شي: لا يجب السماح لصاحب العضلات باحتكار القرار

أعلن العمل على إصلاحات لتوسيع انفتاح الصين... وأطلق مبادرات لتفعيل «الجنوب العالمي»

الرئيس الصيني لدى وصوله إلى قاعة الشعب الكبرى في بكين الجمعة (أ.ب)
الرئيس الصيني لدى وصوله إلى قاعة الشعب الكبرى في بكين الجمعة (أ.ب)
TT

شي: لا يجب السماح لصاحب العضلات باحتكار القرار

الرئيس الصيني لدى وصوله إلى قاعة الشعب الكبرى في بكين الجمعة (أ.ب)
الرئيس الصيني لدى وصوله إلى قاعة الشعب الكبرى في بكين الجمعة (أ.ب)

شدّد الرئيس الصيني شي جينبينغ على ضرورة «عدم السماح لصاحب العضلات باحتكار القرار» العالمي، في إشارة إلى الولايات المتحدة. وندّد بسياسة «المواجهة بين المعسكرات» و«التكتلات الضيقة»، داعياً إلى «المساواة في السيادة بين الدول».

وأعلن شي العمل على مجموعة من الإصلاحات لزيادة انفتاح بلاده على العالم «أكثر فأكثر»، متعهداً بألا تغلق الصين أبوابها أبداً. كما أطلق عدداً من المبادرات لتوسيع تحالف الدول النامية أو «الجنوب العالمي» الذي بدا أن بكين تراهن عليه في مواجهة جهود واشنطن لتطويقها.

تصريحات شي جاءت في كلمة مطولة ألقاها أمام احتفال بالذكرى السبعين لإطلاق «المبادئ الخمسة للتعايش السلمي»، حضره مسؤولون سابقون، بينهم رؤساء وقادة حكومات من دول حليفة للصين، اكتظت بهم قاعة الشعب الكبرى في وسط بكين، الجمعة.

«الفيل الغائب من الغرفة»

لكن كان لافتاً غياب أي تمثيل هندي رسمي، خلافاً لاحتفال الذكرى الستين في 2014 الذي حضره نائب رئيس الهند آنذاك إلى جوار شي، خصوصاً أن المبادئ الخمسة التي تقول الصين إنها عماد سياستها الخارجية، ولدت من رحم اتفاق بين بكين ودلهي عام 1954.

شي جينبينغ مرحباً بمشاركين في الذكرى الجمعة (أ.ب)

ويعد الغياب الهندي مؤشراً إضافياً على تدهور علاقات البلدين اللذين خاضا مواجهة حدودية نهاية 2022، بعد عامين من مواجهة أخرى أدت إلى مقتل 20 جندياً هندياً وأربعة جنود صينيين. كما يعزز تموضع الهند في طليعة المحور الأميركي الساعي لاحتواء الصين.

حقائق

ما المبادئ الخمسة للتعايش السلمي؟

  1. الاحترام المتبادل للسيادة وسلامة الأراضي
  2. عدم الاعتداء المتبادل
  3. عدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخر
  4. المساواة والمنفعة المتبادلة
  5. التعايش السلمي

«الجسور» بدل «الستار الحديدي»

وكرر الرئيس الصيني بعبارات مختلفة تمسك بلاده بـ«العولمة الاقتصادية المتسمة بالنفع للجميع» وخيار التنمية، مشيراً إلى أن «بناء فناء صغير محاط بالأسوار يعاكس تيار التاريخ ويضر بالمصالح». وقال: «في ظل عصر العولمة الاقتصادية، ما نحتاج إليه هو بناء جسر التواصل وتمهيد طريق التعاون بدلاً من خلق هوة الانقسام وإسدال الستار الحديدي للمواجهة».

امتلأت قاعة الشعب الكبرى بمشاركين بينهم قادة سابقون لدول حليفة للصين (أ.ف.ب)

وأكد أنه «يمكن للدول، حتى ولو كانت تختلف من حيث النظام الاجتماعي والآيديولوجيا والتاريخ والثقافة والدين والمعتقدات ومستوى التنمية والحجم، أن تقيم وتطور علاقات من الثقة المتبادلة والصداقة والتعاون»، بعيداً من «المفاهيم العتيقة والضيقة مثل سياسة التكتلات ونطاق النفوذ وعقلية الاستقطاب والمواجهة».
ودعا شي إلى «الالتزام بمبدأ المساواة في السيادة لجميع الدول... ولا يجوز استئساد الدول الكبيرة والقوية والغنية على الدول الصغيرة والضعيفة والفقيرة». وشدد على رفض «اللجوء إلى المواجهة بين المعسكرات أو تشكيل الدوائر الضيقة بمختلف أنواعها، ورفض إجبار الدول الأخرى على الاصطفاف» في محاور.
وطالب بـ«تعزيز مصداقية الأمم المتحدة ومكانتها الجوهرية بدلاً من إضعافها... (عبر) مشاركة جميع الدول في صياغة القواعد الدولية والحفاظ عليها، والتعامل مع شؤون العالم عبر التشاور بين الدول، ولا يمكن السماح لصاحب العضلات باحتكار القرار». ورأى أن «السعي إلى الانفراد بالأمن طريق مسدود».

إصلاحات... وتذكير بضخامة السوق

واستغل الرئيس الصيني المناسبة لإعلان «تخطيط وتنفيذ إجراءات مهمة لزيادة تعميق الإصلاح على نحو شامل، لمواصلة توسيع الانفتاح المؤسسي، وخلق بيئة أعمال تحكمها بشكل أكثر قواعد السوق وسيادة القانون والمعايير الدولية».

شي مخاطباً المشاركين في الذكرى السبعين لإطلاق المبادئ الخمسة (أ.ف.ب)

ويترقب محللون اقتصاديون اجتماعاً للجنة المركزية العشرين للحزب الشيوعي الصيني، منتصف الشهر المقبل، ينتظر أن يتضمن إعلاناً يخص التوجه الاقتصادي للبلاد، في ظل تراجع النمو. 
لكن شي لم يأتِ على ذكر التباطؤ الاقتصادي، بل ذكّر بأن السوق الصينية «سوق ضخمة يتجاوز حجمها إجمالي الحجم الراهن لأسواق الدول المتقدمة». 

كسب «الجنوب العالمي»

وأشار الرئيس الصيني إلى أن «زخم الجنوب العالمي يتعاظم اليوم بشكل ملحوظ... وعند نقطة انطلاق جديدة من التاريخ، ينبغي أن يمضي الجنوب العالمي قدماً يداً بيد بموقف أكثر انفتاحاً وشمولاً، وأن نكون قوة مستقرة تسهم في الحفاظ على السلام والانفتاح والتنمية، وقوة فعالة في جعل الحوكمة العالمية أكثر توازناً».
وفيما بدا مسعى لبناء رصيد من القوة الناعمة للصين في المجتمعات النامية، أعلن شي إنشاء مركز دراسات لـ«الجنوب العالمي» سيقدم ألف منحة دراسية باسم «المبادئ الخمسة للتعايش السلمي»، و100 ألف فرصة للدراسة والتدريب في السنوات الخمس المقبلة.
وإضافة إلى ذلك، أعلن تفعيل عدد من الصناديق والمراكز الاقتصادية والتنموية لدعم التنمية الاقتصادية لدول «الجنوب العالمي»، وصولاً إلى رفع واردات الصين من الدول النامية إلى أكثر من 8 تريليونات دولار بحلول عام 2030.
ووعد بأن بلاده «لن تسلك أبداً الطريق القديم من الاستعمار والنهب، أو الطريق المنحرف من حتمية الهيمنة للدول التي أصبحت قوية، بل سنسلك الطريق المستقيم من التنمية السلمية»، مطمئناً إلى أن «ازدياد القوة الصينية يعني زيادة الأمل للسلام في العالم».

بدت الذكرى بمثابة إعلان وراثة مبادرة شي لوثيقة المبادئ الخمسة التاريخية (أ.ب)

وداع «لائق» لوثيقة تاريخية

وفي حين شدد الرئيس الصيني على تمسك بلاده بالمبادئ الخمسة التي وصفها بأنها «جواب تاريخي» على أسئلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن المناسبة بدت أشبه بوداع «لائق» للوثيقة التاريخية لتُستبدل بها مبادرة شي للسياسة الخارجية التي يطلق عليها اسم «بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية».
واعتبر شي أن مبادرته هي «جواب الصين في هذا العصر» على ما عدّه «أهم سؤال يواجهنا: ما العالم الذي يجب بناؤه وكيف نبني هذا العالم؟». وأضاف أنها «خير وراثة وتكريس وترقية للمبادئ الخمسة للتعايش السلمي في ظل الأوضاع الجديدة».
وسعى الرئيس الصيني إلى توضيح معالم مبادرته التي قال إنها تقوم «على أساس الواقع الموضوعي المتمثل في تشارك الدول في المصير والمستقبل والسراء والضراء، والحاجة للمساواة والتعايش».

وأوضح أن جوهرها «أخذ مستقبل البشرية ورفاهية الشعوب بعين الاعتبار، والتمسك بالمساواة والمنفعة المتبادلة والتعايش السلمي باعتبارها الغاية الأصلية، وتكريس القيم المشتركة للبشرية جمعاء، وتدعيم الحوكمة العالمية القائمة على التشاور والتعاون والنفع للجميع، وإقامة نوع جديد من العلاقات الدولية، وتنفيذ مبادرة التنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحضارة العالمية، والتعاون في بناء (الحزام والطريق) بجودة عالية، بما يزيد من المصالح المشتركة لشعوب العالم».


مقالات ذات صلة

قلق إسرائيلي من «قوة» الجيش المصري رغم إعلان السيسي «التمسك بالسلام»

شؤون إقليمية جانب من تدريبات «نسور الحضارة 2026» بين القاهرة وبكين في أغسطس الماضي (موقع وزارة الدفاع المصرية)

قلق إسرائيلي من «قوة» الجيش المصري رغم إعلان السيسي «التمسك بالسلام»

السبت ركزت منصة «ناتسيف نت» الإسرائيلية على التقارير الصادرة عن شبكات الإعلام الصينية والدولية حول المناورات الجوية الأخيرة بين مصر والصين «نسور الحضارة 2026».

هشام المياني (القاهرة )
آسيا الناطقة باسم البيت الأبيض كيتي زكريا (أ.ب)

بكين تدعو المتحدثة باسم ترمب إلى زيارتها بعد انتقادها المراحيض في الصين

دعت بكين الناطقة باسم البيت الأبيض كيتي زكريا، الجمعة، إلى زيارة الصين مجدداً إثر انتقادها المراحيض فيها في أثناء إقامتها سابقاً في البلاد.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال استضافته مأدبة غداء في حديقة الورود بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن يوم 15 أكتوبر 2026 (رويترز)

ترمب: نجري محادثات مع روسيا والصين بشأن نزع السلاح النووي

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إنه يُجري محادثات مع روسيا والصين بشأن نزع الأسلحة النووية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
آسيا سفينة لخفر السواحل الصيني تطلق مدفع مياه بجوار سفينة فلبينية خلال إجلاء طبي لأحد أفراد البحرية الفلبينية قرب شعاب سكند توماس المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي يوم 8 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

الصين: نستطيع «الانتصار بسهولة» في أي نزاع مع الفلبين

عدّ السفير الصيني في مانيلا، الخميس، أنّ بكين تستطيع الانتصار بسهولة في أي نزاع مع الفلبين، مطَمْئناً في الوقت نفسه إلى أن بلده لن يعتمد خيار القوة.

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم الصحافي الأميركي إيفان غيرشكوفيتش الذي اتهمته روسيا بالتجسس خلال مثوله أمام محكمة بموسكو في أبريل 2024 (رويترز) p-circle

الصحافيون وتهم التجسس... بين المساومات السياسية والعمل الاستخباري

تسلّط قضايا توقيف صحافيين بتهم التجسس الضوء على المساومات السياسية وصفقات تبادل السجناء، وتستدعي سوابق لاتهامات مفبركة وحالات تعاون فعلي مع أجهزة الاستخبارات.

شادي عبد الساتر (بيروت)

انقطاع عام للكهرباء في سريلانكا سببه وفرة الطاقة الشمسية

حركة مرور كثيفة في كولومبو فيما الإشارات الضوئية معطّلة (أ.ف.ب)
حركة مرور كثيفة في كولومبو فيما الإشارات الضوئية معطّلة (أ.ف.ب)
TT

انقطاع عام للكهرباء في سريلانكا سببه وفرة الطاقة الشمسية

حركة مرور كثيفة في كولومبو فيما الإشارات الضوئية معطّلة (أ.ف.ب)
حركة مرور كثيفة في كولومبو فيما الإشارات الضوئية معطّلة (أ.ف.ب)

شهدت سريلانكا، اليوم السبت، انقطاعاً للكهرباء على مستوى البلاد إثر خلل في الشبكة نجم على الأرجح عن إنتاج للطاقة الشمسية تخطّى الطلب، بحسب السلطات.

وبعد ساعتين من العطل، كان البلد برمّته ما زال محروماً من الكهرباء من دون أن ترشح أيّ معلومات عن موعد عودة التغذية الكهربائية.

وأعلنت «الشركة العامة لتوزيع الكهرباء» أن مهندسيها يعملون على إصلاح العطل، والذي قد يكون مردّه فائضاً في إنتاج الطاقة الشمسية.

وقال وزير الطاقة أنورا كاروناثيلاكا إنه يأمل عودة تدريجية للتيّار، داعياً أصحاب الألواح الشمسية إلى فصلها عن الشبكة.

وقد وضعت الشبكة الكهربائية برمّتها خارج الخدمة في فبراير (شباط) 2025 إثر تخطّي إنتاج الطاقة الشمسية الاستهلاك في يوم شهد إشعاعاً شمسياً استثنائياً. واستغرق الأمر أكثر من ست ساعات لإعادة التيّار.

وقد دفعت تحفيزات ضريبية أسراً كثيرة إلى التزوّد بألواح شمسية، وضخّ فائضها من الإنتاج في الشبكة الوطنية، ما يتسبّب أحياناً في اختلال يصعب على الجهة المشغّلة احتواؤه.

وتتخطّى قدرة إنتاج الطاقة الشمسية في سريلانكا 3000 ميغاواط، في حين يتراوح الطلب على الكهرباء بين 2000 و2500 ميغاواط في اليوم.

وبما أن السبت يوم عطلة في البلاد، فإن من المرجح أن استهلاك الطاقة الشمسية كان أدنى من الإنتاج.

وتأمل الحكومة زيادة إنتاج الطاقة الشمسية إلى نحو 4400 ميغاواط في السنوات الثلاث المقبلة، ما يمثّل ارتفاعا بنسبة 388 في المائة مقارنة بالعام 2024، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


ضباب دخاني سام يغطّي أجزاء من جنوب شرق آسيا

دراجون على طريق وسط دخان منبعث من حريق في مقاطعة جنوب كاليمانتان الإندونيسية (أ.ف.ب)
دراجون على طريق وسط دخان منبعث من حريق في مقاطعة جنوب كاليمانتان الإندونيسية (أ.ف.ب)
TT

ضباب دخاني سام يغطّي أجزاء من جنوب شرق آسيا

دراجون على طريق وسط دخان منبعث من حريق في مقاطعة جنوب كاليمانتان الإندونيسية (أ.ف.ب)
دراجون على طريق وسط دخان منبعث من حريق في مقاطعة جنوب كاليمانتان الإندونيسية (أ.ف.ب)

أدت حرائق مستمرة في إندونيسيا غطت أجزاء من جنوب شرق آسيا بضباب دخاني سام، إلى إعلان الهيئة الإقليمية المعنية بمراقبة المناخ والحرائق أعلى مستوى تأهب في المنطقة.

وذكر مركز آسيان للأرصاد الجوية المتخصصة ومقره سنغافورة، على موقعه الإلكتروني في تحديث رُصد السبت، أنه تم «تفعيل مستوى التأهب الثالث لمنطقة جنوب آسيان».

ويعتمد المركز نظاماً للإنذار يتكون من أربع درجات من صفر إلى 3، يتم فيه تفعيل المستوى الأعلى في حال وجود «خطر كبير لحدوث ضباب دخاني شديد عابر للحدود في المنطقة»، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

ويشمل الخطر رصد بؤر حرائق نشطة ومستمرة، مع انتشار ضباب دخاني تتراوح كثافته بين المتوسطة والشديدة على مدى يومين متتاليين أو أكثر، بالتزامن مع استمرار طقس جاف وهبوب رياح تدفع الضباب نحو دول مجاورة من رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان).

رجل يضع قناعاً لحماية نفسه من تنشق الدخان في أحد شوارع سنغافورة (أ.ف.ب)

وصدر الإنذار الجمعة، علماً بأن تحذيرات مماثلة صدرت مرتين في وقت سابق هذا العام، وتحديداً في 26 أغسطس (آب) و27 مارس (آذار).

وتسبب الضباب الدخاني المستمر منذ أشهر بارتفاع حاد في حالات الإصابة بمشكلات تنفسية، كما أدى إلى إغلاق مدارس في إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وتيمور الشرقية.

وجاءت سنغافورة السبت في المرتبة الثانية في التصنيف المباشر الذي تضعه منصة «آي كيو إير» لأكثر المدن الكبرى تلوثاً في العالم، خلف بغداد، فيما جاءت كوالالمبور، عاصمة ماليزيا، في المرتبة الثالثة. وأظهرت جميع القراءات مستويات «خطيرة جداً».

وأعلنت سنغافورة، الجمعة، أنها ستوجه تحذيرات إلى سبع شركات في إندونيسيا حددتها كمسؤولة عن هذه الحرائق، محذرة في الوقت ذاته من أن الأسوأ ربما لم يأت بعد.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الفلبينية إن مشكلة الضباب الدخاني ستُناقَش في الاجتماعات المقبلة قبل قمة آسيان المقرر عقدها في نوفمبر (تشرين الثاني) في مانيلا.


«إنذار حقيقي» لدول أخرى... بنغلاديش تخوض معركة ضد الحصبة

مرضى يُشتبه في إصابتهم بالحصبة يتلقون العلاج على أرضية جناح عزل المصابين بالحصبة في مستشفى «شهيد شمس الدين أحمد» بمدينة سيلهيت ببنغلاديش (رويترز)
مرضى يُشتبه في إصابتهم بالحصبة يتلقون العلاج على أرضية جناح عزل المصابين بالحصبة في مستشفى «شهيد شمس الدين أحمد» بمدينة سيلهيت ببنغلاديش (رويترز)
TT

«إنذار حقيقي» لدول أخرى... بنغلاديش تخوض معركة ضد الحصبة

مرضى يُشتبه في إصابتهم بالحصبة يتلقون العلاج على أرضية جناح عزل المصابين بالحصبة في مستشفى «شهيد شمس الدين أحمد» بمدينة سيلهيت ببنغلاديش (رويترز)
مرضى يُشتبه في إصابتهم بالحصبة يتلقون العلاج على أرضية جناح عزل المصابين بالحصبة في مستشفى «شهيد شمس الدين أحمد» بمدينة سيلهيت ببنغلاديش (رويترز)

تكافح بنغلاديش لاحتواء أسوأ تفشٍّ للحصبة في العالم، وهي أزمة تفاقمت بسبب ضعف البيانات وقصور جهود التوعية وفجوات التطعيم، ويقول خبراء إنها تشكل إنذاراً لدول أخرى من خطر قاتل لتراجع معدلات التحصين، وفق «رويترز».

وقالت «منظمة الصحة العالمية» إن بنغلاديش، التي تعثر برنامجها للتطعيم الروتيني في 2025، أبلغت عن 202 ألف حالة اشتباه إصابة بالحصبة، تأكدت 22 ألفاً منها في المعامل، منذ بدء ​التفشي في منتصف مارس (آذار) وحتى 9 أكتوبر (تشرين الأول). ويمثل ذلك أكبر عدد من الحالات المشتبه بها في أي بلد هذا العام.

وقالت المنظمة إن 1147 شخصاً توفوا حتى الآن جراء هذا المرض شديد العدوى، وكان الأطفال دون الخامسة يشكلون 94 في المائة من الوفيات المسجلة.

وتظهر تجربة بنغلاديش صعوبة احتواء تفشٍّ للمرض عندما تنخفض تغطية التطعيم إلى ما دون 95 في المائة، وهو المستوى الذي تقول «منظمة الصحة العالمية» إنه ضروري لمنع التفشيات. وكانت بنغلاديش قد اقتربت من بلوغ هذا المستوى في السنوات القليلة الماضية، لكن التغطية تراجعت في 2025.

آباء يرعون أطفالهم الذين يتلقون العلاج في جناح عزل المصابين بالحصبة (رويترز)

وخلص استعراض أجرته «رويترز» لوثائق «منظمة الصحة العالمية»، إلى جانب مقابلات مع أكثر من 10 علماء وعاملين في مجال الصحة ومسؤولين، إلى أن استجابة بنغلاديش الطارئة أعاقتها أيضاً بيانات أغفلت ملايين الأطفال، وقصور في الاستعداد، وإخفاق في الوصول إلى عدد كافٍ من الآباء والأمهات.

وقال مارك جيت مستشار اللقاحات في «منظمة الصحة العالمية» وأستاذ بكلية الصحة العامة العالمية في جامعة نيويورك: «هذا إنذار حقيقي لكل بلد».

وأضاف أن منع التفشي بالتطعيمات أسهل وأقل تكلفة وأكثر أماناً من الاستجابة لحالة طارئة.

وتابع: «ستوقف الاستجابة التفشي في نهاية المطاف، لكن في هذه الأثناء سيصاب كثيرون بالحصبة وسيموت بعضهم».

وقال ضياء الدين حيدر المساعد الخاص لرئيس الوزراء طارق رحمن لشؤون الصحة لـ«رويترز» في سبتمبر (أيلول)، إن الحكومة تبذل كل ما في وسعها لإنهاء التفشي. ولم ترد الحكومة على أسئلة إضافية أرسلت في أكتوبر لإعداد هذا التقرير.

«لم يأتوا إلا بعد أن دفنت ابني»

في منطقة سيلهيت بشمال شرقي البلاد، إحدى أكثر المناطق تضرراً في الدولة التي يبلغ عدد سكانها 178 مليون نسمة، توفي أرمان ‌حسين البالغ من العمر عامين ‌في يوليو (تموز)، من دون تلقي تطعيم بعد 24 ساعة من إدخاله المستشفى لتلقي علاج موله أفراد أسرته ببيع عربة الركشو ذات الثلاث عجلات التي يملكونها. ​ونجت ‌شقيقته البالغة ⁠من العمر 4 ​أعوام، ⁠والتي لم تتلقَّ أيضاً التطعيم.

أقارب يواسون الطفل استياك محمود زيان البالغ من العمر 6 سنوات والذي يتلقى العلاج على أرضية جناح عزل المصابين بالحصبة (رويترز)

وقال والده أمين ميا البالغ من العمر 26 عاماً، إن قريتهم النائية في سيلهيت لم يزُرها أي من العاملين في القطاع الصحي لتقديم التطعيمات في الوقت المناسب. وأضاف: «لم يأتوا إلا بعد أن دفنت ابني».

وتقول «منظمة الصحة العالمية» إن الحصبة تقتل عادة شخصين أو 3 من كل ألف حالة، لكن المرض قد يكون أكثر فتكاً في البلدان الفقيرة بسبب عوامل مثل سوء التغذية.

وفي بلدة تشاتاك، التي تقع أيضاً في منطقة سيلهيت، توفيت ابنة النجار همايون رشيد، البالغ من العمر 30 عاماً، في يونيو (حزيران)، عن عمر 9 أشهر من دون تلقي التطعيم. وكان يمكن أن تتلقى لبيبة أختر جرعة تطعيم في أبريل (نيسان)، عندما خفض برنامج طارئ سن التطعيم إلى 6 أشهر بدلاً من 9.

وقال والدها: «لم يأتِ أي عامل صحي ليخبرنا».

وقال وزير الصحة سردار محمد سخاوات حسين في مايو (أيار)، إن الحملة الطارئة خفضت الحالات في بؤر التفشي إلى «ما يقارب الصفر»، وإن التفشي أصبح تحت السيطرة.

لكن بنغلاديش أبلغت في سبتمبر عن متوسط يومي بلغ 1198 حالة إصابة جديدة بالحصبة، التي تتسبب في ارتفاع الحرارة والسعال وطفح جلدي. وكان ذلك أعلى إجمالي منذ مايو.

ويأتي تفشي المرض ببنغلاديش في وقت يتزايد فيه التردد إزاء اللقاحات، خصوصاً في الدول الأكثر ثراء، وسط تشكك يروج له أشخاص مثل وزير الصحة الأميركي.

وقال خبراء إن الحصول على التطعيمات والوعي بها يمثلان عقبتين كبريين ⁠في بنغلاديش.

وحتى وقت قريب، كانت بنغلاديش قصة نجاح في مجال التطعيم. وأشارت تقديرات «منظمة الصحة العالمية» و«منظمة الأمم المتحدة للطفولة» (يونيسف)، إلى أن تغطية الجرعة الأولى من اللقاح ‌بلغت 96 في المائة في 2024، و93 في المائة للجرعة الثانية التي تعطى لاستيعاب النسبة القليلة من الأطفال الذين لا يكتسبون مناعة بعد جرعة واحدة.

لكن في العام نفسه، ‌اندلعت احتجاجات أنهت 15 عاماً من حكم رئيسة الوزراء الشيخة حسينة. وفي الاضطرابات السياسية التي أعقبت ذلك، أضرب العاملون في مجال الصحة، وتأخرت طلبات ​اللقاحات، وتعطلت جرعات المتابعة التي تصاحب عادة البرامج الروتينية.

وخلصت تقديرات «منظمة الصحة العالمية» و«اليونيسف»، في تقرير نشر في يوليو، ‌إلى أن تغطية الجرعة الأولى انخفضت إلى 90 في المائة في 2025، في حين بلغت تغطية الجرعة الثانية 86 في المائة؛ أي أقل بعدة نقاط مئوية من نسبة 95 في المائة اللازمة لإيجاد ما يعرف بمناعة القطيع.

يتلقى معصوم البالغ من العمر 8 سنوات العلاج في جناح عزل المصابين بالحصبة - الذي يعاني من اكتظاظ شديد - في مستشفى «شهيد شمس الدين أحمد» بمدينة سيلهيت ببنغلاديش (رويترز)

وأثار التقرير أيضاً تساؤلات ‌بشأن جودة البيانات الرسمية عن التطعيمات ضد الحصبة وغيرها من الأمراض للأعوام من 2023 إلى 2025.

وقال إن الأرقام الأولية أظهرت في بعض الأحيان أن أعداد من تلقوا التطعيم تجاوزت 100 في المائة من المستهدفين، مما يشير إلى أخطاء في احتساب الجرعات أو الأعداد المستهدفة.

البرنامج الطارئ أغفل الملايين

مع ذلك، عندما اندلع تفشي الحصبة، استجابت بنغلاديش بسرعة، وبدا في البداية أنها تكسب المعركة.

وأعقب البرنامج الطارئ تباطؤ أولي في الحالات الجديدة بعد تلقي ما يقرب من 20 مليون طفل اللقاح في أبريل ومايو. وقالت الحكومة إنها غطت كل طفل في الفئة العمرية المستهدفة بين 6 أشهر و5 سنوات.

لكن البرنامج لم يحقق هدفه في الواقع. واتضح ذلك عندما تضمن تدخل صحي روتيني آخر في يونيو (حزيران)، قائمة مستهدفين تزيد بـ4 ملايين طفل على حملة الحصبة، رغم أنها تغطي الفئة العمرية نفسها.

وقال حيدر لـ«رويترز» في 14 سبتمبر، مع ارتفاع حالات الحصبة مجدداً: «هناك فجوة»، وعزا عدم وصول الأطفال إلى التطعيم، إلى تردد الآباء والأمهات، أو إصابة الأطفال بأمراض.

وظهرت أيضاً تحديات أخرى.

وتظهر وثائق اطلعت عليها «رويترز»، ولم يُنشر عنها من قبل، تفاصيل اجتماعات عقدت في أبريل وأغسطس (آب)، بين الحكومة و«منظمة الصحة العالمية» وشركاء صحيين آخرين، وكيف ربما أدى السعي ⁠للتحرك بسرعة إلى أوجه قصور.

وأشارت محاضر اجتماع عقد في 19 أبريل، إلى أن الحكومة اختارت إجراء جولة واحدة فقط مما يسمى فحوص الجاهزية قبل إطلاق برنامج التطعيم الطارئ بسبب ضيق الوقت، بدلاً من الجولات الأربع المعتادة. وتشمل الفحوص كل شيء؛ من التأكد من توافر ثلاجات لحفظ اللقاحات باردة إلى تحديد عدد الأطفال الذين ينبغي تطعيمهم.

وجاء في المحاضر أن جولة واحدة من الفحوص خلصت إلى أن معظم المناطق، وليس جميعها، كانت جاهزة.

الفقراء «يدفعون الثمن»

قال البروفسور محمود الرحمن، عالم الأوبئة ورئيس لجنة التحقق الوطنية للقضاء على الحصبة والحصبة الألمانية في بنغلاديش: «عندما لا تجرى فحوص الجاهزية على نحو سليم، غالباً ما يكون الأطفال الأفقر والأصعب وصولاً إليهم، هم من يفوتهم التطعيم ويدفعون الثمن».

وقال حيدر إن حملة أبريل أطلقت خلال 4 أسابيع. لكن تاج الإسلام عبد الباري، الذي قاد برنامج التحصين في بنغلاديش حتى 2017، قال إن الحملات تتطلب عادة شهوراً من التخطيط.

وبحلول اجتماع أغسطس، جرى تحديد أوجه قصور في التنفيذ. وأشارت المحاضر إلى أن نسبة الأطفال الذين لديهم حالات حصبة مؤكدة ولم يتلقوا التطعيم، ظلت «دون تغيير يذكر بين ما قبل الحملة (82 في المائة) وما بعدها (85 في المائة)... مما يؤكد استمرار فجوات التغطية».

ولم ترد «منظمة الصحة العالمية» على أسئلة بشأن اجتماعي أبريل وأغسطس. لكن نائب ممثل المنظمة في بنغلاديش الطبيب راجيش ناروال، قال إن المنظمة مصممة على دعم الحكومة في هدفها تطعيم كل طفل معرض للخطر.

وأضاف: «يجب أن يصبح التحصين الروتيني أكثر فاعلية وقدرة على الصمود، حتى لا تتكرر هذه الفجوات».

وفي سيلهيت، حيث تظهر السجلات الرسمية وفاة 180 طفلاً، قالت 8 من 16 أسرة قابلتها «رويترز» في سبتمبر، إنها لم ترَ عاملين صحيين يقدمون التطعيمات. وقالت 6 أسر على الأقل، إن العاملين الصحيين لم يزوروا المنطقة إلا بعد وفاة طفل بالحصبة في منطقتهم.

وفي نهاية سبتمبر، أطلقت الحكومة حملة جديدة تستهدف 3.4 مليون طفل فاتتهم حملات سابقة.

وقال وزير الصحة في مؤتمر صحافي: «سنشرك الناس في جميع القرى حتى لا يُترك أي طفل خلف الركب».

لكن الوصول إلى كل طفل لا يزال تحدياً. وتقول «اليونيسف» ومكتب إحصاءات بنغلاديش، إن ما يصل إلى 40 في المائة من الأطفال غير مسجلين، في حين أظهرت بيانات حكومية أن نحو ثلث وظائف العاملين الصحيين شاغرة.