أميركا تفرض قيوداً جديدة على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي

تهدف للحفاظ على هيمنتها على القطاع وحرمان دول منافسة من الوصول إليه

الإدارة الأميركية تعتزم فرض قيود على تصدير التكنولوجيا المتعلقة بالذكاء الاصطناعي (رويترز)
الإدارة الأميركية تعتزم فرض قيود على تصدير التكنولوجيا المتعلقة بالذكاء الاصطناعي (رويترز)
TT

أميركا تفرض قيوداً جديدة على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي

الإدارة الأميركية تعتزم فرض قيود على تصدير التكنولوجيا المتعلقة بالذكاء الاصطناعي (رويترز)
الإدارة الأميركية تعتزم فرض قيود على تصدير التكنولوجيا المتعلقة بالذكاء الاصطناعي (رويترز)

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي جو بادين، الاثنين، عزمها فرض مزيد من القيود على تكنولوجيا رقائق الذكاء الاصطناعي وتقنياتها بغرض ضمان الحفاظ على الهيمنة في مجال الحوسبة للولايات المتحدة وحلفائها مع إيجاد المزيد من السبل لحرمان الصين من الوصول إليها.

الرئيس الأميركي جو بايدن يتجه لفرض قيود على تصدير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي قبل أسبوع من رحيل إدارته (أ.ب)

وأقرَّ البيت الأبيض أن الصين تمكّنت من التحايل على العقوبات الأميركية السابقة التي فرضتها إدارة بايدن وكانت تهدف إلى منع تطويرها تقنيات الذكاء الاصطناعي، من خلال الحصول على الرقائق الأميركية وغيرها من التكنولوجيا بشكل غير مباشر عبر دول أخرى.

وتضع اللوائح الجديدة حداً أقصى لعدد رقائق الذكاء الاصطناعي التي يمكن تصديرها إلى معظم البلدان وتسمح بالوصول غير المحدود إلى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الأميركية لأقرب حلفاء واشنطن، مع الإبقاء أيضاً على حظر الصادرات إلى الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية.

وتتجاوز التدابير الجديدة المُسهبة التي تم الكشف عنها في الأيام الأخيرة لإدارة الرئيس المنتهية ولايته جو بايدن، مجرد فرض قيود على الصين، وتهدف إلى مساعدة الولايات المتحدة في الحفاظ على مكانتها المهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال التحكم فيه حول العالم.

وزيرة التجارة الأميركية جينا ريموندو (أ.ب)

وقالت وزيرة التجارة الأميركية جينا رايموندو إن «الولايات المتحدة تتصدر قطاع الذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن، سواء فيما يتعلق بتطوير الذكاء الاصطناعي أو تصميم شرائح الذكاء الاصطناعي، ومن الأهمية بمكان أن نحافظ على هذا الأمر».

وتأتي اللوائح تتويجاً لجهود إدارة بايدن على مدار أربع سنوات لوضع قيود على حصول الصين على الرقائق المتقدمة التي يمكن أن تعزّز قدراتها العسكرية والسعي إلى الحفاظ على الهيمنة الأميركية في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال سد المنافذ وإضافة قيود جديدة للسيطرة على تدفق الرقائق والتطوير العالمي للذكاء الاصطناعي.

إدارة ترمب قد تراجع القيود

ورغم أنه من غير الواضح كيف ستنفذ إدارة الرئيس المنتخب دونالد ترمب القواعد الجديدة، فإن الإدارتين تشتركان في وجهات النظر بشأن التهديد الذي تمثله المنافسة مع الصين. ومن المقرر أن تدخل اللوائح حيز التنفيذ بعد 120 يوماً من النشر؛ مما يمنح إدارة ترمب وقتاً لإعادة تقييمها.

وستُفرض قيود جديدة على وحدات معالجة الرسومات المتقدمة التي تُستخدم لتشغيل مراكز البيانات اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. وتنتج معظمها شركة «إنفيديا» ومقرّها سانتا كلارا بكاليفورنيا، بينما تبيع «أدفانسد مايكرو ديفايسيز» أيضاً شرائح الذكاء الاصطناعي.

وسيكون بمقدور الشركات الكبرى المتخصصة في تقديم خدمات الحوسبة السحابية، مثل «مايكروسوفت» و«غوغل» و«أمازون»، الحصول على تراخيص عالمية لبناء مراكز بيانات، وهو جزء مهم من القواعد الجديدة التي ستعفي مشاريعها من حصص رقائق الذكاء الاصطناعي المخصصة للدول.

وللحصول على تصاريح الموافقة، يتعين على الشركات المصرَّح لها الالتزام بشروط وقيود صارمة، بما في ذلك متطلبات الأمان ومتطلبات تقديم التقارير، وأن يكون لديها خطة أو سجل حافل من احترام حقوق الإنسان.

وحتى الآن، فرضت إدارة بايدن قيوداً واسعة على وصول الصين إلى الرقائق المتقدمة والمعدات اللازمة لإنتاجها، وتصدر سنوياً تحديثاً للضوابط لتشديد القيود وتحديد الدول التي من المحتمل أن تقوم بنقل التكنولوجيا إلى بكين.

«إنفيديا» تخشى «المغالاة»

وبالنظر إلى أن القواعد تغير المشهد بالنسبة لشرائح الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات في مختلف أنحاء العالم، فقد انتقدت أصوات قوية في القطاع الخطة حتى قبل نشرها.

ووصفت «إنفيديا»، الاثنين، الضوابط بأنها «مغالاة واسعة»، وحذَّرت من أن البيت الأبيض سيفرض قيوداً صارمة على «التكنولوجيا المتاحة بالفعل في أجهزة الكمبيوتر المخصصة للألعاب والأجهزة الاستهلاكية». وزعمت «أوراكل» المزودة لمراكز البيانات في وقت سابق من هذا الشهر أن القواعد ستضع «معظم سوق الذكاء الاصطناعي ووحدات معالجة الرسومات العالمية في يد منافسينا الصينيين».

وتقسم اللوائح العالم ثلاثة مستويات. وسيتم إعفاء نحو 18 دولة، من بينها اليابان وبريطانيا وكوريا الجنوبية وهولندا، من القواعد برمتها. وسوف يكون لنحو 120 دولة أخرى، من سنغافورة وإسرائيل والسعودية والإمارات، قيود خاصة بكل دولة، في حين سيتم منع الدول الخاضعة لحظر أسلحة مثل روسيا والصين وإيران من تلقي التكنولوجيا تماماً.

مخاوف من هجمات إلكترونية

ويمكن أن تتسع استخدامات الذكاء الاصطناعي لتصل بشكل أكبر إلى الرعاية الصحية والتعليم والغذاء وغير ذلك، لكنها يمكن أيضاً أن تساعد في تطوير الأسلحة البيولوجية وغيرها والمساعدة في شن هجمات إلكترونية ودعم أنشطة التجسس،

حذَّرت رايموندو من إمكانية استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تصنعها الولايات المتحدة من جانب دول منافسة في عمليات محاكاة نووية، وتطوير الأسلحة البيولوجية، وتعزيز الجيوش. وأضافت أن إدارة بايدن تريد، من خلال هذه الإجراءات الجديدة، ضمان عدم تمكن معارضي الولايات المتحدة من وضع أيديهم على هذه التقنيات والانخراط في أنشطة تشكل خطراً على الأمن القومي الأميركي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة مثل تطوير الأسلحة الكيماوية والبيولوجية ودعم الهجمات السيبرانية والمساعدة في مزيد من انتهاكات حقوق الإنسان، مثل المراقبة الجماعية للمعارضين السياسيين.

وقال جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي للصحافيين: «هناك الكثير من مطوّري الذكاء الاصطناعي الرائدين الذين يتوقعون أن قدرات الذكاء الاصطناعي ستتجاوز القدرات البشرية في مجالات من الفيزياء إلى البيولوجيا إلى الهندسة الكهربائية في المستقبل القريب جداً، وهذا له آثار اقتصادية وتكنولوجية، لكن له أيضاً آثاراً عميقة على الأمن القومي؛ لذا لدينا مسؤولية أمنية وطنية للقيام بأمرين، أولاً، الحفاظ على وحماية وتوسيع زعامة الذكاء الاصطناعي الأميركية، خصوصاً في مواجهة المنافسين الاستراتيجيين».

انتقادات واسعة

وانتقد خبراء محاولات الولايات المتحدة إقامة حواجز قانونية لاحتكار الابتكارات في مجال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في يديها وفي يد مجموعة من الدول الحلفاء. ورأى ممثلو صناعة أشباه الموصلات القواعد الجديدة، قائلين إنها قد تعزّز في الواقع صناعة الرقائق في الصين وقدرتها التنافسية في مجال الذكاء الاصطناعي.

وقال بيتر هاريل، المسؤول الاقتصادي السابق في إدارة بايدن الذي يعمل الآن زميلاً غير مقيم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي: «هذا بالتأكيد انحراف عن الطريقة التي فكرنا بها في التكنولوجيا منذ أوائل التسعينات ونمو الإنترنت، ويشبه الطريقة التي فكرنا بها في دور التكنولوجيا خلال الحرب الباردة». كما ذكر نيد فينكل، نائب رئيس الشؤون الحكومية في «إنفيديا»، التي تهيمن على سوق وحدات معالجة الرسومات، في بيان: «ستؤثر سياسة الحد الأقصى للدول المتطرفة على أجهزة الكمبيوتر السائدة في البلدان حول العالم، ولن تفعل شيئاً لتعزيز الأمن القومي بل ستدفع العالم إلى تقنيات بديلة».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد خطوط نقل طاقة تمر عبر محطة فرعية على طول شبكة الكهرباء في ميامي (أ.ف.ب)

خطة ترمب لمواجهة أزمة الطاقة: شركات الذكاء الاصطناعي «ستدفع الثمن»

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة استراتيجية تُلزم شركات التكنولوجيا الكبرى بتحمل تكاليف بناء محطات طاقة جديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق صورة تظهر شعار «غروك» (رويترز)

والدة أحد أطفال ماسك تقاضي شركته للذكاء الاصطناعي

رفعت والدة أحد أطفال إيلون ماسك دعوى قضائية ضد شركة الذكاء الاصطناعي الخاصة به.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)

«تشات جي بي تي» يستعد لعرض إعلانات بناءً على محادثات المستخدمين

قد يبدأ تطبيق الدردشة المدعم بالذكاء الاصطناعي «شات جي بي تي» قريباً بعرض إعلانات لمنتجات وخدمات يُرجّح أنها تهم المستخدمين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

الصوت يحمل بيانات شخصية حساسة تكشف الصحة والمشاعر والهوية، ومع تطور تقنيات تحليل الكلام تزداد تحديات الخصوصية والحاجة لحمايتها بوعي وتشريعات.

نسيم رمضان (لندن)

القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
TT

القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)

لا تزال مقولة الزعيم والمفكر الشيوعي الرحل ليون تروتسكي «إن لم تكن مهتماً بالحرب، فالحرب مهتمة بك»، حيّة وفعّالة في القرن الحادي والعشرين، خصوصاً أن الطبيعة البشرية لا تزال كما هي، هذا عدا ديمومة طبيعة الحرب على أنها تُخاض لأهداف سياسية. وعليه، يُمكن قول ما يلي: «إذا لم تكن مهتماً بالجيوسياسة، فالجيوسياسة مهتمة بك».

لكن للاهتمام الجيوسياسي ظروفه الموضوعية؛ وهي، أي الظروف، ليست مُستدامة في الزمان والمكان، لكنها مُتغيّرة وذلك حسب ديناميكيّة اللعبة الجيوسياسيّة التي تُنتجها تركيبة النظام العالمي القائم.

يرتكز القدر الجيوسياسي لدولة ما على الموقع الجغرافيّ، كما على الموارد الطبيعيّة، ودور هذه الموارد في إنتاج الثروة التي ستترجم إلى قوة (Power) بطبيعة الحال، على أن تستعمل هذه القوة لتحقيق الأهداف القوميّة لمن يملكها، إن كان عبر الدبلوماسية أو حتى عبر الحرب.

سوف يستمر القدر الجيوسياسي خلال عام 2026، فالجغرافيا لم تتبدّل، وديناميكيّة الصراع بين القوى العظمى لا تزال في بداياتها، خصوصاً في مجال سلاسل التوريد، والتصنيع، كما الحصول على المواد الأوليّة لصناعات القرن الحادي والعشرين (الأرض النادرة مثلاً). وعليه، سوف تظهر صورة جيوسياسية بنيوية أوليّة لتركيبة النظام العالمي المقبل وعلى 3 مستويات (3 Layers). في المستوى الأول القوى العظمى، وفي المستوى الثاني القوى الإقليمية الكبرى، أما المستوى الثالث فالدول التي يدور فيها وعليها الصراع.

ستعاني القوى من الحجم المتوسطّ (Middle Powers) من حالة اللايقين حول سلوكها في عالم متفلّت من أي ضوابط، لكنها ستعتمد السلوك التالي: تُجرّب تنفيذ الأهداف، وتنتظر ردّة فعل القوى العظمى، وعليه تُعيد حساباتها.

لكن التجربة لهذه القوى من الحجم المتوسّط سوف تكون حتماً في محيطها الجغرافي المُباشر (Near Abroad)، وستسعى هذه الدول أيضاً إلى التموضع الجيوسياسيّ، وبشكل ألا تُغضب أي قوة عظمى، كما ستلعب على تناقضات الصراع الكبير بهدف الاستفادة القصوى. إذا كانت الجغرافية قدرية، فإن القدر الجيوسياسيّ نتيجة حتميّة لهذه الجغرافيا، وإذا كانت الجغرافيا ثابتة بطبيعتها، فإن الجيوسياسة هي تلك الديناميكية، التي تخلقها ظروف معيّنة، وذلك نتيجة التحوّل في موازين القوى العالميّة، إن كان عبر الحرب، أو عبر صعود قوّة عظمى في نظام عالمي قائم، عُدّ على أنه في حالة الستاتيكو. وبذلك يمكن القول إن الديناميكيّة الجيوسياسيّة متغيّرة، في ظل ثبات القدرية الجغرافيّة.

وشكّلت اللعبة الكبرى (Great Game) في القرن التاسع عشر مثالاً حيّاً على القدر الجيوسياسيّ، ففي تلك الفترة (1830-1907)، كانت بريطانيا لا تغيب عن أراضيها الشمس. كما تشكّلت الهند جوهرة التاج للعرش البريطاني، وعندما أرادت روسيا القيصريّة التمدد في آسيا الوسطى لتحقيق أهداف كثيرة، منها الوصول إلى المياه الدافئة، وبسبب عدم الرغبة في الحرب، توصّل الطرفان في عام 1907 إلى اتفاقية أنتجت ولادة أفغانستان التي نعرفها اليوم بوصفها دولة عازلة (Buffer) - قدر أفغانستان.

وخلال الحرب الباردة، كانت باكستان من أهم الدول التي أسهمت في احتواء الاتحاد السوفياتيّ، فهي دولة على الحدود المباشرة لدول آسيا الوسطى، وهي دولة تعدّ قاعدة أميركيّة متقدّمة، يمكن منها التجسس على كل من الصين والاتحاد السوفياتي. وعندما احتلّ السوفيات أفغانستان، لعبت باكستان الدور الأهم في استنزاف الجيش السوفياتي في أفغانستان.

لكن الديناميكية الجيوسياسية تبدّلت بعد سقوط الدب الروسي. تخلّت أميركا عن باكستان، لتعود إليها بعد كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بوصفها ممراً وقاعدة انطلاق للقوات الأميركيّة إلى أفغانستان. لكن بعد اصطفاف باكستان إلى جانب الصين، خصوصاً في مشروع الرئيس الصينيّ «الحزام والطريق»، يحاول الرئيس دونالد ترمب حالياً استمالة القيادات الباكستانيّة عندما قال: «أنا أحب باكستان».

تطل الولايات المتحدة على محيطين (2-Ocean Country)، الأطلسي والهادئ، وهو ما أعطاها بحريّة قوية، وأمّن لها عازلاً جغرافياً مهماً.

إذن القدرية الجغرافيّة، تمتزج مباشرة مع القدريّة الجيوسياسيّة للعم سام.

في المقابل، تطلّ الصين على المحيط الهادئ والبحار المجاورة، غير أن حريتها البحرية تبقى محدودة بفعل الهيمنة البحرية الأميركية. وبما أن الصين تعتمد على الملاحة البحرية بأكثر من 90 في المائة من تجارتها، سواء في التصدير أو الاستيراد، فإنها تسعى حالياً إلى الالتفاف على الممرات البحرية الخانقة، مثل مضيق ملقا، عبر إنشاء طرق بديلة، بحرية وبرية، في إطار مبادرة «الحزام والطريق».

لكن السؤال يبقى في كيفيّة تجاوز عقدة مضيق ملقا؟ هنا تتدخّل القدريّة الجغرافيّة إلى جانب القدريّة الجيوسياسيّة لتكون ميانمار الخيار الصينيّ الأهم. لكن لماذا؟ يبلغ طول الحدود المشتركة بين الصين وميانمار نحو 2185 كيلومتراً. كذلك الأمر، يوجد في جنوب الصين أهم المدن الصناعية الصينيّة، مثل غوانغجو وشينزين، وكذلك مدينة كامينغ عاصمة مقاطعة يونان. وإذا ما استطاعت الصين تأمين ممرٍّ عبر ميانمار إلى المحيط الهندي، فإنها تكون قد حققت جملة من الأهداف الجيوسياسية، أبرزها: تجاوز عقدة مضيق ملقا، والالتفاف على الهيمنة البحرية الأميركية في محيطها المباشر، وتأمين خطّ بري-بحريّ يسهّل عمليتَي التصدير والاستيراد؛ حيث تدخل مباشرة إلى المحيط الهندي عبر خليج البنغال، والذي من المفترض أن يكون تحت الهيمنة الهنديّة. هي تطوّق الهند من الشرق، خصوصاً أن علاقة الهند ببنغلاديش ليست جيّدة. وأخيراً وليس آخراً، تصبح الصين دولة تطلّ بطريقة غير مباشرة على محيطين، الهادئ والهنديّ، كما حال غريمها الأساسيّ الولايات المتحدة الأميركيّة.

في الختام، يمكن القول إن عالم اليوم يعيش حالة اللاتوازن، وذلك في ظل غياب الشرطي العالمي، وتراجع دور المنظمات الدوليّة. وعليه، بدأ تشكّل ديناميكيّات جيوسياسيّة جديدة وسريعة. ألا يمكن تصنيف الاعتراف الإسرائيلي مؤخراً بدولة أرض الصومال من ضمن هذه الديناميكيّات؟


وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
TT

وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، اليوم الأحد، إن الرئيس دونالد ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند، مؤكداً: «وسنظل جزءاً من حلف (الناتو)».

وأضاف بيسنت، لموقع «إن بي سي»، «غرينلاند ضرورية للأمن القومي الأميركي، ويجب أن نسيطر عليها».

وأشار وزير الخزانة الأميركي إلى أن الاتفاق التجاري مع الاتحاد الأوروبي لم يدخل حيز التنفيذ، مضيفاً: «وترمب لديه صلاحيات (طارئة) لفرض رسوم جمركية».

وتعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.


ثماني دول أوروبية تدعم غرينلاند والدنمارك بعد تهديدات ترمب

جنود دنماركيون يسيرون أمام مقر «القيادة المشتركة للقطب الشمالي» في نوك بغرينلاند (رويترز)
جنود دنماركيون يسيرون أمام مقر «القيادة المشتركة للقطب الشمالي» في نوك بغرينلاند (رويترز)
TT

ثماني دول أوروبية تدعم غرينلاند والدنمارك بعد تهديدات ترمب

جنود دنماركيون يسيرون أمام مقر «القيادة المشتركة للقطب الشمالي» في نوك بغرينلاند (رويترز)
جنود دنماركيون يسيرون أمام مقر «القيادة المشتركة للقطب الشمالي» في نوك بغرينلاند (رويترز)

عبرت ثماني ​دول أوروبية في بيان مشترك، اليوم الأحد، عن تضامنها مع مملكة ‌الدنمارك وشعب ‌غرينلاند ‌في ⁠أعقاب ​تهديد ‌الرئيس الأميركي دونالد ترمب بضم الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي.

وقالت كل من ⁠الدنمارك وفنلندا ‌وفرنسا وألمانيا ‍وهولندا والنرويج والسويد ‍وبريطانيا في البيان: «بصفتنا أعضاء في حلف شمال الأطلسي، ​نحن ملتزمون بتعزيز أمن القطب ⁠الشمالي باعتباره مصلحة مشتركة عبر الأطلسي». وجاء في البيان أن «التهديد بالرسوم الجمركية يقوض العلاقات عبر الأطلسي وينذر بانحدار ‌خطير».

وأثارت تصريحات الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية جديدة على أعضاء أوروبيين في «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» لحين موافقتهم على بيع غرينلاند للولايات المتحدة، قلقاً واستنكاراً من قبل بعض الدول الأوروبية.

ويجتمع الأحد ممثلو الدول في جلسة خاصة لمناقشة الأحداث الأخيرة. وقالت قبرص، التي تتولى الرئاسة الدورية لـ«الاتحاد الأوروبي» لمدة 6 أشهر، في وقت متأخر من السبت، إن سفراء الدول استُدعوا لعقد اجتماع استثنائي بعد ظهر الأحد للرد على أحدث التصريحات الصادرة عن الولايات المتحدة.

ووفق أحدث استطلاع نُشر في يناير (كانون الثاني) 2025، فإن 85 في المائة من سكان غرينلاند يعارضون الانضمام إلى الولايات المتحدة، بينما يؤيده 6 في المائة فقط.

وأعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج وهولندا وفنلندا والمملكة المتحدة، هذا الأسبوع، نشر قوات عسكرية في مهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تنظِّمها الدنمارك في غرينلاند.

ابتزاز... وتفعيل آلية لمكافحة الإكراه

وصف وزير الخارجية الهولندي، ديفيد فان فيل، هذا التهديد بأنه «ابتزاز». وقال الوزير في حديث للتلفزيون الهولندي: «ما يفعله (ترمب) ابتزاز... وهو أمر غير ضروري. هذا لا يصب ‌في مصلحة (الحلف) ‌أو غرينلاند».

وقال فان ‍فيل إن «مهمة غرينلاند» هدفها أن تظهر للولايات المتحدة استعداد أوروبا للمساعدة في الدفاع عن غرينلاند، مؤكداً اعتراضه على ربط ترمب بين الدبلوماسية بشأن الجزيرة ​والتجارة. ويشدد ترمب على أنه لن يقبل بأقل من الملكية الكاملة ⁠لغرينلاند، وهي منطقة تتمتع بالحكم الذاتي تابعة للدنمارك، ويقول إن لها أهمية بالغة لأمن الولايات المتحدة؛ بسبب موقعها الاستراتيجي ومخزونها المعدني.

ويعتزم الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال تواصله الذي يمتد «طيلة اليوم مع نظرائه الأوروبيين»، طلب «تفعيل (آلية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه)» في حال تنفيذ الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تهديداته بفرض رسوم جمركية إضافية، وفق ما أفاد به مقربون منه.

وتتيح هذه الآلية، التي يتطلب تفعيلها غالبية مؤهلة من الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، خصوصاً تجميد الوصول إلى أسواق المشتريات العامة الأوروبية ومنع استثمارات معينة. وأوضح مصدر مقرب من الرئيس الفرنسي أن التهديدات التجارية الأميركية «تثير تساؤلات بشأن مدى صحة الاتفاقية» المتعلقة بالرسوم الجمركية المبرمة بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة في يوليو (تموز) الماضي.

وعدّت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، أن تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية على معارضي خطته للاستحواذ على غرينلاند «خطأ»، مشيرة إلى أنها أبلغته وجهة نظرها. وقالت ميلوني للصحافيين خلال زيارة للعاصمة الكورية الجنوبية سيول: «أعتقد أن فرض عقوبات جديدة اليوم سيكون خطأ»، مضيفة: «تحدثتُ إلى دونالد ترمب قبل بضع ساعات وقلت له ما أفكر فيه».

«بوتين أسعد رجل ​على وجه الأرض»

وصرح رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، بأن غزو الولايات المتحدة غرينلاند «سيجعل بوتين أسعد رجل ​على وجه الأرض». وحذر سانشيز، في مقابلة نشرت الأحد، بأن أي عمل عسكري أميركي ضد جزيرة غرينلاند في القطب الشمالي سيضر بـ«حلف شمال الأطلسي» ويضفي الشرعية على غزو روسيا أوكرانيا.

وأضاف، في مقابلة مع صحيفة «لا فانغوارديا»: «إذا ‌ركزنا على غرينلاند، ‌فعليّ أن أقول إن ‌غزو ⁠الولايات ​المتحدة ‌تلك المنطقة سيجعل فلاديمير بوتين أسعد رجل في العالم. لماذا؟ لأن ذلك سيضفي الشرعية على محاولة غزوه أوكرانيا». وتابع: «إذا استخدمت الولايات المتحدة القوة، فسيكون ذلك المسمار الأخير في نعش (حلف شمال الأطلسي). وسيكون بوتين سعيداً للغاية».

وكان ترمب قد قال في ‌منشور ⁠على ​منصة ‌«تروث سوشيال»، السبت، إن الرسوم الجمركية الإضافية بنسبة 10 في المائة على الواردات ستدخل حيز التنفيذ في 1 فبراير (شباط) المقبل على البضائع من الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا وبريطانيا، ⁠وهي الدول التي وافقت على المشاركة بأفراد في ‌تدريبات لـ«حلف شمال الأطلسي» ‍في غرينلاند.

رد أوروبي مضاد وحازم

ودعا «اتحاد الشركات الألمانية المصنعة للآلات والأنظمة (في دي إم ايه)» إلى رد أوروبي مضاد وحازم على تهديدات ترمب، وقال رئيس «الاتحاد»، بيرترام كافلات، في فرانكفورت الأحد: «لا يجوز لأوروبا أن تخضع للابتزاز، حتى وإن كان من جانب الولايات المتحدة». وأضاف أن غرينلاند جزء من أوروبا وأنها يجب أن تبقى كذلك، محذراً بأن «استسلام (الاتحاد الأوروبي) في هذا الملف لن يؤدي إلا إلى تشجيع الرئيس الأميركي على طرح مطالب عبثية جديدة والتهديد بفرض مزيد من الرسوم الجمركية».

وقال قادة الدنمارك وغرينلاند إن الجزيرة ليست للبيع، وأكدوا عدم الرغبة في أن تكون جزءاً من الولايات المتحدة. ويعقد سفراء دول «الاتحاد الأوروبي»، الأحد، اجتماعاً طارئاً لبحث الرد على ‌تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية.

وفي السياق كان رئيس «المجلس الأوروبي»، أنطونيو كوستا، قد صرح بأنه إذا كانت الولايات المتحدة ‌ترى ‌مشكلة ‌أمنية ⁠في ​غرينلاند، ‌فإنه يجب حلها بين أعضاء «حلف شمال الأطلسي» بصفتهم حلفاء. وقال كوستا، خلال مؤتمر صحافي في ريو دي ‌جانيرو بالبرازيل، الجمعة، «المخاوف الأمنية التي ‍لدى الولايات المتحدة ‍سيجري التعامل معها بشكل صحيح في إطار الجهة المناسبة، ​وهي (حلف شمال الأطلسي)». وكوستا ⁠ورئيسة «المفوضية الأوروبية»، أورسولا فون دير لاين، كانا موجودين في أميركا الجنوبية لتوقيع اتفاق تجارة بين «الاتحاد الأوروبي» وتكتل «ميركوسور»، السبت، ‌في باراغواي.

ونُظمت مظاهرات، السبت، في مدن عدّة بالدنمارك وغرينلاند؛ احتجاجاً على مطامع الرئيس الأميركي في الجزيرة، إذ تجمَّع آلاف المتظاهرين في كوبنهاغن، السبت؛ رفضاً لإعلان الرئيس ترمب عزمه السيطرة على الجزيرة القطبية ذات الحكم الذاتي. وتظاهر حشد من الأشخاص في ساحة مبنى البلدية، حاملين أعلام غرينلاند والدنمارك، وهتفوا: «كالاليت نونات!» وهو اسم غرينلاند باللغة المحلية.

وتأتي المظاهرات بعد 3 أيام من اجتماع في واشنطن بين مسؤولين أميركيين ودنماركيين ومن غرينلاند، انتهى على خلاف؛ إذ أقرَّ وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوك راسموسن، بأنه «لم نتمكَّن من تغيير الموقف الأميركي».

وأبدى عدد كبير من القادة الأوروبيين دعمهم الدنمارك، العضو المؤسِّس لـ«حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، في حين هدَّد ترمب، الجمعة، بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته لضم غرينلاند.