دشَّن ناشطون فلسطينيون، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، دعوات لحراك جماهيري وشعبي مناهض لحركة «حماس» وبقائها في حكم قطاع غزة، بتحديد الـ26 من الشهر الحالي، يوماً للتظاهر في أنحاء القطاع، على غرار ما جرى مرات عدة في سنوات سابقة، وتعرَّضت مثل هذه الحراكات للقمع.
ورفع الناشطون القائمون على الحراك، اسم «ثورة 26 يونيو (حزيران)» للخروج إلى الشوارع للمطالبة بحياة كريمة، تحت شعار «من أجل حياة أفضل ومستقبل واعد... حق الشعب تقرير مصيره».
جدال «فيسبوكي»
وكان أول مَن دعا وتبنَّى هذا الحراك، الصحافي والناشط عبد الحميد عبد العاطي، وهو من سكان قطاع غزة، وكان قد غادره خلال الحرب إلى مصر برفقة أسرته بعد تعرُّضها لقصف سابق أدى لمقتل وإصابة كثير منهم.

وفي سلسلة منشورات وتغريدات له عبر حساباته في شبكات التواصل الاجتماعي والتي يتابعها الآلاف، قال عبد العاطي: «الحراك لم يأتِ ضد أحد، بل جاء من أجل المصلحة العامة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من واقع يثقل كاهل أهل غزة... نحن شعبٌ واحد، يجمعنا الألم والمصير المشترك، وغايتنا أن نمدَّ يدَّ العون لأهلنا ونبحث عن مَخرَج من هذه الورطة القاسية، فالاختلاف في الرأي لا يبرِّر التهديد، ووحدة الصف تبقى الطريق الأقصر لحماية الجميع».
وتبنَّى نشطاء معروفة مواقفهم بأنها مناهضة لـ«حماس»، وبعضهم شارك ودعا لحراكات مماثلة قبل سنوات عدة، دعوة عبد العاطي، ودعوا الغزيين للمشارَكة في الحراك المرتقب، الأمر الذي أحدث ضجة وردود فعل حملت بعضها انتقادات للحراك وأخرى دعمته.
ولوحظ أنَّ غالبية مَن وجَّهوا دعوات للمشاركة في الحراك هم من الموجودين حالياً خارج القطاع، بعد أن خرجوا خلال الحرب وبعضهم قبلها بسنوات بعد اعتقالهم لدى حكومة «حماس» على خلفية أحداث مماثلة. بينما كانت هناك أصوات أقل داعمة للحراك من داخل القطاع وكانت غالبيتها من أشخاص أقل تأثيراً من شخصيات أخرى ما زالت موجودة داخل القطاع والتزمت الصمت.
تخوين وترهيب
وفي ظلِّ الجدل الكبير إزاء الحراك، من قبل بعض الشخصيات العامة، لم تتوقف آلة الإعلام التابعة لحركة «حماس» التي تسيطر على جزء من قطاع غزة بعد استيلاء إسرائيل على أكثر من 60 في المائة من مساحته، عن محاولة تشويه صورة الحراك ومَن يقفون خلفه، وسط حملات مماثلة من نشطاء يتبعون الحركة اتهموا مَن يقفون وراء الدعوة بأنَّهم ينفِّذون أجندات خارجية ويستغلون التصعيد الإسرائيلي للقيام بالحراك، عادّين أنَّه لا يحق لهؤلاء، بوصفهم خارج القطاع، الحديث باسم مَن يعيشون في خيام النزوح ومراكز الإيواء وغيرها، بينما هم يعيشون حياتهم بالخارج.

ورأى عبد العاطي أن هذه الاتهامات من قبل «حماس» ونشطائها له وللقائمين على الحراك من الخارج، تُستخدَم للهروب من جوهر القضية.
وقال لـ«الشرق الأوسط»: «الفلسطيني يبقى فلسطينياً أينما كان، سواء كان في غزة أو الضفة أو الشتات، ومن حقه أن يتحدَّث عن معاناة شعبه وأن يعبِّر عن رأيه بكل حرية»، مشدداً على أن «الحراك ليست له أي أجندات خارجية، ولا يهدف لخدمة أي طرف على حساب آخر، وأنه ينطلق من واقع يعيشه الناس يومياً، ومن مطالب شعبية واضحة يعرفها الجميع، وهي المطالبة بالكرامة والعدالة والتمثيل الحقيقي ووقف حالة الانهيار، وليس مؤامرة، بل حق طبيعي لأي شعب».
وأشار إلى أنَّ الأزمات المتراكمة التي يعيشها سكان القطاع، دفعته وكثيراً من الإعلاميين والنشطاء وغيرهم إلى رفع صوتهم، نافياً بشدة أنَّ هدفهم استغلال الوضع القائم حالياً في القطاع مع استمرار التصعيد الإسرائيلي، قائلاً: «المطلوب ليس استغلال أحد، بل الاستماع إلى الناس، واحترام حقهم في التعبير عن رأيهم ومطالبهم المشروعة».
وأضاف عبد العاطي: «هدف الحراك في هذه المرحلة هو إيصال صوت الناس ومعاناتهم الحقيقية إلى العالم، والمطالبة بحقهم في الحياة الكريمة والأمن والاستقرار. نحن نؤمن بأنَّ مواجهة العدوان الإسرائيلي أولوية وطنية، لكن ذلك لا يلغي حقَّ المواطنين في التعبير عن آلامهم ومطالبهم المشروعة بعد سنوات طويلة من الحرب والفقر والنزوح والمعاناة... الثورة ليست ضد الشعب ولا ضد صموده، بل هي حراك من أجل الإنسان الفلسطيني وحقه في مستقبل أفضل، ومن أجل وجود مؤسسات وطنية قوية، وحياة سياسية سليمة، وإرادة شعبية يُستَمع إليها ويُحترَم رأيها».
وقلل عبد العاطي ونشطاء آخرون من بعض التهديدات التي كانت تصلهم بالمسِّ بعائلاتهم، مؤكدين استمرارهم في الحراك.

حق التظاهر
ورفض ناشطون اعتبار الحراك بمثابة خيانة لتضحيات الفلسطينيين الذين سقطوا خلال الحرب، مؤكدين على حق السكان في التظاهر والمطالبة بحياة كريمة، مشيرين إلى أنَّ مَن سيخرج هم أنفسهم مَن ضحوا بأبنائهم وبمنازلهم، ويعيشون في الخيام، ويقفون في طوابير المياه والتكيات.
وأكد الدكتور جميل عبد النبي، القيادي في حركة «الجهاد الإسلامي» بالمنطقة الشمالية لقطاع غزة - في منشور له عبر صفحته في «فيسبوك»، وهو يشير باستمرار إلى أنَّ مواقفه تمثله شخصياً - أحقية السكان في التعبير عن غضبهم في ظلِّ ما عايشوه من كوارث لا يمكن لكل الكلمات أن تعبِّر عنها، قائلاً: «ليس أقل من أن نمنحهم حق الصراخ من شدة الوجع»، عادّاً «تخوين» مثل هذا الحراك جزءاً من الديكتاتورية وتبرير قمعها.
«حماس» غاضبة
ويبدو أنَّ صدى الحراك لا يقف عند مستوى تبادل الاتهامات عبر نشطاء من الجانبين وحتى بتدخل نشطاء محسوبين على فصائل أخرى مثل حركة «فتح»، لكنه امتدَّ إلى المستوى الرسمي على الأقل داخل «حماس»، والتي أظهرت موقفاً غاضباً.
وعلق الناطق باسم الحركة، حازم قاسم، بالقول في تصريح صحافي له: «هناك مَن يستعجل سقوط حركتنا الكبيرة، معتمدين على وعود عدو غبي. هؤلاء جميعاً سينتظرون طويلاً، ثم يتفاجأون بحركة أكثر تجذراً في شعبها وأعظم حضوراً، فهذا شعب أصيل يقف دائماً مع أبنائه الميامين الصادقين في حبهم لوطنهم، وهكذا سيظلون، ويظلُّ هذا الشعب العظيم وفياً لهم». كما قال.
وبعد يوم من ذلك التصريح، أشار قاسم إلى أن «حماس» تضع مصلحة الشعب الفلسطيني العليا في صلب حراكها السياسي والدبلوماسي، بما يتيح وقف الحرب وفتح أفق جديد أمام الإعمار وإدارة اللجنة الوطنية لغزة بطرق مهنية لإطلاق عملية إغاثة حقيقية تخفف من حجم الكارثة التي تعيشها غزة، في إشارة غير مباشرة لمطالب الحراك بتحقيق حياة أفضل للسكان، خصوصاً إنهاء معاناة مَن يعيشون في خيام النزوح.
في حين رأى محللون وإعلاميون محسوبون على «حماس» وفصائل مقربة منها، ومن بينهم حسن لافي، أن الحراك قد يضر بالجهود المبذولة لإخراج غزة من أزماتها، وأنه قد يخلق «فتنة كبرى داخلية في غزة عنوانها تقويض ما تبقَّى من سلم أهلي ومجتمعي».
ويأتي ذلك في وقت علمت فيه «الشرق الأوسط»، أنَّ أجهزة أمن حكومة «حماس»، تلقت أوامر بالبقاء في حالة تأهب في اليوم المحدد للتظاهر، والتدخل فقط عندما تستدعي الحاجة، بما يحافظ على أمن العناصر من أي هجمات إسرائيلية.
وكثيراً ما استهدفت القوات الإسرائيلية في الآونة الأخيرة عناصر الشرطة وأجهزة الأمن الحكومية خلال محاولتهم ضبط الأوضاع الأمنية وحل الإشكاليات التي تنشب بين العوائل؛ ما أدى لمقتل وإصابة كثير منهم.








