف ومدن أوكرانية أخرى ليل الأحد - الاثنين، فيما طالب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الغرب بتبني خطوات وقرارات «حازمة». واستبق الهجوم انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» في أنقرة التي ينتظر أن تناقش الوضع حول أوكرانيا، ويعقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلالها اجتماعاً مهماً مع زيلينسكي.

وتزامنت التطورات الميدانية مع تصاعد الدعوات الأوروبية إلى تعزيز حماية الأجواء الأوكرانية.

وتواصلت الضربات الروسية طوال ليلة الاثنين، لكن الهجوم الأقوى والأوسع وقع في ساعات الصباح الأولى، عندما استهدفت القوات الروسية بالصواريخ والمسيّرات الهجومية مناطق واسعة في كييف وعلى أطراف العاصمة ومنشآت في عدة مدن أخرى.

إخماد حرائق نجمت عن غارات روسية على مشارف كييف الاثنين (رويترز)

وأفادت وزارة الدفاع الروسية في بيان صباح ‌الاثنين، بأن الجيش شنَّ ‌هجوماً «واسعاً» على العاصمة الأوكرانية كييف ومواقع أخرى باستخدام أسلحة ومُسيَّرات بعيدة المدى ‌عالية الدقة ‌جرى إطلاقها ‌من ‌الجو والبر والبحر. وأضافت الوزارة أنها ‌استهدفت منشآت عسكرية ومنشآت طاقة في العاصمة والمنطقة المحيطة، بالإضافة إلى مطارات عسكرية في عدة مناطق أوكرانية. وتابعت أن القوات الروسية استهدفت «منشآت تابعة للمجمع الصناعي العسكري ومرافق قطاعي الطاقة والنفط في مدينة كييف ومحيطها، بالإضافة إلى البنية التحتية للمطارات العسكرية في كل من دنيبروبيتروفسك وبولتافا وتشيركاسي وتشيرنيهيف وكييف».

وجاء في بيان وزارة الدفاع أن الضربات نُفذت بالصواريخ المجنحة والباليستية والمسيّرات، وأصابت مصنع «بوريفستنيك» لإنتاج الطائرات المسيّرة بعيدة ومتوسطة المدى ومعدات الرادار في كييف. كما استهدفت الضربات مستودعاً ضخماً للوقود بمدينة فيشنيفويه في ضواحي كييف، حيث تُستخدم مخزوناته لإمداد قوات زيلينسكي.

وفي كييف أيضاً ضُرب مصنع لبناء السفن وإنتاج زوارق «غروزا-إم» الحربية، ومصنع «كييف-1» لأجهزة الملاحة وأنظمة الأتمتة ومعدات صواريخ «نبتون-إم دي» الموجهة التي تُعدّ أحد أبرز أنظمة الصواريخ الأوكرانية. وضربت القوات الروسية مصنع «فيزار» للآليات وصيانة منظومات الصواريخ المضادة للطائرات، ومحطة كييف الكهرمائية. كما شملت الضربات موقع «كييف-79» لتصنيع المركبات المدرّعة والدروع الواقية والذخائر المستخدمة في مختلف أنواع الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وورد في البيان أن الضربات شملت محطات الوقود والغاز الرئيسية والفرعية والكهرباء، والطرق والجسور ومواقع البنى التحتية في مقاطعات دنيبروبيتروفسك وبولتافا وتشيركاسي وتشيرنيغوف، وأن الضربة الأعنف تلقتها العاصمة كييف وضواحيها.

رئيس وكالة الصناعات الدفاعية التركية هالوك غوردون مستقبلاً الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته لدى وصوله إلى مطار إيسنبوغا بأنقرة الاثنين عشية القمة (إ.ب.أ)

رسالة تحذيرية

من جانبها، أفادت خدمات الطوارئ الأوكرانية بتضرر أو تدمير ما لا يقل عن 15 مبنى سكنياً في كييف، بما في ذلك مبنى مكون من تسعة طوابق في منطقة بوديلسكي، حيث تعمل فرق الإنقاذ على البحث عن أشخاص بين الأنقاض، ومستودع في منطقة أوبولونسكي.

ولفت الهجوم الواسع الأنظار في قوته وتوقيته، ورأى خبراء أنه شكل رسالة تحذيرية إلى قمة «الناتو» التي تنطلق الثلاثاء وسط تقديرات بأن غالبية الدول الأعضاء في الحلف يدعمون توجهاً لتوسيع المساعدات العسكرية لأوكرانيا.

الرئيس الأوكراني طالب قادة «الناتو» عشية قمتهم باتخاذ قرارات حازمة دعماً لبلاده في صراعها مع روسيا (أ.ف.ب)

وكان هذا ثاني هجوم خلال أسبوع تستخدم فيه روسيا صواريخ باليستية يصعب اعتراضها، ما دفع زيلينسكي لتجديد مناشدته العاجلة للحلفاء باتخاذ «قرارات قوية» لتعزيز الدفاعات الجوية الأوكرانية. كما دعاهم إلى إرسال صواريخ متطورة لأنظمة الدفاع الجوي «باتريوت» أميركية الصنع. كذلك، أكد الاتحاد الأوروبي حاجة أوكرانيا إلى تعزيزات في مجال الدفاع الجوي. وصرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بأن الهجوم يظهر حاجة أوكرانيا «الملحة» لمزيد من أنظمة الدفاع الجوي، مشيرة إلى أن هذه المسألة ستُناقش خلال اجتماع «الناتو» في أنقرة.

ومن المقرر أن يناقش زيلينسكي تطورات الحرب مع الرئيس ترمب على هامش قمة الحلف . وقال الرئيس الأوكراني عبر وسائل التواصل الاجتماعي: «من الأهمية بمكان أن يخرج العالم، وفي مقدمته الولايات المتحدة وشركاؤنا الأوروبيون، من قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة بقرارات قوية لدعم دفاعاتنا الجوية، وبالتالي حماية أرواح المدنيين». وأوضح زيلينسكي أن الجيش الأوكراني أسقط بعض المسيّرات وصواريخ «كروز» الروسية، لكنه يفتقر إلى «مخزون كاف من الصواريخ الاعتراضية» للتصدي للصواريخ الباليستية.

تنشيط الدبلوماسية

وأعلن البيت الأبيض أن ترمب سيلتقي زيلينسكي الأربعاء على هامش القمة، في مسعى من أجل تنشيط الجهود الدبلوماسية. وقال مسؤول أميركي رفيع المستوى طلب عدم الكشف عن هويته: «من الواضح أن الرئيس ترمب سيلتقي مع زيلينسكي لمناقشة سبل إنهاء الحرب؛ فهذه المسألة تمثل أولوية بالنسبة له منذ فترة طويلة». وأضاف المسؤول أن ترمب سيجري بعد ذلك متابعة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع له في الكرملين الاثنين (أ.ب)

ويرفض الرئيس الروسي التراجع عن مطالبه المتشددة المتعلقة بالأراضي والسياسة، وهي مطالب تصفها أوكرانيا وحلفاؤها بأنها ترقى إلى مستوى الاستسلام.

وقال الكرملين الجمعة إنه سيطر على مدينة كوستيانتينيفكا في منطقة دونيتسك التي تُعد السيطرة عليها هدفاً رئيسياً للكرملين. وقد نفت كييف هذا الادعاء بشدة، مؤكدة أن القتال لا يزال مستمراً. واللافت أنه رغم المطالب الأوكرانية الملحة، التي تلقى دعماً من عدد من أبرز بلدان حلف الأطلسي، فإن خبراء في موسكو رأوا أن مسألة مواصلة الدعم العسكري غير المشروط لأوكرانيا قد تشكل نقطة خلافية، خصوصاً بسبب مواقف الإدارة الأميركية التي أعلنت قبل يومين عزمها استئناف جهود السلام بين موسكو وكييف، فضلاً عن أن خلافاً برز خلال الفترة الأخيرة بين أوكرانيا وبولندا قد يضع عراقيل إضافية أمام اتخاذ قرارات حاسمة. ورغم ذلك كانت كييف قد قطعت شوطاً في تعزيز تعاونها العسكري مع بلدان الحلف بشكل ثنائي، وأبرمت اتفاقات واسعة خلال الأسابيع الماضية مع ألمانيا لتطوير منظومة دفاع جوي مشتركة، ووقّعت اتفاقات مماثلة مع بريطانيا والنرويج.

إلى ذلك، كشفت تقارير عسكرية عن أن المنظومات الألمانية التي ستقدم إلى أوكرانيا، تم تصنيعها بالاعتماد على منصة «إيه سي إس في جي 5» الألمانية المجنزرة التي صممت لتكون بديلاً عصرياً وفعالاً للمركبات القديمة من طراز «إم 113» الأميركية.

وأوضحت البيانات الفنية أن المنظومة الجديدة تتميز بوزن يصل إلى 26.5 طن مع قدرة عالية على المناورة بفضل محركها القوي الذي يولد 625 حصاناً مما يمنحها سرعة قصوى تصل إلى 74 كيلومتراً بالساعة. وأضافت مصادر أن المنظومة النرويجية المقدمة لكييف زودت بمحطات رادار متطورة للكشف عن الأهداف الجوية مثبتة على الساري القابل للرفع مع حاويتين مزدوجتي الشحن تحملان صواريخ مضادة للطائرات من طراز «سايدويندر أو إيريس تي».

وبيّنت المعطيات أن مدى هذه الصواريخ يتراوح بين 10 و15 كيلومتراً حسب النوع المستخدم مما يوفر حماية فعالة للقوات البرية ضد الاختراقات الجوية القريبة مع مدى سير يصل إلى 1000 كيلومتر. وأكد خبراء أن أوكرانيا ستكون الدولة الأولى التي تستخدم هذه المنظومات فعلياً في الميدان بعد أن كان الهدف من تطويرها في الأصل تلبية احتياجات القوات المسلحة النرويجية والهولندية في إطار التعاون الدفاعي.


قلق أوروبي إزاء الالتزام العسكري الأميركي في «قمة الناتو»

أشخاص يسيرون نحو المركز الإعلامي داخل مجمع القصر الرئاسي في أنقرة الاثنين عشية قمة حلف شمال الأطلسي (رويترز)
أشخاص يسيرون نحو المركز الإعلامي داخل مجمع القصر الرئاسي في أنقرة الاثنين عشية قمة حلف شمال الأطلسي (رويترز)
TT

قلق أوروبي إزاء الالتزام العسكري الأميركي في «قمة الناتو»

أشخاص يسيرون نحو المركز الإعلامي داخل مجمع القصر الرئاسي في أنقرة الاثنين عشية قمة حلف شمال الأطلسي (رويترز)
أشخاص يسيرون نحو المركز الإعلامي داخل مجمع القصر الرئاسي في أنقرة الاثنين عشية قمة حلف شمال الأطلسي (رويترز)

تُبدي الدول الأوروبية المنضوية في حلف شمال الأطلسي (الناتو) قلقها إزاء مجموعة من التحديات التي تنتظرها في قمة الحلف التي تلتئم في أنقرة، الثلاثاء والأربعاء، وفق القراءة الفرنسية، في ظروف استثنائية، وعلى خلفية حروب وأزمات، خصوصاً المخاوف من خطط عدوانية روسية تستهدف القارة القديمة.

ويتمثل التحدي الأول في حاجة الأوروبيين لتسريع عملية تسلُّحهم حتى يتمكنوا من ضمان أمنهم وسلامتهم بقواهم الخاصة. وما يفاقم حاجة الأوروبيين لـ«الإمساك بمصيرهم»، توجهات الولايات المتحدة لخفض التزاماتها العسكرية في أوروبا، وتقليص عديد قواتها المنتشرة في القواعد الأوروبية، وسحب منظومات دفاعية من الأرض والبحر والجو. ومنذ عام 2017، يدعو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى «الاستقلالية الاستراتيجية» لأوروبا بحيث تكون قادرة على الدفاع عن نفسها وعن مصالحها من خلال تعزيز «الجناح الأوروبي» داخل النادي الأطلسي وليس بديلاً له.

وتذكر المصدر الرئاسية الفرنسية أن أهم وثيقتين استراتيجيتين أميركيتين (استراتيجية الدفاع الوطني واستراتيجية الأمن الوطني) أشارتا إلى عملية تقليص الانخراط الأميركي في أوروبا. كذلك، فإن بيت هيغسيت، وزير الحرب الأميركي، كشف في اجتماع وزراء الحلف في بروكسل، يوم 18يونيو (حزيران) الماضي، عن عملية مراجعة شاملة للحضور العسكري الأميركي، بينما هدد الرئيس دونالد ترمب أكثر من مرة بالانسحاب من الحلف، أو برفض تفعيل المادة الخامسة من شرعته التي تنص على أن أي اعتداء خارجي على أي عضو فيه يعد اعتداءً على كل أعضائه.

تقاسم الأعباء

لا تكتفي واشنطن بهذا الإجراء؛ إذ إنها تدفع باتجاه «تقاسم أعباء» الدفاع عن أوروبا بشكل عادل، حيث إنها ترى، مع الرئيس ترمب، أن الأوروبيين، يتمتعون منذ ولادة الحلف العسكري بحماية مظلته العسكرية التقليدية والنووية بينما هم قاصرون عن المساهمة بدرجة كافية في ميزانيته. وفي الثاني من الشهر الحالي، رأى ترمب أن «الأطلسي نمر من ورق»، وأنه «مثير للسخرية»، خصوصاً أن التزامات أطرافه «أحادية الجانب» بمعنى أن بلاده ملتزمة به، بينما الآخرون (أي الأوروبيون) غير ملتزمين.

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته يتحدث خلال مؤتمر صحافي في أنقرة الاثنين عشية قمة الحلف (رويترز)

وجاءت ملاحظات ترمب في سياق غضبه من الحلفاء الأوروبيين الذين رفضوا الانضمام إليه في حربه على إيران، بل امتنعوا عن فتح مطاراتهم بوجه الطائرات الأميركية المتجهة إلى الخليج؛ ما أثار حنقه. واللافت أن زيارة أمين عام الحلف الأطلسي مارك روته يوم 24 يونيو لواشنطن ولقاءه الرئيس الأميركي في البيت الأبيض ودفاعه عن الأوروبيين لم تهدئ روعه. وشرح روته أنه خلال العقد الأخير، أسهم الأوروبيون وكندا بـ1200 مليار دولار إضافي للدفاع، وأن الأوروبيين وحدهم أنفقوا العام الماضي 418 مليار دولار للدفاع.

كذلك، فإن باريس ترد على واشنطن بتأكيد أن الأوروبيين يخصصون بغالبيتهم الكاسحة 2 في المائة من ناتجهم الداخلي الخام للدفاع، وأنهم يتوجهون نحو 3.5 في المائة. ويؤكد الإليزيه أن الحلفاء الأوروبيين كرسوا 139 مليار دولار إضافية، العام الماضي، ما من شأنه أن يلقى رضا الرئيس ترمب، ويدفعه للبقاء داخل الحلف.

وبحسب القراءة الأوروبية، فإن «تقاسم الأعباء» قائم حقيقة، ولكن ما ينقصهم، وفق ما تؤكده كثير من الدراسات، أن يحققوا قفزات مهمة في ميدان التسلح. وبحسب دراسة للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، فإن الأوروبيين بحاجة لإنفاق 870 مليار يورو لتعويض النقص المتأتي عن سحب المنظومات القتالية الأميركية. هذا المبلغ الضخم يصعب توافره، بينما تسعى غالبية الحكومات الأوروبية لخفض الإنفاق، والبحث عن موارد مالية إضافية في ظل تراجع نسبة النمو الاقتصادي.

الرئيس الأميركي يتحدث بعد أن دق جرس افتتاح تداولات بورصة نيويورك وناسداك في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض يوم 6 يونيو (أ.ب)

الانخراط الأميركي

ما سبق يعكس الوضع غير المريح للشركاء الأوروبيين الخائفين معاً من انسحاب واشنطن، أو على الأقل من تراجع انخراطها في الدفاع عن أوروبا من جهة، ومما يلاحظونه من زيادة عدوانية موسكو. من هنا، جاء سعيهم الدؤوب لـ«إرضاء» ترمب، والتعويض عن رفضهم مساعدته في حربه على إيران من خلال التطوع للمساعدة على نزع الألغام من مضيق هرمز، وضمان حرية الملاحة فيه دخولاً وخروجاً؛ ولذا عادت باريس ولندن لطرح مبادرتهما أوروبية الطابع بشكل أساسي والتي انضمت إليها ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا. وأعلن ماكرون أن المهمة البحرية جاهزة للانتشار خلال يومين أو ثلاثة، كما أن تفاهماً تم التوصل إليه مع سلطنة عمان لتأمين المسار البحري الذي يمر في المياه العمانية في مضيق هرمز، لكن المجهول الوحيد يتناول موقف إيران التي سبق لها أن عارضت المبادرة الفرنسية - البريطانية المشتركة. والسبت الماضي، اتصل وزير الخارجية الفرنسي بنظيره الإيراني، بيد أن «الخارجية الفرنسية» تكتمت على ما دار في هذا الاتصال.

أمين عام حلف الأطلسي مارك روته مجتمعاً مع رئيس وكالة الصناعات الدفاعية في تركيا هالو غوردون في أنقرة الاثنين عشية قمة الحلف (إ.ب.أ)

أوكرانيا

تقول المصادر الفرنسية إن التحدي الإضافي الذي يواجهه الجناح الأوروبي يكمن في إعادة التقارب بين ضفتي الأطلسي في ما يخص الملف الأوكراني. وترى باريس أنه يتعين المحافظة على «التقارب» الذي تحقق في قمة «مجموعة السبع» الأخيرة في إيفيان، حيث التقى الرئيسان الأميركي والأوكراني مرتين على هامش القمة، كما أنه صدر بيان قوي للغاية لصالح كييف.

وسيكون الرئيس فولوديمير زيلينسكي حاضراً في أنقرة، وسيخصص قادة الأطلسي، الأربعاء، جلسة لأوكرانيا بمشاركة زيلينسكي. ومن المقرر أن يصدر عن القمة التزام مالي لأوكرانيا لعامي (2026 و2027) بإجمالي 140 مليار دولار، بيد أن ما يهم الأوروبيين أيضاً أمران: المحافظة على التقارب بين واشنطن وكييف، وتعديل الرؤية الأميركية لصورة الحل. وما سيشدد عليه الطرف الأوروبي أن تؤخذ في الحسبان التطورات الميدانية، بحيث يتم اعتماد خطوط وقف إطلاق النار الراهنة كنقطة انطلاق للمفاوضات.

ويعني هذا التطور الناتج عن التحولات الميدانية التخلي عن الطرح الأميركي الذي يدعو لتخلي كييف عن الأراضي غير المحتلة في منطقة الدونباس، وهو أحد الشروط التي تضعها موسكو لوقف الحرب. كذلك يريد الأوروبيون أن يكون لهم مقعد إلى طاولة المفاوضات المستقبلية، بحيث لا ينفرد الطرف الأميركي بالوساطة.

وأفاد الإليزيه بأن اجتماعاً لـ«تحالف الراغبين» الذي غاب عن الأنظار في الأشهر الأخيرة بسبب الحرب مع إيران، سيحصل في باريس يوم 13 من الشهر الحالي. ويضم التحالف كثيراً من الدول الراغبة في توفير ضمانات أمنية لأوكرانيا لما بعد التوصل لوقف لإطلاق النار، أو اتفاقية سلام بين كييف وموسكو من خلال وجود قوات على الأراضي الأوكرانية بضمانات أميركية، وهو المقترح الذي رفضته موسكو دوماً.