ما مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

سيكون سبباً في تسارع وتيرة الحياة ونهاية الخصوصية خلال 5 سنوات

تعلم الذكاء الاصطناعي كيفية أداء مهام كان البشر ينجزونها حصرياً (أ.ف.ب)
تعلم الذكاء الاصطناعي كيفية أداء مهام كان البشر ينجزونها حصرياً (أ.ف.ب)
TT

ما مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

تعلم الذكاء الاصطناعي كيفية أداء مهام كان البشر ينجزونها حصرياً (أ.ف.ب)
تعلم الذكاء الاصطناعي كيفية أداء مهام كان البشر ينجزونها حصرياً (أ.ف.ب)

خلال النصف الأول من القرن العشرين اقتصر مفهوم الذكاء الاصطناعي على محبي الخيال العلمي. في الأدب والسينما، كانت الروبوتات والآلات الواعية وغيرها من أشكال الذكاء الاصطناعي محور العديد من أعمال الخيال العلمي الفنية الناجحة. لكن في النصف الثاني من القرن الماضي، بدأ العلماء والتقنيون محاولات جادة لتحقيق الذكاء الاصطناعي، لكن ما وصلنا إليه الآن بالفعل على أرض الواقع يمكن اعتباره أكبر من أي شيء تصور الباحثون ابتكاره.

أين وصل الآن تطور القدرة الحاسوبية والذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لقد مكّن عصر البيانات الضخمة والنمو الهائل في القدرة الحاسوبية الذكاء الاصطناعي من تحليل كميات هائلة من البيانات، وتعلم كيفية أداء مهام كانت تنجز سابقاً حصرياً من قبل البشر. وقد مثل دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي مع نماذج لغوية ضخمة لإنشاء «شات جي بي تي» في عام 2022، وتطوراته اللاحقة والخوارزميات المرتبطة به دليلاً قاطعاً على أن التعلم الآلي قادر على إنتاج تقنيات أقوى وأكثر جاذبية من روبوتات الدردشة السابقة.

التعلم الآلي بات قادراً على إنتاج تقنيات أقوى وأكثر جاذبية من روبوتات الدردشة السابقة (رويترز)

ولقد تغلغلت آثار هذه النهضة الآلية في المجتمع. فمن المساعد الصوتي المتقدم المعزّز بالذكاء الاصطناعي مثل «أليكسا»، إلى المحركات التوصية كتلك التي تستخدمها «نتفليكس» لاقتراح الفيلم الذي يجب مشاهدته تالياً بناءً على سجل مشاهداتك، والخطوات التي اتخذتها السيارات ذاتية القيادة، كلها ترمز إلى مرحلة بدائية من الذكاء الاصطناعي في القرن الحادي والعشرين.

وتُحدث نماذج «شات جي بي تي 4» و«دال-إي» وغيرها من أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية المعاصرة ثورةً في معظم قطاعات الأعمال حالياً. ولكن من المرجح أن تؤدي السنوات الخمس المقبلة من تطوير الذكاء الاصطناعي إلى تغييرات مجتمعية كبرى تتجاوز بكثير ما شهدناه حتى الآن، وفق الدكتور مايكل بينيت، من معهد الذكاء الاصطناعي التجريبي بجامعة نورث إيسترن في بوسطن، والذي رصد أبرز تأثيرات الذكاء الاصطناعي وتطوره على مستقبلنا القريب.

كيف سيتطور الذكاء الصناعي وما تأثيره على مستقبلنا؟

سرعة الحياة

التغيير الأبرز الذي سيشعر به الكثيرون في المجتمع هو زيادة وتيرة التفاعل مع المؤسسات الكبيرة. أي منظمة تتعامل بانتظام مع أعداد كبيرة من المستخدمين (شركات، وهيئات حكومية، ومنظمات غير ربحية) ستُجبَر على تطبيق الذكاء الاصطناعي في عمليات صنع القرار، وفي أنشطتها التي تتعامل مع الجمهور، والمستهلكين. وسيسمح الذكاء الاصطناعي لهذه المنظمات باتخاذ معظم القرارات بسرعة أكبر. ونتيجة لذلك، سنشعر جميعاً بتسارع الحياة.

المنظمات التي تتعامل بانتظام مع أعداد كبيرة من المستخدمين ستُجبَر على تطبيق الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

الارتقاء بمستوى الكفاءة

من شبه المؤكد أن مؤسسات الأعمال ستُجبَر على دمج واستغلال الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحسين الكفاءة، والربحية، والأهم من ذلك الكفاءة. إن واجب الشركات في زيادة قيمة حقوق المساهمين، وخوفها من التخلف عن المنافسين الذين يدمجون وينشرون الذكاء الاصطناعي بشكل أكثر جرأة سيفرض حتمية لا تُقاوم: تبني الذكاء الاصطناعي بشكل كامل، وإلا سيتراجع مستثمروك، بينما يتقدم أقرانهم.

نهاية الخصوصية

سيشهد المجتمع أيضاً اختباراً لالتزاماته الأخلاقية من خلال أنظمة الذكاء الاصطناعي القوية، وخاصةً الخصوصية. من المرجح أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر درايةً بكل فرد منا مما نعرفه نحن عن أنفسنا. لقد خضع التزامنا بحماية الخصوصية لاختباراتٍ قاسيةٍ على مدار الخمسين عاماً الماضية من خلال التقنيات الناشئة. ومع انخفاض تكلفة التعمق في بياناتنا الشخصية، وانتشار خوارزميات أكثر قوة قادرة على تقييم كميات هائلة من البيانات، سنجد على الأرجح أن ما دفع المجتمع إلى ترسيخ الخصوصية كان عائقاً تكنولوجياً أكثر منه التزاماً أخلاقياً.

من المرجح أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر درايةً بكل فرد منا مما نعرفه نحن عن أنفسنا (أ.ف.ب)

صياغة وانتشار قوانين الذكاء الاصطناعي

متوقع أيضاً أن تُصبح البيئة التنظيمية أكثر تعقيداً بالنسبة للمنظمات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي. في الوقت الحالي، تسعى الحكومات على جميع المستويات إلى تنظيم نشر الذكاء الاصطناعي. ففي الولايات المتحدة وحدها يُتوقع تشكيل «غابة كثيفة من قوانين الذكاء الاصطناعي»، حيث تقوم وحدات الحكومة المحلية والفيدرالية بصياغة قوانين جديدة للذكاء الاصطناعي، والبدء في تطبيقها. ومن شبه المؤكد أن الاتحاد الأوروبي -وغيره- سيطبق لوائحه التنظيمية الخاصة بالذكاء الاصطناعي. ونتيجة لذلك، سيزداد التعقيد القانوني لممارسة الأعمال التجارية بشكل كبير في السنوات الخمس المقبلة.

التأثير على تغير المناخ

من المتوقع أن يُحدث الذكاء الاصطناعي تأثيراً كبيراً وعلى نطاق واسع على الاستدامة، وتغير المناخ، والقضايا البيئية. يرى المتفائلون أن الذكاء الاصطناعي وسيلةٌ لزيادة كفاءة سلاسل التوريد من خلال إجراء الصيانة التنبئية، وإجراءات أخرى للحد من انبعاثات الكربون. في الوقت نفسه، قد يُعتبر الذكاء الاصطناعي سبباً رئيساً في تغير المناخ. فالطاقة والموارد اللازمة لإنشاء نماذج الذكاء الاصطناعي وصيانتها قد تزيد انبعاثات الكربون بنسبة تصل إلى 80 في المائة، مما يُوجه ضربةً قاصمة لأي جهود استدامة في مجال التكنولوجيا.

ما مخاطر الذكاء الاصطناعي على المدى البعيد؟

لطالما سادت فكرة أن الذكاء الاصطناعي يُشكل خطراً وجودياً على البشر منذ زمنٍ طويلٍ. ولكن في العامين الماضيين، ومع تحول الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى موضوعٍ ساخنٍ للنقاش العام، اتخذ الخوف من الذكاء الاصطناعي أبعاداً جديدة.

اتخذ الخوف من الذكاء الاصطناعي أبعاداً جديدة مع قلق الكثيرين من فقدان المجتمعات البشرية السيطرة على الأنظمة التي ستدار بهذه الآلية المتطورة (رويترز)

يمكن القول إن الشكل الأكثر واقعيةً لهذا القلق من الذكاء الاصطناعي هو الخوف من فقدان المجتمعات البشرية السيطرة على الأنظمة التي ستدار بهذه الآلية المتطورة. ونشهد بالفعل حدوث هذا طوعاً في حالات مثل «التداول الخوارزمي»، وهي طريقة للتداول في الأسواق المالية. والهدف الأساسي من ذلك هو استغلال قدرات العقول الاصطناعية للعمل بسرعاتٍ تفوق سرعة العقول البشرية.

ويعد الخطر الأكثر ترجيحاً على المدى الطويل هو «الفرص الضائعة». فإذا استمر القلق من استبدال الذكاء الاصطناعي بالبشر بما يؤدي إلى الاستثمار بشكل أقل في هذه التكنولوجيا بناءً على هذه المخاوف، فإن المجتمعات البشرية سوف تفقد مكاسب كبيرة في الكفاءة، والابتكارات المحتملة التي تنبع من العمل الجماعي بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، وربما حتى أشكال جديدة من الابتكار التكنولوجي، وإنتاج المعرفة العلمية، وغيرها من أساليب الابتكار المجتمعي التي يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي القوية تحفيزها بشكل غير مباشر.

هل سيكون الذكاء الاصطناعي شريكاً للإنسان أم منافساً له؟

من المتوقع أن تستخدم الشركات والحكومات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الذكاء، والخبرة البشرية، أو كشريك لإنسان واحد أو أكثر يعملون على تحقيق هدف، بدلاً من استخدامه لاستبدال العمالة البشرية.


مقالات ذات صلة

الطاقة والمياه... عقبتان أمام حلم كوريا الجنوبية في قيادة صناعة الرقائق

تحليل إخباري رقاقة أشباه موصلات معروضة في جناح شركة «إس كيه هاينكس» الكورية (رويترز)

الطاقة والمياه... عقبتان أمام حلم كوريا الجنوبية في قيادة صناعة الرقائق

تسعى كوريا الجنوبية إلى بناء أحد أكبر مراكز تصنيع أشباه الموصلات في العالم خارج العاصمة سيول، في إطار استراتيجية تستهدف ترسيخ مكانتها في سباق الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (سيول)
تكنولوجيا «كيمي كيه - 3» الصيني: هل يهدد تفوق الولايات المتحدة كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي؟

«كيمي كيه - 3» الصيني: هل يهدد تفوق الولايات المتحدة كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي؟

الصين تصدر نسخاً مجانية تحاكي التقنيات الأميركية الرائدة بفارق زمني قد لا يتعدى بضعة أسابيع

كريس ستوكل - والكر (واشنطن)
الاقتصاد شعار شركة «تي إس إم سي» داخل متحف للابتكار في هسينتشو بتايوان (رويترز)

«تي إس إم سي» تخطط لرفع أسعار صناعة الرقائق حتى 10 في المائة بحلول 2027

تعتزم شركةُ «تي إس إم سي (TSMC)»؛ أضخمُ صانع رقائق إلكترونية بموجب عقود في العالم، زيادةَ أسعار تصنيع الرقائق بنسب تصل إلى 10 في المائة بدءاً من عام 2027...

«الشرق الأوسط» (تايبيه)
علوم الذكاء الاصطناعي يستبق المضاعفات قبل الجراحة

قبل أن تبدأ الجراحة... هل يتنبأ الذكاء الاصطناعي بالمضاعفات قبل وقوعها؟

استباق التأثيرات السيئة المحتملة أصبح أحد أسرع تطبيقات الذكاء الاصطناعي المطورة في الطب

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
الاقتصاد شاشات تعرض مؤشر «كوسبي» وسعر صرف العملات الأجنبية بين الدولار والوون الكوري الجنوبي في غرفة تداول بنك هانا بسيول (أ.ب)

الأسهم الكورية الجنوبية ترتد بعد موجة بيع حادة بدعم أسهم الرقائق

ارتفعت الأسهم الكورية الجنوبية، الثلاثاء، بعد موجة خسائر استمرت جلستين، مدعومة بمكاسب أسهم شركات صناعة الرقائق الإلكترونية.

«الشرق الأوسط» (سيول)