مسرحية «تقبرني»... بين تراجيديا الإغريق وسخرية الواقع اللبناني

مخرجها يجمع التمثيل والفكاهة السوداء لاستكشاف السلطة والعدالة في زمن معاصر

فريق العمل وتحية الختام (الشرق الأوسط)
فريق العمل وتحية الختام (الشرق الأوسط)
TT

مسرحية «تقبرني»... بين تراجيديا الإغريق وسخرية الواقع اللبناني

فريق العمل وتحية الختام (الشرق الأوسط)
فريق العمل وتحية الختام (الشرق الأوسط)

تقصد مسرح «دوّار الشمس» في منطقة الطيونة لحضور مسرحية «تقبرني» من إخراج إدمون حدّاد. عند المدخل الرئيسي، يلفت الانتباه مجسّم لجثة هامدة محاطة بشرائط حمراء تُستخدم عادة لتطويق مسرح الجريمة. يربط المشاهد بينها وبين عنوان العرض، فهي جثة تنتظر من يدفنها، في مدخل رمزي يختصر الموضوع المحوري للمسرحية.

وعلى خلاف معظم العروض المسرحية، تستبق «تقبرني» دخول الجمهور إلى صالة العرض، إذ تبدأ أحداثها منذ اللحظة الأولى. يعتلي الممثل جوزيف زيتوني منصة في وسط المدخل، ويدعو الحاضرين إلى متابعة عرض تراجيدي، معلناً أن أنتيغون بانتظارهم في الداخل للتعرّف إليها.

جثة هامدة تستقبلك على مدخل مسرح «دوار الشمس» (الشرق الأوسط)

المسرحية مقتبسة عن «أنتيغون» لسوفوكليس، في إعداد جماعي شارك فيه عدد من الكتّاب والممثلين، ويتولى إدمون حدّاد إخراجها بالتعاون مع إيلي نجيم. تضع الشخصيات في مواجهة مباشرة مع تناقضاتها الأخلاقية والإنسانية، مع اعتماد بناء جماعي للأداء، يتقاطع فيه الحوار المكثّف مع إيقاع بصري قائم على المفارقة والسخرية السوداء. النص من كتابة إدمون حدّاد وعمر ليزا ونزار حجّار، ويشارك في التمثيل ريم مروّة، وجوزيف زيتوني، ومحمد بعلبكي.

منذ الدقائق الأولى، يطغى على العمل مزيج من التراجيديا الإغريقية والمسرح الفكاهي المعاصر. تتقاطع الرسائل الاجتماعية والسياسية في محاولة لإسقاط مفاهيم يتجاوز عمرها ألفي عام على واقع راهن، فتظهر أحياناً كمرآة لواقع معيش، وأحياناً أخرى كمادة تفتح باب التأويل والتحليل.

يتولى جوزيف زيتوني في البداية دور الراوي، قبل أن يتحوَّل أداؤه إلى شخصية ترمز إلى سلطة الغرب. في المقابل، يجسِّد إدمون حدّاد شخصية كريون، الحاكم والقائد العسكري، الذي يصدر قراراً يمنع دفن جثة ابنة أخته بولينيس بوصفه عدواً للأمة. تواجهه أنتيغون برفض قاطع، مؤكدة عزمها على دفن شقيقها مهما كانت العواقب.

نور حجار رسم البسمة على وجوه الحضور (الشرق الأوسط)

يتداخل الزمن الإغريقي الذي وُلدت منه الحكاية مع زمن لبنان المعاصر. ويعزِّز حدّاد هذا التداخل عبر عناصر بصرية ولغوية، أبرزها استخدام ألفاظ تنتهي بحرف السين؛ في إشارة إلى المزج بين الماضي والحاضر، فتحوَّل الطيونة وبدارو إلى «طيونس» و«بداروس». كما يحضر موضوع السلاح بأشكال متعددة، ليطرح إشكالية استخدامه بين الكلمة والمواجهة. وفي مقابل انسجام الحضور مع بيان يصدره الحاكم يمنع فيه دفن بولينيس، يقطع العرض هذا المسار بالدعوة إلى اجتماع طارئ لـ«لجنة البناية»، في معالجة فكاهية تخفف من حدّة التراجيديا التي تقوم عليها القصة.

وسط صراع يتمحور حول مواجهة السلطة أو الخضوع لها، تتقدّم الأحداث في قالب يميل إلى الفكاهة، ما يجعل بعض المشاهد تبدو متداخلة أو متسارعة، ويصعّب أحياناً متابعتها بالكامل.

ورغم تناول المسرحية موضوعات مثل الفساد والخيانة والحرب والانقسام والظلم، فإن كثافة الرسائل وتداخل الأسلوب الفكاهي قد يؤديان إلى تشتت المتلقي. تتجاور العناصر الفنية في مشهد واحد، مع حضور للفنون البصرية والسمعية عبر مقاطع مصوّرة تُعرض على شاشة كبيرة، ترافقها موسيقى أغنيات مثل «ما غاباس» و«من أنتِ يا ديالا». ويُستخدم اسم مدينة طيبة، المدينة اليونانية القديمة، باعتباره رمزاً بديلاً لبيروت بوصفها مدينة للسياحة والسهر.

ريم مروة تجسد دور الحقيقة في مواجهة الظلم (الشرق الأوسط)

في بعض اللحظات، يتفاعل الجمهور بالضحك على مشاهد عادية، في حين تبرز مساحات فكاهية أوضح في مشاهد يؤديها نور حجّار، مستفيداً من خبرته في الكوميديا والـ«ستاند أب».

ويختبر المشاهد هذا التداخل بين الواقع والمتخيّل من خلال منشور إعلامي يتسلّمه عند مغادرته العرض، يكتب فيه إدمون حدّاد: «أنتيغون هي كل ما لا أستطيع أن أكونه، حتى لو حاولت. فأن تكونوا نجمة في السماء أسهل من أن تكونوا أنتيغون. نعيش في عالم الضوء فيه قاسٍ والصوت عالٍ، وأحياناً يحقّ لنا البحث عن متنفس قبل أن نموت ببطء أو بسرعة. من هنا وُلدت تقبرني».

وتُسدِل المسرحية ستارتها على مشهد جدي تؤدِّيه ريم مروّة، تطرح فيه الأمور بوضوح، مؤكدة أن الحقيقة تبقى وسيلة أساسية في مواجهة الظلم.


مقالات ذات صلة

«سما»... صرخة مسرحية تحذر من عواقب اضطهاد النساء

يوميات الشرق عرض «سما» ميلودرامي مأساوي يدعو للتأمل في صمت المرأة (إدارة المهرجان القومي للمسرح المصري)

«سما»... صرخة مسرحية تحذر من عواقب اضطهاد النساء

هل يخدعنا صمت المرأة حين تصمت طويلاً وهي محاطة بسلسلة لا تنتهي من عوامل القهر والاضطهاد فنظن أنها ارتضت بالأمر الواقع.

رشا أحمد (القاهرة )
يوميات الشرق بطلا المسرحية طارق تميم وسامي حمدان في أحد مَشاهدها (الشرق الأوسط)

«أمان ترللي»: حين يطول العنف الأسري الرجل... فينحني

يتناغم سامي حمدان وطارق تميم في حواراتهما إلى حد يصبح فيه كلاهما مرآةً للآخر...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق جانب من عرض «الملك لير» في الإسكندرية (وزارة الثقافة المصرية)

«الملك لير» في «مهمة سكندرية» لإنعاش مسرح بيرم التونسي

بعد أكثر من موسم ناجح منذ انطلاقه في بدايات الألفية الجديدة، لا يزال العرض المسرحي «الملك لير» يحظى بالوهج نفسه.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الفنّ لا يُوزَن ولكن يمكن الاقتراب منه بضمير يقظ (المونو)

«جوائز المونو» تنطلق من بيروت... وطموح لجَمْع المسرحيين العرب

تُراهن إدارة «المونو» على أن تتحوَّل الجوائز تقليداً سنوياً يواكب الإنتاج المسرحي اللبناني ويمنح العاملين فيه منبراً للاحتفاء بجهودهم...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لقطة من عرض «سفر» في حفل افتتاح المهرجان القومي للمسرح (إدارة المهرجان)

«القومي للمسرح» يمنح زخماً لحركة «أبو الفنون» في مصر

تشهد مسارح العاصمة المصرية القاهرة على مدار أكثر من أسبوعين حراكاً وزخماً فنياً لافتاً بفضل الدورة الـ19 من المهرجان القومي للمسرح المصري.

رشا أحمد (القاهرة)