في إحدى خيام دير البلح بوسط قطاع غزة، تحاول الأسر الاحتفاظ بلمسة الفرح لشهر رمضان رغم صعوبات الحياة اليومية. جوانة (11 عاماً) وشقيقتها تيمة، بمساعدة والدتهما صفاء الحسنات، صنعن زينة رمضان من الورق المقوى المستخرج من كراتين المساعدات الغذائية، فيما استخدمن المناديل الورقية لتشكيل ورد أبيض حول هلال كارتوني.
تقول صفاء الحسنات لـ«الشرق الأوسط»، وهي أم لأربعة أطفال: «استقبال شهر رمضان في غزة، والقيام بأجوائه رفاهية صعبة المنال، في ظل أوضاع إنسانية ومعيشية صعبة، فالفانوس تحول لقصاصات ورق معتمة بلا ضوء، خصوصاً في ظل وجود آلاف السكان في خيام مهترئة لا تقي برد الشتاء أو حر الصيف».

وتوقفت الحرب في قطاع غزة منذ سريان وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعد أسابيع من القصف والدمار، خلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة. ومع أن الهدوء النسبي منح السكان فرصة لالتقاط الأنفاس، فإن القطاع لا يزال يواجه صعوبات معيشية حادة؛ إذ يعاني الأهالي نقصاً حاداً في السلع الأساسية، وانقطاعاً متكرراً للكهرباء، وأزمة في مياه شرب نظيفة، بالإضافة إلى تدمير المنازل والبنية التحتية، مما يضاعف من تحديات الحياة اليومية.

والكهرباء محدودة في غزة، لذا يعتمد الأطفال على بطارية صغيرة لتشغيل الزينة الرمضانية، في حين تحاول الأسر التخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية؛ عبر الاعتماد على الزينة الورقية والمواد المتاحة لتوفير مسحة فرح للأطفال.
نقص السلع الأساسية وارتفاع الأسعار
تقول صفاء الحسنات: «أهالي قطاع غزة للأسف يستقبلون رمضان بالألم والفقد وصعوبة المعيشة... الاحتلال الإسرائيلي يتعنت في إدخال المساعدات للسكان. الأوضاع المعيشية كارثية. الآلاف من السكان فقدوا عملهم وزادت معدلات البطالة، وبات أكثر من 90 في المائة من السكان يعتمدون على المؤسسات الدولية في تلبية احتياجاتهم الأساسية».

تشكو الأم كذلك زيادة مستمرة لأسعار السلع في غزة، وتقول صفاء الحسنات: «للأسف ما زالت الأسعار مرتفعة، خصوصاً ما يتعلق بالاحتياجات الضرورية للسكان، هذا إن وجدت، حيث إن الاحتلال تعمّد إدخال الكماليات من حاجيات السكان ومتطلباتهم؛ مثل السكريات والدهون والكربوهيدرات، وقلّل من السلع الأساسية كاللحوم والخضراوات والفواكه المهمة وغاز الطهي، لذا فما هو متوفر سعره غالٍ قياساً بالأوضاع الاقتصادية للسكان ومصادر دخلهم المحدود».
وشهدت أسعار السلع الأساسية في غزة ارتفاعاً حاداً، حيث سجل مؤشر أسعار المستهلك في قطاع غزة زيادة قياسية بنسبة 43.21 في المائة في مايو (أيار) الماضي، مقارنة بشهر أبريل (نيسان) من العام نفسه، نتيجة استمرار العدوان الإسرائيلي ومحدودية دخول الشاحنات التجارية التي نقلت السلع إلى القطاع، مما أدى إلى نقص حاد في الدجاج واللحوم والفواكه ومنتجات الألبان والبيض، وفق الجهاز المركزي للإحصاء.
توقفت الحرب واستمرت المعاناة
وعن تغير الاستعداد للشهر الكريم مقارنة بالأعوام السابقة، تقول الأم الأربعينية: «بالطبع اختلف، فالخيام هي ملجأ السكان للعيش بلا أمان بسبب استمرار القصف رغم إعلان وقف النار، وموائد العائلات باتت حزينة بسبب المقاعد الفارغة لأصحابها الذين رحلوا، فضلاً عن عدم مقدرة السكان على تلبية احتياجات رمضان من مأكل ومشرب مثل كل عام قبل الحرب».

وتقول صفاء الحسنات إن هذا العام خفت حدة القصف الذي طال القطاع، لكنه لم يتوقف، وتتابع: «رمضان العام الماضي بدأته إسرائيل باستئناف الحرب التي كانت أشد من السابق، فضلاً عن إغلاق المعابر بشكل كامل، كما اختلف في عدد القبور التي يمكن زيارتها من قبل السكان، فالأعداد فاقت التصور».
ويتفق معها المصور الحر عطية درويش (38 عاماً)، ويقول: «رمضان يختلف من حيث المشاعر والظروف. فقبل الحرب، رغم الحصار، كانت الحياة أكثر استقراراً نسبياً. أما اليوم، فيحمل رمضان طابعاً إنسانياً أعمق، تسوده مشاعر الفقد والصبر».

ويستطرد درويش أن المظاهر الرمضانية في قطاع غزة تغيرت بعد الحرب، إذ أصبحت الأولوية لتأمين الاحتياجات الضرورية، وتراجعت مظاهر الزينة والولائم الكبيرة، كما أن التجمعات العائلية قد تكون أقل بسبب ظروف السكن والنزوح.
الاعتماد على المساعدات الإنسانية
ويرصد درويش استقبال الأهالي لشهر رمضان في غزة بمزيج من الارتياح الحذر والألم؛ فوقف إطلاق النار منح الناس فرصة لالتقاط الأنفاس، لكن آثار الحرب ما زالت حاضرة في البيوت المهدّمة، وفقدان الأحبة، وصعوبة الأوضاع المعيشية. رغم ذلك، يحرص كثيرون على إحياء أجواء الشهر بروح إيمانية عالية وشعور بالتكافل.
ويقول درويش: «الأوضاع لا تزال صعبة؛ نسبة كبيرة من الأسر تعاني تراجع الدخل أو فقدانه، مع استمرار تحديات الكهرباء والمياه والخدمات. كما أن عملية إعادة الإعمار بطيئة، ما ينعكس على الاستقرار اليومي للعائلات».

وعن توفر السلع الأساسية، يقول درويش: «يتوفر جزء كبير من السلع، لكن ليس دائماً بالكميات الكافية أو بالأسعار المناسبة للجميع. بعض الأصناف قد تشهد نقصاً مؤقتاً، خصوصاً اللحوم وبعض المواد المستوردة، في حين تتوافر الخضراوات والمواد الأساسية بشكل أفضل نسبياً، وتشهد بعض السلع الأساسية ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالأعوام السابقة بسبب تكاليف النقل وقلة المعروض في فترات معينة». ويختتم درويش حديثه بأن الأسر في غزة تركز على الأساسيات إن وجدت، إذ إن كثيراً من العائلات يعتمد على المساعدات الإنسانية.
متمسكون بالأمل رغم غياب الأحبة
تحاول أسرة أسماء مصطفى، وهي معلمة في غزة، أن تتغلب على حزن الفقد بقليل من الفرح استعداداً لاستقبال شهر رمضان. تقول المعلمة إن «الأسرة فقدت ابن شقيقتي وسيم (14 عاماً)، بعدما قُتل على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال أيام المجاعة والحصار في معبر زكيم أثناء بحثه عن «خبز» في يوليو (تموز) الماضي».
وتضيف أسماء مصطفى، التي تسكن في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، لـ«الشرق الأوسط» أنها كانت قبل الحرب تعتاد تعليق الزينة خارج شرفة منزلها، لكن الأمر اقتصر هذا العام على زينة بسيطة داخل المنزل. وتتابع: «بحثت عن فوانيس لابنتيّ سارة (10 سنوات) وسندس (9 سنوات) ولم أجد، فاكتفينا بالزينة». وقد علقت الزينة أمام صورة وسيم في غرفتيهما.

وتتابع أسماء مصطفى (39 عاماً): «نستقبل رمضان بقلوب مثقلة بالجراح والفقد. موائد الإفطار باتت تضم مقاعد فارغة أكثر من كل عام؛ إذ أصبح لدينا شهداء، لكننا ما زلنا نتمسك ببقايا طقوس صغيرة، وكأننا نعيش على الأمل والدعاء في الشهر الفضيل».

وتؤكد الأم أن سكان الخيام في غزة، رغم الدمار والخراب، يتحلون بإصرار على البقاء والحياة، مضيفة: «أغلب الناس فقدوا مصادر دخلهم، وغالبية السكان تعتمد على المساعدات الغذائية. الاحتياجات الأساسية أصبحت أمنيات تُرجى، ونحن نستعد لرمضان بما يتوفر».
ومنذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر الماضي، قتل 601 شخص، إلى جانب 1607 حالات إصابة، جراء القصف الإسرائيلي في القطاع، وفقاً لوزارة الصحة بغزة.
