يُعدّ توصيف الولايات المتحدة بأنَّها «دولة مؤسسات» من أكثر المسلَّمات حضوراً في الأدبيات السياسية المقارنة. غير أنَّ صعود الرئيس دونالد ترمب، وما رافقه من خطاب عدائي تجاه الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، والمؤسسات العميقة للدولة، أعاد طرح سؤال جوهري: كيف يمكن لرئيس في دولة مؤسسية راسخة أن يهزَّ شبكة التحالفات التي بُنيت عبر عقود؟ وهل ما حدث يُمثل خللاً لمؤسساتها أم اختباراً لها؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولاً من تحرير معنى «الدولة المؤسسية». فالمؤسسية لا تعني غياب الانحراف أو استحالة الخطأ، ولا تفترض أن السياسات ثابتة لا تتغير بتغير القادة والإدارات السياسية. بل تعني وجود قيود قانونية وإجرائية، وتعدد في مراكز القرار، وآليات تصحيح تجعل من الصعب تحويل الرغبات الفردية إلى تحولات بنيوية دائمة من دون توافق واسع داخل النظام. وبهذا المعنى، لا تمنع الدولة المؤسسية الانحراف، لكنها تجعله مكلفاً، ومؤقتاً، وقابلاً للارتداد، والتراجع، لا سيما بعد تغيّر الإدارة وتبدّل موازين السلطة داخل المنظومة الحاكمة. ويُظهر مسار العلاقات الأميركية مع المملكة، عبر إدارات ديمقراطية وجمهورية متعاقبة، أنَّ التحالف ظلّ قائماً رغم اختلاف الخطاب وتبدل القادة، بما يعكس هيمنة المنطق المؤسسي على الاعتبارات الشخصية والظرفية. وضمن هذا الإطار، يمكن فهم الظاهرة الترمبية من خلال أربعة مستويات متداخلة.
أولاً، يتمتع الرئيس الأميركي بهامش واسع نسبياً في مجال السياسة الخارجية مقارنةً ببقية السياسات العامة. فالسياسة الخارجية الأميركية تاريخياً هي أقل المجالات خضوعاً للتقييد المؤسسي المباشر، وأكثرها ارتباطاً بصلاحيات السلطة التنفيذية. وهو ما أتاح لترمب تبنّي خطاب تصادمي تجاه الحلفاء، والانسحاب من اتفاقات دولية كاتفاق باريس للمناخ، والاتفاق النووي مع إيران، وفرض رسوم جمركية جديدة، وتشديد سياسات الهجرة، إلى جانب الضغط على شركاء تقليديين داخل حلف الناتو.
وهذا يقودنا إلى المستوى الثاني، وهو التمييز الحاسم بين الخطاب والبنية. فعلى الرغم من حدّة خطاب ترمب وتصعيده تجاه الحلفاء، لم تتعرض البنية التحالفية الأميركية لانهيار فعلي. فلم يُحلّ حلف شمال الأطلسي، ولم تُغلق القواعد العسكرية الكبرى، ولم تُلغَ الالتزامات الأمنية الجوهرية. التغيير الذي طرأ تمثل أساساً في النبرة وأسلوب إدارة التحالفات، لا في الأساس المؤسسي الذي تقوم عليه. وقد جرى توظيف هذا النهج، الذي يمكن توصيفه بـ«الابتزاز السياسي»، أداةً تفاوضية هدفت إلى تعظيم المكاسب الاستراتيجية للمؤسسات المرتبطة بالبيت الجمهوري، وتعزيز موقع القاعدة الانتخابية للحزب مستقبلاً، مع تعميق نفوذ النخبة الأوليغارشية داخل بنية الحكم، وبما يسهم في تثبيت الإرث السياسي الشخصي لترمب بوصفه قائداً أعاد تشكيل قواعد اللعبة داخل الحزب والدولة. وتكمن أهمية هذا التمييز في أنه يبين أن المؤسسات سمحت بقدر من الاهتزاز والتوتر، لكنها في الوقت ذاته حالت دون تحوّله إلى انهيار بنيوي.
ثالثاً، لا يمكن فهم ترمب بمعزل عن السياق الاجتماعي الداخلي. فقد مثّل صعوده تعبيراً عن شعبوية احتجاجية داخل المجتمع الأميركي، غذّتها تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة، من إرهاق العولمة إلى تصاعد الاعتقاد لدى قطاعات واسعة بأن الحلفاء ينخرطون في سلوك «الركوب المجاني» من خلال الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية من دون مساهمة متكافئة في أعبائها. هذا الخطاب، وإن كان صدامياً خارجياً، فإنه كان مربحاً انتخابياً داخلياً. والمؤسسات الديمقراطية، بطبيعتها، لا تمنع هذا النوع من الخطاب، لكنها تعمل لاحقاً على تحجيم آثاره، وإلا لما كان هناك فارق بنيوي بين الديمقراطيات والأنظمة الشمولية.
أما المستوى الرابع، فيتعلق بكيفية اشتغال المؤسسات نفسها خلال عهد ترمب. فالكونغرس قيّد بعض قراراته، والقضاء أوقف أو عدّل بين 15 و25 أمراً تنفيذياً أصدره، والبيروقراطية الفيدرالية عطّلت أو أبطأت تنفيذ عدد من توجهاته. كما أن الحلفاء أنفسهم تعاملوا مع هذه الديناميات خلال الولاية الأولى لترمب بوصفها لحظة عابرة أكثر منها تحولاً استراتيجياً دائماً، ففضلوا إدارة الخلاف وانتظار ما بعد ترمب بدل الانخراط في قطيعة استراتيجية مفتوحة. ومع انتهاء تلك المرحلة ووصول إدارة جديدة إلى الحكم، عادت السياسة الأميركية تدريجياً إلى مسارها التحالفي التقليدي، بما يؤكد أن ما جرى لم يكن تحولاً بنيوياً في توجهات الدولة الأميركية، بل كان انحرافاً مؤقتاً داخل مسار مؤسسي طويل الأمد.
وفي تقديري، كشفت تجربة ترمب عيوب المؤسسية الأميركية، لكنها أكدت في الوقت ذاته أهميتها من خلال صمود المؤسسات أمام بعض قراراته. فمن زاوية المؤسسية التاريخية، تبدو التحالفات الأميركية نتاج مسارات طويلة يصعب كسرها بولاية واحدة. ومن زاوية المؤسسية الاجتماعية، يمكن فهم ترمب بوصفه ممثلاً لهوية احتجاجية داخل المجتمع الأميركي. ومن منظور الاختيار العقلاني، يمكن فهم سلوك ترمب بوصفه سعياً إلى تعظيم مكاسب سياسية داخلية قصيرة الأمد، ورفع سقف صيد المكاسب الجمهورية، عبر تقاطع مصالحه مع نخب أوليغارشية تكنولوجية - اقتصادية، وبما يخدم بناء إرثه السياسي الشخصي وترسيخ صورته كفاعل حاسم داخل النظام السياسي، وهو ما انعكس في إعادة تشكيل مراكز النفوذ داخل السلطة التنفيذية باتجاه نموذج أقرب إلى «حكومة الأغنياء».
الخلاصة، أن تجربة ترمب لا تنقض فكرة الدولة المؤسسية، بل تكشف عن عيوبها الحقيقية. فالولايات المتحدة دولة مؤسسات، لكنَّ مؤسساتها لا تعمل كآلية منع فوري ومسبق، بل كآلية تصحيح متأخر. تسمح بالانحراف المؤقت، لكنها تَحول دون تحوّله إلى مسار دائم. وبهذا المعنى، هزّ ترمب السقف السياسي الأميركي، عبر الخطاب والقرارات التنفيذية التكتيكية، لكنه لم يمسّ الأساس البنيوي للدولة، القائم على الدستور، وتوازن السلطات، واستقلال القضاء، والانتخابات الحرة، وحيوية المجتمع المدني، والمنافسة الحزبية، فضلاً عن البنية التحالفية العميقة. كما تميل هذه المنظومة المؤسسية إلى إدارة الخلافات بمنطق التفاوض والتسوية، بما يجعل الانزلاق إلى صدامات مفتوحة أمراً نادر الحدوث. وفي هذا السياق، يمكن القول إن الخطاب الشعبوي الترمبي ضَخَّم النبرة السياسية وأعاد ترتيب الأولويات الخطابية، لكنه لم يغيّر قواعد اللعبة الجيوسياسية التي تنظمها الهياكل المؤسسية العميقة. وهو ما يميز دولة مؤسسات قادرة على امتصاص الانحراف المؤقت وتصحيح مساره، عن أنماط حكم تختلف في قدرتها المؤسسية على منع ترسخ الانحراف وتحويله إلى مسار طويل الأمد.
