رمضان في غزة... زينة بين الأنقاض والخيام وسط صعوبات معيشية (صور)

أنوار تتلألأ وأطفال يلهون في خان يونس بغزة قبل ساعات من استقبال شهر رمضان الكريم (إ.ب.أ)
أنوار تتلألأ وأطفال يلهون في خان يونس بغزة قبل ساعات من استقبال شهر رمضان الكريم (إ.ب.أ)
TT

رمضان في غزة... زينة بين الأنقاض والخيام وسط صعوبات معيشية (صور)

أنوار تتلألأ وأطفال يلهون في خان يونس بغزة قبل ساعات من استقبال شهر رمضان الكريم (إ.ب.أ)
أنوار تتلألأ وأطفال يلهون في خان يونس بغزة قبل ساعات من استقبال شهر رمضان الكريم (إ.ب.أ)

في إحدى خيام دير البلح بوسط قطاع غزة، تحاول الأسر الاحتفاظ بلمسة الفرح لشهر رمضان رغم صعوبات الحياة اليومية. جوانة (11 عاماً) وشقيقتها تيمة، بمساعدة والدتهما صفاء الحسنات، صنعن زينة رمضان من الورق المقوى المستخرج من كراتين المساعدات الغذائية، فيما استخدمن المناديل الورقية لتشكيل ورد أبيض حول هلال كارتوني.

تقول صفاء الحسنات لـ«الشرق الأوسط»، وهي أم لأربعة أطفال: «استقبال شهر رمضان في غزة، والقيام بأجوائه رفاهية صعبة المنال، في ظل أوضاع إنسانية ومعيشية صعبة، فالفانوس تحول لقصاصات ورق معتمة بلا ضوء، خصوصاً في ظل وجود آلاف السكان في خيام مهترئة لا تقي برد الشتاء أو حر الصيف».

هلال مصنوع من الورق وزينة من المناديل في خيمة صفاء الحسنات بدير البلح (الشرق الأوسط)

وتوقفت الحرب في قطاع غزة منذ سريان وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعد أسابيع من القصف والدمار، خلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة. ومع أن الهدوء النسبي منح السكان فرصة لالتقاط الأنفاس، فإن القطاع لا يزال يواجه صعوبات معيشية حادة؛ إذ يعاني الأهالي نقصاً حاداً في السلع الأساسية، وانقطاعاً متكرراً للكهرباء، وأزمة في مياه شرب نظيفة، بالإضافة إلى تدمير المنازل والبنية التحتية، مما يضاعف من تحديات الحياة اليومية.

فتاة تحمل فانوساً استعداداً لاستقبال شهر رمضان المبارك في خان يونس (إ.ب.أ)

والكهرباء محدودة في غزة، لذا يعتمد الأطفال على بطارية صغيرة لتشغيل الزينة الرمضانية، في حين تحاول الأسر التخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية؛ عبر الاعتماد على الزينة الورقية والمواد المتاحة لتوفير مسحة فرح للأطفال.

نقص السلع الأساسية وارتفاع الأسعار

تقول صفاء الحسنات: «أهالي قطاع غزة للأسف يستقبلون رمضان بالألم والفقد وصعوبة المعيشة... الاحتلال الإسرائيلي يتعنت في إدخال المساعدات للسكان. الأوضاع المعيشية كارثية. الآلاف من السكان فقدوا عملهم وزادت معدلات البطالة، وبات أكثر من 90 في المائة من السكان يعتمدون على المؤسسات الدولية في تلبية احتياجاتهم الأساسية».

فلسطينيون يعلقون الزينة فوق أنقاض منازلهم المدمرة استعداداً لاستقبال شهر رمضان المبارك في خان يونس (إ.ب.أ)

تشكو الأم كذلك زيادة مستمرة لأسعار السلع في غزة، وتقول صفاء الحسنات: «للأسف ما زالت الأسعار مرتفعة، خصوصاً ما يتعلق بالاحتياجات الضرورية للسكان، هذا إن وجدت، حيث إن الاحتلال تعمّد إدخال الكماليات من حاجيات السكان ومتطلباتهم؛ مثل السكريات والدهون والكربوهيدرات، وقلّل من السلع الأساسية كاللحوم والخضراوات والفواكه المهمة وغاز الطهي، لذا فما هو متوفر سعره غالٍ قياساً بالأوضاع الاقتصادية للسكان ومصادر دخلهم المحدود».

وشهدت أسعار السلع الأساسية في غزة ارتفاعاً حاداً، حيث سجل مؤشر أسعار المستهلك في قطاع غزة زيادة قياسية بنسبة 43.21 في المائة في مايو (أيار) الماضي، مقارنة بشهر أبريل (نيسان) من العام نفسه، نتيجة استمرار العدوان الإسرائيلي ومحدودية دخول الشاحنات التجارية التي نقلت السلع إلى القطاع، مما أدى إلى نقص حاد في الدجاج واللحوم والفواكه ومنتجات الألبان والبيض، وفق الجهاز المركزي للإحصاء.

توقفت الحرب واستمرت المعاناة

وعن تغير الاستعداد للشهر الكريم مقارنة بالأعوام السابقة، تقول الأم الأربعينية: «بالطبع اختلف، فالخيام هي ملجأ السكان للعيش بلا أمان بسبب استمرار القصف رغم إعلان وقف النار، وموائد العائلات باتت حزينة بسبب المقاعد الفارغة لأصحابها الذين رحلوا، فضلاً عن عدم مقدرة السكان على تلبية احتياجات رمضان من مأكل ومشرب مثل كل عام قبل الحرب».

مظاهر من الاستعداد لشهر رمضان في خان يونس بغزة (إ.ب.أ)

وتقول صفاء الحسنات إن هذا العام خفت حدة القصف الذي طال القطاع، لكنه لم يتوقف، وتتابع: «رمضان العام الماضي بدأته إسرائيل باستئناف الحرب التي كانت أشد من السابق، فضلاً عن إغلاق المعابر بشكل كامل، كما اختلف في عدد القبور التي يمكن زيارتها من قبل السكان، فالأعداد فاقت التصور».

ويتفق معها المصور الحر عطية درويش (38 عاماً)، ويقول: «رمضان يختلف من حيث المشاعر والظروف. فقبل الحرب، رغم الحصار، كانت الحياة أكثر استقراراً نسبياً. أما اليوم، فيحمل رمضان طابعاً إنسانياً أعمق، تسوده مشاعر الفقد والصبر».

بين المنازل المدمرة يعلق فلسطينيون الزينة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

ويستطرد درويش أن المظاهر الرمضانية في قطاع غزة تغيرت بعد الحرب، إذ أصبحت الأولوية لتأمين الاحتياجات الضرورية، وتراجعت مظاهر الزينة والولائم الكبيرة، كما أن التجمعات العائلية قد تكون أقل بسبب ظروف السكن والنزوح.

الاعتماد على المساعدات الإنسانية

ويرصد درويش استقبال الأهالي لشهر رمضان في غزة بمزيج من الارتياح الحذر والألم؛ فوقف إطلاق النار منح الناس فرصة لالتقاط الأنفاس، لكن آثار الحرب ما زالت حاضرة في البيوت المهدّمة، وفقدان الأحبة، وصعوبة الأوضاع المعيشية. رغم ذلك، يحرص كثيرون على إحياء أجواء الشهر بروح إيمانية عالية وشعور بالتكافل.

ويقول درويش: «الأوضاع لا تزال صعبة؛ نسبة كبيرة من الأسر تعاني تراجع الدخل أو فقدانه، مع استمرار تحديات الكهرباء والمياه والخدمات. كما أن عملية إعادة الإعمار بطيئة، ما ينعكس على الاستقرار اليومي للعائلات».

أوضاع معيشية صعبة تمر بقطاع غزة لم تمنع سكانها من الاستعداد لاستقبال شهر رمضان (إ.ب.أ)

وعن توفر السلع الأساسية، يقول درويش: «يتوفر جزء كبير من السلع، لكن ليس دائماً بالكميات الكافية أو بالأسعار المناسبة للجميع. بعض الأصناف قد تشهد نقصاً مؤقتاً، خصوصاً اللحوم وبعض المواد المستوردة، في حين تتوافر الخضراوات والمواد الأساسية بشكل أفضل نسبياً، وتشهد بعض السلع الأساسية ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالأعوام السابقة بسبب تكاليف النقل وقلة المعروض في فترات معينة». ويختتم درويش حديثه بأن الأسر في غزة تركز على الأساسيات إن وجدت، إذ إن كثيراً من العائلات يعتمد على المساعدات الإنسانية.

متمسكون بالأمل رغم غياب الأحبة

تحاول أسرة أسماء مصطفى، وهي معلمة في غزة، أن تتغلب على حزن الفقد بقليل من الفرح استعداداً لاستقبال شهر رمضان. تقول المعلمة إن «الأسرة فقدت ابن شقيقتي وسيم (14 عاماً)، بعدما قُتل على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال أيام المجاعة والحصار في معبر زكيم أثناء بحثه عن «خبز» في يوليو (تموز) الماضي».

وتضيف أسماء مصطفى، التي تسكن في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، لـ«الشرق الأوسط» أنها كانت قبل الحرب تعتاد تعليق الزينة خارج شرفة منزلها، لكن الأمر اقتصر هذا العام على زينة بسيطة داخل المنزل. وتتابع: «بحثت عن فوانيس لابنتيّ سارة (10 سنوات) وسندس (9 سنوات) ولم أجد، فاكتفينا بالزينة». وقد علقت الزينة أمام صورة وسيم في غرفتيهما.

صورة للطفل وسيم الذي قتله جيش الاحتلال الإسرائيلي في يوليو الماضي (الشرق الأوسط)

وتتابع أسماء مصطفى (39 عاماً): «نستقبل رمضان بقلوب مثقلة بالجراح والفقد. موائد الإفطار باتت تضم مقاعد فارغة أكثر من كل عام؛ إذ أصبح لدينا شهداء، لكننا ما زلنا نتمسك ببقايا طقوس صغيرة، وكأننا نعيش على الأمل والدعاء في الشهر الفضيل».

سارة (10 سنوات) وسندس (9 سنوات) بعد تعليق الزينة استعداداً لشهر رمضان في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (الشرق الأوسط)

وتؤكد الأم أن سكان الخيام في غزة، رغم الدمار والخراب، يتحلون بإصرار على البقاء والحياة، مضيفة: «أغلب الناس فقدوا مصادر دخلهم، وغالبية السكان تعتمد على المساعدات الغذائية. الاحتياجات الأساسية أصبحت أمنيات تُرجى، ونحن نستعد لرمضان بما يتوفر».

ومنذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر الماضي، قتل 601 شخص، إلى جانب 1607 حالات إصابة، جراء القصف الإسرائيلي في القطاع، وفقاً لوزارة الصحة بغزة.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

مصر تؤكد أهمية حشد الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية خلال مؤتمر «المانحين»

شمال افريقيا فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

مصر تؤكد أهمية حشد الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية خلال مؤتمر «المانحين»

بحثت القاهرة ورام الله، السبت، التحضيرات الجارية بشأن حشد الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية خلال عقد مؤتمر «المانحين الدوليِّين» الأسبوع المقبل.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي - إسرائيلي بخان يونس في فبراير 2025 (رويترز)

لماذا عادت «حماس» لرفع الرايات والتهديد بـ«7 أكتوبر جديد»؟

لوحظ مؤخراً رفع رايات «القسام» وكذلك خروج مسلحين من «حماس» في الجنازات، إلى جانب ترديد شعارات من أبرزها «خيبر خيبر يا يهود.. 7 أكتوبر سوف يعود».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جثمان الطفلة سوار التي قتلت في غارة إسرائيلية على خان يونس 30 يونيو الماضي (أ.ب)

الحرب الأميركية على إيران تقلص الاهتمام بمصير قطاع غزة

تراجع الاهتمام بقطاع غزة الذي شهد حرباً إسرائيلية أفضت إلى وقف هش لإطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي جندي إسرائيلي في موقع يشرف على «الخط الأصفر» في وسط قطاع غزة 26 مايو الماضي (أ.ب)

1000 يوم على حرب غزة... هكذا تحرك إسرائيل «الخط الأصفر» لتوسيع احتلالها

ترصد «الشرق الأوسط» ميدانياً كيف توسعت إسرائيل بشكل ملحوظ في سيطرتها على مناطق جديدة داخل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي طفل وسط أنقاض مبنى دمَّرته إسرائيل في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة... الأربعاء الماضي (أ.ف.ب)

ألف يوم على حرب غزة... مأساة بالأرقام

ترصد «الشرق الأوسط» أبرز الأرقام التي نشرتها جهات حكومية ومؤسسات دولية عن حرب غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

إسرائيل تخفي هوية فلسطيني ظهر مقيّداً وسيدتان من غزة تؤكدان أنه ابنهما

ناقلة جند إسرائيلية تغادر غزة بينما يتجمع جنود قرب تلة متاخمة للقطاع (أ.ف.ب)
ناقلة جند إسرائيلية تغادر غزة بينما يتجمع جنود قرب تلة متاخمة للقطاع (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تخفي هوية فلسطيني ظهر مقيّداً وسيدتان من غزة تؤكدان أنه ابنهما

ناقلة جند إسرائيلية تغادر غزة بينما يتجمع جنود قرب تلة متاخمة للقطاع (أ.ف.ب)
ناقلة جند إسرائيلية تغادر غزة بينما يتجمع جنود قرب تلة متاخمة للقطاع (أ.ف.ب)

ظهر رجل من قطاع غزة في صورة وهو معصوب العينين، وقد جُرّد من ملابسه باستثناء ملابسه الداخلية، وتم تقييده على سرير صغير ووجهه نحو الأرض في أثناء احتجازه لدى إسرائيل.

وقالت إسرائيل إن الصورة حقيقية، وأقرّت بأن هذه المعاملة «لا تتماشى» مع قيم جيشها، لكنها لم تكشف بعد عن هوية الرجل أو مكان احتجازه.

وزاد ذلك من معاناة والدتين فلسطينيتين، هما رنا أبو نصار وجودة الغول؛ إذ تؤكد كل منهما أن الرجل الذي يتعرض لسوء المعاملة في الصورة هو ابنها المفقود.

وفي لقطة شاشة لمنشور على «إنستغرام»، تظهر يدا الرجل مقيدتين خلف ظهره وقد رُبطت قدمه اليمنى بالزاوية السفلية من السرير.

كما رُبط قضيب خشبي على ظهره ممتداً من قدمه اليمنى حتى رقبته، ولم تظهر معظم معالم وجهه.

وكان هذا المنشور، الذي رفعه مستخدم يبدو أن حسابه حُذف، يتضمن عبارة «صباح الخير» بالعبرية مكتوبة فوق الصورة.

وقال الجيش إنه رصد الواقعة، وإن تحقيقاً يجري «وسيُتعامل مع الضالعين فيها وفقاً للنتائج».

ولم يكشف متحدث باسم الجيش عن اسم الرجل أو مكان احتجازه.

قالت رنا إنها منذ اللحظة التي رأت فيها الصورة قبل يومين عرفت أنه ابنها أسامة.

وأكدت أنها تعرف تفاصيل جسده؛ إذ إنه يعاني من تورم في قدمه وندوب في ساقه، وهو التورم نفسه في ساقه اليسرى الذي رأته في الصورة.

وقالت إن هذه كانت أول صورة تراها له منذ اعتقاله في مارس (آذار) في منطقة قريبة من خط الهدنة بين إسرائيل ومسلحي حركة «حماس».

وحظي اعتقال أسامة في 19 مارس باهتمام دولي؛ لأنه احتُجز مع طفله البالغ من العمر عاماً واحداً، والذي أُفرج عنه في اليوم نفسه، وقالت أسرته إن قدميه كانت عليهما آثار حروق سجائر.

وقالت والدته إن أسامة يعاني مشكلات نفسية، وإن أي شخص عادي لا يمكن أن يصطحب ابنه إلى تلك المنطقة القريبة التي تُعرف باسم «الخط الأصفر»، حيث كثيراً ما تفتح القوات الإسرائيلية النار على الفلسطينيين.

ورفض الجيش الإسرائيلي اتهامات بأن قواته أساءت معاملة نجل أسامة، وقال إن العلامات على ساقي الطفل نتجت عن طلقات تحذيرية أطلقها الجنود لإجبار أسامة على عدم الاقتراب من «الخط الأصفر».

ولم يتسن لـ«رويترز» التحقق بشكل مستقل من ملابسات اعتقاله.

وقالت جودة، التي اعتُقل ابنها أمين في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 في أثناء محاولته الانتقال من جنوب غزة إلى شمال القطاع، إنها تعرفت أيضاً على الرجل في الصورة منذ اللحظة التي رأتها فيها.

وأضافت من داخل مخيم للنازحين في مدينة غزة أن الشاب الموجود في الصورة هو ابنها وأنها تعرفت عليه من شعره وذقنه، مشيرة إلى أن قلبها لا يمكن أن يخطئ. وقالت إنها احتضنت الهاتف المحمول، وبدأت في البكاء بمجرد رؤيته.

يُحتجز نحو 1200 فلسطيني من غزة في إسرائيل بموجب قانون احتجاز المقاتلين غير الشرعيين، الذي يسمح بالاحتجاز لفترة غير محددة للأشخاص الذين يُعتقد أنهم شاركوا بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أعمال قتالية.

وقالت أماني سراحنة، من نادي الأسير الفلسطيني، إن المنظمة قدمت اسمي الرجلين إلى الجيش منذ نشر الصورة في محاولة لترتيب زيارات لهما من قبل محامييْن. وأضافت سراحنة أن الزيارات يسمح بها بالفعل، لكن بصعوبة كبيرة، وتستغرق عملية التنسيق وقتاً طويلاً للغاية.


مجلس الشعب السوري يلتئم الاثنين في أولى جلساته بعد الإطاحة بالنظام السابق

مقر مجلس الشعب السوري (سانا)
مقر مجلس الشعب السوري (سانا)
TT

مجلس الشعب السوري يلتئم الاثنين في أولى جلساته بعد الإطاحة بالنظام السابق

مقر مجلس الشعب السوري (سانا)
مقر مجلس الشعب السوري (سانا)

تنطلق، الاثنين، أولى جلسات مجلس الشعب السوري بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد، في ظل تحديات كبرى أبرزها التحدي الأمني الذي عاد ليفرض نفسه، بعد انفجار دموي استهدف محيط القصر العدلي، وسلسلة هجمات على قوى الأمن في مناطق متفرقة بدت كرسائل متزامنة مع استكمال البناء القانوني لمؤسسات الدولة الجديدة، وصولاً إلى اعتماد دستور دائم وإجراء ‏انتخابات تشريعية جديدة للبلاد.

سيدة في حلب تدلي بصوتها في أول انتخابات لمجلس الشعب السوري بعد الإطاحة ببشار الأسد (رويترز)

ومرّ تشكيل مجلس الشعب بظروف استثنائية، حيث شهدت البلاد حالة من الانقسام السياسي، وخروج السويداء عن سيطرة الدولة وأحداث الساحل، ومشكلة اندماج «قوات سوريا الديمقراطية»، على ما يقول الباحث السياسي عباس شريفة لـ«الشرق الأوسط»، مضيفاً إلى ذلك «المشكلة التي ورثتها سوريا منذ سقوط نظام الأسد من دمار المدن واللجوء، وهو ما شكل تحديات حالت دون عقد انتخابات مباشرة، وتشكيل مجلس الشعب بناء على الانتخاب غير المباشر والتعيين من قبل رئيس الجمهورية».

وبحسب الباحث، فإن هذا «يفرض المزيد من التحديات على المجلس تتعلق بدوره بناء على مقررات الإعلان الدستوري الذي أناط به مهمة التشريع والمصادقة على مراسم رئيس الجمهورية».

ويضيف أن «المجلس قادر على تخفيف حدة الظروف الداخلية والخارجية» من خلال مناقشة كل القضايا المصيرية داخل قبة البرلمان، وتطوير البنية التشريعية التي من شأنها تنظيم المشهد الاقتصادي والإداري والسياسي، وكذلك مهمة كتابة الدستور الدائم الذي سينقل سوريا من مرحلة الانتقال السياسي إلى مرحلة الاستقرار السياسي».

وبحسب «الإعلان الدستوري» لعام 2025، يتولى مجلس الشعب السلطة ‏التشريعية خلال المرحلة الانتقالية لمدة ثلاثين شهراً قابلة للتجديد، إلى حين اعتماد دستور ‏دائم وإجراء انتخابات تشريعية جديدة.‏

انتخابات عين العرب - كوباني بمحافظة حلب لممثليها في مجلس الشعب 24 مايو الماضي (مجلس الشعب السوري الصفحة الرسمية)

وتشمل المهام الدستورية للمجلس اقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل التشريعات النافذة أو ‏إلغاءها، والمصادقة على المعاهدات الدولية، وإقرار الموازنة العامة للدولة، والعفو العام، ‏وعقد جلسات استماع للوزراء، إضافة إلى ممارسة الصلاحيات المنصوص عليها في «الإعلان الدستوري» ونظامه الداخلي.‏

ويستند المجلس في أداء مهامه خلال المرحلة الانتقالية إلى الصلاحيات الممنوحة له ‏بموجب «الإعلان الدستوري»، بما يشمل مراجعة التشريعات القائمة وإقرار القوانين ‏والأنظمة اللازمة للمرحلة، وتشكيل لجنة لإعداد مسودة دستور جديد، إلى جانب تحديث ‏المنظومة القانونية بما ينسجم مع متطلبات إعادة الإعمار والتنمية.‏

وسيدير الجلسة الأولى المنتظرة، الاثنين، أكبر أعضاء المجلس سناً، يعاونه أصغر الأعضاء سناً بصفة أميناً ‏للسر، ثم يؤدي الأعضاء القسم الدستوري، لاكتساب الصفة القانونية ‏الكاملة لممارسة مهامهم التشريعية.‏ وينص النظام الانتخابي المؤقت، على أنه في حال تعذر على أحد الأعضاء أداء القسم، يمكنه ذلك في جلسة لاحقة يحددها رئيس المجلس، لكن في حال امتنع العضو عن أداء القسم أو ‏رفضه، يتم إسقاط عضويته وتسمية بديل وفق الأحكام القانونية النافذة.

عضوات منتخبات لمجلس الشعب السوري (الصفحة الرسمية)

كما يجري في الجلسة الأولى انتخاب رئيس للمجلس ونائبه وأميني سر بالاقتراع السري، ثم تنتقل ‏إدارة الجلسة إلى الرئيس المنتخب، ليباشر إدارة أعمال المجلس بتحديد موعد ‏الجلسة التالية، ودعوة رئيس الجمهورية إلى حضورها لإلقاء كلمته خلالها، وبذلك تستكمل إجراءات مباشرة المجلس أعماله الدستورية بصورة رسمية. ‏والبدء بإعداد النظام الداخلي خلال الشهر الأول من انعقاده، تمهيداً لتنظيم أعماله ولجانه الدائمة وآليات مناقشة ‏مشروعات القوانين وممارسة صلاحياته الرقابية والتشريعية.

ويبلغ عدد أعضاء مجلس الشعب 210 عضواً، ومع أن الثلث المكمل جاء ليرمم الفجوات التي ظهرت في نتائج عملية الانتخابات غير المباشرة، لا سيما رفع حصة التمثيل النسائي من ست عضوات إلى 21، فإن عشرات السيدات في حلب نظمن وقفة أمام «جامعة حلب»، احتجاجاً على تدنّي نسبة تمثيل النساء، لا سيما في محافظة حلب والتي لم تتجاوز نسبة 1 في المائة، وهو ما يعّد اجحافاً بحقهن.

من الوقفة الاحتجاجية النسائية في حلب احتجاجاً على ضعف تمثيل النساء في مجلس الشعب (فوكس نيوز حلب)

ويشار إلى أنه وبعد أقل من 24 ساعة على إعلان استكمال تشكيل مجلس الشعب للفترة الانتقالية بتعيين رئيس الجمهورية قائمة الثلث المكمل، الأربعاء الماضي، شهد محيط القصر العدلي وسط العاصمة انفجاراً في «مقهى المشيرية» الذي يرتاده عادة المحامون، فيما اعتبر رسالة من أطراف تعمل على زعزعة الاستقرار وعرقلة مسار العدالة الانتقالية الذي انطلق في الفترة الماضية بمحاكمة عدد من رموز النظام السابق.

وللجلسات الأولى للمجلس أهمية خاصة كأساس لبدء ممارسة السلطة التشريعية ضمن الفترة الانتقالية. وينص النظام الانتخابي المؤقت للمجلس، وفق المرسوم رقم /143/ لعام 2025، على أن يدعو رئيس «اللجنة العليا للانتخابات» في الجلسة الأولى، الأعضاء إلى الاجتماع في مقر المجلس خلال ‏المدة القانونية المحددة بعد صدور مرسوم تسمية الأعضاء، وتكون هذه آخر المهام ‏الموكلة إلى «اللجنة العليا» قبل انتقال المسؤولية إلى مجلس الشعب الجديد.


«التحقيق الوطنية بأحداث السويداء»: المحاسبة ستطال من أشعل الفتنة وحرّض

صورة جوية لمدينة السويداء وسط الاشتباكات في يوليو 2025 (د.ب.أ)
صورة جوية لمدينة السويداء وسط الاشتباكات في يوليو 2025 (د.ب.أ)
TT

«التحقيق الوطنية بأحداث السويداء»: المحاسبة ستطال من أشعل الفتنة وحرّض

صورة جوية لمدينة السويداء وسط الاشتباكات في يوليو 2025 (د.ب.أ)
صورة جوية لمدينة السويداء وسط الاشتباكات في يوليو 2025 (د.ب.أ)

أكدت «لجنة التحقيق الوطنية» في أعمال العنف التي شهدتها محافظة السويداء السورية العام الماضي أن المحاسبة «ستطال من أشعل الفتنة ومن حرّض عليها، ولن يكون هناك تسامح مع أي شخص ارتكب انتهاكاً».

وكانت وزارة العدل قد أعلنت بدء جلسات محاكمة المتهمين، اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) الحالي. ورأت مصادر محلية في السويداء أن المحاسبة «إذا سارت بشكل قانوني لتحقيق العدل والإنصاف، فإن ذلك سيكون خطوة مهمة على طريق حل مشكلة السويداء»، في حين شككت مصادر أخرى في «جدية الحكومة في محاكمة المتهمين».

إجراءات أمنية إضافية في محيط قصر العدل بعد التفجير (أ.ف.ب)

وقال المتحدث باسم «لجنة التحقيق»، المحامي عمار عز الدين، لقناة «الإخبارية السورية»، إن اللجنة حرصت على التقيد بشروط المحاكمات العادلة، مؤكداً أهمية علنية المحاكمات.

وأعلن أن الجلسة الثانية من المحاكمات ستكون في 13 يوليو (تموز) الحالي، وحضور جلسات المحاكمات متاح للراغبين في ذلك، مشيراً إلى أن عدد المتهمين في أحداث السويداء «غير قابل للحصر في المرحلة الحالية بسبب استمرار التحقيقات».

وشدد على أن الدولة «جادة في موضوع المحاسبة لجميع مرتكبي الانتهاكات، وأن القبض على أي شخص لا يعني ثبوت ارتكابه للانتهاكات قبل استكمال التحقيقات».

وبيّن عز الدين أن عشرات المتهمين من مختلف الأطراف «يخضعون حالياً لإجراءات المحاكمة، وسيادة القانون تطبق على الجميع دون استثناء مهما كانت الرتبة أو المنصب». وأضاف: «المحاسبة ستطال من أشعل الفتنة ومن حرّض عليها، ونشدد على أنه لن يكون هناك تسامح مع أي شخص ارتكب انتهاكاً، ونحرص على أن تكون المحاكمة عادلة للضحايا والمتهمين».

وشهدت محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية الواقعة جنوب سوريا في يوليو 2025، أعمال عنف أسفرت عن مقتل أكثر من 2000 شخص، بينهم 789 مدنياً درزياً، وفق وسائل إعلام سورية. ووثّقت «لجنة التحقيق الوطنية» التي شكلتها السلطات السورية مقتل 1760 شخصاً على الأقل، وفق ما جاء في تقرير عرضته في مارس (آذار) الماضي.

عناصر من المسلحين الموالين للشيخ حكمت الهجري خلال دورية في السويداء (أرشيفية - أ.ف.ب)

وكانت اللجنة قد أعلنت، عقب تشكيلها، عن إعداد «قائمة مشتبه بهم من (وزارتي) الدفاع والداخلية وفصائل درزية ومدنيين بينهم بدو وعشائر، بارتكاب جرائم وانتهاكات جسيمة».

ويوم الجمعة، قال رئيس «لجنة التحقيق»، القاضي حاتم النعسان، في تصريح نشرته وزارة العدل على معرفاتها: «إن النيابة العامة العسكرية باشرت إحالة عدد من الأشخاص إلى قاضي التحقيق»، مشيراً إلى أن بعض القضايا أحيلت إلى «محكمة الجنايات العسكرية في دمشق».

وأضاف النعسان أن المحكمة بدأت النظر فيها «بجلسات علنية بدايةً من 1 يوليو بحضور المتهمين ووكلائهم ووفق الإجراءات المنصوص عليها في القوانين النافذة وضمانات المحاكمة العادلة»، موضحاً أن الغاية من هذه الإجراءات «التحقق من الوقائع ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته عن أي انتهاكات... بصرف النظر عن صفته أو الجهة المنسوبة إليها الأفعال».

من جهته، رأى ناشط سياسي في السويداء، فضل عدم الكشف عن اسمه، في إعلان الحكومة «محاولة لا بأس بها، لكنها ليست على مستوى الحدث لأن القضية أعقد من مسألة محاكمات جنائية، والمشهد سياسي أكثر مما هو جنائي».

الشيخ حكمت الهجري يتوسط أتباعه من عناصر «الحرس الوطني» (السويداء 24)

وأضاف الناشط لـ«الشرق الأوسط»: «ما حصل في السويداء كان نتيجة خلل وجميع الأطراف تتحمل المسؤولية فيه، وسلطة الأمر الواقع في السويداء تتحمل جزءاً كبيراً من هذه المسؤولية، لكن الجزء الأكبر تتحمله الدولة بصفتها الراعي لكل المواطنين في البلاد».

وعدّ الناشط أن تطبيق «خريطة الطريق» التي أٌعلن عنها في سبتمبر (أيلول) الماضي من دمشق لحل أزمة السويداء بدعم أميركي وأردني، «مسألة لا بد منها، ولكن تطبيق الخريطة يخضع لمعايير الصراع مع إسرائيل التي تتخذ من المحافظة ورقة للمساومة حول مواضيع تتعلق بجبل الشيخ، وانتهاكاتها في جنوب سوريا».

مصدر محلي في مدينة السويداء مناهض لسياسات رئيس طائفة الموحدين الدروز، الشيخ حكمت الهجري، وما يُعرف بـ«الحرس الوطني» الذي سيطر على أجزاء واسعة من السويداء إثر تفجر الأزمة، أكد «أننا مع محاسبة المتورطين بالأحداث الأخيرة من الجانبين مع استثناء من كان يدافع عن بيته وأهله وبلده».

لكن المصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه، أضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لا نرى أن الحكومة جادة في محاسبة ومساءلة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت في السويداء، والأمر لا يتجاوز الإعلام فقط»، مشيراً إلى أن من «ألقي القبض عليهم هم جزء بسيط من الجناة وقد أدانوا أنفسهم بمقاطع الفيديو التي انتشرت من هواتفهم المحمولة، ورغم مضي نحو عام على الأحداث، لم نسمع بمحاكمة أحد». وفي الوقت نفسه عدّ المصدر أن المحاسبة «إذا سارت بالشكل القانوني العادل، ولتحقيق العدل والإنصاف يكون الأمر خطوة مهمة على طريق حل مشكلة السويداء».

قوات الأمن السورية بالقرب من لافتة طريق مدينة السويداء يوم 15 يوليو 2025 (رويترز)

ومن جانبها، شككت السيدة ميساء العبد الله، المقيمة في مدينة السويداء، في «جدية الحكومة السورية بمحاكمة المتهمين بارتكاب أعمال العنف في المحافظة».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «موقفي وتوجهي مما يجري في السويداء معروف بأنني ضد موقف الفصائل هنا، وفي الوقت نفسه السلطة لم تقم بأي خطوة تجعل الأهالي هنا يثقون بها، وهي تساهم بإبعاد السويداء عنها وعن دمشق وعن السوريين، ومن غير المعروف إن كان ذلك يتم بشكل مقصود أو غير مقصود»، على حد تعبيرها.