ما مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

سيكون سبباً في تسارع وتيرة الحياة ونهاية الخصوصية خلال 5 سنوات

تعلم الذكاء الاصطناعي كيفية أداء مهام كان البشر ينجزونها حصرياً (أ.ف.ب)
تعلم الذكاء الاصطناعي كيفية أداء مهام كان البشر ينجزونها حصرياً (أ.ف.ب)
TT

ما مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

تعلم الذكاء الاصطناعي كيفية أداء مهام كان البشر ينجزونها حصرياً (أ.ف.ب)
تعلم الذكاء الاصطناعي كيفية أداء مهام كان البشر ينجزونها حصرياً (أ.ف.ب)

خلال النصف الأول من القرن العشرين اقتصر مفهوم الذكاء الاصطناعي على محبي الخيال العلمي. في الأدب والسينما، كانت الروبوتات والآلات الواعية وغيرها من أشكال الذكاء الاصطناعي محور العديد من أعمال الخيال العلمي الفنية الناجحة. لكن في النصف الثاني من القرن الماضي، بدأ العلماء والتقنيون محاولات جادة لتحقيق الذكاء الاصطناعي، لكن ما وصلنا إليه الآن بالفعل على أرض الواقع يمكن اعتباره أكبر من أي شيء تصور الباحثون ابتكاره.

أين وصل الآن تطور القدرة الحاسوبية والذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لقد مكّن عصر البيانات الضخمة والنمو الهائل في القدرة الحاسوبية الذكاء الاصطناعي من تحليل كميات هائلة من البيانات، وتعلم كيفية أداء مهام كانت تنجز سابقاً حصرياً من قبل البشر. وقد مثل دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي مع نماذج لغوية ضخمة لإنشاء «شات جي بي تي» في عام 2022، وتطوراته اللاحقة والخوارزميات المرتبطة به دليلاً قاطعاً على أن التعلم الآلي قادر على إنتاج تقنيات أقوى وأكثر جاذبية من روبوتات الدردشة السابقة.

التعلم الآلي بات قادراً على إنتاج تقنيات أقوى وأكثر جاذبية من روبوتات الدردشة السابقة (رويترز)

ولقد تغلغلت آثار هذه النهضة الآلية في المجتمع. فمن المساعد الصوتي المتقدم المعزّز بالذكاء الاصطناعي مثل «أليكسا»، إلى المحركات التوصية كتلك التي تستخدمها «نتفليكس» لاقتراح الفيلم الذي يجب مشاهدته تالياً بناءً على سجل مشاهداتك، والخطوات التي اتخذتها السيارات ذاتية القيادة، كلها ترمز إلى مرحلة بدائية من الذكاء الاصطناعي في القرن الحادي والعشرين.

وتُحدث نماذج «شات جي بي تي 4» و«دال-إي» وغيرها من أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية المعاصرة ثورةً في معظم قطاعات الأعمال حالياً. ولكن من المرجح أن تؤدي السنوات الخمس المقبلة من تطوير الذكاء الاصطناعي إلى تغييرات مجتمعية كبرى تتجاوز بكثير ما شهدناه حتى الآن، وفق الدكتور مايكل بينيت، من معهد الذكاء الاصطناعي التجريبي بجامعة نورث إيسترن في بوسطن، والذي رصد أبرز تأثيرات الذكاء الاصطناعي وتطوره على مستقبلنا القريب.

كيف سيتطور الذكاء الصناعي وما تأثيره على مستقبلنا؟

سرعة الحياة

التغيير الأبرز الذي سيشعر به الكثيرون في المجتمع هو زيادة وتيرة التفاعل مع المؤسسات الكبيرة. أي منظمة تتعامل بانتظام مع أعداد كبيرة من المستخدمين (شركات، وهيئات حكومية، ومنظمات غير ربحية) ستُجبَر على تطبيق الذكاء الاصطناعي في عمليات صنع القرار، وفي أنشطتها التي تتعامل مع الجمهور، والمستهلكين. وسيسمح الذكاء الاصطناعي لهذه المنظمات باتخاذ معظم القرارات بسرعة أكبر. ونتيجة لذلك، سنشعر جميعاً بتسارع الحياة.

المنظمات التي تتعامل بانتظام مع أعداد كبيرة من المستخدمين ستُجبَر على تطبيق الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

الارتقاء بمستوى الكفاءة

من شبه المؤكد أن مؤسسات الأعمال ستُجبَر على دمج واستغلال الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحسين الكفاءة، والربحية، والأهم من ذلك الكفاءة. إن واجب الشركات في زيادة قيمة حقوق المساهمين، وخوفها من التخلف عن المنافسين الذين يدمجون وينشرون الذكاء الاصطناعي بشكل أكثر جرأة سيفرض حتمية لا تُقاوم: تبني الذكاء الاصطناعي بشكل كامل، وإلا سيتراجع مستثمروك، بينما يتقدم أقرانهم.

نهاية الخصوصية

سيشهد المجتمع أيضاً اختباراً لالتزاماته الأخلاقية من خلال أنظمة الذكاء الاصطناعي القوية، وخاصةً الخصوصية. من المرجح أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر درايةً بكل فرد منا مما نعرفه نحن عن أنفسنا. لقد خضع التزامنا بحماية الخصوصية لاختباراتٍ قاسيةٍ على مدار الخمسين عاماً الماضية من خلال التقنيات الناشئة. ومع انخفاض تكلفة التعمق في بياناتنا الشخصية، وانتشار خوارزميات أكثر قوة قادرة على تقييم كميات هائلة من البيانات، سنجد على الأرجح أن ما دفع المجتمع إلى ترسيخ الخصوصية كان عائقاً تكنولوجياً أكثر منه التزاماً أخلاقياً.

من المرجح أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر درايةً بكل فرد منا مما نعرفه نحن عن أنفسنا (أ.ف.ب)

صياغة وانتشار قوانين الذكاء الاصطناعي

متوقع أيضاً أن تُصبح البيئة التنظيمية أكثر تعقيداً بالنسبة للمنظمات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي. في الوقت الحالي، تسعى الحكومات على جميع المستويات إلى تنظيم نشر الذكاء الاصطناعي. ففي الولايات المتحدة وحدها يُتوقع تشكيل «غابة كثيفة من قوانين الذكاء الاصطناعي»، حيث تقوم وحدات الحكومة المحلية والفيدرالية بصياغة قوانين جديدة للذكاء الاصطناعي، والبدء في تطبيقها. ومن شبه المؤكد أن الاتحاد الأوروبي -وغيره- سيطبق لوائحه التنظيمية الخاصة بالذكاء الاصطناعي. ونتيجة لذلك، سيزداد التعقيد القانوني لممارسة الأعمال التجارية بشكل كبير في السنوات الخمس المقبلة.

التأثير على تغير المناخ

من المتوقع أن يُحدث الذكاء الاصطناعي تأثيراً كبيراً وعلى نطاق واسع على الاستدامة، وتغير المناخ، والقضايا البيئية. يرى المتفائلون أن الذكاء الاصطناعي وسيلةٌ لزيادة كفاءة سلاسل التوريد من خلال إجراء الصيانة التنبئية، وإجراءات أخرى للحد من انبعاثات الكربون. في الوقت نفسه، قد يُعتبر الذكاء الاصطناعي سبباً رئيساً في تغير المناخ. فالطاقة والموارد اللازمة لإنشاء نماذج الذكاء الاصطناعي وصيانتها قد تزيد انبعاثات الكربون بنسبة تصل إلى 80 في المائة، مما يُوجه ضربةً قاصمة لأي جهود استدامة في مجال التكنولوجيا.

ما مخاطر الذكاء الاصطناعي على المدى البعيد؟

لطالما سادت فكرة أن الذكاء الاصطناعي يُشكل خطراً وجودياً على البشر منذ زمنٍ طويلٍ. ولكن في العامين الماضيين، ومع تحول الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى موضوعٍ ساخنٍ للنقاش العام، اتخذ الخوف من الذكاء الاصطناعي أبعاداً جديدة.

اتخذ الخوف من الذكاء الاصطناعي أبعاداً جديدة مع قلق الكثيرين من فقدان المجتمعات البشرية السيطرة على الأنظمة التي ستدار بهذه الآلية المتطورة (رويترز)

يمكن القول إن الشكل الأكثر واقعيةً لهذا القلق من الذكاء الاصطناعي هو الخوف من فقدان المجتمعات البشرية السيطرة على الأنظمة التي ستدار بهذه الآلية المتطورة. ونشهد بالفعل حدوث هذا طوعاً في حالات مثل «التداول الخوارزمي»، وهي طريقة للتداول في الأسواق المالية. والهدف الأساسي من ذلك هو استغلال قدرات العقول الاصطناعية للعمل بسرعاتٍ تفوق سرعة العقول البشرية.

ويعد الخطر الأكثر ترجيحاً على المدى الطويل هو «الفرص الضائعة». فإذا استمر القلق من استبدال الذكاء الاصطناعي بالبشر بما يؤدي إلى الاستثمار بشكل أقل في هذه التكنولوجيا بناءً على هذه المخاوف، فإن المجتمعات البشرية سوف تفقد مكاسب كبيرة في الكفاءة، والابتكارات المحتملة التي تنبع من العمل الجماعي بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، وربما حتى أشكال جديدة من الابتكار التكنولوجي، وإنتاج المعرفة العلمية، وغيرها من أساليب الابتكار المجتمعي التي يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي القوية تحفيزها بشكل غير مباشر.

هل سيكون الذكاء الاصطناعي شريكاً للإنسان أم منافساً له؟

من المتوقع أن تستخدم الشركات والحكومات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الذكاء، والخبرة البشرية، أو كشريك لإنسان واحد أو أكثر يعملون على تحقيق هدف، بدلاً من استخدامه لاستبدال العمالة البشرية.


مقالات ذات صلة

السعودية تدعم القطاع الثقافي بمسار تمويلي لمشاريع الذكاء الاصطناعي

يوميات الشرق يأتي المسار التمويلي الجديد تزامناً مع عام الذكاء الاصطناعي حيث يشهد القطاع الثقافي السعودي تحولاً نوعياً (الصندوق)

السعودية تدعم القطاع الثقافي بمسار تمويلي لمشاريع الذكاء الاصطناعي

أعلنت السعودية عن إطلاق مسار تمويلي جديد يدعم تبني المنشآت لتقنيات الذكاء الاصطناعي أو تطويرها ضمن مشاريعها في مختلف القطاعات الثقافية لتعزيز نموها وابتكاريتها.

عمر البدوي (الرياض)
تكنولوجيا سجل «GPT-5.1» أعلى حضور للشخصيات الذكورية بنسبة 65.2 % يليه «Gemini 2.5» بنسبة 62.7 % (أدوبي)

دراسة تكشف انحيازاً ذكورياً في قصص الحيوانات المولّدة بالذكاء الاصطناعي

تكشف الدراسة انحياز نماذج الذكاء الاصطناعي للشخصيات الذكورية رغم اعتمادها المتكرر على لغة محايدة وتجنب تحديد الجنس.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا مستقبل الاتصالات... عصر تواصل الآلات الذكية

مستقبل الاتصالات... عصر تواصل الآلات الذكية

بفضل تقنيات الجيل الخامس للاتصالات

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص السيادة الرقمية لا تتحقق بمجرد توطين البيانات بل تتطلب سيطرة فعلية على الوصول والتشغيل والتدقيق ونقل الأنظمة واستعادتها (أدوبي)

خاص «السيادة الرقمية» تحت الاختبار... كيف تحافظ دول الخليج على السيطرة واستمرارية الخدمات عند الاضطرابات؟

تعزز دول الخليج سيادتها الرقمية بتنويع مراكز البيانات ومسارات الاتصال، وتقليل الاعتماد الخارجي، وبناء قدرات محلية تضمن استمرارية الخدمات في أثناء الأزمات.

نسيم رمضان (لندن)
يوميات الشرق صورة رمزية لإيفا ستاتيلا التي تم إنشاؤها باستخدام الذكاء الاصطناعي (رئيس البلدية)

«إيفا ستاتيلا»... أول مستشارة وعضو مجلس بلدي مولّدة بالذكاء الاصطناعي في أوروبا

في مدينة أكوي تيرمي بإقليم بييمونتي شمال إيطاليا، ظهرت إيفا ستاتيلا، التي وُصفت بأنَّها أول مستشارة وعضوة مجلس بلدي يتم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (روما)

الرياض تستضيف «المنتدى العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» سبتمبر المقبل

السعودية تعزز مكانتها شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي عالمياً (واس)
السعودية تعزز مكانتها شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي عالمياً (واس)
TT

الرياض تستضيف «المنتدى العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» سبتمبر المقبل

السعودية تعزز مكانتها شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي عالمياً (واس)
السعودية تعزز مكانتها شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي عالمياً (واس)

تستضيف العاصمة السعودية الرياض، أعمال النسخة الرابعة من «منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي 2026»، خلال الفترة من 14 إلى 17 سبتمبر (أيلول) المقبل، بحضور عالمي كبير من قادة التكنولوجيا، وصناع السياسات، ورؤساء كبرى الشركات العالمية، والمنظمات الدولية.

ويناقش المنتدى على مدى 4 أيام عدة محاور رئيسة، تشمل أهم الموضوعات التي تشغل العالم في مجال حوكمة التقنيات الناشئة وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

وعدَّ الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة رئيس اللجنة الوطنية السعودية للتربية والثقافة والعلوم، الاستضافة تجسيداً لمكانة المملكة المتقدمة التي باتت تتقلدها على الساحة الدولية في دعم الحوار العالمي حول التقنيات الناشئة، مشيراً إلى أنها تعكس الالتزام الراسخ بتعزيز الاستخدام المسؤول والأخلاقي لـ «الذكاء الاصطناعي»، بما يخدم الإنسان والتنمية المستدامة.

وأوضح الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان أن الشراكة بين الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، إلى جانب التعاون مع المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (ICAIRE)، تمثل نموذجاً للتكامل الدولي في تطوير السياسات والممارسات المرتبطة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وتعزز تبادل الخبرات، وبناء القدرات بين مختلف الدول.

ولفت إلى حرص اللجنة على دعم المبادرات الوطنية التي تعزز حضور المملكة في المنظمات الدولية، ودعم التعاون مع «اليونسكو» في المجالات ذات الأولوية، مؤكداً أن المنتدى سيوفر منصة عالمية تجمع صناع القرار والخبراء والباحثين لتبادل الرؤى وصياغة حلول عملية تسهم في ترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة للذكاء الاصطناعي.

وأشار وزير الثقافة إلى أن استضافة المنتدى في مدينة الرياض تمثل امتداداً للدور المتنامي الذي تضطلع به المملكة في دعم المبادرات الدولية النوعية، وترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً للحوار والتعاون في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي، بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، ويعزز الإسهام في بناء مستقبل رقمي أكثر مسؤولية وشمولاً واستدامة.

ويأتي تنظيم المنتدى امتداداً لجهود السعودية في ترسيخ مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز حوكمته على المستويين الوطني والدولي، ودعم التعاون متعدد الأطراف لتطوير أطر الاستخدام المسؤول والموثوق به للتقنيات الناشئة، بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية 2030»، ويعزز مكانة البلاد شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي عالمياً.


روبوت بشري يراقب إجهاد الإنسان ويتكيف معه خلال المهام

يهدف المشروع إلى تطوير روبوتات بشرية تراعي خصائص المستخدم والإجهاد البدني أثناء العمل خصوصاً في بيئات الصناعة والرعاية الصحية (الجامعة)
يهدف المشروع إلى تطوير روبوتات بشرية تراعي خصائص المستخدم والإجهاد البدني أثناء العمل خصوصاً في بيئات الصناعة والرعاية الصحية (الجامعة)
TT

روبوت بشري يراقب إجهاد الإنسان ويتكيف معه خلال المهام

يهدف المشروع إلى تطوير روبوتات بشرية تراعي خصائص المستخدم والإجهاد البدني أثناء العمل خصوصاً في بيئات الصناعة والرعاية الصحية (الجامعة)
يهدف المشروع إلى تطوير روبوتات بشرية تراعي خصائص المستخدم والإجهاد البدني أثناء العمل خصوصاً في بيئات الصناعة والرعاية الصحية (الجامعة)

طوّر باحثون في المعهد الإيطالي للتكنولوجيا روبوتاً بشرياً يحمل اسم «ergoCub» صُمم منذ البداية ليعمل إلى جانب الإنسان في المهام البدنية، مع مراعاة راحته وتقليل الضغط الواقع على جسمه. ولا يقتصر المشروع على تحسين برمجيات التحكم في الروبوت، بل يدمج تصميم الهيكل نفسه مع طريقة الحركة والتفاعل، ضمن مفهوم يسميه الباحثون «الذكاء المتجسد المشترك».

تركز الدراسة التي نُشرت في دورية «Nature Machine Intelligence» على تطوير روبوت قادر على التعاون البدني مع البشر في بيئات مثل الصناعة والرعاية الصحية، مع استخدام نماذج لحركة الإنسان ومؤشرات تتعلق بالإجهاد العضلي والهيكلي لتعديل تصميم الروبوت وسلوكه.

تصميم يبدأ من جسم الإنسان

بدأ الباحثون من فكرة أن الروبوتات البشرية التي تعمل مع الناس لا ينبغي أن تُصمم بوصفها آلات مستقلة ثم تُضاف إليها قدرات التعاون لاحقاً. لذلك أخذ الفريق في الاعتبار خصائص جسم الإنسان وحركته أثناء تحديد أطوال أطراف الروبوت وأسلوب تحكمه.

واستخدم الباحثون روبوت «iCub3» نقطة انطلاق، ثم طبقوا عمليات تحسين على هندسته بهدف الجمع بين مهمتين: المشي بصورة أكثر كفاءة، ومساعدة الإنسان في رفع الأحمال مع خفض الضغط الواقع على الظهر. وشمل التقييم خصوصاً منطقة المفصل القطني العجزي (L5–S1) وهي منطقة تتعرض لقوى مرتفعة أثناء عمليات الرفع.

وأظهرت عملية التصميم أن النموذج المختار خفّض عزم الدوران الواقع على ظهر الإنسان عند معظم ارتفاعات الرفع التي اختبرها الفريق، كما وسّع نطاق التعامل مع الأحمال ليصل إلى ارتفاع 1.5 متر في أحد سيناريوهات التحسين.

صُمم الروبوت ليتعاون جسدياً مع الإنسان مع مراعاة الحركة وتقليل الضغط البدني بدلاً من إضافة قدرات التعاون بعد اكتمال التصميم (الجامعة)

اختبار مع أحمال مختلفة

انتقل الباحثون بعد مرحلة المحاكاة والتصميم إلى اختبار «ergoCub» فعلياً مع أشخاص أثناء رفع أحمال مشتركة. وشملت التجارب صندوقاً فارغاً، ثم حملاً يزن كيلوغراماً واحداً، وآخر بوزن كيلوغرامين. وخلال المهمة، كان الروبوت يتابع حركة يدي الشخص صعوداً وهبوطاً، بينما يجري تقدير حالة جسمه باستخدام نموذج يتم تحديثه عبر بيانات مستشعرات قابلة للارتداء.

وسجل الروبوت متوسط خطأ قدره 0.0084 متر في تتبع حركة الإنسان، فيما بلغ متوسط أقصى خطأ 0.0339 متر عبر التجارب الثلاث. كما أظهرت النتائج انخفاضاً واضحاً في الضغط المقدر على منطقة (L5–S1 ) عندما شارك الروبوت في حمل العبء.

فعند استخدام صندوق فارغ، انخفض أعلى عزم مقدر من 43.95 نيوتن متر دون مساعدة الروبوت إلى 24.88 نيوتن متر أثناء التعاون معه. ومع حمل يبلغ كيلوغراماً واحداً، تراجع من 50.66 إلى 25.77 نيوتن متر، بينما انخفض مع حمولة كيلوغرامين من 44.88 إلى 31.82 نيوتن متر.

مراقب الإجهاد أثناء المهمة

يعتمد «ergoCub» على نموذج داخلي لحالة الشخص الذي يتعاون معه. ويجري أولاً إدخال بيانات مثل الطول والوزن، ثم تُحدث معلومات الحركة والقوى أثناء العمل بصورة مستمرة.

ويستخدم الروبوت هذه البيانات لتقدير الإجهاد الواقع على ظهر الشخص، كما يحتوي رأسه على شاشة مرنة تعرض تعبيرات مبسطة يمكنها تقديم إشارات حول مستوى الضغط الذي يتعرض له المستخدم أثناء المهمة. واختُبر تقبل تصميم الروبوت في استطلاع شمل 850 مشاركاً من قطاعي الصناعة والرعاية الصحية، وحصل تصميم «ergoCub» وتعبيراته المبسطة على تقييمات أفضل من روبوتات أخرى استخدمت للمقارنة في الدراسة.

يتابع «ergoCub» حركة الإنسان ويقدّر الإجهاد أثناء المهمة باستخدام نموذج داخلي يتم تحديثه ببيانات من مستشعرات قابلة للارتداء (الجامعة)

تحسين قدرات المشي أيضاً

لم يركز التصميم على رفع الأحمال وحده، إذ شملت عملية التحسين قدرة الروبوت على الحركة والاستقرار. ووفق النتائج، وصل طول الخطوة الأقصى لـ«ergoCub» إلى 0.35 متر مقارنة بـ0.28 متر لروبوت «iCub3»، بينما انخفض الحد الأدنى لمدة الخطوة من 0.8 ثانية إلى 0.5 ثانية باستخدام بنية التحكم نفسها.

كما اختبر الباحثون الروبوت أثناء حمل وزن يصل إلى 6 كيلوغرامات، وأثناء تعرضه لدفع خارجي تراوح تقديره بين 60 و100 نيوتن، حيث استطاع تعديل خطواته والاستمرار في المشي دون السقوط في السيناريوهات التي عرضتها الدراسة.

يقدم المشروع نموذجاً لتصميم الروبوتات البشرية بحيث تُحسن أبعادها الميكانيكية وخوارزميات التحكم فيها بصورة مشتركة وفق احتياجات الإنسان الذي سيعمل معها. ويستهدف الباحثون من هذا النهج تطوير روبوتات لا تكتفي بتنفيذ المهمة، بل تراعي أثناء ذلك الحركة البشرية والإجهاد البدني وخصائص الشريك الذي تتعاون معه.


دراسة تكشف انحيازاً ذكورياً في قصص الحيوانات المولّدة بالذكاء الاصطناعي

سجل «GPT-5.1» أعلى حضور للشخصيات الذكورية بنسبة 65.2 % يليه «Gemini 2.5» بنسبة 62.7 % (أدوبي)
سجل «GPT-5.1» أعلى حضور للشخصيات الذكورية بنسبة 65.2 % يليه «Gemini 2.5» بنسبة 62.7 % (أدوبي)
TT

دراسة تكشف انحيازاً ذكورياً في قصص الحيوانات المولّدة بالذكاء الاصطناعي

سجل «GPT-5.1» أعلى حضور للشخصيات الذكورية بنسبة 65.2 % يليه «Gemini 2.5» بنسبة 62.7 % (أدوبي)
سجل «GPT-5.1» أعلى حضور للشخصيات الذكورية بنسبة 65.2 % يليه «Gemini 2.5» بنسبة 62.7 % (أدوبي)

كشفت دراسة جديدة أن نماذج اللغة الكبيرة تميل إلى تجنب تحديد جنس الشخصيات في القصص التي تنشئها، لكنها عندما تختار جنساً واضحاً، تنحاز بدرجة كبيرة إلى الشخصيات الذكورية. واعتمدت الدراسة على تحليل 23.8 ألف قصة خيالية قصيرة عن حيوانات ناطقة أو ذات صفات بشرية، وهي صيغة شائعة في أدب الأطفال، من دون أن يعني ذلك أن جميع القصص المختبرة كانت موجهة للأطفال أو أن الدراسة تناولت أدب الأطفال بوصفه فئة مستقلة.

ونُشرت الدراسة بعنوان «الحياد يترك أثراً: تمثيل النوع الاجتماعي في قصص الحيوانات التي يولدها الذكاء الاصطناعي» ضمن مؤتمر «ACM» للعدالة والمساءلة والشفافية لعام 2026، وأعدها إيماني فينكلي ويوانشي لي وميلاني والش من جامعة واشنطن.

23.8 ألف قصة و6 نماذج

اختبر الباحثون 6 نماذج هي «GPT-4o» و«GPT-5.1» و«Claude Sonnet 4.5» و«Gemini 2.5 Flash» و«Mistral Medium 3.1» و«OLMo3 7B Instruct».

وطُلب من كل نموذج إكمال قصة قصيرة باللغة الإنجليزية عن واحد من سبعة حيوانات هي الدب والطائر والقط والكلب والفأر والخنزير والأرنب، ضمن أربعة أماكن سردية تشمل المزرعة والمطبخ والنهر والمتجر. ولم تحدد التعليمات جنس الحيوان، ما أتاح للباحثين رصد الخيارات اللغوية التي تتخذها النماذج عندما لا تتلقى توجيهاً مسبقاً في هذا الجانب. كما غيّر الباحثون درجة حرارة النموذج، وهي الإعداد الذي يؤثر في تنوع المخرجات ودرجة عشوائيتها، لاختبار ما إذا كانت زيادة التنوع تغير أنماط التمثيل الجندري.

وحلل الفريق الضمائر المستخدمة للإشارة إلى الشخصية الرئيسية، وصنفها إلى مؤنثة ومذكرة ومحايدة، إلى جانب الحالات التي تجنب فيها النموذج استخدام الضمائر واكتفى بتكرار اسم الحيوان. وأنتجت التجربة نحو 1.05 مليون رمز لغوي، مع تكرار كل مجموعة من الحيوان والمكان ودرجة الحرارة 50 مرة.

سجل «GPT-5.1» أعلى حضور للشخصيات الذكورية بنسبة 65.2 % يليه «Gemini 2.5» بنسبة 62.7 % (أدوبي)

الإناث في 2.2 % فقط

أظهرت النتائج أن النماذج تجنبت تحديد الجنس في 19 في المائة من القصص، واستخدمت ضمائر محايدة مثل «it» و«its» في 38.2 في المائة منها. وعندما اختارت جنساً واضحاً للشخصية، ظهرت الشخصيات الذكورية في 40.6 في المائة من القصص، مقابل 2.2 في المائة فقط للشخصيات الأنثوية.

وسجل «GPT-5.1» أعلى ميل نحو الشخصيات الذكورية؛ إذ ظهرت في 65.2 في المائة من قصصه، تلاه «Gemini 2.5 Flash» بنسبة 62.7 في المائة. أما «Claude Sonnet 4.5» فسجل أعلى نسبة للشخصيات الأنثوية بين النماذج، لكنها لم تتجاوز 3.8 في المائة، مقابل 34.3 في المائة للشخصيات الذكورية. وفي المقابل، كان «OLMo3» الأكثر ميلاً إلى الحياد؛ إذ بلغت نسبة القصص المحايدة أو التي استخدمت اسم الحيوان بدلاً من الضمير 85.3 في المائة. وظهرت الشخصيات الأنثوية في 3.2 في المائة من قصصه، مقابل 11.5 في المائة للشخصيات الذكورية. أما «Mistral Medium» فلم ينتج سوى تسع قصص ذات شخصيات أنثوية من بين آلاف القصص، وكانت جميعها عن قطط.

اختلاف واضح عن الكتابة البشرية

قارن الباحثون نتائج النماذج بمسح بشري سابق استخدم تعليمات شبه مماثلة لكتابة قصص قصيرة عن الحيوانات. وأظهرت المقارنة أن البشر استخدموا شخصيات أنثوية في 13.4 في المائة من القصص، مقابل متوسط بلغ 2.2 في المائة لدى نماذج الذكاء الاصطناعي.

وبذلك كانت النماذج أقل احتمالاً بنحو ست مرات من البشر لاختيار شخصية أنثوية، كما كانت أكثر ميلاً بمقدار 1.2 مرة إلى استخدام صياغة محايدة أو تكرار اسم الحيوان بدلاً من تحديد جنسه.

واختلفت النتائج أيضاً حسب الحيوان. فقد كانت الطيور والقطط والخنازير الأكثر ارتباطاً بالصياغات المحايدة، بينما ظهرت الكلاب والدببة والأرانب بوصفها شخصيات ذكورية بدرجة أكبر. وبلغت نسبة التوصيف الذكوري للكلاب 66.6 في المائة، وللدببة 62.3 في المائة، وللأرانب 53.5 في المائة.

حللت الدراسة 23.8 ألف قصة أنشأتها 6 نماذج لغوية عن 7 أنواع من الحيوانات في 4 سياقات سردية (أدوبي)

الحياد لا يعني التوازن

تشير النتائج إلى أن تجنب تحديد الجنس لا يقود بالضرورة إلى تمثيل أكثر توازناً؛ إذ تزامن الاستخدام الواسع للضمائر المحايدة مع استمرار الحضور الذكوري واختفاء شبه كامل للشخصيات الأنثوية عند اختيار جنس محدد. ودعا الباحثون إلى تطوير أساليب للحد من الانحياز لا تعتمد فقط على حذف الإشارات الجندرية أو استخدام ضمائر محايدة، بل تراعي التوازن في الشخصيات والهويات التي تنتجها النماذج.

وقد تهم هذه النتائج التطبيقات المستخدمة في إنشاء القصص والترفيه والمحتوى التعليمي، بما فيها الأدوات التي يستخدمها الآباء والأطفال.

ومع ذلك، لم تختبر الدراسة قصص الأطفال بوصفها فئة مستقلة، بل حللت قصصاً خيالية قصيرة عن حيوانات ناطقة أو ذات صفات بشرية وفق تعليمات عامة.

واقتصرت الدراسة أيضاً على نصوص باللغة الإنجليزية وعلى تحليل الضمائر، ولم تشمل لغات ذات بنى نحوية مختلفة، ولم تقارن بصورة مباشرة بين قصص الحيوانات وقصص الشخصيات البشرية التي تنتجها النماذج نفسها.