أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان فتح الباب أمام تفاوضٍ مشروط مع الولايات المتحدة، كاشفاً أنه وجّه وزير الخارجية عباس عراقجي لتهيئة مسار دبلوماسي إذا توافرت ظروف مناسبة وخالية من التهديد، وذلك في ظل تصاعد الضغوط الأميركية وتحذير الرئيس دونالد ترمب من «عواقب سيئة» في حال تعثر التوصل إلى اتفاق.
وعملت تركيا خلال الأيام الماضية خلف الكواليس لاستضافة المحادثات في وقت لاحق من هذا الأسبوع، بالتزامن مع جولة يجريها المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف في المنطقة.
وكتب بزشكيان على منصة «إكس» باللغتين الإنجليزية والفارسية أن قراره جاء «استجابة لطلبات حكومات صديقة في المنطقة للرد على اقتراح رئيس الولايات المتحدة إجراء مفاوضات». وقال: «وجهت وزير الخارجية، شريطة توافر بيئة مناسبة وخالية من التهديد والتوقعات غير المعقولة، إلى السعي لمفاوضات عادلة ومنصفة، تستند إلى مبادئ الكرامة والحكمة والمصلحة».
I have instructed my Minister of Foreign Affairs, provided that a suitable environment exists—one free from threats and unreasonable expectations—to pursue fair and equitable negotiations, guided by the principles of dignity, prudence, and expediency.
— Masoud Pezeshkian (@drpezeshkian) February 3, 2026
وكانت وكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، أول من نشر خبر المفاوضات يوم الاثنين، قبل أن تحذفه لاحقاً من دون تفسير. وقالت وکالة «أسوشتييد برس» إن ذلك الإعلان يشكّل تحوّلاً لافتاً في موقف الرئيس الإصلاحي، الذي كان قد حذّر الإيرانيين على مدى أسابيع من أن الاضطرابات في البلاد تجاوزت قدرته على السيطرة، كما يعكس حصوله على ضوء أخضر من المرشد علي خامنئي لإجراء محادثات كان قد استبعدها في السابق.

«ليس استسلاماً»
وكان ترمب قد أعلن قبل ساعات أن سفناً حربية ضخمة تتجه صوب إيران، مشيراً إلى أن ممثليه يجرون محادثات مع إيران، معرباً عن أمله في أن تفضي هذه الاتصالات إلى نتائج إيجابية، لكنه حذَّر، الاثنين، من حدوث «أمور سيئة» في حال عدم التوصل إلى اتفاق.
وأرسلت واشنطن حاملات طائرات إلى الشرق الأوسط عقب رد السلطات الإيرانية العنيف على الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي بلغت ذروتها الشهر الماضي.
وأكدت واشنطن أن المبعوث الأميركي سيلتقي عراقجي بإسطنبول لعقد جولة جديدة من المفاوضات النووية التي تعثرت جراء حرب الـ12 يوماً، عندما شنت إسرائيل هجوماً على منشآت عسكرية ونووية إيرانية في يونيو (حزيران) وانضمت إليها الولايات المتحدة.
لكن موقع «أكسيوس»، أفاد الثلاثاء، نقلاً عن مصدرين مطّلعين، أن إيران طلبت نقل المحادثات المقررة مع الولايات المتحدة، يوم الجمعة، من إسطنبول إلى سلطنة عُمان، وأن تُعقد بصيغة ثنائية. وأضاف الموقع أن طهران تسعى أيضاً إلى تغيير نطاق المحادثات بحيث يقتصر على الملف النووي فقط، من دون مشاركة مباشرة لدول المنطقة. وأشار «أكسيوس» إلى أن هذا التوجه يعكس رغبة إيرانية في إعادة ضبط مسار التفاوض وشروطه.
جاء ذلك، بعدما أبلغ مسؤول إقليمي لـ«رويترز» إن الأولوية في محادثات إسطنبول تتمثل في تجنب أي صراع جديد وتهدئة التوتر بين الجانبين. وأضاف أن الدعوة وُجهت إلى عدد من دول الشرق الأوسط للمشاركة في المحادثات على مستوى وزراء الخارجية، من بينها باكستان والسعودية وقطر ومصر وسلطنة عُمان والإمارات، مشيراً إلى أن الهدف هو دعم مسار خفض التصعيد وتهيئة مناخ تفاوضي أوسع.
وأوضح المصدر أن إطار المحادثات لم يتضح بعد، لكن «الاجتماع الرئيسي» سيعقد الجمعة، وأن من المهم بدء الحوار بين الطرفين لتجنب المزيد من التصعيد.
في السياق ذاته، قال مصدر دبلوماسي إيراني لـ«رويترز»، الثلاثاء، إن طهران لا تنظر إلى المحادثات لا بتفاؤل ولا بتشاؤم، مؤكداً أن القدرات الدفاعية لبلاده غير قابلة للتفاوض، وأن إيران مستعدة لأي سيناريو. وأضاف المصدر: «يبقى أن نرى ما إذا كانت واشنطن تعتزم إجراء مفاوضات جادة وهادفة أم لا».
من جانبه، قال نائب الرئيس الإيراني في الشؤون التنفيذية، محمد جعفر قائمپناه، على حسابه في منصة «إكس» إنه «لا توجد حرب جيدة، وليس كل سلام استسلاماً».
ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مصادر مطلعة أن الجانبين ناقشا مقترحاً واسعاً صاغته عُمان وقطر، مستلهماً من خطط لمعالجة النزاعات في غزة وأوكرانيا، ويجمع بين خطوات لمعالجة ملف تخصيب اليورانيوم، وحوافز اقتصادية، والتزامات أمنية. ولم يتضح ما إذا كان البيت الأبيض قد انخرط في هذا المقترح أو أبدت انفتاحاً عليه.
وطلب ترمب من مساعديه إعداد خيارات لهجوم «سريع وحاسم» لا يؤدي إلى حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط، وفق مسؤولين أميركيين، غير أن محللين وبعض مستشاريه قالوا إن مثل هذه الخيارات قد لا تكون متاحة. وأبلغ مسؤولون أميركيون وسطاء إقليميين أن ترمب لم يتخذ قراراً نهائياً بعد بشأن توجيه ضربة لإيران.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» بُثت الاثنين، إن التوصل إلى اتفاق نووي مع الولايات المتحدة أمر ممكن.
و شدد عراقجي على أن «الرئيس ترمب قال لا أسلحة نووية، ونحن نتفق تماماً. يمكن أن يكون ذلك اتفاقاً جيداً جداً»، مضيفاً أن رفع العقوبات هو ما تتوقعه طهران.
وقبل أيام، حذّر خامنئي من اندلاع «حرب إقليمية» في حال شنّت الولايات المتحدة هجوماً على بلاده.
ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز»، الثلاثاء، عن مسؤولين إيرانيين قولهما إن إيران، في محاولة لتهدئة الوضع، مستعدة لإغلاق أو تعليق برنامجها النووي، وهو ما يُعدّ تنازلاً كبيراً، لكنها تفضّل مقترحاً كانت الولايات المتحدة قد طرحته العام الماضي، يقضي بإنشاء كونسورتيوم إقليمي لإنتاج الطاقة النووية.
وقال المسؤولان إن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي لاريجاني، التقى خلال الأيام الماضية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حاملاً رسالة خامنئي تفيد بأن إيران قد توافق على شحن اليورانيوم المخصب إلى روسيا، كما فعلت بموجب اتفاق عام 2015.
وعندما سُئل عن هذا الاحتمال، قال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، الاثنين، إن «الموضوع مطروح على جدول الأعمال منذ فترة طويلة»، مضيفاً أن «روسيا تواصل جهودها واتصالاتها مع جميع الأطراف المعنية».
وفي وقت لاحق، نفى علي باقري كني، نائب أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، وجود أي خطة إيرانية لنقل المواد النووية إلى الخارج.
جاهزة للحرب إذا فرضت
قال علي شمخاني، مستشار المرشد الإيراني للشؤون السياسية، إن إيران شددت خلال خمس جولات تفاوض سابقة على أنها لا تسعى لامتلاك سلاح نووي ولن تنتجه أو تخزنه، مضيفاً أن أي ترتيبات في هذا الإطار «تتطلب ثمناً من الطرف الآخر».
وقال شمخاني إن إيران «جاهزة بالفعل للحرب، ومستعدة لكل الظروف»، مع الإبقاء على أمل تفادي هذا المسار. وعدَّ أن الحرب «ليست مجرد تبادل لإطلاق النار»، وأن البلاد «تعيش ظروف حرب فعلية» مع جاهزية لأي سيناريو.
وحذّر من أن طهران تواجه «الخطة ب» القائمة على التهديد والحرب النفسية، وأن «الخطوة التالية قد تكون الحرب»، لافتاً إلى أن تجنب «كارثة» يبقى ممكناً إذا وصلت مقترحات «منطقية وبعيدة عن التهديد والغطرسة». ورأى أن بلوغ اتفاق لا يزال متاحاً عبر «مفاوضات منصفة» والابتعاد عن الشروط غير المنطقية.
ونقل التلفزيون الإيراني، عن شمخاني قوله إن حجم مخزون اليورانيوم المخصب غير معروف حالياً؛ لأن «المخزون بات تحت الأنقاض»، وإن استخراجه ينطوي على مخاطر كبيرة، مشيراً إلى استمرار الحوار مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتقدير الكميات «مع الحفاظ على الأمن».
وأشار شمخاني إلى استعداد طهران لإجراء «مفاوضات عملية» مع الولايات المتحدة حصراً، مجدداً توصيف البرنامج النووي بأنه سلمي، وموضحاً أن خفض نسبة التخصيب من 60 إلى 20 في المائة «ممكن نظير المقابل المناسب».

ويأتي تعزيز الوجود البحري الأميركي بالقرب من إيران في أعقاب حملة قمع عنيفة شهدتها البلاد ضد مظاهرات مناهضة للحكومة الشهر الماضي. وعلى الرغم من أن ترمب لم يُقدِم على تنفيذ تهديداته بالتدخل، فإنه طالب طهران منذ ذلك الحين بتقديم تنازلات نووية، وأمر بإرسال أسطول بحري إلى سواحلها.
وقال ستة مسؤولين حاليين وسابقين لوكالة «رويترز»، الاثنين، إن القيادة الإيرانية تشعر بقلق متزايد من أن تؤدي ضربة أميركية محتملة إلى إضعاف قبضتها على السلطة، من خلال دفع جماهير غاضبة بالفعل إلى النزول مجدداً إلى الشوارع.
وأضاف أربعة مسؤولين مطلعين أن مسؤولين أبلغوا المرشد الإيراني، خلال اجتماعات رفيعة المستوى، بأن غضب الشارع من حملة القمع التي نُفّذت الشهر الماضي بلغ مستوًى لم يعد فيه الخوف عامل ردع، مشيرين إلى أن تلك الحملة كانت الأشد دموية منذ ثورة 1979.
وقالت مصادر إيرانية الأسبوع الماضي إن ترمب طرح ثلاثة شروط لاستئناف المحادثات، تشمل التخلي عن تخصيب اليورانيوم داخل إيران، وفرض قيود على برنامج الصواريخ الباليستية، وإنهاء دعم طهران لوكلائها في المنطقة.
وترفض إيران هذه الشروط منذ فترة طويلة وتعدّها انتهاكاً غير مقبول لسيادتها، غير أن مسؤولَين إيرانيين قالا لـ«رويترز» إن علماء الدين الذين يتولون السلطة يرون أن برنامج الصواريخ الباليستية، وليس تخصيب اليورانيوم، يشكل العقبة الكبرى.
وأسهمت الهجمات الإسرائيلية على وكلاء إيران في إضعاف نفوذ طهران الإقليمي، كما أدت إلى الإطاحة بحليفها المقرب، الرئيس السوري السابق بشار الأسد.
وكانت الولايات المتحدة قد قصفت، في يونيو (حزيران) من العام الماضي، أهدافاً نووية إيرانية، منضمة إلى حملة قصف إسرائيلية استمرت 12 يوماً. ومنذ ذلك الحين، أعلنت طهران توقف أنشطة تخصيب اليورانيوم.
وتظهر صور أقمار اصطناعية حديثة لموقعي أصفهان ونطنز، وهما من بين المواقع المستهدفة، بعض أعمال الإصلاح منذ ديسمبر (كانون الأول)، شملت تغطية جديدة لسقوف مبنيين كانا قد دُمّرا سابقاً. ووفقاً للصور التي وفرتها شركة «بلانيت لابز» وراجعتها «رويترز»، لم ترصد أي أعمال إعادة بناء إضافية في المواقع الأخرى.
