ما مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

سيكون سبباً في تسارع وتيرة الحياة ونهاية الخصوصية خلال 5 سنوات

تعلم الذكاء الاصطناعي كيفية أداء مهام كان البشر ينجزونها حصرياً (أ.ف.ب)
تعلم الذكاء الاصطناعي كيفية أداء مهام كان البشر ينجزونها حصرياً (أ.ف.ب)
TT

ما مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

تعلم الذكاء الاصطناعي كيفية أداء مهام كان البشر ينجزونها حصرياً (أ.ف.ب)
تعلم الذكاء الاصطناعي كيفية أداء مهام كان البشر ينجزونها حصرياً (أ.ف.ب)

خلال النصف الأول من القرن العشرين اقتصر مفهوم الذكاء الاصطناعي على محبي الخيال العلمي. في الأدب والسينما، كانت الروبوتات والآلات الواعية وغيرها من أشكال الذكاء الاصطناعي محور العديد من أعمال الخيال العلمي الفنية الناجحة. لكن في النصف الثاني من القرن الماضي، بدأ العلماء والتقنيون محاولات جادة لتحقيق الذكاء الاصطناعي، لكن ما وصلنا إليه الآن بالفعل على أرض الواقع يمكن اعتباره أكبر من أي شيء تصور الباحثون ابتكاره.

أين وصل الآن تطور القدرة الحاسوبية والذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لقد مكّن عصر البيانات الضخمة والنمو الهائل في القدرة الحاسوبية الذكاء الاصطناعي من تحليل كميات هائلة من البيانات، وتعلم كيفية أداء مهام كانت تنجز سابقاً حصرياً من قبل البشر. وقد مثل دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي مع نماذج لغوية ضخمة لإنشاء «شات جي بي تي» في عام 2022، وتطوراته اللاحقة والخوارزميات المرتبطة به دليلاً قاطعاً على أن التعلم الآلي قادر على إنتاج تقنيات أقوى وأكثر جاذبية من روبوتات الدردشة السابقة.

التعلم الآلي بات قادراً على إنتاج تقنيات أقوى وأكثر جاذبية من روبوتات الدردشة السابقة (رويترز)

ولقد تغلغلت آثار هذه النهضة الآلية في المجتمع. فمن المساعد الصوتي المتقدم المعزّز بالذكاء الاصطناعي مثل «أليكسا»، إلى المحركات التوصية كتلك التي تستخدمها «نتفليكس» لاقتراح الفيلم الذي يجب مشاهدته تالياً بناءً على سجل مشاهداتك، والخطوات التي اتخذتها السيارات ذاتية القيادة، كلها ترمز إلى مرحلة بدائية من الذكاء الاصطناعي في القرن الحادي والعشرين.

وتُحدث نماذج «شات جي بي تي 4» و«دال-إي» وغيرها من أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية المعاصرة ثورةً في معظم قطاعات الأعمال حالياً. ولكن من المرجح أن تؤدي السنوات الخمس المقبلة من تطوير الذكاء الاصطناعي إلى تغييرات مجتمعية كبرى تتجاوز بكثير ما شهدناه حتى الآن، وفق الدكتور مايكل بينيت، من معهد الذكاء الاصطناعي التجريبي بجامعة نورث إيسترن في بوسطن، والذي رصد أبرز تأثيرات الذكاء الاصطناعي وتطوره على مستقبلنا القريب.

كيف سيتطور الذكاء الصناعي وما تأثيره على مستقبلنا؟

سرعة الحياة

التغيير الأبرز الذي سيشعر به الكثيرون في المجتمع هو زيادة وتيرة التفاعل مع المؤسسات الكبيرة. أي منظمة تتعامل بانتظام مع أعداد كبيرة من المستخدمين (شركات، وهيئات حكومية، ومنظمات غير ربحية) ستُجبَر على تطبيق الذكاء الاصطناعي في عمليات صنع القرار، وفي أنشطتها التي تتعامل مع الجمهور، والمستهلكين. وسيسمح الذكاء الاصطناعي لهذه المنظمات باتخاذ معظم القرارات بسرعة أكبر. ونتيجة لذلك، سنشعر جميعاً بتسارع الحياة.

المنظمات التي تتعامل بانتظام مع أعداد كبيرة من المستخدمين ستُجبَر على تطبيق الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

الارتقاء بمستوى الكفاءة

من شبه المؤكد أن مؤسسات الأعمال ستُجبَر على دمج واستغلال الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحسين الكفاءة، والربحية، والأهم من ذلك الكفاءة. إن واجب الشركات في زيادة قيمة حقوق المساهمين، وخوفها من التخلف عن المنافسين الذين يدمجون وينشرون الذكاء الاصطناعي بشكل أكثر جرأة سيفرض حتمية لا تُقاوم: تبني الذكاء الاصطناعي بشكل كامل، وإلا سيتراجع مستثمروك، بينما يتقدم أقرانهم.

نهاية الخصوصية

سيشهد المجتمع أيضاً اختباراً لالتزاماته الأخلاقية من خلال أنظمة الذكاء الاصطناعي القوية، وخاصةً الخصوصية. من المرجح أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر درايةً بكل فرد منا مما نعرفه نحن عن أنفسنا. لقد خضع التزامنا بحماية الخصوصية لاختباراتٍ قاسيةٍ على مدار الخمسين عاماً الماضية من خلال التقنيات الناشئة. ومع انخفاض تكلفة التعمق في بياناتنا الشخصية، وانتشار خوارزميات أكثر قوة قادرة على تقييم كميات هائلة من البيانات، سنجد على الأرجح أن ما دفع المجتمع إلى ترسيخ الخصوصية كان عائقاً تكنولوجياً أكثر منه التزاماً أخلاقياً.

من المرجح أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر درايةً بكل فرد منا مما نعرفه نحن عن أنفسنا (أ.ف.ب)

صياغة وانتشار قوانين الذكاء الاصطناعي

متوقع أيضاً أن تُصبح البيئة التنظيمية أكثر تعقيداً بالنسبة للمنظمات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي. في الوقت الحالي، تسعى الحكومات على جميع المستويات إلى تنظيم نشر الذكاء الاصطناعي. ففي الولايات المتحدة وحدها يُتوقع تشكيل «غابة كثيفة من قوانين الذكاء الاصطناعي»، حيث تقوم وحدات الحكومة المحلية والفيدرالية بصياغة قوانين جديدة للذكاء الاصطناعي، والبدء في تطبيقها. ومن شبه المؤكد أن الاتحاد الأوروبي -وغيره- سيطبق لوائحه التنظيمية الخاصة بالذكاء الاصطناعي. ونتيجة لذلك، سيزداد التعقيد القانوني لممارسة الأعمال التجارية بشكل كبير في السنوات الخمس المقبلة.

التأثير على تغير المناخ

من المتوقع أن يُحدث الذكاء الاصطناعي تأثيراً كبيراً وعلى نطاق واسع على الاستدامة، وتغير المناخ، والقضايا البيئية. يرى المتفائلون أن الذكاء الاصطناعي وسيلةٌ لزيادة كفاءة سلاسل التوريد من خلال إجراء الصيانة التنبئية، وإجراءات أخرى للحد من انبعاثات الكربون. في الوقت نفسه، قد يُعتبر الذكاء الاصطناعي سبباً رئيساً في تغير المناخ. فالطاقة والموارد اللازمة لإنشاء نماذج الذكاء الاصطناعي وصيانتها قد تزيد انبعاثات الكربون بنسبة تصل إلى 80 في المائة، مما يُوجه ضربةً قاصمة لأي جهود استدامة في مجال التكنولوجيا.

ما مخاطر الذكاء الاصطناعي على المدى البعيد؟

لطالما سادت فكرة أن الذكاء الاصطناعي يُشكل خطراً وجودياً على البشر منذ زمنٍ طويلٍ. ولكن في العامين الماضيين، ومع تحول الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى موضوعٍ ساخنٍ للنقاش العام، اتخذ الخوف من الذكاء الاصطناعي أبعاداً جديدة.

اتخذ الخوف من الذكاء الاصطناعي أبعاداً جديدة مع قلق الكثيرين من فقدان المجتمعات البشرية السيطرة على الأنظمة التي ستدار بهذه الآلية المتطورة (رويترز)

يمكن القول إن الشكل الأكثر واقعيةً لهذا القلق من الذكاء الاصطناعي هو الخوف من فقدان المجتمعات البشرية السيطرة على الأنظمة التي ستدار بهذه الآلية المتطورة. ونشهد بالفعل حدوث هذا طوعاً في حالات مثل «التداول الخوارزمي»، وهي طريقة للتداول في الأسواق المالية. والهدف الأساسي من ذلك هو استغلال قدرات العقول الاصطناعية للعمل بسرعاتٍ تفوق سرعة العقول البشرية.

ويعد الخطر الأكثر ترجيحاً على المدى الطويل هو «الفرص الضائعة». فإذا استمر القلق من استبدال الذكاء الاصطناعي بالبشر بما يؤدي إلى الاستثمار بشكل أقل في هذه التكنولوجيا بناءً على هذه المخاوف، فإن المجتمعات البشرية سوف تفقد مكاسب كبيرة في الكفاءة، والابتكارات المحتملة التي تنبع من العمل الجماعي بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، وربما حتى أشكال جديدة من الابتكار التكنولوجي، وإنتاج المعرفة العلمية، وغيرها من أساليب الابتكار المجتمعي التي يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي القوية تحفيزها بشكل غير مباشر.

هل سيكون الذكاء الاصطناعي شريكاً للإنسان أم منافساً له؟

من المتوقع أن تستخدم الشركات والحكومات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الذكاء، والخبرة البشرية، أو كشريك لإنسان واحد أو أكثر يعملون على تحقيق هدف، بدلاً من استخدامه لاستبدال العمالة البشرية.


مقالات ذات صلة

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

الاقتصاد «رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

انطلقت السعودية في مسار التحوُّل الرقمي والاقتصاد المعرفي، مستندةً إلى بنية تحتية رقمية مُتقدِّمة وبناء معرفي تراكم عبر سنوات طويلة، ما عزز قدرتها على المنافسة.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد زوار في جناح «هواوي» خلال مؤتمر التكنولوجيا بالصين - 26 يوليو 2025 (رويترز)

أميركا لتوسيع الحرب التكنولوجية على الصين

أمرت وزارة الخارجية الأميركية بحملة عالمية لتسليط الضوء على محاولات لشركات صينية؛ مثل «ديب سيك» للذكاء الاصطناعي، لسرقة حقوق الملكية الفكرية الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شاشات تعرض مؤشرات الأسهم داخل قاعة بورصة نيويورك (رويترز)

تدفقات صناديق الأسهم العالمية تقفز إلى أعلى مستوى في 17 شهراً

ارتفعت التدفقات الأسبوعية إلى صناديق الأسهم العالمية إلى أعلى مستوياتها في أكثر من 17 شهراً خلال الأسبوع المنتهي في 22 أبريل.

«الشرق الأوسط» (لندن - نيويورك)
الاقتصاد شعار شركة «ديب سيك» الصينية في معرض بمدينة شنغهاي العام الماضي (أ.ف.ب)

«ديب سيك» الصينية تستعرض نموذجاً جديداً مُعدّلاً لتقنية رقائق «هواوي»

أطلقت شركة «ديب سيك» الصينية عرضاً أولياً لنموذجها الجديد المنتظر والمُعدّل لتقنية رقائق «هواوي»، مما يؤكد تفوق الصين المتنامي في هذا القطاع. 

«الشرق الأوسط» (بكين)
تكنولوجيا مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا (الولايات المتحدة))

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
TT

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

في «غوغل كلاود نكست 2026» في لاس فيغاس، لم يكن حديث ساندرا جويس، نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intelligence)، مجرد إضافة تقنية ضمن زخم الذكاء الاصطناعي الذي طغى على المؤتمر، بل قدّم قراءة أكثر هدوءاً وانضباطاً لمشهد التهديدات السيبرانية في لحظة إقليمية ودولية حساسة.

وخلال الجلسة، سألت «الشرق الأوسط» عمّا إذا كانت التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين قد انعكست على نمط الهجمات السيبرانية، وما إذا كانت «غوغل كلاود» قد رصدت تحولاً موازياً في مستوى النشاط أو طبيعته. غير أن رد ساندرا جويس جاء على خلاف ما قد يتوقعه كثيرون قائلة إن فريقها «لم يرَ في الواقع ارتفاعاً كبيراً في النشاط السيبراني» خلال تلك الفترة، مضيفة أن ما جرى، باستثناء بعض الوقائع التي ظهرت علناً، لم يصل إلى مستوى تصعيد واسع، بل إنهم «شهدوا هدوءاً، ثم عادت المستويات تقريباً إلى ما كانت عليه سابقاً»، بخلاف ما حدث مع بداية التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تبتعد عن المبالغة، وتقدم صورة أكثر توازناً؛ فالتوترات الجيوسياسية لا تنعكس بالضرورة، وبصورة فورية، في موجة سيبرانية واسعة ومرئية. لكن ذلك، في حديث ساندرا جويس، لا يعني أن الخطر تراجع أو أن البيئة أصبحت أكثر أماناً.

ساندرا جويس نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intellegence) (غوغل)

استعداد قبل الانفجار

وعندما سُئلت عن تفسير هذا الهدوء النسبي، لم تربطه ساندرا جويس بضعف في قدرات الجهات المهاجمة أو بانحسار التهديد، بل أشارت إلى احتمالات أكثر تعقيداً؛ إذ ربما تكون هذه القدرات موزعة بشكل لامركزي، بحيث لا يؤدي استهداف موقع معين إلى تعطيلها، وربما لم يصدر القرار باستخدامها على نطاق أوسع، وربما كانت هناك اعتبارات ردع قائمة.

وفي المقابل، شرحت كيف تتعامل «غوغل كلاود» مع مثل هذه اللحظات عبر ما وصفته بآلية التعامل مع «الأحداث الكبرى»، حيث يجري العمل السريع بهدف التحرك قبل اتساع الأثر، من خلال توفير مؤشرات مبكرة عمّا قد يحدث، ثم التمييز بعد ذلك بين الضجيج والحقيقة، وبين التصورات والوقائع، حتى تتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات عملية تستند إلى سياق واضح. وبذلك، لا يعود دور استخبارات التهديدات مقتصراً على الإبلاغ عمّا حدث، بل يمتد إلى مساعدة المؤسسات على معرفة ما ينبغي فعله بعد ذلك.

«غوغل كلاود»: أول اختبار حقيقي لمرونة المؤسسات اليوم يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية لا من الشعارات العامة حول الصمود (شاترستوك)

اختبار المرونة الحقيقي

وفي محور آخر، انتقل النقاش مع «الشرق الأوسط» إلى معنى «المرونة» أو «الصمود» داخل المؤسسات، ليس فقط من زاوية حماية المعلومات، بل أيضاً من زاوية الحفاظ على استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة. وجاء جواب جويس مباشراً، مشيرة إلى أن أول ما تنظر إليه اليوم، بخلاف ما كانت قد تقوله قبل ثلاث سنوات، هو برامج إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المهاجمين سرعة ونطاقاً وقدرة على إحداث أثر واسع «بشكل لم نره من قبل».

وتنقل هذه النقطة النقاش من المفهوم العام للمرونة إلى مستوى أكثر دقة وواقعية. فساندرا جويس لا تتحدث عن الصمود بوصفه مجرد خطة استجابة أو قدرة على استعادة الأنظمة بعد الهجوم، بل بوصفه قدرة استباقية على سد الثغرات قبل أن تتحول إلى منفذ لهجمات أسرع وأكثر تعقيداً. ووفق شرحها، فإن المؤسسات في 2026 تحتاج إلى التفكير في أدوات ذكاء اصطناعي تمتلك «السرعة والحجم والقدرة المتقدمة»، ويمكن أن تتجه إلى أي ثغرة في الشبكة، حتى تلك التي قد تكون المؤسسة قد صنّفتها سابقاً على أنها ثانوية أو منخفضة الأولوية. والأسوأ من ذلك، كما أوضحت، أن هذه الأدوات لا تكتفي باستغلال ثغرة واحدة، بل يمكن أن تربط بين نقاط ضعف مختلفة لتكوين مسار اختراق جديد وأكثر فاعلية.

«رذاذ قبل العاصفة»

وعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت ترى بالفعل تصاعداً واسعاً في الهجمات التي تستخدم قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، لم تقل إن هذه الموجة بلغت ذروتها، لكنها وصفت ما نراه اليوم بأنه أشبه «برذاذ يسبق العاصفة». وقالت بوضوح إن الاعتقاد بأن هذا الوضع سيبقى هادئاً سيكون افتراضاً خاطئاً، لأن المؤشرات تتزايد، والقدرات تتطور، ونقطة التحول تقترب.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في حديثها؛ حيث إن العالم لم يدخل بعد مرحلة انفجار شامل في هذا النوع من الهجمات، لكنه يقترب منها بما يكفي لكي يصبح التأجيل خطأ مكلفاً. ومن هذا المنطلق، بدا حديثها أقرب إلى دعوة للاستعداد المبكر منه إلى تحذير من واقع وقع بالكامل.

المرونة السيبرانية في 2026 لم تعد تعني حماية البيانات فقط بل حماية استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة أيضاً (شاترستوك)

من الرصد إلى الفعل

وفي جزء آخر من الجلسة، شرحت ساندرا جويس أن فريقها لا يقتصر دوره على مراقبة التهديدات وبناء صورة عامة عنها، بل يضم أيضاً، منذ العام الماضي، وحدة تعطيل تقود عمليات تستند إلى الاستخبارات. ووفق شرحها، تراوحت هذه العمليات بين إسقاط شبكات وكلاء سكنية بالتعاون مع الفريق القانوني، وتعطيل شبكات تجسس. والمعنى هنا أن قيمة استخبارات التهديدات لم تعد تقف عند حدود الفهم والتحليل، بل باتت تشمل استخدام هذه المعرفة نفسها لتقليص قدرة الخصوم على العمل قبل أن يتحول الخطر إلى حادث واسع.

وفي الوقت نفسه، حرصت جويس على عدم المبالغة في تصوير المشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من الاختراقات التي لا تزال الفرق تتعامل معها اليوم تعتمد على أساليب تقليدية معروفة. لكنها حذرت من أن ذلك لا ينبغي أن يبعث على الاطمئنان، لأن ما تراه فرقها هو تسارع الابتكار لدى جهات التهديد، بما يعني أن نقطة التحول تقترب. ووصفت هذا الوضع بأنه «فرصة للتحرك الآن»، لا سبباً لتأجيل الاستعداد.

وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن التهديد لا يكمن فقط في ظهور أدوات جديدة، بل في كيفية تطوير الأساليب القائمة ورفع كفاءتها وتوسيع أثرها. لذلك، فإن الاعتماد على أن المهاجمين سيظلون يستخدمون الأدوات والأساليب نفسها سيكون رهاناً خاطئاً.

تقول «غوغل كلاود» إن هذا الهدوء النسبي لا يعني تراجع الخطر لأن جهات التهديد قد تكون تعمل بقدرات موزعة أو تنتظر ظروفاً مختلفة للتصعيد (رويترز)

اتساع رقعة الاستهداف

كشفت الجلسة أيضاً عن أثر آخر للذكاء الاصطناعي في المشهد الأمني، وهو اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً. فعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت الحواجز اللغوية التي كانت تحدّ سابقاً من استهداف بعض الأسواق قد تراجعت، أجابت بأن ذلك يحدث بالفعل، مشيرة إلى زيادة واضحة في استهداف أسواق غير ناطقة بالإنجليزية، وذكرت على وجه الخصوص ألمانيا التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل أيضاً في قلب ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وتحمل هذه الإشارة دلالة أوسع؛ الذكاء الاصطناعي لا يوسّع فقط قدرة المهاجمين على تطوير الأدوات، بل يوسّع أيضاً نطاق الأسواق والقطاعات التي يمكن استهدافها بكفاءة أكبر.

حاولت ساندرا جويس، خلال الجلسة، ترسيخ فكرة أن المرونة لم تعد كلمة مطمئنة في عروض الشركات، بل أصبحت اختباراً يومياً يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات، ويمر عبر فهم التهديدات قبل انفجارها، وينتهي بقدرة المؤسسة على التمييز بين الضجيج والحقيقة، والتصرف بسرعة وثقة. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أنه في 2026، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها «مرنة»؛ عليها أن تثبت أنها قادرة على إغلاق الفجوات قبل أن تتحول، بسرعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إلى نقطة انهيار.


زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.