بعدما نجوا من القصف... حياة آلاف الغزيين مهدَّدة بسقوط البنايات المتضررة

يخاطرون بحياتهم ولا يعيشون في خيام تتقاذفها الرياح

فلسطينيون متجمعون لتناول طعام الإفطار الرمضاني وسط الركام بشمال قطاع غزة في 15 مارس (رويترز)
فلسطينيون متجمعون لتناول طعام الإفطار الرمضاني وسط الركام بشمال قطاع غزة في 15 مارس (رويترز)
TT

بعدما نجوا من القصف... حياة آلاف الغزيين مهدَّدة بسقوط البنايات المتضررة

فلسطينيون متجمعون لتناول طعام الإفطار الرمضاني وسط الركام بشمال قطاع غزة في 15 مارس (رويترز)
فلسطينيون متجمعون لتناول طعام الإفطار الرمضاني وسط الركام بشمال قطاع غزة في 15 مارس (رويترز)

كانوا على وشك الالتفاف حول موائد السحور في بناية على أطراف مخيم جباليا بشمال قطاع غزة قبل فجر الاثنين، حين سمعوا «طقطقات» في المبنى المتضرر بفعل القصف الإسرائيلي، فتركوا الطعام ولاذوا بالفرار قبل أن ينهار.

سقط المبنى المكون من ثلاثة طوابق، كل منها يحوي شقتين، وبكل شقة عائلة تضم من 5 إلى 14 فرداً، في منطقة الفاخورة على أطراف المخيم.

والواقعة متكررة. ففي الآونة الأخيرة سقطت بنايات ومنازل متضررة في مناطق عدة بقطاع غزة بعد أن كانت قد تعرضت لقصف إسرائيلي مباشر، أو كانت في محيط استهدافات خلال الحرب التي استمرت 15 شهراً قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

فبعدما نجوا من القصف، لا تزال حياة الآلاف من سكان القطاع مهددة بانهيار المباني التي لم يكن لهم سواها من محيص بعد هدوء أصوات المدافع والانفجارات. أزالوا الركام عن أجزاء منها للعيش فيها، بدلاً من البقاء في خيام لا تكاد تسترهم أو تقيهم قسوة البرد والمطر، أو في مراكز إيواء تُفقدهم وأُسرهم أي خصوصية.

كانت قوة إسرائيلية قد فجَّرت، خلال العملية العسكرية الأخيرة في مخيم جباليا قبل الإعلان عن التوصل لوقف إطلاق النار، جهازاً آلياً في محيط البناية التي ظهرت فيما تبقى من هيكلها تصدعات واضحة قبل أن تسقط قبيل فجر الاثنين. وتمكن مَنْ بالداخل من النجاة بأرواحهم.

يقول عبد الله حميد (41 عاماً)، ابن مالك البناية، إنهم شعروا في الأيام الأخيرة بأن المنزل سيسقط في أي لحظة، وكانوا يرقبونه باستمرار خشية انهياره عليهم. ولأنه لم تكن هناك بدائل سكن أخرى؛ اضطروا إلى البقاء فيه، مفضلين المخاطرة بحياتهم على العيش في خيام مهترئة تتقاذفها الرياح.

ويروي حميد لـ«الشرق الأوسط» كيف نجوا حين سمع أحد أقاربهم قبيل السحور «طقطقات» من السطح، فأدرك أن المبنى قد ينهار في أي لحظة، وطلب من الجميع مغادرته فوراً. وخرج الجميع، صغاراً وكباراً، قبل أن ينهار تماماً.

ويقع المنزل مقابل مدرسة الفاخورة التي شهدت خلال الحرب مجزرتين نتيجة قصفها جواً وبالمدفعية. ومن قبل ذلك كانت المدرسة قد أُحرقت خلال حرب 2008 – 2009 باستخدام الفسفور الأبيض المحرم دولياً.

ويقول حميد: «كادت أن تحصل مجزرة جديدة هنا في هذه المنطقة التي اشتُهرت بالكثير من المجازر في الحروب والعمليات الإسرائيلية، ولكن نجونا هذه المرة بعد أن سبق ونجونا من مجازر وغارات في الحرب الأخيرة وفي غيرها».

انهيارات متكررة

لم تكن هذه الحادثة الأولى التي تقع في الآونة الأخيرة؛ ففي غضون 3 أيام خلال الأسبوع الماضي انهار برجان في منطقة أبراج الكرامة بشمال مدينة غزة، وكان أحدهما قد عاد إليه بعض السكان للعيش فيه، وكانت به عشرات العائلات قبل إخلائه بعد تحذيرات وردت من جهاز الدفاع المدني بإمكانية سقوطه، وهو ما حدث بعد الإخلاء بيوم واحد.

كما سقط مبنى مكون من 4 طوابق في حي الشجاعية، وآخر مكون من طابقين في حي الصبرة، وثالث في حي الزيتون، وذلك في غضون شهر واحد.

وتسببت هذه الحوادث في بعض الإصابات، دون خسائر في الأرواح.

سيدة فلسطينية تُعدّ طعام الإفطار الرمضاني ببيتها المتضرر من القصف بمدينة غزة في 15 مارس (إ.ب.أ)

ويقول محمد طوطح (56 عاماً)، من سكان حي الزيتون بجنوب مدينة غزة، إنه يعيش في منطقة المصلبة، وهي منطقة مدمرة بالكامل تقريباً.

ولفت إلى أنه منذ انسحاب القوات الإسرائيلية من الحي منذ نحو 3 أشهر، انهار ما لا يقل عن 7 منازل في المنطقة، من بينها منزل ابن عمه المكون من طابق علوي وآخر أرضي، مشيراً إلى أنه انهار بفعل قصف جوي طال منازل مجاورة عدة.

وأضاف: «نعيش هنا بحالة خوف شديد، ونخشى من انهيار منازلنا ومنازل بجوارنا فنفقد حياتنا وحياة أطفالنا الذين يخافون الخروج للشوارع حتى لا تسقط عليهم جدران تلك المنازل».

وتوجَّه المتضررون للجهات المختصة كي تتحرك لوقف هذا الخطر، إلا أنهم اصطدموا بالواقع: الجهات المعنية، سواء الدفاع المدني أو البلديات، عاجزة عن تقديم أي خدمات بعد أن فقدت كل معداتها.

«خطر داهم»

أصدر سلامة معروف، رئيس المكتب الإعلامي الحكومي، بياناً يوم الاثنين يُحذّر فيه من انهيار مئات المباني الآيلة للسقوط جراء قصفها أو حرقها خلال الحرب، وهو ما قال إنه يشكل «خطراً داهماً على حياة آلاف المواطنين الذين يعيشون داخلها أو في محيطها».

وأضاف البيان أنه تم تحديد 220 مبنى آيلاً للسقوط وجرى إخلاؤها من ساكنيها وتحذير المحيطين بها.

وقال محمود بصل، المتحدث باسم جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة، في تصريحات صحافية، الاثنين، إن مئات المنازل والمباني في القطاع مهددة بالانهيار نتيجة الأضرار الجسيمة التي لحقت بها جراء القصف والحرق.

وأشار بصل إلى أن الظروف المأساوية التي تعيشها آلاف العائلات في منازل آيلة للسقوط تشكل تهديداً حقيقياً لحياة أفرادها. ودعا إلى تدخل المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية لتوفير حلول عاجلة.

وترفض إسرائيل حتى الآن إدخال أي معدات ثقيلة تساهم في إزالة الأنقاض والركام، والعمل على ترميم أو إزالة المنازل والبنايات الآيلة للسقوط، والتي تشكل خطراً حقيقياً على السكان في كل أنحاء القطاع، خصوصاً مدينة غزة وشمالها.

وكان من المفترض السماح بإدخال هذه المعدات من مصر إلى قطاع غزة خلال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في التاسع عشر من يناير (كانون الثاني) الماضي، إلا أن إسرائيل لا تزال تماطل في ذلك.

ويصف توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، حجم الدمار وصعوبة الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة بأنه لا مثيل له في كل مناطق الصراع حول العالم. فيما سبق أن وصفه مونغو بيرتش، المسؤول عن دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام، بأنه أكبر من الدمار في أوكرانيا ودول أخرى تشهد صراعات.

فلسطينيون متجمعون بين مبانٍ مدمَّرة في بيت لاهيا بشمال قطاع غزة لتناول طعام الإفطار الرمضاني (إ.ب.أ)

وتشير تقارير أممية ودولية، بالاعتماد على تقارير موثقة من الميدان أو من خلال صور الأقمار الاصطناعية، إلى أن أكثر من 75 في المائة من منازل القطاع قد دُمّرت بالكامل أو لحقت بها أضرار بالغة.

وتؤكد تلك التقارير بما فيها الصادرة عن الخارجية الأميركية والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي أن قطاع غزة في حاجة إلى عقد من الزمن حتى يُعاد إعماره، وسط تقديرات أنه قد يحتاج لأكثر من 15 عاماً.

كما تشير تقديرات جهات فلسطينية وأخرى دولية وأممية إلى وجود أكثر من 55 مليون طن من الركام بقطاع غزة، وإلى أن إزالة الأنقاض ستستغرق فترات طويلة.

وبحسب الخطة المصرية المدعومة عربياً لإعادة إعمار قطاع غزة، هناك حاجة ماسة إلى مبلغ 53 مليار دولار من أجل إعادة الإعمار، بما يشمل مراحل التعافي المبكر من خلال إزالة الأنقاض والتعامل مع المنازل الآيلة للسقوط.


مقالات ذات صلة

مشعل: «حماس» ترفض إلقاء السلاح و«الحكم الأجنبي»

المشرق العربي أطفال يلعبون وسط أنقاض مبانٍ مدمّرة في مخيم جباليا شمال قطاع غزة أمس (أ.ف.ب)

مشعل: «حماس» ترفض إلقاء السلاح و«الحكم الأجنبي»

أكد رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» في الخارج خالد مشعل، رفض الحركة التخلي عن سلاحها وكذا قبول «حكم أجنبي» في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
العالم العربي أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«مساومات إيران» تُحرّك مياه «اتفاق غزة» الراكدة

لقاء مرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الأربعاء، وسط توترات مع إيران وجمود في مسار «اتفاق غزة».

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

«فتح» تتهم إسرائيل بعرقلة مباشرة اللجنة الوطنية مهامها في غزة

اتهمت حركة «فتح»، اليوم الأحد، إسرائيل بمواصلة عرقلة دخول اللجنة الوطنية المكلفة إدارة غزة، معتبرة أن ذلك يعكس رفض تل أبيب للمضي قدماً في اتفاق وقف النار.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي خالد مشعل القيادي في حركة «حماس» (أرشيفية - رويترز) p-circle

مشعل: «حماس» لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حُكم أجنبي» في غزة

أكد القيادي في «حماس» خالد مشعل، الأحد، أن الحركة الفلسطينية لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حكم أجنبي» في قطاع غزّة، بعد بدء المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

انسحاب «قسد» من الخطوط الأمامية في مدينة الحسكة

عناصر من «قسد» في الحسكة شمال شرقي سوريا الثلاثاء خلال الانسحاب من خطوط المواجهة ضمن اتفاق مع الحكومة السورية (رويترز)
عناصر من «قسد» في الحسكة شمال شرقي سوريا الثلاثاء خلال الانسحاب من خطوط المواجهة ضمن اتفاق مع الحكومة السورية (رويترز)
TT

انسحاب «قسد» من الخطوط الأمامية في مدينة الحسكة

عناصر من «قسد» في الحسكة شمال شرقي سوريا الثلاثاء خلال الانسحاب من خطوط المواجهة ضمن اتفاق مع الحكومة السورية (رويترز)
عناصر من «قسد» في الحسكة شمال شرقي سوريا الثلاثاء خلال الانسحاب من خطوط المواجهة ضمن اتفاق مع الحكومة السورية (رويترز)

بدأت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بسحب قواتها من الخطوط الأمامية في مدينة الحسكة تنفيذاً للاتفاق المبرم بين الحكومة السورية و«قسد»، بحسب مواقع إخبارية ومجموعة صور نشرتها وكالة «رويترز».

وكانت قوات «قسد» بدأت في وقت سابق من يوم الثلاثاء التجهيز لسحب قواتها من ريف الحسكة الجنوبي، وأظهرت صور بثتها وسائل إعلام محلية انسحاب عناصر «قسد» من حاجز دوار البانوراما جنوب المدينة تمهيداً لتسليمه للأمن العام. وذلك بعد عقد اجتماع أمني بين قوات الأمن الداخلي «الأسايش» وقوات الأمن السوري لبحث كيفية انتشار قوى الأمن الداخلي في مدينة الحسكة، بحسب وكالة «نورث برس».

مصادر أمنية سورية قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن تنفيذ الاتفاق جارٍ بشكل جيد وكذلك تنفيذ الدمج، ورشحت «قسد» أسماء للاندماج كألوية في وزارة الدفاع، وهناك عناصر من الأسايش سينضمون إلى الأمن العام في المناطق ذات الغالبية الكردية.

انسحاب مركبة تابعة لقوات سوريا الديمقراطية من خطوط المواجهة في الحسكة بسوريا 10 فبراير تنفيذاً لاتفاق مع الحكومة السورية (رويترز)

وبدأت قوات «قسد» الثلاثاء، بسحب قواتها العسكرية وقطعها الثقيلة من خطوط التماس في مدينة الحسكة، خاصة المناطق الجنوبية ومنها محيط دوار البانوراما، ليكون ذلك جزءاً من وقف إطلاق النار الدائم والبدء في عملية الدمج التدريجي، وذلك تنفيذاً لاتفاق 30 يناير (كانون الثاني) 2026.

وقال الباحث المختص بالشؤون السورية، محمد سليمان، إن هذا الانسحاب يشمل سحب القوات العسكرية من داخل مدينة الحسكة إلى ثكنات متفق عليها خارجها، في الدرباسية وعامودا ومحيط القامشلي، بينما تتولى قوات الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية الانتشار في مراكز المدن، الحسكة والقامشلي لتنفيذ الدمج الأمني.

ولفت الباحث في مركز الدراسات «جسور» إلى أن «قسد» ترى أن الانسحاب «يقتصر على قواتها العسكرية فقط، مع بقاء الأسايش لإدارة الأمن داخل المدينة، بينما تعدّ الحكومة الاتفاق أنه جدول لتطبيق انسحاب كامل لقسد من الأحياء. كما سينسحب الجيش السوري إلى مناطق في محيط الحسكة ومنها الشدادي، مع الحفاظ على حظر دخول القوات العسكرية إلى المدن، خاصة المناطق ذات الأغلبية الكردية».

مجندة في قوات الأمن الداخلي الكردية تسير في الرميلان الغنية بالنفط في اليوم الذي زار فيه وفد من الحكومة السورية المدينة لتفقد حقول النفط الاثنين (رويترز)

وقال الباحث سليمان إنه حالياً هناك «عملية جدولة لضم عناصر الأسايش ودمجهم بشكل تدريجي وهذا محدد في الاتفاق، حيث سيتم دمج الأسايش في هيكل وزارة الداخلية السورية مع الحفاظ على رواتبهم وتثبيتهم ليكونوا موظفين».

وأفادت تقارير إعلامية، الثلاثاء، بعقد اجتماع أمني بين قيادة قوى الأمن الداخلي (الأسايش) وقوى الأمن الداخلي السوري، بحث تطبيق الاتفاق، ونقلت وكالة «نورث برس» عن مصدر أمني قوله إن المحور الرئيسي للاجتماع كان «الاتفاق على كيفية انتشار قوى الأمن الداخلي في مدينة الحسكة، وذلك قبيل انسحاب القوات العسكرية منها»، كذلك، الحواجز المشتركة عند مداخل مدينة الحسكة، بالإضافة إلى بحث آليات الانتشار في البلدات الواقعة جنوب الحسكة بعد انسحاب قوات الجيش السوري من تلك المناطق.

موظفون من شركة النفط السورية يتحدثون لوسائل الإعلام إلى جانب عناصر من قوات الأمن الداخلي الكردية خلال زيارة وفد حكومي سوري لمنطقة الرميلان الغنية بالنفط 9 فبراير (رويترز)

وتعدّ المرحلة الجاري تنفيذها الثانية ضمن خطة تنفيذ الاتفاق وتشمل تسلّم الدولة لآبار النفط ومطار القامشلي، على أن تليها مرحلة ثالثة تتضمن إشراف الدولة على المعابر الحدودية، وخاصة معبر نصيبين مع تركيا ومعبر سيمالكا مع إقليم كردستان العراق.

وبثت وكالة «رويترز» صوراً قالت إنها لانسحاب قوات «قسد» من جنوب الحسكة تنفيذاً لبنود الاتفاق مع الحكومة السورية. ويشمل الاتفاق انسحاب القوات العسكرية للطرفين من نقاط التماس ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي لتعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات «قسد» إضافة إلى تشكيل لواء لقوات كوباني «عين العرب» ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب.

كما يتضمن الاتفاق دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين، إلى جانب الاتفاق على تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.

معبر سيمالكا الحدودي شمال شرقي سوريا مع العراق (متداولة)

وفي وقت سابق، أوضح قائد قوات «قسد» مظلوم عبدي، أنه سيتم تشكيل فرقة من قـوات قسد تتألف من ثلاثة ألوية، تشمل لواء في الحسكة ولواء في القامشلي ولواء في المالكية «ديريك»، وأن مديري وموظفي الإدارة الذاتية سيبقون على رأس عملهم، مشيراً إلى أن موظفي معبر سيمالكا سيستمرون في أداء مهامهم، على أن يشرف وفد من دمشق على بعض الشؤون المتعلقة بالدولة مثل فحص جوازات السفر.


فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)
أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)
TT

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)
أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

تعكس المؤشرات السياسية والمواقف المعلنة في الأيام الأخيرة أن «حزب الله» بدأ فعلياً الانتقال من مرحلة المواجهة المفتوحة مع الدولة اللبنانية إلى مرحلة «تنظيم الخلاف» معها، في مقاربة تقوم على إدارة النزاع وضبط التباينات بدل تفجيرها.

وكان ذلك واضحاً من قِبل أمين عام الحزب نعيم قاسم، بإعلانه ذلك صراحة عبر مواقف «تصالحية» للمرة الأولى مساء الاثنين، وكذلك تظهر الوقائع تبدّل نبرة الخطاب العام تجاه الحكومة، والانفتاح على التعاون الذي بدأ في الملفات الخدماتية والإنمائية.

مسار تصالحي

وبرز هذا المسار من خلال الزيارة التاريخية لرئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب نهاية الأسبوع الماضي وما رافقها من ترحيب حزبي وشعبي عابر للاصطفافات، ولا سيما من قبل ما يمكن وصفها بـ«بيئة حزب الله». وهي الزيارة التي لم تنظم لولا الضوء الأخضر من قيادة الحزب، ووصفها قاسم بـ«الإيجابية»، متحدثاً في الوقت عينه عن «تنظيم الخلاف» مع رئيس الجمهورية جوزيف عون بعد فترة من التوتر في لحظة إقليمية دقيقة.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يتوسط النائبين علي حسن خليل وقاسم هاشم خلال زيارته إلى بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل بجنوب لبنان الأحد (أ.ف.ب)

مع العلم أن مواقف الحزب، ومنذ اتفاق وقف إطلاق النار كانت تتّسم بـ«التصادمية» مع الدولة لا سيما فيما يتعلق بخطة تسليم السلاح، وإن كان الواقع على الأرض يختلف إلى حد كبير، حيث أنجزت خطة حصر السلاح في جنوب الليطاني، من دون أي مواجهة تذكر، وهو ما كان يرى فيه معارضو الحزب أن التصعيد بالمواقف كان موجهاً بشكل أساسي إلى بيئة الحزب الذي يعاني مأزقاً في هذا الإطار بعد تداعيات الحرب الإسرائيلية الأخيرة، والتضييق المستمر عليه نتيجة تبدل موازين القوى الإقليمية.

«لا خيارات بديلة»

وفيما لا تنفي مصادر وزارية مقربة من الرئاسة أن مواقف الحزب الأخيرة، «إيجابية» تضعها في خانة «التعامل مع الواقع» في ظل غياب كل الخيارات البديلة، داعية في الوقت عينه إلى انتظار ما سيلي ذلك، وتقول: «في السياسة لا شيء يكون مجانياً».

وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الخطوة موجّهة إلى داخل بيئة الحزب التي لا تزال تعاني من تداعيات الحرب ودعوة منه لها للعودة إلى الدولة، لا سيما في موضوع إعادة الإعمار الذي بات يشكّل عبئاً على الحزب، إضافة إلى إيحاءات موجّهة بضرورة التعامل بهدوء بعد التوتر الأخير والهجوم على رئيس الجمهورية، لأن الاستمرار بمعاداة الدولة سيكون نتيجته خسارة له ولبيئته».

مقدمة للتكيف مع الواقع

ويصف الوزير السابق رشيد درباس مواقف قاسم الأخيرة بأنها «تصالحية للمرة الأولى» ومغايرة لكل المواقف السابقة. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الترحيب الذي حظي به رئيس الحكومة في الجنوب، هدفه القول لجمهوره إن الدولة تحتضنهم، ولا مانع له من ذلك، بل على العكس فهو من مصلحته في ظل الواقع الحالي».

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم يتحدث على شاشة خلال افتتاح «مركز لبنان الطبي - الحدث» (إعلام حزب الله)

ويضيف درباس: «بدأ الحزب فيما يمكن وصفه بالمناورة الحميدة، وبات يدرك أنه أصبح من دون أصدقاء ولا حلفاء لا في الداخل ولا في الخارج حيث موازين القوى كلّها تتبدّل في ظل التوتر الإيراني - الأميركي وما قد يؤدي ذلك إلى اندلاع الحرب».

من هنا، يرى درباس أن ما يحصل اليوم هو «مقدمة للتكيف مع الواقع»، من قبل «حزب الله»، مؤكداً: «لا يمكن الاستمرار بدولتين في بلد واحد، لا بد من تصحيح الوضع لا سيما بعد كل المآسي التي أصابت بيئته التي لم تعد تحمل كل ما تعرضت له، وبدأ التململ المترافق مع الخوف داخل هذه البيئة التي باتت تدرك أن الاستعصاء لن يوصل إلى أي مكان».

العد العكسي للسلاح

ومع كل التضييق والضغوط التي يتعرض لها «حزب الله» من الداخل والخارج، يرى درباس أن العد العكسي لانتهاء السلاح قد بدأ، والمؤشرات على ذلك كانت واضحة منذ اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وما لحق به من خطوات عملية، وبشكل أساسي خطة حصرية السلاح في جنوب الليطاني، وبدء المرحلة الثانية في شمال الليطاني، مضيفاً: «بدأ السلاح شيئاً فشيئاً يفقد دوره والمهام الإقليمية التي كان يتولاها انتهت، وما نشهده من مظاهرات بين الحين والآخر ستنتهي بدورها»، مؤكداً: «لا غنى لأي طائفة عن الدولة ولا سيما الشيعة».

لبنانيون من بلدة يارين الجنوبية يستقبلون رئيس الحكومة نوّاف سلام على أنقاض منازلهم المُدمَّرة (أ.ب)


وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
TT

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي» الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق، وأبلغ الوفد رئيس الحكومة نواف سلام بملاحظاته على مشروع قانون معالجة أوضاع المصارف واسترداد الودائع.

وتتزامن الزيارة مع مناقشة اللجان البرلمانية لمشروع قانون «الفجوة المالية» واسترداد الودائع العالقة في المصارف منذ 2019، وهو مشروع قانون أقرته الحكومة وأحالته إلى مجلس النواب لدراسته. كما تأتي الجولة عقب إقرار قانون الموازنة العامة للعام الحالي.

لقاء مثمر

وبحث الوفد في بيروت، الخطوات التي تؤدي إلى اتفاق مع صندوق النقد، سبق أن تعثر إبرامه في ربيع عام 2022. واستقبل رئيس الحكومة نواف سلام الوفد برئاسة إرنستو راميريز ريغو.

وأكد سلام أن اللقاء «كان إيجابياً ومثمراً، حيث تم البحث في ملاحظات الصندوق على مشروع قانون معالجة أوضاع المصارف، إضافةً إلى مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع». وأشارت رئاسة الحكومة اللبنانية في بيان إلى أن البحث «تناول الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق».

كذلك، زار الوفد رئيس مجلس النواب نبيه بري.

ويتابع وفد الصندوق الخطوات التشريعية لقانون «الفجوة المالية» الذي يرى مسؤولون ماليون لبنانيون أن ثغرات قانونية وإجرائية في المشروع الحكومي، «تتنافى مع توصيات الصندوق»، ولا سيما ما يخص تطوير خطة «قيد الخسائر وتوزيعها، واستعادة قوة القطاع المصرفي بما يتناغم مع المعايير الدولية واعتبارات حماية صغار المودعين واستدامة القدرة على تحمل الدين العام».