انتهاكات انقلابية ومقررات مفخخة في جامعات يمنية

سلوك ممنهج للعبث بقطاع التعليم العالي

يتحكم الحوثيون في مفاصل التعليم العالي كافة في مناطق سيطرتهم خدمةً لأجندتهم الفكرية (فيسبوك)
يتحكم الحوثيون في مفاصل التعليم العالي كافة في مناطق سيطرتهم خدمةً لأجندتهم الفكرية (فيسبوك)
TT

انتهاكات انقلابية ومقررات مفخخة في جامعات يمنية

يتحكم الحوثيون في مفاصل التعليم العالي كافة في مناطق سيطرتهم خدمةً لأجندتهم الفكرية (فيسبوك)
يتحكم الحوثيون في مفاصل التعليم العالي كافة في مناطق سيطرتهم خدمةً لأجندتهم الفكرية (فيسبوك)

ارتكبت الجماعة الحوثية موجة جديدة من التعسفات والانتهاكات ضد جامعات يمنية في العاصمة المختطفة، صنعاء، ومحافظة إب ضمن السلوك الممنهج للعبث بقطاع التعليم العالي في جميع المناطق تحت سيطرة الجماعة.

وتحدثت مصادر أكاديمية يمنية عن أن الجماعة الحوثية استحدثت أخيراً مقررات دراسية جديدة وفرضتها على طلبة الجامعات تحوي بين طياتها الطابع التعبوي، ولا تخضع لأدنى المعايير العلمية، إلى جانب عبثها بحق الاعتماد الأكاديمي الطبي، وارتكاب قادتها جرائم دهم واعتداء بحق أكاديميين ومنازلهم في صنعاء.

البوابة الرئيسية لجامعة إب اليمنية (الشرق الأوسط)

وأوضحت المصادر أن الجماعة استحدثت قبل أيام مقرراً دراسياً جديداً ضمن ما تُسمى «الثقافة الإسلامية» في جامعة إب، وتسعى إلى تعميمه على بقية الجامعات في محافظة إب، والمناطق الواقعة تحت سيطرتها.

وبحسب المصادر، فإن المقرر الدراسي المفخخ الذي لاقى اعتراضاً من قبل أكاديميين بجامعة إب لكونه يعد مخالفاً للقوانين واللوائح المنظمة للتعليم العالي، أعده أحد الموالين للجماعة، ويدعى ميون فيروز، والذي لا يحمل أي مؤهل علمي يخول له القيام بإعداد برامج ومقررات دراسية جامعية.

وسبق للقيادي الحوثي ميون أن قضى سنوات عدة بأحد سجون محافظة إب على ذمة اتهامه، من قبل حكومات سابقة، بانتمائه لتنظيم «القاعدة» الإرهابي قبل أن ينخرط في صفوف الجماعة، من خلال عملية مقايضة بالإفراج عنه مقابل موافقته على العمل معها والترويج لأفكارها في أوساط اليمنيين.

معايير مزدوجة

في صنعاء، حرمت الجماعة الحوثية طلبة جامعة صنعاء (كبرى الجامعات الحكومية) من حق الاعتماد الأكاديمي البرامجي الطبي، في وقت سمحت فيه بذلك في جامعات مستحدثة تابعة لها منها ما تُسمى «جامعة 21 سبتمبر».

مجلس حوثي يعتمد 4 برامج طبية في جامعة تديرها الجماعة (فيسبوك)

واستنكر طلاب وأكاديميون في جامعة صنعاء ذلك الإجراء، معبرين عن رفضهم القاطع له، كما اتهموا قيادة الجامعة الموالية للجماعة بتعمد حرمانهم وجامعتهم من الاعتماد الأكاديمي.

وبمقابل الحرمان الحوثي للطلبة في جامعة صنعاء ومؤسسات تعليمية أخرى من ذلك الحق، تحدّثت مصادر أكاديمية مطلعة في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، عن تسلُّم ما يسمى «مجلس الاعتماد الأكاديمي»، الخاضع للجماعة بصنعاء طلب اعتماد 4 برامج طبية في «جامعة 21 سبتمبر» الحوثية.

وسبق ذلك توقيع المجلس نفسه اتفاقية مع الجامعة ذاتها تتعلق بتقديم الدعم الفني لضمان ما أسماه «جودة تنفيذ البرامج الأكاديمية في الجامعة» بمجالات الصيدلة السريرية، والطب المخبري، والتمريض العالي، والإدارة الطبية.

شكاوى من تعسف

شكا أكاديميون وطلبة في جامعة صنعاء لـ«الشرق الأوسط» من أن جامعتهم لا تزال حتى اللحظة تعاني من عمليات ابتزاز وفساد ناتجة، في معظمها، عن استمرار صراع أجنحة الجماعة في كليات وأقسام الجامعة، مطالبين بالكف عن تلك الممارسات، ورفع القيود التعسفية المفروضة على الجامعة ومنتسبيها، التي أدت إلى تراجع جودة التعليم خلال السنوات الماضية.

كما ناشدوا الجهات الدولية، المعنية بدعم التعليم في اليمن، الضغط على الجماعة؛ لكي تعمل على تحسين جودة التعليم الجامعي بعيداً عن التمييز السلالي والطائفي، ومن أجل توفير بيئة ملائمة تحفّز الطلبة اليمنيين على الالتحاق بالجامعات لمواصلة تعليمهم العالي.

البوابة الرئيسية لجامعة ذمار اليمنية (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد جديد الانتهاكات الحوثية ضد الأكاديميين، اعتدى قيادي حوثي يدعى محمد الروضي، يعمل في قطاع الأشغال والطرق، على الدكتور علي مطهر العثربي أستاذ العلوم السياسية بكلية الإعلام في جامعة صنعاء، والذي يشغل أيضاً منصب رئيس دائرة الفكر والثقافة بحزب «المؤتمر» جناح صنعاء وعضو أمانته العامة، كما شرع القيادي في الجماعة باقتحام منزل الأكاديمي العثربي والعبث بمحتوياته.

وفي رسالة تقدم بها الأكاديمي العثربي، شكا من الظلم والجور الحوثي الذي وقع عليه وطال منزله، الأمر الذي أثار موجة استياء في أوساط أعضاء هيئة التدريس وطلبة كلية الإعلام بجامعة صنعاء، حيث طالبوا بسرعة محاسبة القيادي الحوثي، وكل المتورطين في الجريمة، مهددين بالإضراب عن الدراسة وتنفيذ وقفات احتجاجية حال تجاهل مطالبهم.


مقالات ذات صلة

هجوم الحوثيين غرب اليمن يختبر صلابة القوات الحكومية

العالم العربي مدفع تابع للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي حيث يتم التصدي للهجمات الحوثية (إعلام عسكري)

هجوم الحوثيين غرب اليمن يختبر صلابة القوات الحكومية

هجوم الحوثيين في جنوب الحديدة وجنوب غربي تعز يضغط على تعز، ويهدد طريق المخا، ويدفع باتجاه توسيع نفوذ الجماعة نحو باب المندب وجنوب البحر الأحمر.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الحوثيون يخسرون مزيداً من عناصرهم بسبب تصعيدهم العسكري (فيسبوك)

الخسائر البشرية الحوثية تتضاعف مع اتساع رقعة المواجهات

تكشف قوائم التشييع الحوثية عن تصاعد خسائر الجماعة البشرية، مع مقتل أكثر من 35 عنصراً خلال أقل من أسبوعين و375 آخرين خلال يوليو وأغسطس الماضيين.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
الخليج يرفع الدعم قدرة الاقتصاد اليمني على مواجهة الضغوط المالية والنقدية (إعلام حكومي)

السعودية تدعم «البنك المركزي اليمني» لتعزيز الاستقرار الاقتصادي

قدمت السعودية دعماً جديداً لـ«البنك المركزي اليمني»، ضمن جهودها الرامية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي باليمن؛ إنفاذاً لتوجيهات قيادة المملكة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص عنصر حوثي في صنعاء يضع رسماً لزعيم الجماعة على ملابسه (أ.ب)

خاص تغييرات حوثية تطول قيادات عسكرية وسط تصاعد الضربات الحكومية

شرع الحوثيون في إجراء تغييرات مفاجئة لقيادات عسكرية وسط ضربات تتلقاها الجماعة من الشرعية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي جانب من الاجتماع المشترك لمجلس القيادة الرئاسي اليمني مع الحكومة (سبأ)

القيادة اليمنية تشدد على تجفيف موارد الحوثيين

شدد مجلس القيادة اليمني والحكومة على تجفيف مصادر تمويل الحوثيين ومكافحة التهريب، مع رفع الجاهزية العسكرية والأمنية وتعزيز الرقابة على المنافذ وحماية الموارد

«الشرق الأوسط» (عدن)

«وفرة العقارات» لا تحد من أزمة السكن في مصر

السكن أصبح حلماً صعباً للكثير من المصريين مع ارتفاع الأسعار (وزارة الإسكان المصرية)
السكن أصبح حلماً صعباً للكثير من المصريين مع ارتفاع الأسعار (وزارة الإسكان المصرية)
TT

«وفرة العقارات» لا تحد من أزمة السكن في مصر

السكن أصبح حلماً صعباً للكثير من المصريين مع ارتفاع الأسعار (وزارة الإسكان المصرية)
السكن أصبح حلماً صعباً للكثير من المصريين مع ارتفاع الأسعار (وزارة الإسكان المصرية)

يؤجل المصري الثلاثيني عمر طارق قرار الارتباط حتى يستطيع الحصول على شقة، ولو عن طريق الإيجار، في ظل ظروفه الاقتصادية التي لا تسمح له بتملك واحدة، لكن حتى الإيجار الشهري ليس سهلاً في ظل ارتفاع قيمة الإيجارات بشكل لا يتناسب مع الأجور.

يعمل طارق، المقيم حالياً مع والدَيه وأشقائه في حي المعادي (جنوب القاهرة)، موظفاً في شركة خاصة، ولا يتعدى راتبه الشهري الحد الأدنى للأجور، والذي يبلغ 8 آلاف جنيه (نحو 157 دولاراً)، في حين أن إيجار «أقل شقة 3 آلاف جنيه، في مناطق متوسطة مثل حدائق المعادي أو طرة أو حلوان»، مشيراً إلى أنه لا يجرؤ على البحث عن شقق في حي المعادي الذي ترعرع فيه؛ إذ تتضاعف الإيجارات في تلك المنطقة المميزة.

ولا تدور أزمة السكن في مصر حول نقص المعروض بشكل عام، فعلى العكس «توجد وفرة مقارنة بحجم الطلب»، وفق عضو «شعبة الاستثمار العقاري» في «غرفة القاهرة التجارية» علاء فكري، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن الأزمة «تتلخص في تركز هذه الوفرة في نوعية وحدات موجهة للطبقات العليا، في حين تعاني الطبقة الوسطى وما دونها من إيجاد وحدات تتناسب مع قدراتها المادية».

ولفت فكري إلى أنه «مع ارتفاع أسعار الوحدات السكنية، اتجه أبناء الطبقة الوسطى والدنيا إلى الإيجار، وأدت زيادة الطلب إلى ارتفاع الأسعار بشكل لا يتناسب مع الدخول».

جولة لمسؤولين في وزارة الإسكان على مشاريع لمطوّرين في القاهرة الجديدة بعد حديث الرئيس (وزارة الإسكان المصرية)

ودُشنت أكثر من 212 ألف وحدة سكنية، سواء من قبل المطوّرين العقاريين أو الدولة، خلال 2025/2024، باستثمارات قدرها 245.3 مليار جنيه (الدولار بنحو 51 جنيهاً)، وفق مركز الإحصاء.

ويربط مراقبون بين ارتفاع أسعار الإيجارات وزيادة الطلب عليها من قبل الوافدين من جنسيات مختلفة، ما أدى إلى قفزات في أسعارها، في بعض المناطق، لكن اللافت أنه رغم تراجع أعداد الوافدين المتمركزين في «منطقة فيصل» كمثال، ما زالت أسعار الإيجارات مرتفعة.

وبعيداً عن الوافدين، يرى الباحث العمراني ومدير «مرصد العمران» يحيي شوكت، أن أزمة السكن هي في الأساس أزمة في القدرة الشرائية؛ نظراً لارتفاع أسعار العقارات بالنسبة إلى مستويات الدخل، خاصة للفقراء ومتوسطي الدخل، عبر عقود من الزمن.

ويضيف مؤسس «مرصد العمران» أن «غالبية المصريين المتملكين مسكناً تملكوه من خلال البناء الذاتي وليس الشراء، سواء بالبناء في الريف أو المدن الجديدة، فالبناء يتم عبر سنوات حسب قدرة ومدخرات الملاك. إنما التملك عبر الشراء من السوق محدود نسبياً، ولم يتعدَّ الثلث حسب تعداد 2017، وهذا نتيجة ضعف قدرة الشراء».

وجه آخر من أزمة السكن في مصر يكمن في «لجوء قطاع واسع من المصريين إلى العمل في الخارج وتحويل مدخراتهم لشراء عقار، مما أحدث سوقين للعقارات، وتنافساً غير عادل بين قدرتين شرائيتين»، حسب شوكت الذي أضاف: «هذا بالإضافة إلى سياسة الحكومة في تشجيع تدويل السوق العقارية المصرية لجلب العملة الصعبة، ما زاد التأثير السلبي على القدرة الشرائية المحلية».

ولم تعرف الأربعينية رباب محمد معنى الاستقرار والاطمئنان في سكن منذ زواجها قبل نحو 10 سنوات، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إنها تنقلت خلال هذه الفترة بين 4 شقق مختلفة كلها في «منطقة أرض اللواء» بمحافظة الجيزة.

وتعمل رباب في إحدى الصالات الرياضية بمنطقة الهرم، وزوجها كان نادلاً في مطعم قبل أن يقعده المرض، ليقتصر دخل الأسرة التي لا تضم أطفالاً على راتب الزوجة. وتقول: «راتبي 4 آلاف جنيه، أدفع 3500 جنيه، ونعيش على الاقتراض»، لافتة إلى أنه قبل 3 سنوات كان الإيجار يبلغ تقريباً ثلث دخلها، لكن الآن يبتلع راتبها كله.

ويعتبر الخبير الاقتصادي عاطف وليم أن أزمة السكن من أعمق الأزمات في مصر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنه «بالنظر إلى القيم الإيجارية وأسعار الوحدات وتكاليف المعيشة، فالحد الأدنى الذي يوفر كرامة للمواطن يجب ألا يقل عن 20 ألف جنيه».

سوق العقارات تتسع في مصر لكن أزمة السكن مستمرة (وزارة الإسكان المصرية)

بدأ مشروع «الإسكان الاجتماعي» في مصر، والقائم على تقديم دعم للشباب والأسر للحصول على وحدة سكنية عبر تقسيط قيمتها على فترات طويلة، في عام 2014، ورغم تدشين أكثر من 600 ألف وحدة لمحدودي الدخل، لكن ذلك لم يحل أزمة السكن لكثيرين، ومن بينهم عمر طارق ورباب محمد، اللذان لا يستطيعان تحمل تكلفة مقدمة الحجز، والتي وصلت الآن إلى 50 ألف جنيه.

ومؤخراً، أعلنت الدولة طرح شقق بنظام الإيجار، مع وجود فرصة للتملك فيما بعد، وتطرح الدولة 30 ألف وحدة قريباً كشريحة أولى. ويرحب شوكت بهذا الطرح الحكومي، معتبراً أنه «خطوة تصحح النفاذ للوحدات؛ لأن الوحدات المبيعة بالتمويل العقاري تعتبر لمتوسطي الدخل فعلياً؛ نظراً إلى تطلب حد أدنى للدخل والثروة أو المدخرات للوفاء بالمقدم».

لكن عضو «شعبة الاستثمار العقاري» علاء فكري، يرى أن «هذا ليس حلاً فعالاً بالنظر إلى حجم الأزمة الكبير، وضآلة الأعداد المطروحة»، متشككاً في أن تستطيع الدولة تكرار هذه التجربة بشكل دوري في ظل أن أموال هذه الشقق تعتبر غير مستردة لها على الأقل في المدى القريب، ما سيخلق أزمة تمويلية. في المقابل، رأى أن الحل في «منح تسهيلات للمطوّرين من أجل البناء وطرح وحدات للإيجار تتناسب مع قدرات أقل الشرائح»، وعلق قائلاً: «الحكومة مطالبة بالتفكير في حلول لوضع حد للأزمة».

التدخل الحكومي بحلول جديدة يدعمه أيضاً شوكت، قائلاً: «كنا قد اقترحنا في (مرصد العمران)، وقت تعديل قانون الضرائب العقارية، تحفيز الإيجار من خلال إعفاء الملاك من الضريبة حال تأجير وحداتهم بشكل اجتماعي؛ أي بأسعار أقل من سعر السوق بضوابط تضعها الحكومة».

الأمر نفسه يؤكده الباحث الاقتصادي محمد مهدي عبد النبي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة صاحبة الأرض، وهي المخولة بطرح حلول لأزمة السكن، والتي لا يوجد أمد قريب لحلها تلقائياً دون تدخل رسمي، في ظل تراجع القوة الشرائية»، لافتاً إلى أن «العقارات موجودة بشكل كبير، وحالها يكاد يتسم بالركود، ويتم التعامل معها على أنها مخزن للقيمة، لا بيوت للسكن، وهذا يعمّق التفاوت الطبقي والأمان المجتمعي».


هجوم الحوثيين غرب اليمن يختبر صلابة القوات الحكومية

مدفع تابع للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي حيث يتم التصدي للهجمات الحوثية (إعلام عسكري)
مدفع تابع للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي حيث يتم التصدي للهجمات الحوثية (إعلام عسكري)
TT

هجوم الحوثيين غرب اليمن يختبر صلابة القوات الحكومية

مدفع تابع للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي حيث يتم التصدي للهجمات الحوثية (إعلام عسكري)
مدفع تابع للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي حيث يتم التصدي للهجمات الحوثية (إعلام عسكري)

لا يبدو الهجوم الحوثي الواسع على جبهات الساحل الغربي لليمن مجرد محاولة جديدة لاختبار خطوط التماس، في ظلِّ اتساع نطاق العمليات بين جنوب الحديدة وجنوب غربي تعز، واستخدام الجماعة في وقت متزامن الهجمات البرية والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة.

فبعد سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة 2022، اختار الحوثيون المدعومون من إيران منطقة شديدة الحساسية جغرافياً وعسكرياً لشنِّ واحدة من أعنف هجماتهم منذ ذلك الحين، مستهدفين مواقع القوات الحكومية في البرح والكدحة ومقبنة والأحطوب وجبل غباري، بالتزامن مع قصف طال المخا والخوخة والوازعية ومناطق أخرى في الساحل الغربي.

وتشير طبيعة التحرك وتوزع الهجمات إلى أن الجماعة تريد تحقيق أكثر من هدف ميداني في آن واحد؛ في مقدمتها الضغط على مدينة تعز من جهة الغرب، وقطع أو تهديد الطريق الذي يربطها بميناء المخا، ودفع القوات الحكومية إلى توزيع قدراتها على جبهة واسعة تمتد من ريف تعز إلى جنوب الحديدة، مع إبقاء الممرات البحرية في دائرة التهديد.

مسيّرة حوثية أطلقها الحوثيون في وقت سابق لاستهداف مدينة المخا ومينائها (أ.ف.ب)

وأفادت مصادر من الجانبين، الجمعة، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بمقتل أكثر من 80 شخصاً في الاشتباكات منذ الخميس، بينما لم تصدر حصيلة رسمية موحدة من الحكومة اليمنية أو الحوثيين.

وقال مسؤول عسكري يمني إن 24 من القوات الحكومية قُتلوا، بينما تحدث مسؤول عسكري آخر عن مقتل 15 من قوات محور تعز، بينما قالت مصادر طبية في مناطق خاضعة للحوثيين إن المستشفيات استقبلت 42 قتيلاً.

ويأتي التركيز على جنوب غربي تعز في منطقة تمثل حلقة وصل بين المدينة والساحل. ولذلك فإن السيطرة على مواقع متقدمة في الكدحة والبرح ومقبنة لا تعني، في الحساب العسكري، الاستحواذ على أراضٍ إضافية فحسب، وإنما الاقتراب من إحدى أهم خطوط الحركة والإمداد بين تعز والمخا.

وكانت القوات الحكومية قد قالت إن الهجوم الحوثي استهدف السيطرة على الطريق الرابط بين تعز والمخا، وهو ما يمنح هذا الطريق أهمية مركزية في فهم أهداف التصعيد الأخير.

فالضغط على هذا المسار يمكن أن يضع مدينة تعز أمام مزيد من الضغوط من الجهة الغربية، كما يمكن أن يربك حركة القوات الموجودة في الساحل، ويجبرها على التعامل مع تهديد بري متزامن بدلاً من التركيز على حماية الموانئ والمناطق الساحلية.

صاروخ أطلقه الحوثيون في وقت سابق لاستهداف الساحل الغربي اليمني (أ.ف.ب)

ومن هنا تبدو جبهات البرح والكدحة ومقبنة متصلة، في الحساب الحوثي، بما يجري جنوباً في اتجاه الساحل، وليس بوصفها قطاعات منفصلة من خطوط القتال.

وقد أحبطت القوات الحكومية والمقاومة الوطنية ومحور تعز محاولات التسلل والهجمات الحوثية، قبل أن تنتقل إلى هجمات مضادة بإسناد مدفعي وتعزيزات مشتركة. وأعلنت القوات الحكومية مقتل وإصابة وأسر عدد من الحوثيين وتدمير آليات عسكرية، كما تحدثت مصادر عن مقتل 3 قيادات ميدانية بارزة في صفوف الجماعة.

لكن الأهم أن الحوثيين لم يكتفوا بالضغط على الخطوط البرية. فقد أطلقوا نحو 14 صاروخاً باليستياً باتجاه مناطق في المخا والخوخة والساحل الغربي، بينها صاروخ استهدف جسر الوازعية الرابط بين الساحل وتعز، كما استهدفت الجماعة مدرسة كريم في الوازعية، ما أدى إلى أضرار في المبنى دون تسجيل ضحايا.

جنوب الحديدة وعين على البحر

لا تتوقف أهمية الهجوم عند حدود تعز والمخا. فالمواجهات امتدت إلى جنوب الحديدة، لا سيما في اتجاه حيس والخوخة، وهي جغرافيا تفتح مباشرة على الساحل الغربي وتقترب من خطوط الملاحة في جنوب البحر الأحمر.

ويمنح هذا الانتشار الحوثيين فرصة للضغط على القوات الحكومية من مساحة أوسع، كما يتيح للجماعة إبقاء تهديد البحر جزءاً من المعركة البرية. وقد ظهر ذلك بوضوح في استخدام الزوارق المفخخة بالتوازي مع الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وأحبطت القوات البحرية هجوماً بزورق مفخخ حاول استهداف ميناء المخا، بينما أعلنت القوات الحكومية إسقاط 3 طائرات مسيّرة حوثية خلال المواجهات.

الهجمات الحوثية على ميناء المخا تسببت في أضرار كبيرة (أ.ف.ب)

ولا يسيطر الحوثيون بصورة مباشرة على المناطق الساحلية المطلة على باب المندب، لكنهم يسيطرون على مدينة الحديدة شمال المخا، وسبق أن استخدموا البحر الأحمر منصةً لمهاجمة السفن وتعطيل حركة الملاحة منذ اندلاع الحرب في غزة عام 2023.

ولذلك فإن أي توسُّع بري حوثي في المناطق المطلة على الساحل يكتسب أهميةً تتجاوز الجغرافيا اليمنية الداخلية، وينسجم مع التصعيد الإيراني في مضيق «هرمز» وفي بقية المنطقة.

وكانت الحكومة اليمنية قد حذَّرت خلال أغسطس (آب) من خطط حوثية للسيطرة على ساحل باب المندب، الأمر الذي يضفي على التصعيد الحالي بُعداً إقليمياً، خصوصاً أن باب المندب يمثل ممراً رئيسياً لحركة التجارة والطاقة بين البحر الأحمر وخليج عدن.

اختبار قواعد الاشتباك

إلى جانب المكاسب الجغرافية المحتملة، يحمل الهجوم هدفاً آخر يتمثل في اختبار قدرة القوات الحكومية على التعامل مع عملية واسعة ومنسقة، بعد سنوات من جمود نسبي على معظم خطوط التماس.

فالجماعة لم تفتح محوراً واحداً، بل دفعت بهجمات متزامنة في عدد من القطاعات، وعززتها بقصف صاروخي ومسيرات وزورق مفخخ، في محاولة لإرباك القرار العسكري وتوزيع الجهد الدفاعي على أكثر من هدف.

كما دفعت، وفق مصادر عسكرية، بتعزيزات كبيرة باتجاه البرح، في مؤشر على أنها لم تتعامل مع الهجوم بوصفه عملية محدودة تستهدف موقعاً عسكرياً بعينه.

قوات الجيش اليمني تخوض مواجهات ضارية مع الحوثيين في جبهات تعز (إعلام عسكري)

لكن الهجوم اصطدم باستعداد القوات الحكومية والمشتركة. وقالت المصادر إن القوات امتصت الضربة الأولى وشنَّت هجمات مضادة، بينما أعلنت القوات الحكومية إسقاط مسيّرات وتدمير آليات حوثية وأسر عدد من عناصر الجماعة.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية بالنسبة إلى حسابات الحوثيين؛ إذ إن نجاحهم في فتح ثغرة في هذه الجبهة كان يمكن أن يمنحهم زخماً ميدانياً وسياسياً، بينما يفرض فشل الهجوم، أو تحوله إلى معارك استنزاف، تكلفة بشرية وعسكرية مرتفعة عليهم.

وقد أظهرت المواجهات بالفعل خسائر في صفوف الجماعة، بينها 3 قيادات ميدانية بارزة، في وقت تحدثت فيه مصادر عسكرية عن سقوط نحو 50 عنصراً بين قتيل وجريح وأسير في جبهتَي مقبنة والكدحة.

في المقابل، دفعت المعارك سكان قرى في مقبنة والكدحة، بمَن فيهم نازحون في المخيمات، إلى النزوح مجدداً، وسط حالة من الخوف نتيجة القصف والمواجهات.

تأكيد على الرد الحازم

على المستوى السياسي، عكست تحركات القيادة اليمنية تقديراً بأن التصعيد الحوثي يتجاوز كونه هجوماً محدوداً على مواقع متقدمة، إذ أجرى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، اتصالات مع عدد من القادة العسكريين، بينهم عضو مجلس القيادة الفريق أول ركن طارق صالح؛ للوقوف على تطورات الموقف في جبهات تعز والحديدة، ومستوى الجاهزية لمواجهة الهجوم.

طائرة مسيّرة حوثية أسقطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام عسكري)

وأكد العليمي، وفق ما أوردته المصادر الرسمية، أن القوات المسلحة بمختلف تشكيلاتها قادرة على التعامل مع التصعيد وإفشال أهداف الحوثيين، مشيداً بمستوى الجاهزية والروح المعنوية للقوات المرابطة في الجبهات. وعدَّ أن الهجمات الحوثية المتواصلة لن تغير معادلة القوة والردع التي راكمتها القوات الحكومية، ولن تتيح للجماعة تحقيق مكاسب جديدة على الأرض.

وحمل حديث رئيس مجلس القيادة بُعداً سياسياً إلى جانب رسالته العسكرية، إذ أكد أن المواجهة، من وجهة نظر الحكومة، لا تتعلق فقط بالدفاع عن مواقع عسكرية أو خطوط تماس، وإنما باستعادة مؤسسات الدولة وحماية المدنيين والممرات والمنشآت الحيوية.

كما شدَّد على أن الدولة سترد بحزم على التصعيد، عادّاً أن حرصها السابق على تجنب توسيع دائرة القتال وحقن دماء اليمنيين لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه ضعفاً أو تراجعاً عن حماية مناطق سيطرة الحكومة.

ودعا العليمي أبناء القبائل في مناطق سيطرة الحوثيين إلى عدم الدفع بأبنائهم إلى جبهات القتال، محذراً من تحويلهم إلى وقود لمعارك الجماعة، في رسالة تعكس محاولة الحكومة الفصل بين الحوثيين والبيئات الاجتماعية التي تستقطب منها الجماعة مقاتليها، خصوصاً مع ارتفاع الخسائر البشرية التي أفرزتها المواجهات الأخيرة.


الخسائر البشرية الحوثية تتضاعف مع اتساع رقعة المواجهات

الحوثيون يخسرون مزيداً من عناصرهم بسبب تصعيدهم العسكري (فيسبوك)
الحوثيون يخسرون مزيداً من عناصرهم بسبب تصعيدهم العسكري (فيسبوك)
TT

الخسائر البشرية الحوثية تتضاعف مع اتساع رقعة المواجهات

الحوثيون يخسرون مزيداً من عناصرهم بسبب تصعيدهم العسكري (فيسبوك)
الحوثيون يخسرون مزيداً من عناصرهم بسبب تصعيدهم العسكري (فيسبوك)

تواجه الجماعة الحوثية خسائر بشرية متزايدة في صفوف مقاتليها، بالتزامن مع استمرار التصعيد العسكري على خطوط التماس مع القوات الحكومية اليمنية، خصوصاً في جبهات الساحل الغربي وتعز والضالع ومأرب، إلى جانب جبهات أخرى.

وتشير أحدث الخسائر المعلنة إلى مقتل أكثر من 35 عنصراً حوثياً خلال أقل من أسبوعين، معظمهم من حملة الرتب العسكرية، دون أن تكشف الجماعة عن أماكن أو توقيت مقتلهم.

ووفقاً لما أوردته قناة «المسيرة» التابعة للحوثيين، شيّعت الجماعة في صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها عدداً من قتلاها، بينهم اللواء حسن علي مطهر، والعقيد محمد محسن الغاثي، والعقيد عبد الله عبد اللطيف الكبسي، والعقيد محمد علي جحاف، والعقيد يوسف دومان اليماني، والعقيد عمر مطهر الدعير.

وبحسب القناة، شيّعت الجماعة كلاً من يوسف إبراهيم الموساي، والنقيب نجيب حسين الحرثي، وعبد الله سعيد أبو سرعة، وعباد عبد الخالق المخاج، وعلاء الدين حميد السعيدي، ومحمد يحيى المرواح، وعمار حسين الأحوس، وأحمد علي جراد، وبشار عبد الله موانس، إلى جانب عدد آخر من القيادات والعناصر.

انقلابيو اليمن يشيعون عدداً من قتلاهم في شمالي محافظة الضالع (إعلام حوثي)

وأفادت وسائل إعلام حوثية بأن مراسم تشييع معظم القتلى جرت في صنعاء ومحافظات الحديدة وحجة وتعز وإبّ وريمة وعمران وصعدة ومناطق أخرى، دون الكشف عن ظروف مقتلهم أو المواقع التي سقطوا فيها.

160 قتيلاً خلال 45 يوماً

في سياق متصل، أظهرت إحصائية يمنية حديثة تكبُّد الحوثيين خسائر بشرية كبيرة خلال نحو شهر ونصف الشهر، غالبيتهم من العناصر الذين ينتحلون رتباً عسكرية مختلفة، في ظل استمرار المواجهات مع القوات الحكومية.

وبحسب إحصائية أعدها ونشرها موقع «يمن فيوتشر»، شيّعت الجماعة أكثر من 160 من عناصرها في عدد من المحافظات الخاضعة لسيطرتها، خلال الفترة من 15 يوليو (تموز) حتى نهاية أغسطس (آب) الماضي.

جانب من مشاركة عناصر حوثية في تشييع قيادات ميدانية بمدينة ذمار (إكس)

وضمت القوائم 82 ضابطاً وقيادياً يحملون رتباً عسكرية مختلفة، بينها لواء وعميد وعقيد ومقدم ورائد ونقيب وملازم أول وملازم ثانٍ ومساعد، مع حضور لافت لحاملي رتبتَي العقيد والعميد، مقابل 78 عنصراً لم تُذكر لهم رتب عسكرية.

وتوزعت مراسم التشييع على محافظات صنعاء وصعدة وحجة وعمران وذمار وإبّ والحديدة وتعز والضالع والمحويت والبيضاء وريمة. وسجلت الجماعة أكبر دفعة من مراسم التشييع المعلنة في 16 أغسطس، عندما شيّعت 37 من عناصرها، بينهم 7 برتبة عميد و9 برتبة عقيد.

375 قتيلاً

في مؤشر آخر على حجم الخسائر، كشفت مراجعة أجرتها منصة «شيبا إنتليجنس»، وهي منصة استخباراتية رقمية مستقلة متخصصة في رصد التطورات الأمنية والتهديدات وشبكات التهريب في منطقة البحر الأحمر وباب المندب، عن مقتل ما لا يقل عن 375 عنصراً من جماعة الحوثيين خلال شهرَي يوليو وأغسطس الماضيين، بينهم 133 عنصراً أُعلن عنهم برتب عسكرية مختلفة.

وبحسب المراجعة، ارتفع عدد حالات التشييع المعلنة من 93 قتيلاً في يوليو إلى 282 قتيلاً في أغسطس، بزيادة تجاوزت 300 في المائة. كما ارتفع عدد القتلى من حملة الرتب العسكرية من 29 إلى 104 خلال الفترة نفسها.

وضمت قائمة القتلى 133 قيادياً، بينهم ضابط برتبة لواء، و9 برتبة عميد، و38 برتبة عقيد، و72 برتبة رائد، وفق بيانات المنصة.

جانب من تشييع الحوثيين قتلاهم في ريف صنعاء (إعلام حوثي)

وأشارت «شيبا إنتليجنس» إلى أن الارتفاع الحاد في الخسائر البشرية جاء بالتزامن مع تصعيد عسكري متواصل للحوثيين في جبهات مأرب والجوف وتعز والساحل الغربي والضالع، موضحة أن استمرار العمليات القتالية فرض تكلفة متزايدة على الجماعة، خصوصاً على مستوى القوى البشرية والقيادات الميدانية.

وذكر التقرير أن ضربات جوية بطائرات مسيّرة تابعة للقوات الحكومية استهدفت مواقع وثكنات ومراكز قيادة وتجمعات وتعزيزات للحوثيين في محافظات مأرب والجوف وتعز وحجة والحديدة والضالع.

ووفقاً للمراجعة، استحوذت صنعاء ومحافظات ذمار وحجة وصعدة وعمران على 289 قتيلاً، بما يمثل نحو 77 في المائة من إجمالي القتلى الذين أُعلن عنهم خلال يوليو وأغسطس.

وتشير هذه البيانات، رغم اختلاف الأرقام التي ترصدها المصادر المختلفة، إلى تصاعد ملحوظ في حجم الخسائر البشرية المعلنة في صفوف الحوثيين، ولا سيما بين القيادات والعناصر الحاملة رتباً عسكرية، بالتزامن مع استمرار التصعيد على عدد من جبهات القتال اليمنية.