الحوثيون يقرّون بأزمة الوقود المغشوش بعد اتساع الغضب

خبراء يربطون سلوك الجماعة بشح الموارد المالية

الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يقرّون بأزمة الوقود المغشوش بعد اتساع الغضب

الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)

بعد أيام من التجاهل والإنكار، أقرَّت الجماعة الحوثية بأزمة الوقود المغشوش الذي انتشر في مناطق سيطرتها وتسبب بخسائر كبيرة لملاك السيارات والمركبات، وحوادث هدَّدت حياة مئات المتنقلين وسلامتهم، وأثار غضب السكان وتهكمهم، وسط أزمة مالية دفعت الجماعة إلى ممارسات تشدد الخناق على المستثمرين والسكان.

وأقرَّت شركة النفط التابعة للجماعة الحوثية بوجود شكاوى واسعة تتعلق بأعطال أصابت مركبات بعد تعبئة الوقود، وزعمت أن فِرقاً فنية تابعة لها باشرت سحب عينات من المحطات وإخضاعها للفحص المخبري، إلا أنها فسرت التلوث بظروف النقل والتفريغ والتخزين، قبل أن تعود لادعاء تسبب الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية به.

ونشر عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع فيديو لتوقف سياراتهم وتعطلها في الطرقات، وكانت أغلبية الشكاوى من متنزهين تنقلوا لمسافات طويلة أيام عيد الأضحى، واضطروا إلى استئجار سيارات لإعادتهم وعائلاتهم إلى المنازل واستقدام فنيين لإصلاح السيارات.

وعلى الرغم من أن شركة النفط التابعة للحوثيين تحدثت عن إخضاع الوقود المستورد للفحص قبل السماح بتوزيعها في الأسواق، واتخاذ إجراءات احترازية لضمان سلامته، فإن مستخدمي وملاك السيارات والمركبات أعادوا التذكير بأزمة مشابهة خلال العام الماضي.

وظهرت تلك الأزمة بعد فرض الولايات المتحدة حظراً على وصول الوقود إلى ميناء الحديدة، الذي تسيطر عليه الجماعة، بعد تصنيفها منظمة إرهابية أجنبية، وفرضت عقوبات على عدد من قادتها، ورغم اعتراف الجماعة حينها بوجود الوقود المغشوش، فإنها تنصلت من المسؤولية عن انتشاره.

تبريرات غير مقبولة

جاء في تبريرات الشركة الخاضعة للحوثيين، أخيراً، أن خزاناتها النفطية تعرضت للتدمير الكامل من جراء غارات أميركية وإسرائيلية؛ ما أدى إلى اضطرارها إلى استخدام خزانات أخرى لا تسمح بترسب الشوائب وتنقية الوقود.

يمني يلجأ لتفريغ الوقود الحوثي المغشوش من خزان سيارته (إكس)

وكان عدد من القادة الحوثيين نفوا، خلال الأيام الماضية، وقوع هذه الأزمة، قبل أن يعاود بعضهم الحديث عنها بوصفها تستهدف الجماعة والإساءة إليها.

وحاول القيادي نصر الدين عامر، المُعيَّن في منصب رئيس مجلس إدارة النسخة الحوثية من وكالة «سبأ»، تخفيف الغضب الشعبي بزعم تعرض سيارته لعطل واضطراره إلى نزع خزان الوقود، مدعياً أن هذه الحالات نادرة وليست بذلك القدر من الانتشار كما يجري الحديث في أوساط المجتمع، وقال إن سيارات معارفه لم تتعطل رغم تعبئتها بالوقود من المحطة ذاتها التي يشتري منها الوقود.

وعلق، فكري، وهو أحد فنيي السيارات، على مزاعم عامر بأنه شخصياً فحص وحاول إصلاح أكثر من 20 سيارة في ورشة يعمل بها في العاصمة المختطفة صنعاء خلال الفترة منذ ما قبل العيد، واتضح أن غالبيتها تعرضت لأعطال بسبب رواسب خطيرة تؤثر على كفاءة محركاتها.

وفسّر فكري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» عدم تعرض جميع السيارات للأعطال نفسها، بأن الأمر لا يعود إلى وجود كمية قليلة من الوقود المغشوش، بل إلى أن غالبية السيارات الحديثة، وأغلبها صغيرة الحجم وخفيفة الوزن، تعمل بقطع ومعدات حساسة لا تستطيع مقاومة التلوث، ويمكن لأي رواسب أن تتسبب بأعطال فيها.

وعلى العكس من ذلك، فإن السيارات التي تنتمي إلى طرازات مشهورة بالقوة والصلابة تستطيع محركاتها التعامل مع التلوث ومقاومته إلى حد كبير، إلا إذا كانت نسبته كبيرة أو جرى استخدامه فيها لوقت طويل.

أزمات مترابطة

يرى خبراء ومراقبون أن أزمة الوقود المغشوش مرتبطة بالأزمة المالية التي تحاصر الجماعة الحوثية منذ أشهر بسبب تداعيات العقوبات الدولية المفروضة عليها وممارساتها التي خنقت الأنشطة الاقتصادية في مناطق سيطرتها.

يمني تعرَّضت سيارته لحادث بعد توقفها وسط الطريق بسبب الوقود الحوثي المغشوش (إكس)

من جهته، فسّر فؤاد المقطري، وهو باحث اقتصادي يمني، عودة الوقود المغشوش للانتشار في مناطق سيطرة الحوثيين بالأزمة المالية التي تعانيها الجماعة؛ وهو ما اضطرها إلى استيراد وقود رخيص غير مرغوب فيه، أو اللجوء إلى تسويق كميات من الوقود المغشوش الذي يُحتمل أنها تحتفظ به منذ سنوات.

وأوضح الباحث لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة منذ سنوات أعلنت عن ضبط ومصادرة كميات كبيرة من الوقود المغشوش، ولم تصرح عن كيفية تعاملها معها، مرجحاً أن تكون خزَّنتها تحسباً لأي أزمات تواجهها، مثل الأزمة المالية الحالية.

وحذَّر من أن ممارسات الجماعة ستؤدي إلى المزيد من تراجع الأنشطة التجارية بفعل تراجع القدرة الشرائية للسكان واتساع رقعة البطالة، إلى جانب ما تسببت به العقوبات المفروضة عليها من تقييد لمصادر التمويل.

العقوبات على الحوثيين أسهمت في التضييق على مواردهم المالية (رويترز)

وتواجه الجماعة الحوثية أزمة مالية متفاقمة دفعتها إلى تكثيف إجراءات الجباية وفرض رسوم وأعباء مالية جديدة على التجار ورجال الأعمال في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بعد تراجع الموارد المالية وتباطؤ النشاط الاقتصادي والتجاري، حسب موقع «أتليار» الإسباني.

وكشف الموقع عن أن الجماعة نفذت خلال الفترة الأخيرة حملات واسعة لتحصيل أموال من الشركات والتجار تحت مسميات مختلفة، بعد حملات مماثلة سبقت موسم عيد الأضحى، شملت مطالبات بتقديم مساهمات نقدية وعينية.

وحسب مصادر نقل عنها الموقع، فإن الكثير من التجار ورجال الأعمال يشكون من تزايد الرسوم والالتزامات المالية المفروضة عليهم خلال السنوات الماضية؛ ما دفع العديد منهم إلى تقليص أنشطتهم أو نقلها إلى مناطق أخرى.


مقالات ذات صلة

اتفاقية سعودية - يمنية لتوريد مشتقات نفطية بـ150 مليون دولار

الخليج جانب من توقيع الاتفاقية السعودية - اليمنية بحضور رئيس الوزراء اليمني (الشرق الأوسط)

اتفاقية سعودية - يمنية لتوريد مشتقات نفطية بـ150 مليون دولار

وُقِّعَت، الثلاثاء، اتفاقية «سعودية - يمنية» لتوريد مشتقات نفطية دعماً لتشغيل محطات توليد الكهرباء في مُختلف المحافظات اليمنية بقيمة 150 مليون دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)

«التجسس»... سيف الحوثيين المسلط على العمل الإنساني

أدت حملة الحوثيين ضد موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية إلى شلل العمل الإنساني في مناطق سيطرتهم، ما فاقم الجوع وهدد ملايين المحتاجين بالمجاعة

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي مسنة يمنية نازحة قرب مدينة تعز تطعم أحفادها أوراق شجر مسلوقة (أ.ف.ب)

تحركات يمنية لتوحيد الدعم الأممي مع أولويات الحكومة

الحكومة اليمنية والأمم المتحدة تبحثان تعزيز الشراكة التنموية والإنسانية، فيما تتواصل الجهود الدولية لدعم القطاع الصحي والتحصين ومواجهة الأوبئة في البلاد

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

الحوثيون يدخلون على خط المواجهة الجديدة بين إيران وإسرائيل

تبنى الحوثيون إطلاق دفعة صواريخ تجاه إسرائيل، وأعلنوا فرض حظر على السفن المرتبطة بتل أبيب في البحر الأحمر، عقب تجدد المواجهة بين إيران وإسرائيل

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)

موظفو المنظمات... عام ثالث من المعاناة في السجون الحوثية

مع دخول اعتقال موظفي المنظمات الإنسانية عامه الثالث، تكشف عائلات المحتجزين عن معاناتها المتفاقمة، فيما يجدد مجلس الأمن مطالبته الحوثيين بالإفراج الفوري عنهم...

محمد ناصر (عدن)

مشروعات الطاقة تعزز فرص «التقارب الحذر» بين القاهرة ودمشق

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

مشروعات الطاقة تعزز فرص «التقارب الحذر» بين القاهرة ودمشق

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

في وقت يستهدف قطاع النفط والغاز السوري تسريع وتيرة التعافي واستعادة القدرات الإنتاجية، التقى وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي بوزير الطاقة السوري محمد البشير، الثلاثاء، وبحثا سبل تعزيز التعاون المشترك، في خطوة قال محللون إنها تعزز مسارات «التقارب الحذر» بين البلدين.

جاء اللقاء على هامش فعاليات النسخة العاشرة من «المنتدى العالمي للطاقة»، الذي ينظمه «المجلس الأطلسي» بالعاصمة الأميركية واشنطن، يومي التاسع والعاشر من يونيو (حزيران)، بمشاركة كبار صناع القرار والوزراء في مجالات الطاقة والسياسة الخارجية، ورؤساء شركات الطاقة العالمية والمستثمرين.

ويمضي التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا على قدم وساق مع توجه دمشق نحو إعادة الإعمار، وفي ظل تحديات إقليمية ترتبط بملف الطاقة. ووقع البلدان مذكرتي تفاهم مطلع هذا العام، الأولى «للتعاون في توريد الغاز إلى سوريا عبر مصر لتوليد الكهرباء» والثانية «لتلبية احتياجات سوريا من المنتجات البترولية».

واستعرض الوزيران، الثلاثاء، مستجدات تنفيذ مذكرة التفاهم المتعلقة بالغاز الطبيعي، بالإضافة إلى فرص التعاون في إعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية للطاقة داخل سوريا من خلال الاستفادة من الخبرات والإمكانات التي تمتلكها شركات قطاع البترول المصرية.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني في القاهرة الشهر الماضي (الخارجية المصرية)

وأكد بدوي أن العلاقات بين مصر وسوريا «تستند إلى روابط تاريخية وأخوية قوية، وهو ما يوفر أرضية مناسبة لتعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات الاقتصادية، وعلى رأسها مجالات الطاقة والبنية التحتية»، وفقاً لبيان صادر عن وزارة البترول المصرية الثلاثاء.

«تقارب حذر»

يأتي اللقاء في وقت كانت تطورات مسارات «التقارب الحذر» بين البلدين محل نقاشات عديدة. ونشرت «الشرق الأوسط»، الأسبوع الماضي، تقريراً عن «تحفظات مصرية» تعرقل استقبال سفير سوري جديد، غير أن مصدراً مصرياً مسؤولاً أكد في تصريحات للصحيفة، السبت الماضي، أن الحكومة السورية قدمت مرشحاً آخر لرئاسة البعثة «وأن الأمور تسير نحو اعتماده».

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أشرف حربي، أن التعاون في مجالات اقتصادية مهمة، بما في ذلك ملف الطاقة، يؤدي لمزيد من التقارب، وقد «يخفف من أي إشكاليات» قد تعيق هذا المسار، مشيراً إلى أن العلاقات الاقتصادية والتجارية «تسير بشكل جيد، وهناك رغبة من القاهرة لأن تمضي باقي مسارات التعاون على الوتيرة نفسها وإن كانت هناك بعض التحديات».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تعمل على تنحية أي أزمات جانباً... ونعمل على تهيئة الأجواء المناسبة لأن تعود العلاقات مع سوريا إلى طبيعتها، وبما يدعم انخراط سوريا بشكل كامل في محيطها العربي».

واعتبر أن قضية تعيين سفير جديد لسوريا لدى مصر «ليست بالموضوع الكبير الذي يُعيق العلاقات أو يؤثر على الروابط التاريخية بين الشعبين»، لكنه شدد على أن هناك «أساسيات أو مبادئ رئيسية لا يمكن للقاهرة أن تحيد عنها دون أن يقود ذلك لتوتر في العلاقات مع الجيران والأشقاء العرب».

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية تتحرك نحو اتصالات ثنائية حذرة بسبب مخاوف القاهرة من ملف المسلحين، قبل أن يتجه ذلك تدريجياً نحو تعاون اقتصادي.

لقاءات متعددة

وكان أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» استضافته دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي بمشاركة 26 من قيادات الغرف التجارية المصرية وقطاعات المال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، بمثابة بادرة إيجابية أعقبها نشاط على مستوى اللقاءات الدبلوماسية والاقتصادية.

اجتماعات مصرية - سورية تستهدف الارتقاء بالعلاقات في مجالات مختلفة (الخارجية المصرية)

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيسين لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

وأعقب هذا اللقاء زيارة أجراها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى القاهرة في الثالث من مايو (أيار) الماضي، وتمخض عنها الإعلان عن تشكيل مجلس أعمال مشترك بين البلدين وتوسيع مجالات التعاون التجاري والاقتصادي، مع التأكيد على أهمية تنسيق المواقف بشأن التطورات في المنطقة.

ويقول الباحث في الشؤون الدولية، هاني الجمل، إنه «رغم التقارب الحذر والعلاقات التي يشوبها بعض الغيوم، فإن القاهرة حريصة على أن تمد يدها إلى دمشق، وتؤيد رسم خطوط جديدة للتقارب، بالتزامن مع مساعي سوريا لتسريع وتيرة إعادة الإعمار وتقديم نفسها محطة للمرور والتجارة بين دول الخليج وأوروبا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «مشروعات الطاقة يمكن أن تتجه إلى إعادة إحياء خط الغاز (القاهرة – دمشق - أنقرة)، وبالتالي تقفز الملفات الاقتصادية لتقود القاطرة السياسية». لكنه شدد في الوقت ذاته على أن مصر تتابع عن كثب ما ستؤول إليه خطوات التقارب الحالية مع سوريا في ملفات عديدة، وتنتظر مزيداً من الإجراءات التي تخفف مخاوفها الأمنية، وتترقب السياسات السورية الجديدة.

واستطرد: «القاهرة تهدف في نهاية المطاف لأن تحتوي أي مشكلات من شأنها التأثير سلباً على العمق الاستراتيجي المصري».


«التجسس»... سيف الحوثيين المسلط على العمل الإنساني

عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)
عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)
TT

«التجسس»... سيف الحوثيين المسلط على العمل الإنساني

عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)
عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)

في وقت يقترب فيه بعض المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة الحوثيين من مستويات كارثية من الجوع، وتزداد فيه حاجة ملايين السكان إلى المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، تحولت حملة الاعتقالات التي شنتها الجماعة المتحالفة مع إيران ضد موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية، إلى أحد أبرز العوامل التي عمّقت الأزمة الإنسانية وأعاقت وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجاً.

فبعد سنوات من النزاع والانهيار الاقتصادي، بات العمل الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين يواجه تحديات غير مسبوقة نتيجة القيود المتزايدة والتدخلات المستمرة في أنشطة المنظمات الدولية والمحلية، وصولاً إلى حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت عشرات الموظفين والعاملين في المجال الإغاثي تحت مزاعم أمنية واتهامات بالتجسس.

وبينما كانت المساعدات الإنسانية تمثل شريان حياة لملايين السكان في شمال اليمن، أسهمت هذه الإجراءات في تعطيل جزء كبير من العمليات الإغاثية، الأمر الذي انعكس مباشرة على أوضاع الأمن الغذائي في مناطق تعاني أصلاً من الفقر وانعدام مصادر الدخل وارتفاع معدلات الاحتياج.

وقبل تصاعد الأزمة الأخيرة، كان نحو 3 ملايين شخص في مناطق سيطرة الحوثيين، يحصلون على مساعدات غذائية منتظمة رغم التراجع الحاد في التمويل الدولي المخصص لليمن، غير أن الخلافات المتعلقة بآليات توزيع المساعدات والتدخلات الحوثية في عمل المنظمات الإنسانية، أدت إلى تراجع نشاط كثير من البرامج الإغاثية.

المنظمات الإنسانية رصدت جيوب مجاعة في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

ومع حملة المداهمات والاعتقالات التي طالت مكاتب الأمم المتحدة وعدداً من المنظمات الدولية والمحلية في صنعاء ومناطق أخرى، دخل العمل الإنساني مرحلة جديدة من التعقيد، حيث اضطرت منظمات عديدة إلى تقليص عملياتها أو تعليقها بشكل كامل، ما أدى إلى حرمان ملايين المحتاجين من المساعدات المنقذة للحياة.

ويؤكد عاملون في المجال الإنساني أن القيود المفروضة على المنظمات جعلت الوصول إلى المجتمعات الأشد ضعفاً أكثر صعوبة من أي وقت مضى، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تدهور الأوضاع المعيشية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي.

قمع الإغاثة

ترى منظمات حقوقية دولية؛ بينها «منظمة العفو الدولية» و«هيومن رايتس ووتش» ومعهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، أن الحوثيين حوّلوا تهم «التجسس» إلى أداة لقمع العاملين في المجال الإنساني، وتبرير حملات الاعتقال التي استهدفت أكثر من 100 موظف وعامل إغاثة خلال العامين الماضيين.

وبحسب هذه المنظمات، فإن استمرار احتجاز العاملين الإنسانيين لم يقتصر تأثيره على الضحايا وأسرهم؛ بل انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات على تنفيذ برامجها والوصول إلى الفئات المحتاجة، الأمر الذي فاقم الأزمة الإنسانية في مناطق سيطرة الجماعة.

كما أشارت المنظمات الدولية إلى أن عدداً محدوداً فقط من المحتجزين أُفرج عنهم، فيما لا يزال عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المنظمات الإنسانية رهن الاحتجاز، وسط مخاوف متزايدة بشأن ظروف احتجازهم ومستقبل عمل المنظمات في تلك المناطق.

وربطت المنظمات الحقوقية بين حملة الاعتقالات وتدهور الوضع الغذائي في شمال اليمن، مشيرة إلى التحذيرات المتكررة الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة بشأن تفاقم مستويات انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال الفترة الحالية.

العشرات من العاملين الإغاثيين اعتقلهم الحوثيون ما تسبب في عرقلة المساعدات (إعلام محلي)

وتقول هذه المنظمات إن تعطيل العمل الإنساني جاء في توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد البلاد تراجعاً مستمراً في التمويل الدولي، خصوصاً بعد تقليص مساهمات بعض الجهات المانحة الرئيسية، الأمر الذي قلص قدرة المنظمات على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وفي ظل هذا الواقع، رصدت المنظمات الإنسانية جيوباً من المجاعة في عدد من المناطق، بينما تواجه ملايين الأسر صعوبات متزايدة في الحصول على الغذاء والخدمات الأساسية، ما يهدد بدفع مزيد من السكان إلى مستويات أشد خطورة من الجوع وسوء التغذية.

ويؤكد العاملون في المجال الإنساني أن استمرار القيود المفروضة على المنظمات سيجعل الاستجابة الإنسانية أكثر هشاشة، خصوصاً مع تزايد أعداد المحتاجين وتراجع الموارد المتاحة لتغطية الاحتياجات الأساسية.

مخاوف على المحتجزين

مع امتلاك الحوثيين سجلاً حافلاً بانتهاكات حقوق الإنسان بحق المعتقلين، تتزايد المخاوف المحلية والدولية بشأن مصير العاملين الإنسانيين المحتجزين، خصوصاً بعد وفاة أحد موظفي برنامج الأغذية العالمي أثناء احتجازه لدى الجماعة في فبراير (شباط) 2025.

وتؤكد المنظمات الحقوقية أن كثيراً من المحتجزين تعرض للاختفاء القسري لفترات طويلة، واحتُجزوا دون إجراءات قانونية سليمة، فيما حُرم بعضهم من الرعاية الصحية ومن التواصل مع محامين أو أفراد أسرهم.

الحوثيون حرموا ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (إعلام محلي)

كما تشير إلى أن الحوثيين يواصلون منذ سنوات توجيه اتهامات بالتجسس والتآمر للعاملين في المجال الإنساني والنشطاء والصحافيين والمعارضين، واستخدام هذه الاتهامات لتبرير حملات القمع وإصدار أحكام مشددة بحق بعض المعتقلين.

ودعت المنظمات الحقوقية، الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، إلى تبني موقف أكثر حزماً للضغط على الحوثيين من أجل الإفراج الفوري عن جميع المحتجزين تعسفياً، وضمان حصولهم على الرعاية الصحية والمساعدة القانونية، ووقف القيود المفروضة على المنظمات الإنسانية، بما يسمح بوصول المساعدات إلى ملايين اليمنيين الذين يواجهون خطر الجوع في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.


«مهمة ثقيلة» تنتظر نبيل فهمي في الجامعة العربية

اجتماع سابق بمقر الجامعة العربية بالقاهرة (الجامعة)
اجتماع سابق بمقر الجامعة العربية بالقاهرة (الجامعة)
TT

«مهمة ثقيلة» تنتظر نبيل فهمي في الجامعة العربية

اجتماع سابق بمقر الجامعة العربية بالقاهرة (الجامعة)
اجتماع سابق بمقر الجامعة العربية بالقاهرة (الجامعة)

يُبدي المرشح الجديد لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، السفير نبيل فهمي، تفاؤلاً ورغبة كبيرة في إحداث تغيير بمنظومة الجامعة عبر خطط واعدة لتطوير العمل العربي المشترك، لكن دبلوماسيين وخبراء يرون أن أمامه «مهمة ثقيلة منتظرة» بالنظر إلى التحديات الصعبة التي تواجهها الجامعة والمنطقة العربية كلها في الوقت الحالي.

ومن المنتظر أن يتولى الدبلوماسي المصري المخضرم منصبه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية، عقب انتهاء ولاية الأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط في آخر يونيو (حزيران) الحالي، وذلك بعد أن أقر مجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية بالإجماع، نهاية مارس (آذار) الماضي، ترشيحه، ورفع توصية إلى القمة العربية المقبلة لاعتمادها.

السفير نبيل فهمي الذي سيتولى منصبه أميناً عاماً للجامعة العربية الشهر المقبل (صفحته على فيسبوك)

والدفاع عن كيان الجامعة العربية نفسه، وتوفير التمويل اللازم، من أول التحديات التي تواجه فهمي، وسط تساؤلات عن «جدوى المنظمة»، وعجز مالي مزمن ناجم عن تخلف أو تأخر غالبية الدول الأعضاء عن سداد حصصها المقررة في الموازنة السنوية؛ ما دفع الأمانة العامة للاقتراض من الاحتياطي النقدي لدفع رواتب الموظفين، وتسيير الأعمال، وفق ما تشير تقارير الأمانة العامة.

أزمة التمويل

تبلغ ميزانية الجامعة نحو 60 مليون دولار سنوياً، يذهب قرابة 90 في المائة منها لتغطية رواتب الموظفين ونفقات التشغيل. وتتحمل دول الخليج الحصة الكبرى من هذه الميزانية، حيث يبلغ الحد الأعلى لمشاركة الدولة الواحدة 14في المائة.

وشكا أبو الغيط مراراً من عدم سداد عدد من الأعضاء مساهماتهم في تمويل المنظمة، وحذر من تجميد أنشطة بالجامعة.

ويُرجع الأكاديمي والمحلل السياسي القطري، الدكتور عبد الله الخاطر، أزمة تمويل الجامعة إلى انشقاقات الصف العربي، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ما تمر به المنطقة من خلافات في قضايا مصيرية أدى لعزوف عدد من الأعضاء عن تمويل «كيان غير مفيد في نظرهم»، على حد قوله.

وأضاف: «حينما يستعيد الأمين العام للجامعة ثقة الدول الأعضاء في أهميتها وفائدتها ستُحل أزمة التمويل بكل سهولة، وسيلتزم الأعضاء بدفع حصصهم في الميزانية وكذلك المتأخرات».

ويتوقع عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير رخا أحمد حسن، أن «تدفع التحديات الحالية الدول الأعضاء لتوحيد الصف داخل الجامعة بشكل أكبر من ذي قبل استشعاراً بخطورة اللحظة، وهو ما قد يقود لحل مسألة التمويل».

بينما يطالب أستاذ العلوم السياسية والاستراتيجية بالرياض، الدكتور محمد بن صالح الحربي، بـ«إعادة ضبط الشؤون المالية، وتشكيل لجنة مراقبة مالية قوية، مع تقليص أعداد الموظفين والهيئات التابعة للجامعة».

السفير نبيل فهمي خلال لقائه مندوب اليمن لدى جامعة الدول العربية الشهر الماضي (صفحة فهمي على فيسبوك)

هيكل إداري متضخم

في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، لفت الحربي إلى أهمية إعادة هيكلة المنظومة كلها، مؤكداً أن الجامعة «باتت أقرب إلى جهاز بروتوكولي منها إلى منظمة إقليمية فاعلة»، ومن ثم يعتمد نجاح الأمين العام الجديد في رأيه على «قدرته على تفكيك البيروقراطية، وتقليص الهياكل، وهيكلة الجهاز الإداري، وخلق مركز ثقل عربي داخل المؤسسة».

وتتعدد المنظمات والهياكل التابعة للجامعة، والتي تعمل كأذرع فنية وبيوت خبرة في مجالات اقتصادية واجتماعية وثقافية مختلفة، ويبلغ عددها نحو 14 منظمة متخصصة، إضافة إلى اتحادات ومؤسسات تمويلية تهدف إلى تعزيز العمل العربي المشترك، مثل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، ومنظمة العمل العربية، والهيئة العربية للطاقة الذرية، واتحاد إذاعات الدول العربية... وغيرها.

ويرى المحلل القطري الخاطر أن هناك «فرصة تاريخية» أمام فهمي ليحوّل جميع المنظمات التابعة للجامعة إلى «جسور تواصل وتعاون بين الدول الأعضاء وشعوبها، وخلق قناعة بأهمية دور الجامعة في ظل هذا الوضع الحساس الذي تمر به المنطقة».

الدبلوماسية الهادئة

وأمام فهمي مهمة عاجلة لتقريب التباينات العربية، والتي اتسعت في السنوات الأخيرة بسبب الصراعات الدائرة في المنطقة، خصوصاً في السودان واليمن وليبيا وغزة وإيران، بما يمكّن الجامعة من اتخاذ القرارات.

وتصدر القرارات إما بالإجماع وإما بالأغلبية، وفق ميثاق الجامعة. ويعتقد أستاذ العلوم السياسية بالجزائر، الدكتور حسام حمزة، أنه «في ظل الخلافات الكبيرة بين الكثير من أعضاء الجامعة، فإن فهمي لن يستطيع إرضاء الجميع، وهذا يعني أنه سيضطر إلى الاختيار بين الفاعلية والتوافق بين الأعضاء بما يحمله كل خيار من تكلفة».

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هناك تنافس على النفوذ يجري خارج الجامعة؛ فالدول العربية، لا سيما الكبرى منها، طوّرت مسارات وممرات دبلوماسية خاصة تتجاوز الجامعة، كما أن هناك تناقضات مصالح حقيقية بين بعض الدول، خصوصاً في ملفات مثل ليبيا والسودان ولبنان واليمن».

ويقترح للتغلب على هذه الأوضاع «إعادة تأطير دور الجامعة من صاحبة القرار إلى منصة للتنسيق، مع تفعيل الدبلوماسية الهادئة في الملفات التي لا تُحلّ بالتصريحات، وأخيراً إعادة ترتيب العلاقة مع المنظمات الإقليمية الأفريقية والإسلامية لبناء ثقل تفاوضي عربي أكبر أمام القوى الدولية».

بناء آلية مرنة

وفور ترشيحه، أصدر فهمي بياناً وصف الإجماع على ترشيحه بأنه «مسؤولية كبيرة» بالنظر إلى «ما تواجهه الأمة من تحديات غير مسبوقة»، مؤكداً أن المنطقة تتعرض لـ«مخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي».

ويرى الحربي أن الجامعة العربية «لا تملك قراراً تنفيذياً محوكماً أو مستقلاً»، مضيفاً أنه «ما دامت القرارات غير ملزمة، والإجماع شرطاً معطلاً، ستظل المؤسسة تدور في حلقة مفرغة، وتتحول عملياً إلى جامعة علاقات عامة تصدر بيانات أكثر مما تصنع سياسات».

وطالب بـ«إعادة تعريف دور الجامعة، وبناء آلية قرار عربية مرنة، واستعادة ثقة الرأي العام العربي».

ولا تعني السلاسة التي جرى بها اختيار نبيل فهمي وطموحاته الكبيرة لقيادة الجامعة العربية أن «هناك توافقاً عربياً على تعظيم دور الجامعة خلال المرحلة المقبلة»، وفق الباحث السياسي المتخصص في الشؤون العربية والدولية محمد أبو الفضل، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأداء سيكون محكوماً بحاصل جمع المواقف العربية والتباينات التي تخيم عليها».

ورجح أن تتركز أولوية فهمي على القضايا الإقليمية الجماعية، والتعامل مع تداعيات الحرب الإيرانية، وأن يعمل على تفكيك الأزمات الداخلية التي تعصف بدول مثل السودان وليبيا واليمن والصومال... وغيرها، وأن يبتعد إلى حد ما في البداية عن التباينات العربية في هذه الأزمات.