المعلّم أنطوان ملتقى يغادر الخشبة إلى الدور الأخير

بعد رحلة لعب فيها مختلف الأدوار

الرائد أنطوان ملتقى يرحل عن 91 عاماً
الرائد أنطوان ملتقى يرحل عن 91 عاماً
TT

المعلّم أنطوان ملتقى يغادر الخشبة إلى الدور الأخير

الرائد أنطوان ملتقى يرحل عن 91 عاماً
الرائد أنطوان ملتقى يرحل عن 91 عاماً

رائد، عصامي، معلّم، هو المسرحي أنطوان ملتقى، الذي خسره لبنان عن عمر 91 عاماً، بعد رحلة استثنائية على خشبة المسرح وفي كواليسها. ممثل حاذق، مخرج مجتهد، قضى عمره في البحث والتجريب، لبلوغ الأفضل.

هو ابن لبنان التكوين والتأسيس. ولد عام 1933 في «وادي شحرور». كان لا يزال طفلاً حين لعب دور مزارع صغير، ثم مثّل مع أبناء الحي. وكما في العديد من القرى اللبنانية، كان لوادي شحرور نوادٍ للرياضة والمسرح والسينما، ومن خلالها قدّم عام 1950 مسرحيته الأولى «آلزير» تمثيلاً وإخراجاً، مقتبساً إياها عن فولتير.

في الجامعة درس الفلسفة، لكنه غرق في كتب شكسبير، قرأه حتى الثمالة، وبقي مهجوساً به وبأبطاله ودرامية نصوصه. كانت الفاتحة العملية مع كاتبه الأثير عندما أخرج ومثّل «ماكبث» في الجامعة.

أنطوان ولطيفة ملتقى

تعرّف أنطوان على لطيفة شمعون، وتزوج بها بعد قصة حب عاصفة، لتصبح رفيقة دربه في الفن كما في الحياة، وليرتبط اسماهما معاً، ويعرفان بأعمالهما المشتركة. علماً أن لطيفة الحقوقية، دخلت المسرح معه بمحض صدفة، وبعد اختبار نجحت فيه وأكملت الطريق، وأنجبا ثلاثة أبناء، أحدهما زاد ملتقى الموسيقي والفنان التشكيلي.

كان لقاؤه بالمخرج منير أبو دبس انطلاقة جديدة، في التلفزيون ثم في المسرح، ومن خلال «فرقة المسرح الحديث»، لكن سرعان ما دب الخلاف بينهما، بسبب تباين المنهج والرؤية في العمل. أبو دبس يرى أن ثمة دوراً كبيراً للمخرج في قولبة أداء الممثل، وأنطوان يعتقد أن دور المخرج يقف عند تحفيز الممثل وإطلاق قدراته وإخراج أحسن ما لديه. وهذا يتناسب مع اهتمامه الشديد بالحالة النفسية لممثليه، ومساعدته لهم على تفجير الكوامن الداخلية للشخصية التي يؤدون دورها. وهو لشدة اهتمامه بتدريب من يعملون معه، لجأ إلى اليوغا كوسيلة لصقل مهاراتهم، كما عمل على تعليمهم النطق السليم، ومخارج الحروف، وكيفية التنفس، للتحكم في الصوت.

ملتقى الذي آمن بخصب العمل الجماعي، تعاون باستمرار مع فنانين من مختلف الاختصاصات، ومخرجين ذوي اتجاهات متباينة وأسس بعد أن ترك أبو دبس «حلقة المسرح اللبناني» ومن خلالها أحيا النقاشات، وعقد المؤتمرات ودرّب وقدم المسرحيات.

يصحّ القول إن أنطوان ملتقى نظر إلى دوره أبعد من مسرحي وفنان، فقد كان دينامو ثقافيا لا يهدأ عن العمل والتفكير والتعاون مع الآخرين. واحدة من أفكاره كانت «مهرجانات راشانا» التي تعدّ من أقدم المهرجانات اللبنانية. عكف على تنظيمها ميشال بصبوص في قريته التي حولها إلى محترف للنحت واستقبل الفنانين، مع أخوية الفريد وجوزيف. هناك في راشانا من بين ما قدمه ملتقى مسرحية «جريمة وعقاب» عن رواية دوستويفسكي عام 1963، و«ماكبث» عام 1962 وأقيمت المسرحيات والمعارض التشكيلية. وهناك أيضاً جاء جاك لانغ شاباً مع فرقة من فرنسا لتقديم عمل مسرحي، ليصبح بعد ذلك أحد أشهر وزراء الثقافة في بلاده.

أنطوان ملتقى

هذه الرغبة عند ملتقى في التعاون مع كتاب ومثقفين وتشكيليين، جعلته في حالة بحث دائم عن تكوين مجموعات عمل. فقد كان أحد المؤسسين لـ«مسرح الأشرفية» ومن بعد إغلاقه كان «المسرح الاختباري». وكان ملتقى أيضاً وراء تشكيل «تجمع المسرح المعاصر» الذي عمّر سنة واحدة. كما تعاون مع غالبية مسرحيي عصره، من برج فازليان إلى ميشال غريب وجلال خوري.

وإلى جانب المسرح لم ينقطع ملتقى عن التعليم، أستاذاً للفلسفة والرياضيات في ثانوية فرن الشباك الرسمية، منذ العام 1958 حتى 1966، كما أصبح أستاذاً في الجامعة اللبنانية منذ إنشاء معهد الفنون الجميلة عام (1965) ولغاية تقاعده (1996)، وهو الذي أسس معهد التمثيل، وأداره لسنوات.

ودور ملتقى كأستاذ خرّج أجيالاً من الفنانين، يبقى من بين أدواره المؤثرة. وقد نعاه طلابه إثر ذيوع خبر وفاته، وتحدثوا بإسهاب عن مآثره، وعطاءاته، وإخلاصه في نقل تجربته إلى الأجيال الجديدة.

النزعة الشكسبيرية عند ملتقى جعلته يقبل على تقديم مسرحيات عبقري المسرح الإنجليزي ويعيد تقديمها باستمرار لا سيما «ماكبث» أضف إليها «ريتشارد الثالث» و«كوميديا الأخطاء». وعرف عنه أنه من بين الأوائل الذين قدموا مسرحاً ناطقاً بالعربية، بعد أن كنت لغة الخشبة في غالبيتها فرنسية في ذلك الوقت. وأخذ عليه أنه كان يقدم مسرحيات مقتبسة عن نصوص ذات أصول أجنبية، لكن كانت له تبريراته.

وبعد «عرس الدم» التي عرضها على رأس جبل في بلدة إهدن الشمالية، واستخدم الطبيعة والمرتفعات كجزء من الديكورات التي اعتلاها الممثلون، وما رافقها من تأثر الحاضرين، وانفعالاتهم، قرر أن يعنى بالمشكلات الاجتماعية، كجزء من رسالته كفنان، وأدرك أهمية انصهاره في هموم جمهوره، فكانت «سوء تفاهم» و«كاليغولا» لألبير كامو و«الذباب» لجان بول سارتر.

في مسلسل عشرة عبيد صغار

وعرف الجمهور العريض ملتقى حين شارك في تمثيل المسلسل التلفزيوني اللبناني «عشرة عبيد صغار» حيث دخل إلى كل بيت.

حيوية أنطوان ملتقى جعلته متعدد الأدوار، فهو الذي يقتبس، وأحياناً يمثل، وغالباً ما يفضّل التركيز على الإخراج، ويتدخّل في كل شاردة وواردة. يعتبر أن نظرته كمخرج إلى السينوغرافيا التي كان يفضلها متقشفة، لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار، من قبل مصمم الديكور. كذلك كان يولي وهو الذي يحب الخشبات العارية، الضوء دوراً محورياً في إبراز حركة الممثلين ومشاعرهم. لكن الذي لم يكن يحبذه هما الغناء والموسيقى على المسرح، لأنهما لا يتناسبان ونزعته الفلسفية في بناء الحوارات وتحريك الشخصيات.

ومع أن الرجل مال باستمرار لتعريب نصوص أجنبية واقتباسها وتقديمها باللغة العربية، إلا أنه بقي متمسكاً وهو يقدم أعماله بتمايزه كشرقي، وباختلافه في الهوية. وبالتالي، لم يكن ملتقى الذي بدأ التمثيل على خشبة في الهواء الطلق، وهذا ما كان شائعاً، بسبب عدم وجود المسارح المغلقة، يغيب عن باله، أنه يخاطب جمهوراً مختلفاً تماماً عن الذي كان يتواصل معه شكسبير. لهذا لجأ أحياناً إلى المسرح الذي يتوسط الجمهور، والذي يلتف حوله المتفرجون من كل الزوايا، ويحتم على الممثل أداءً خاصاً يختلف عن الأداء في المسرح الغربي.

هكذا يمكن القول إن أنطوان ملتقى الذي يعتبر أحد رواد «المسرح اللبناني الحديث» انطلق من الصفر تقريباً، في غياب أي بنى مسرحية، وفي لحظة تعرّف على المسرح الغربي بأصوله ونظرياته. وكان ممن أسسوا بدءاً من منتصف القرن الماضي، باجتهادهم وتجاريبهم، ومغامراتهم، وجرأتهم، لقواعد مسرحية سواء في التدريب والتعليم ضمن الحلقات، أو في التدريس الأكاديمي، أو في فتح المجال أمام نقاشات مستمرة، حول دور الممثل، وحدود عمل المخرج، وقيمة الإضاءة، وإمكانية الاستفادة من رسامين، وشعراء ونحاتين في عالم المسرح.

بصرف النظر عن طبيعة النتاجات التي قدمها أنطوان ملتقى، فقد فتح الباب واسعاً أمام التفكير، والسؤال، والتجاريب الإبداعية.


مقالات ذات صلة

«ديو» دنيا وإيمي سمير غانم لأول مرة في المسرح يخطف الاهتمام

يوميات الشرق دينا وإيمي سمير غانم تستعدان للعمل معاً مجدداً (إنستغرام)

«ديو» دنيا وإيمي سمير غانم لأول مرة في المسرح يخطف الاهتمام

فور الإعلان عن اجتماع الفنانتين دنيا وإيمي سمير غانم في عمل مسرحي قريباً، تصدرت تفاصيل العرض «الترند».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق عروض المسرح بمصر شهدت إقبالاً لافتاً في العيد (وزارة الثقافة)

مصر تحتفل باليوم العالمي للمسرح عبر تكريم رموزه واستعادة تاريخه

تحتفل مصر بـ«اليوم العالمي للمسرح» عبر فعاليات متنوعة وتكريمات، واستعادة لتاريخ المسرح المصري والعالمي، وسط حالة من الانتعاش التي يشهدها المسرح حالياً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق دار الأوبرا المصرية تعدل مواعيد حفلاتها (دار الأوبرا)

تداعيات الحرب الإيرانية تتسبب في تغيير فعاليات فنية بمصر

شهدت فعاليات فنية في مصر تغييرات في مواعيد إقامتها المعلن عنها مسبقاً بسبب تداعيات الحرب الإيرانية.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق من الإعلان الترويجي للمسرحية (يوتيوب)

«ما تصغروناش»... مسرحية كوميدية عن طفولة تُولد بعمر الشيخوخة

احتضن المسرح العربي في جدة العرض المسرحي المصري «ما تصغروناش» على مدار 3 ليالي عرض رفعت شعار «كامل العدد».

أحمد عدلي (القاهرة)

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
TT

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)

أثار تكرار وقائع انتقاد الفنانين القدامى تباينات حول حرية التعبير في مصر، متى تدخل التصريحات في إطارها... ومتى تتجاوزها لتصبح «إساءة». وكانت أحدث الوقائع جرت أخيراً حين وجَّه الممثل المصري الشاب أحمد عبد الله محمود تصريحات عدّتها أسرة الفنان الراحل، رشدي أباظة، وجمهوره تحمل «إساءة» لـ«دنجوان السينما المصرية».

وحضر أحمد عبد الله محمود جلسة تحقيق بنقابة المهن التمثيلية المصرية؛ بسبب الأزمة التي أثارتها تصريحاته التلفزيونية الأخيرة حول الفنان الراحل رشدي أباظة، والتي عدّها متابعون وأسرته تحمل «إساءة» للفنان الراحل.

وتصدَّر اسم رشدي أباظة قوائم البحث على «غوغل» بمصر، الثلاثاء، مع نشر تصريحات الفنان الشاب بشكل موسَّع حول أسطورة السينما المصرية، الراحل رشدي أباظة. وخلال التحقيقات أكد الفنان الشاب تقديره للفنان الكبير الراحل، ووصفه بأنه «أحد أعمدة الفن العربي»، وشدَّد على أنَّ ما بدر منه لم يكن بقصد الإساءة لتاريخ «الدنجوان»، وفق وسائل إعلام محلية.

وأبدى محمود اعتذاره لأسرة الفنان الراحل، وأكد احترامه الكامل لهم، كما قدَّم اعتذاره للأسرة الفنية، ونقابة المهن التمثيلية.

وسبقت هذه الواقعة وقائع عدة تعرَّض فيها ممثلون شباب لفنانين راحلين، ما عدَّه متابعون إساءةً للفنانين الراحلين، ومن ذلك توجيه الاتهام للفنانَين عمر متولي وزميله الفنان أحمد فتحي بإهانة الفنان الراحل شكري سرحان، ووقتها تقدَّم نقيب الممثلين الدكتور أشرف زكي باعتذار لأسرة الفنان الراحل.

وقبل أسابيع واجه الفنان أحمد ماهر أزمةً مشابهةً خلال حديثه عفوياً عن المخرج الراحل جلال توفيق، والد الفنانَين ياسر ورامز جلال، ما عدّه الفنانان إساءة لوالدهما، وأصدرا بياناً يرفضان فيه هذه التصريحات، وقدَّم لهما ماهر اعتذاراً بعد تدخل نقابة المهن التمثيلية في الأمر، واعتذار الفنان أشرف زكي أيضاً للفنانَين.

رشدي أباظة (موقع السينما دوت كوم)

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، أن أي فنان من حقه أن يقول رأيه في فنان آخر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن إبداء الرأي بمحبة أو كراهية فنان معين يدخل في إطار حرية الرأي، «لكن المشكلة أننا أصبحت لدينا عصبية غير طبيعية في التعامل مع الأسماء الراحلة»، مشيراً إلى الضجة التي أُثيرت حول عمر مصطفى متولي حين قال عن شكري سرحان إنه أخذ أكثر من حقه، ووصفها بأنه «رأي شخصي، لكنه خرج من جلسة أصحاب على (البودكاست) إلى العلن فأصبح قضية».

وكان الفنان أحمد عبد الله محمود قد أشار للفنان رشدي أباظة بأنه لو كان حياً لحصل على نصف أجره بالأعمال الفنية «سيدات»، الأمر الذي تسبَّب في حالة غضب ورفض لهذه التصريحات من قبل أسرة الفنان وجمهوره، إلى أن تدخلت نقابة المهن التمثيلية للتحقيق في هذا الأمر.

وإن كان سعد الدين يرفض ما يسميه «التجاوز ضد الفنانين الراحلين والتباسط في الحديث عنهم»، فإنه في الوقت نفسه يتساءل عن «السبب في تدخل نقابة المهن التمثيلية في كل موضوع، وإجراء تحقيق، وفي النهاية ينتهي بالتصالح».

وأكد أن الفنانين الشباب الموجودين حالياً «يجب أن يعرفوا أنه لا يصح الكلام عن الجيل الأقدم من الرواد بشكل مسيء في الإعلام، خصوصاً في عالم (السوشيال ميديا)، الذي لم يعد يترك شاردة أو واردة».

ويرى الناقد والمؤرخ الفني المصري، محمد شوقي، أن «الآونة الأخيرة شهدت بالفعل تصريحات مستفزة عن رموزنا الفنية بشكل غير لائق، كما حدث من الفنان محمد ممدوح الذي صرَّح بأنه لا يحب الاستماع لأم كلثوم، والفنان أحمد فتحي من قبل حين قال إن شكري سرحان لا يستحق النجومية التي حصل عليها، وهناك أكثر من شخص تحدَّثوا عن إسماعيل ياسين وأنه لا يمثل ظاهرةً في الكوميديا، وهناك تصريحات نالت من فاتن حمامة تنكر عليها لقب (سيدة الشاشة العربية)».

ويفرِّق شوقي بين حرية الرأي في الفنانين وبين الإساءة لهم قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «التصريحات الأخيرة التي أطلقها الفنان أحمد عبد الله محمود، ابن الممثل الكبير الراحل عبد الله محمود، لا تليق أبداً، خصوصاً مع اللفظ الذي أطلقه وأزعج أسرته وجمهوره والنساء أيضاً».

وأشار المؤرخ الفني إلى أنَّ «رشدي أباظة كان يمثل نموذجاً لابن البلد الخلوق الذي يعرف الأصول ويعتني بكل مَن حوله، ولم يكن يحصل على أجره حتى يطمئن أن عمال موقع التصوير حصلوا على أجورهم، وله كثير من المواقف التي تشير إلى شخصيته الاستثنائية، حتى إنه في مرضه الأخير جاءه عرض سخي من الرئيس السادات لعلاجه على نفقة الدولة فقال (أنا أتعالج على نفقة الجماهير) في إشارة إلى أمواله التي هي من عائد التذاكر عن أعماله السينمائية». وعدَّ شوقي أنَّ «التطاول على الرموز الفنية مرفوض تماماً».

ويعد الفنان رشدي أباظة (1926 - 1980) من أبرز نجوم السينما المصرية وعُرف بألقاب مثل «الدنجوان»، و«فتى الشاشة»، وقدم كثيراً من الأفلام السينمائية الناجحة مثل «تمر حنة»، و«الرجل الثاني»، و«الزوجة رقم 13»، و«وا إسلاماه»، و«صغيرة على الحب»، و«كلمة شرف».


«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
TT

«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)

أحياناً، يغمرنا شعور بالفرح أو الحزن لدرجة تجعلنا نبكي. عادةً ما نربط الدموع بالحزن أو الألم؛ لذا قد يبدو غريباً أن يبكي الإنسان وهو سعيد. ومع ذلك، للبكاء آثار إيجابية على صحتنا النفسية، ويمكن أن يساعدنا على التحكم بمشاعرنا وتنظيمها، وفقاً لموقع «ويب ميد».

ما دموع «الفرح»؟

لا يُعرف بالضبط سبب ذرفنا دموع السعادة أو الفرح، أو كيف تختلف عن دموع الحزن أو الغضب. لكن بشكل عام، عندما نبكي نتيجة شعور إيجابي أو تجربة ممتعة، يُطلق على هذه الدموع «دموع الفرح».

الدموع ليست مجرد علامة على الحزن، بل يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع رئيسية حسب سبب ظهورها:

الدموع القاعدية: تبقى هذه الدموع في العين طوال اليوم، وتعمل كمرطب ومطهر. تحتوي على الماء والملح، إضافة إلى مخاط وزيت يحميان الدموع من التبخر.

الدموع النفسية أو العاطفية: تُذرف استجابةً لأحداث عاطفية، وتحتوي على هرمونات التوتر، وتساعد الجسم على التعامل مع المشاعر المكبوتة.

الدموع المُهيّجة: تنهمر عند دخول جسم غريب للعين أو التعرض لمهيجات، مثل الدموع الناتجة عن تقطيع البصل.

فوائد البكاء

يحفّز البكاء الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج، مثل الأوكسيتوسين والإندورفين. وعادةً ما يؤدي البكاء إلى شعور بالراحة النفسية وتحسن المزاج لاحقاً. لكن محاولة كبت الدموع أو الشعور بالخجل عند البكاء قد يكون له أثر معاكس، ويؤدي إلى تدهور الحالة المزاجية. كما تلعب الثقافة دوراً في تجربة البكاء؛ فالأشخاص في الدول الغنية غالباً ما يشعرون بالراحة والتفاؤل بعد البكاء.

أنواع دموع السعادة

أظهرت دراسة حديثة وجود أربعة أنواع رئيسية من الدموع الإيجابية:

دموع التسلية: تظهر عند الضحك الشديد، أو عندما تستمتع بشيء مسلٍّ إلى درجة لا تستطيع معها كبح دموعك.

دموع المودة: تنهمر عند شعور مفاجئ بالدفء والامتنان، مثل حضور حفل زفاف أو التفاعل العاطفي مع شخص عزيز.

دموع الجمال: تحدث عند الانبهار بمشهد طبيعي ساحر أو موسيقى مؤثرة، فتغمرنا الدهشة والجمال.

دموع الإنجاز: تظهر عند تحقيق هدف مهم أو التغلب على تحدٍّ، لتعكس شعوراً بالفخر والانتصار.

كيف تؤثر دموع الفرح على الصحة؟

تلعب دموع الفرح دوراً مهماً في الحفاظ على التوازن العاطفي. فالأشخاص الذين يبكون فرحاً عند شعورهم بالإرهاق العاطفي قد يتعافون بسرعة أكبر من المشاعر التي دفعتهم للبكاء. كما يمكن أن يشعر الإنسان بعاطفتين متضادتين في آن واحد استجابةً لموقف واحد، وهو ما يُعرف بالتعبير المزدوج. ويساعد هذا النوع من التعبير العاطفي على تنظيم المشاعر ومنعها من السيطرة على سلوك الفرد.


ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
TT

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً، فهناك حالة من التعطش الدائم للبقاء في ذلك العالم الذي خلقته المؤلفة، وتصويرها للحياة في عصر «الريجنسي» (أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر «1787– 1817» والمعروف بعصر الوصاية على العرش «Regency era») وبطلاتها اللواتي تحولن لأيقونات تغالب الزمن، من إليزابيث بينيت في «كبرياء وتحامل» إلى إيما وودهاوس في «إيما» وألينور وماري آن داشوود في «العقل والعاطفة»، وفاني برايس في «مانسفيلد بارك»، وصولاً لآخر وأنضج بطلاتها آن إليوت في «إقناع».

وقع القراء في حب بطلات أوستن، وافتتنت السينما والتلفزيون بهن، فتوالت الأفلام والمسلسلات والكتب المستوحاة من الروايات، ولا يكاد يمر وقت طويل حتى يعلَن عن معالجة درامية جديدة للروايات الشهيرة (لم تنجح أغلب المحاولات، ولكن ذلك لم يوقف الكتاب وصناع الأفلام والمسلسلات عن الدخول لمعترك إعادة روايات تلك الكاتبة للحياة مرات ومرات).

الأخوات بينيت في «الكبرياء والتحامل» عام 2005 (آي إم دي بي)

ميس أوستن

لم تتوقف المعالجات عند الدراما والسينما؛ بل تجاوزت ذلك لتتوالى الروايات الحديثة التي استلهمت موضوعاتها من الروايات «الأوستنية»، ولتتحول بعد ذلك بدورها لمعالجات درامية، لتظل الساحة مشبَّعة بشخصيات جين أوستن؛ سواء تلك التي كتبتها فعلاً، أو بالشخصيات المتخيَّلة التي نُسجت من القماشة ذاتها، وإن كانت النتائج ليست دائمة مقنعة ولا ذات مستوى يرقى لعبقرية جين أوستن.

ملصق مسلسل «ميس أوستن»

ودأب التلفزيون البريطاني على إنتاج الروايات درامياً بشكل مستمر. ومن بعد الروايات الأصلية لأوستن، انطلقت المعالجات الدرامية لوريثاتها. الأحدث في هذه السلسلة التي لا تنتهي كان مسلسل «ميس أوستن» من إنتاج «بي بي سي» الذي عرض قبل أشهر، وهو مأخوذ من رواية بالاسم نفسه للمؤلفة جيل هورنبي، صدرت عام 2020. الكتاب عن كاساندرا أخت جين أوستن، والتي كانت كاتمة أسرارها والعين الساهرة على سمعة أختها الراحلة، لدرجة أنها أحرقت جزءاً كبيراً من الرسائل الشخصية التي كتبتها جين أوستن في حياتها.

الشقيقة الأخرى

وفي انتظار الإنتاج الجديد من «نتفليكس» لرواية «الكبرياء والتحامل» المتوقع صدوره هذا العام، عرضت «بي بي سي» مسلسل بعنوان «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» وهو معتمد على رواية للكاتبة جانيس هادلو صدرت في عام 2020.

بدايةً، لا يمكن إغفال تأثير أسلوب جين أوستن على المؤلفة هادلو، فهي نسجت عالماً جديداً مستمد من عائلة بينيت في الرواية الأصلية. تبدأ أحداث «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» من النقطة نفسها التي انطلقت منها «الكبرياء والتحامل»؛ حيث يدور نقاش عائلي حول وصول رجل أعزب ثري للبلدة، والخطط التي تبدأ الأم في حياكتها لضمانه زوجاً لواحدة من بناتها الست. تتشابه أحداث كثيرة بين الرواية الأصلية ورواية هادلو؛ لكن المختلف في الرواية الجديدة هو أن المؤلفة أخذت شخصية ماري الشقيقة الوسطى لتنسج حولها قصة مختلفة.

في «الكبرياء والتحامل» شخصية ماري هزلية، تعاملها أوستن على أنها شخصية تحب القراءة ومطلعة بشكل كبير، ولكنها تفتقر للجاذبية والجمال اللذين كان المجتمع في ذلك الزمن يتطلبهما من أي فتاة لتصبح جديرة بإعجاب الخُطَّاب. طوال الرواية لا تثير شخصية ماري في القارئ سوى الشفقة أو النفور من تعليقاتها الجافة، وعرضها للمعلومات التي تقرأها كطريقة للتعليق المتعالي على تصرفات شقيقاتها.

رواية «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» لجانيس هادلو

ولكن جانيس هادلو قررت المغامرة بإخراج شخصية ماري من تلك الدائرة التي قبعت فيها. نجد أنفسنا أمام ماري التي تعيش مع التعليقات السلبية لوالدتها وشقيقاتها الأصغر سناً، تسمع بنفسها تعليق لوالدتها بأنها لن تستطيع الزواج بسبب افتقادها للجمال. وتقرر بينها وبين نفسها أن الكتب والقراءة وعزف البيانو هي كل ما يمكنها التميز فيه. ورغم أنها لا تستطيع -أو لا تريد- تحدي والدتها المسيطرة، فإنها تصر على ارتداء نظارة لتحسين نظرها، وهو أمر يعرضها للهجوم من والدتها، ولكن أيضاً للتشجيع من والدها.

في رواية هادلو تتزوج الشقيقات كلهن ما عدا ماري التي تعيش مع والديها، وبعد وفاة والدها تنتقل مع والدتها للعيش مع شقيقاتها؛ جين ثم إليزابيث، وفي الحالتين تجد نفسها محصورة في دور المرافقة لوالدتها المتذمرة دائماً. تحاول الهروب من وضعها لتنتقل للعيش مع عائلة خالها في لندن، وهنا ترى عالماً جديداً، وعائلة ترى فيها الميزات التي عجزت عائلتها القريبة عن رؤيتها وتقديرها. في لندن تتفتح شخصية ماري للحياة كما تتفتح الزهرة، ترى عالماً جديداً يقدِّر فيه الناس ثقافتها وميلها للقراءة، وتتعرف على شخصين يتنافسان على اهتمامها، ورغم يقينها بأن طريقها في الحياة لن يتوَّج بالزواج، فإنها تجد من يجد فيها الزوجة التي يريد.

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

الرواية تغامر بالدخول لعالم جين أوستن المعروف، والتقاط الشخصية الأقل تأثيراً على الأحداث، لتصنع منها بطلة، تتعمق في مشاعرها وأحاسيسها، وترينا تطور الشخصية من فتاة منزوية محبطة إلى فتاة ناضجة تتحدث بثقة عن قراءاتها وآرائها، وتدافع عن نفسها عند تطاول البعض عليها.

الرواية والمسلسل ينجحان في إضافة اسم جانيس هادلو في طابور طويل من المتأثرين والمتأثرات بأدب جين أوستن، ولكنها تدخل الطابور برواية لها أسلوب مميز، به مزيج من الفكاهة والجدية والتشويق.

ربما لن ينجح أي كاتب ولا كاتبة في إعادة أسلوب جين أوستن أو رواياتها، ولكن تبقى هناك تلك المساحة الصغيرة التي يمكن للكاتب الماهر تحويلها لملعبه الخاص، وخلق شخصيات لها طابعها الخاص، حتى لو كانت مستوحاة من روايات شهيرة.