ممرّضة الموت... قاتلة متسلسلة غير اعتيادية

مشهد من مسلسل «الممرضة» الدانماركي المقتبس عن قصة واقعية (نتفليكس)
مشهد من مسلسل «الممرضة» الدانماركي المقتبس عن قصة واقعية (نتفليكس)
TT

ممرّضة الموت... قاتلة متسلسلة غير اعتيادية

مشهد من مسلسل «الممرضة» الدانماركي المقتبس عن قصة واقعية (نتفليكس)
مشهد من مسلسل «الممرضة» الدانماركي المقتبس عن قصة واقعية (نتفليكس)

الدخول إلى مسلسل «The Nurse» (الممرّضة) على منصة «نتفليكس» ليس كالخروج منه، خصوصاً إذا كان الداخل لمشاهدة الحلقات الأربع لم يقرأ أو يتابع شيئا عن قضية الممرضة كريستينا هانسن، التي هزّت الدنمارك عام 2016.

للوهلة الأولى، تبدو الحكاية شبيهة بيوميات أي فريقٍ من الممرّضين العاملين في قسم الطوارئ. تطغى الهوية الإنتاجية والتصويرية الدنماركية على السلسلة القصيرة، فتُضفي إلى البرودة برودةً. لكنّ البرودة تلك لا تتحوّل إلى صقيع، فالمخرج كاسبر بارفود يستخدمها سلاحاً للموازنة بين الهدوء والتشويق، وبين الواقع والدراما، بما أن العمل يروي قصة حقيقية.

ملاك الرحمة وملاك الموت

تنتقل بيرنيل كورزمان حديثاً إلى بلدة دنماركية نائية لتنضمّ إلى فريق الطوارئ في أحد المستشفيات، وهي وظيفتها الأولى بعد التخرّج في معهد التمريض. تتعلّم تقنيات المهنة على يد زميلتها اللامعة كريستينا، التي تتحوّل معها عملية إنعاش قلبي دقيقة إلى رقصة على إيقاع أغنية «I Will Survive».

كريستينا فائقة الثقة والكاريزما والحيوية، أما بيرنيل المبتدئة فمترددة ومذهولة في غالب الأحيان. وسط أجواء داكنة وغامضة، تتسارع الأحداث داخل المستشفى فتتكرر الوفيات الفجائية بين المرضى. تتكاثر النوبات القلبية القاضية، بالتزامن مع فقدان كميات من المورفين والديازيبام (diazepam) من مخزن الأدوية، والعثور عليها في أجسام المتوفّين.

الغريب في الأمر أننا لا نرى مَن يسأل عن الظاهرة أو يحقق فيها. في الأثناء، تغرق بيرنيل أكثر في صمتها وارتيابها، إلى درجة أن مَن لا يعرف الحكاية قد يشكّ للحظة في أنها المسؤولة عن الوفيات الغامضة. وما يحرّك هذا الشك أكثر، هي المَشاهد التي تجمعها ببعض المرضى قبل وفاتهم، حيث تهتم بهم بلطف كبير وتقدّم لهم الحلوى والعصير.

الممثلة فاني لويز بيرنث بدور الممرضة بيرنيل (نتفليكس)

يتصاعد التشويق، وإن بطيئاً، حلقةً تلو الأخرى، ومن المؤكّد أن أحد عناصر قوة المسلسل هو اقتصاره على 4 حلقات فحسب. لكن ليس سوى في نهاية الحلقة الثانية أي في منتصف المسلسل، حتى تعبّر بيرنيل بصوت مرتفع عن شكوكها بأن كريستينا هي مَن تسرق الأدوية بهدف قتل المرضى.

أما في الحلقة الثالثة، فتتحوّل بيرنيل من متفرّجة إلى متقصّية. وفيما يتقدّم المسلسل على وقع النوبات القلبية القاتلة، لا شيء يهزّ كريستينا. تستقبل الحالات الطارئة بحماسة مستغربة، وتصرّ على تولّى عمليات الإنعاش شخصياً، كما لو أن حياتها كلها تُختصَر في تلك اللحظات التي تحاول خلالها إنقاذ حياة المرضى. من الواضح أنها تحب أن تكون محطّ الأنظار، وتريد أن تكون نجمة في عملها. حتى أنها تحرص على التبرّج قبل بدء دوامها، وكأنها تستعد للصعود على خشبة المسرح. لا أحد يشكّ في الممرضة المتفانية والمحترفة، وحدَها بيرنيل تفعل.

تخترق البناءَ الدرامي التصاعدي رجعاتٌ زمنية إلى عام 2012. تحديداً إلى وفاة أحد المرضى بسبب مضاعفات أدوية مهدّئة وُجدت في جسده. يصرّ شقيقه على متابعة القضية مع الشرطة، نافياً أن يكون ما حصل انتحار. وتتقاطع قصة أول الضحايا هذا، مع التحقيقات السرية التي تقودها بيرنيل بمبادرة فردية؛ حيث تستجوب الممرضات اللواتي عملن إلى جانب كريستينا. لكنّ الجميع يبدو غير متعاون أو خائفاً ربما، بما في ذلك إدارة المستشفى.

الممثلة جوزفين بارك بدور الممرضة كريستينا (نتفليكس)

بعيداً عن ساحة الجريمة، كريستينا سيدة مطلّقة وأم لطفلة غالباً ما تُصاب بآلام حادّة في المعدة. مثلُها، بيرنيل أمٌ عزباء تربّي ابنتها بحبٍ وتفانٍ كبيرين. غير أن الأحداث خارج المستشفى بطيئة وخالية من التشويق، إلى أن تبدأ علاقة عاطفية بين بيرنيل وأحد الأطباء من زملائها. ليس ما بينهما حبٌ فحسب، بل تعاون لكشف وجه كريستينا الحقيقي.

تبلغ الإثارة ذروتها في الحلقة الرابعة والأخيرة، حيث تختلي بيرنيل بكريستينا لمراقبتها خلال دوامهما المسائي. وفي ليلةٍ مات فيها ثلاثة من المرضى، تحصل بيرنيل على الأدلّة المخيفة، التي تُثبت أن كريستينا تحقن المرضى بمزيج الأدوية المهدّئة. بعد ذلك، تبلغ الممرضة الجريئة الشرطة عن «ملاك الموت».

دوافع نفسية معقّدة

ليست مُشاهَدة مسلسل «الممرّضة» بحلقاته الأربع القصيرة خسارة على الإطلاق. على عكس معظم حكايات القتَلة المتسلسلين، لا يستفيض هذا العمل في الدراما والعنف والإثارة على حساب الوقائع. كما أنه لا يبالغ في «شيطنة» القاتلة، من دون أن يعني ذلك أنه لا يحبس الأنفاس لا سيّما في حلقته الأخيرة.

أما أداء الممثلتين جوزفين بارك (بدور كريستينا) وفاني لويز بيرنث (بيرنيل)، فهو بحدّ ذاته متعة للمشاهدة. لا غرابة إذن في أن «الممرّضة» استطاع أن يخترق قائمة المسلسلات الأكثر مشاهدةً على «نتفليكس» خلال أسبوع صدوره.

بيرنيل وكريستينا في أحد مشاهد المسلسل (نتفليكس)

لكن يؤخذ على المسلسل الدنماركي أنه لا يدخل إلى أعماق كريستينا، فتُترك الدوافع وراء جرائمها طي المجهول. مع العلم أن التحقيقات معها بعد إلقاء القبض عليها، وهو جزء لا يصوّره المسلسل، أظهرت أنها مصابة باضطراب الشخصية التمثيلي (histrionic personality disorder)، وهو مرض نفسي يتميز بنمط من السلوكيات المبالغ فيها سعياً للاهتمام.

ومن بين الأسئلة التي بقيت عالقة: كيف أمضت الممرضة كريستينا هانسن نحو 4 أعوام وهي تضخّ السم في دم المرضى لقتلهم، ولم يلاحظ أحدٌ الأمر؟ كيف توالت الوفيات المشبوهة من دون أن يحصل تحقيق داخل المستشفى وخارجه؟

لكن يبدو أنه لا توجد أنظمة مشدّدة في المستشفيات الدنماركية لمراقبة الممرضين والأطباء وحركة دخول الأدوية وخروجها. ولذلك، فإن ما قامت به بيرنيل يُعتبر إنجازاً بطولياً، وهذا هو تحديداً ما أراد المخرج الإضاءة عليه؛ كيف تمكّنت ممرضة مبتدئة بمفردها أن تكشف جريمة بهذا الحجم.

تُمضي كريستينا هانسن اليوم عقوبتها في السجن لارتكابها ثلاث جرائم قتل، ومن المتوقع أن يُطلق سراحها عام 2028 بعد أن خُفّضت عقوبتها من المؤبّد إلى السجن 12 عاماً بعد الاستئناف. مع العلم أن المسلسل يُظهر ضلوعها في أكثر من 20 وفاة. أما بيرنيل كورزمان فما زالت تعمل ممرضة في المستشفى ذاته، وهي تزوجت الطبيب زميلها وأنجبت منه طفلها الثاني.


مقالات ذات صلة

ساكالا: مواجهة «نيوم» صعبة... نتطلع لانطلاقة مثالية لـ«الفيحاء»

رياضة سعودية غادرت بعثة «الفيحاء» إلى مدينة تبوك لملاقاة فريق «نيوم» في أولى جولات «الدوري السعودي» (نادي الفيحاء)

ساكالا: مواجهة «نيوم» صعبة... نتطلع لانطلاقة مثالية لـ«الفيحاء»

غادرت بعثة «الفيحاء»، ظهر اليوم، إلى مدينة تبوك، لملاقاة فريق «نيوم» في أولى جولات الدوري السعودي للمحترفين لكرة القدم، وسيكون تمرين الفريق مساء الليلة في تبوك.

ماجد عبد الله (المجمعة)
رياضة سعودية كريستوف غالتييه (الشرق الأوسط)

غالتييه مدرب نيوم: نسعى لمركز متقدم في الدوري السعودي

أكد الفرنسي كريستوف غالتييه، مدرب فريق نيوم، جاهزية فريقه لانطلاقة الموسم الجديد، مشيراً إلى أن المعسكر الإعدادي في إسبانيا حقق أهدافه.

حامد القرني (تبوك)
رياضة سعودية فيصل الغامدي (الاتحاد)

نيوم يطلب من الاتحاد استعارة فيصل الغامدي لموسم واحد

كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن إدارة نادي نيوم تقدمت بعرض رسمي إلى نظيرتها في نادي الاتحاد، لطلب خدمات لاعب الوسط الدولي فيصل الغامدي.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
رياضة سعودية عاود الفريق الأول لكرة القدم بنادي نيوم تحضيراته لبدء الموسم الجديد (نادي نيوم)

نيوم يعاود تحضيراته... وملعب الوطني مقراً رسمياً لمبارياته غير الجماهيرية

عاود الفريق الأول لكرة القدم بنادي نيوم تحضيراته لبدء الموسم الجديد، بعدما استأنف تدريباته صباح اليوم على منشأة النادي الوطني في مدينة تبوك.

حامد القرني (تبوك)
رياضة سعودية لوسيانو رودريغيز (رويترز)

اتفاق نهائي بين كروزيرو ونيوم على انتقال المهاجم الأوروغوياني رودريغيز

أكدت مصادر موقع «يو أو إل» البرازيلي عن توصل نادي كروزيرو البرازيلي إلى اتفاق نهائي مع نادي نيوم للتعاقد مع المهاجم الأوروغوياني لوسيانو رودريغيز.

نواف العقيّل (الرياض)

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها
TT

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً، وأكثر شبهاً بالشخص الذي تمنينا أن نصير إليه. وقد تنطوي رفوفنا الشخصية على مفارقة خفية، فنحن نستبق بالكتب زمناً لم نعشه بعد، ونراهن بها على مستقبل نأمل أن يمنحنا فرصة العودة إليها، ليصير شراء الكتاب ليس اقتناءً لنص فحسب، بل استثماراً رمزياً في ذات مؤجلة.

تمثل ظاهرة الهوس بشراء الكتب ومراكمتها قبل الوصول إلى قراءتها سلوكاً إنسانياً عابراً للجغرافيا، فتكتظ بها رفوف عشاق الورق في مدن العالم وبيوتاته. تبدو هذه العادة للوهلة الأولى نوعاً من الترف أو ضعفاً أمام إغراء العناوين والأغلفة، لكنها تخفي شبكة معقدة من الدوافع النفسية والجذور التاريخية، حيث يتقاطع فضول المعرفة مع الرغبة في امتلاكها بوصفها مصدراً للقوة، ويتجاور الرضا عن الذات مع إحساس بالانتماء إلى ذاكرة البشرية، في علاقة تتجاوز المنطق النفعي المباشر للكتاب.

قديماً اعتبر الملوك والأباطرة السيطرة على الفكر المكتوب ركيزة لتثبيت أركان الدولة واستعراض التفوق الحضاري أمام المنافسين. فأرسل آشوربانيبال رسله إلى أطراف الممالك المجاورة لجمع المعارف ونسخها وضمها إلى مكتبته في نينوى بالعراق القديم، التي احتوت آلاف الألواح الطينية المسمارية الموثقة للعلوم والسحر والمعتقدات الدينية، في تعبير واضح عن طموح السلطة إلى احتكار الحكمة والمعرفة والذاكرة الإنسانية. وفي العصر الهيلينستي ذاعت أخبار التنافس بين مكتبة الإسكندرية ومكتبة برغاموم على تجميع المخطوطات ولفائف البردي. وفي الحضارة الإسلامية اتسعت الظاهرة بفضل انتشار صناعة الورق، فتحول جمع الكتب إلى ممارسة مجتمعية وفردية واسعة، وتأسس «بيت الحكمة» في بغداد كصرح علمي ضخم، واشتهرت مجموعات خاصة كبرى، بينها مكتبة الفتح بن خاقان ومكتبات بعض أعيان قرطبة التي أدهشت الرحالة والمؤرخين. ويُروى عن الجاحظ أنه كان يستأجر دكاكين الوراقين للمبيت فيها وقضاء الليالي في مطالعة ما تيسر من كتبهم، كما ارتبطت وفاته في الرواية التراثية بسقوط مجلدات مكتبته عليه.

مكتبة أومبرتو إيكو ضمت عشرات آلاف المجلدات

أحدث اختراع يوهان غوتنبرغ للمطبعة في القرن الخامس عشر تحولاً جذرياً في تاريخ العلاقة بالكتاب، بعدما انتقل الأخير من تحفة نادرة محصورة في دوائر الملوك والمتنفذين والرهبان إلى مادة قابلة للاقتناء والتجميع الفردي على نطاق أوسع. وتطورت حينها فكرة جمع الطبعات الأولى، أو ما عُرف بـ«الإنكونابولا»، لتصبح هاجساً جديداً لدى الأثرياء والمثقفين. وفي مطلع القرن التاسع عشر، صاغ الطبيب الإنجليزي جون فيريار والمؤلف توماس ديبدين مصطلح «البيبلومانيا» لوصف الهوس القهري بجمع الكتب الذي اجتاح أوساطاً أرستقراطية في أوروبا، وشهدت تلك المرحلة مزادات صاخبة وتأسيس أندية متخصصة لهواة الكتب النادرة، من بينها «نادي روكسبيرغ» في بريطانيا.

تتداخل عوامل نفسية وفلسفية كثيرة في تفسير هذا السلوك القريب من الإدمان، ويأتي في مقدمتها مفهوم «المكتبة المضادة» الذي طرحه نسيم نيكولاس طالب متأملاً مكتبة الأديب الإيطالي أومبرتو إيكو، التي ضمت عشرات آلاف المجلدات. تقوم الفكرة على أن قيمة المكتبة تتجسد بدرجة كبيرة في الكتب التي تنتظر القراءة؛ لأنها تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه، وتدفعه إلى التواضع الفكري واستمرار التعلم. هكذا تتحول الرفوف الممتلئة إلى خريطة مرئية لما بقي خارج دائرة المعرفة الشخصية.

وطور اليابانيون مصطلحاً بالغ الدلالة هو «تسوندوكو»، اشتقاقاً من ثلاثة تعابير تضيف شراء المطبوعات إلى مراكمتها في المنزل وتأجيل قراءتها. ومن منظور علم السايكولوجيا، يمنح اقتناء الكتب صاحبه إحساساً بالراحة المرتبطة بمعرفة موعودة، فكأن شراء الكتاب يمثل خطوة أولى نحو امتلاك الأفكار والمفاهيم التي يحملها بين دفتيه. وقد يؤدي فعل الاختيار ذاته دوراً مهماً: التجول بين الرفوف، ولمس الأغلفة، ومقارنة الطبعات، ثم العودة إلى المنزل بكتاب جديد، كلها تفاصيل تصنع طقساً شخصياً يربط المعرفة بالمتعة والتوقع.

المكتبة تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه وتدفعه إلى التواضع الفكري

على مستوى آخر، يتجاوز الكتاب كونه نصاً مجرداً ليصبح كائناً مادياً متكاملاً. فرائحة الورق القديم الناتجة عن تحلل مركبات كيميائية مثل «اللجنين» تستثير الذاكرة العاطفية، فيما تصنع رسوم الغلاف ونوعية التجليد والملاحظات المدونة على الهوامش تجربة بصرية ولمسية ذات طابع خاص. هنا ترتقي علاقة الإنسان به من تلقي المعلومات إلى التفاعل الجمالي والحميمي مع أثر مادي يرافق صاحبه عبر مراحل حياته. لذلك ينظر بعض مالكي المكتبات الشخصية إلى رفوفهم بوصفها سيرة ذاتية موازية، تعكس اهتماماتهم وانتماءاتهم الثقافية وتحولات ذائقتهم ورحلتهم المعرفية عبر الزمن، ويأخذ ترتيب الكتب وإعادة تنظيمها معنى قريباً من إعادة ترتيب الذاكرة والذات، كما تمنح مادته القارئ علاقة مختلفة أوثق بالمعرفة: ثمة صفحة طويت هنا، وهامش ترك هناك، وأثر يد أمسكت الكتاب مطولاً يبقى على الورق، ومجلد قد ينتقل من جيل إلى آخر حاملاً تاريخ قرائه السابقين.

يحمل هذا الشغف أيضاً وجهاً مظلماً حين يتحول الاقتناء إلى اندفاع مرضي يفضي إلى السرقة، وهو ما يُعرف بـ«الببليوكليبتومانيا». ومن أشهر الحالات حكاية ستيفن بلومبرغ الذي سرق أكثر من عشرين ألف كتاب نادر ومخطوطة من مئات المكتبات في الولايات المتحدة، وقدرت قيمة مجموعته بملايين الدولارات. وكشفت قضيته عن رغبة استحواذيّة محضة، فالمجلدات المسروقة كانت بالنسبة إليه كنوزاً يرغب في أن تحيط به في عالمه الخاص، أكثر من كونها سلعة قابلة للتداول.

تكتسب الحيازة المادية للكتب المطبوعة أبعاداً وجودية متجددة في ظل الهيمنة المتصاعدة لتقنيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات التوليدية؛ إذ قد تكون المكتبات الورقية ملاذاً حصيناً أخيراً لصون الفكر البشري في مواجهة سيل النصوص الفائقة السرعة والآلية التوليد. ويمثل الكتاب الورقي في هذا العصر الرقمي الشديد التسارع وثيقة تاريخية ثابتة تحفظ الأفكار البشرية في هيئتها الفيزيائية الملموسة محصنة أمام احتمالات التعديل البرمجي المستمر والتحوير الخوارزمي، معززة رغبة الإنسانية في التمسك برموز للأصالة والأثر الإنساني النقي. ولهذا قد يتحول الشغف باقتناء المجلدات وتكثيرها في عصر الشاشات من هواية جمالية محضة إلى فعل مقاومة ثقافية واعية تؤكد قيمة التواصل البشري المباشر مع المعرفة، صائنة طقوس القراءة البطيئة التي تمنح للعقل البشري فرصة الابتكار الحر والشعور بذاتيته المتفردة في عالم يغرق سريعاً في الأتمتة الشاملة.


«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً
TT

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

عن الحياة ومفارقاتها والخوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يدور ديوان «خط متقطع» الصادر أخيراً عن دار النهضة العربية ببيروت للشاعرة اللبنانية ليندا نصار... تهدي الشاعرة ديوانها إلى «اللاأحد»، وتستحضر الخريف في دورة التحول من الجدب إلى الإثمار، ليصبح معادلاً رمزياً لمعاناتها مع الكتابة... تقول: «في كل لحظة كتبــتُ فيهــا بإنصــات، اختــارني الخريــف ليفــكّ عنّــي حبســة الكتابــة، فكنــتُ أراقــب الأشــياء المتســاقطة وأكتبها، كأنّهــا وحدهــا تعــرف كيــف تمنــح الكلــمات معناهــا. ولعــلّ الانقطاع، في بعــض الأحيــان، ليــس إلا الوســيلة الوحيــدة لاســتعادة الأنفــاس، والعــودة إلى الكتابــة».

بهذه المكاشفة تفتتح الشاعرة ديوانها، كاشفة عن مأزق وجودي استمر نحو ست سنوات من الإنصات، ومحاولة التصالح مع الكتابة والوحدة والواقع والعالم والأشياء من حولها. ولعلها بهذا الإنصات اختارت «الحياة في الظل»، ظل الوحدة، ظل الكتابة، ظل الأمل، والحب، فلا أحد يكسر أجواء هذه البقعة المريحة، التي يرتاح لها الكثير من الشعراء والفنانين، ربما لأنهم لا يستعجلون قطف الثمرة، حتى تأخذ دورتها في النمو، ويكتمل مذاقها بشكل طبيعي. وأيضاً لأنهم ينفرون من ضجر الحياة وإيقاعها الصاخب المربك، ويفضّلون الجلوس على مقربة من أنفسهم، يـتأملون ما يجري حولهم بعمق، ويصقلون وجدانهم بالمزيد من المعارف والخبرات والرؤى الخاصة. من هنا نفهم أن الإهداء إلى «اللاأحد»، ليس نفياً مطلقاً ـ إنما فعل إثبات لوجود معطل، يستعيد الحياة في مرايا الشعر والحياة، ويتصالح معها بروح وإيقاع جديدين.

يتناثر هذا الهم في قصائد الديوان الذي ينتمي إلى قصيدة النثر، ويقع في 60 صفحة من القطع الصغير، وتركز الشاعرة فيه على الإيقاع الخاطف، في بناء الصورة الشعرية واصطياد المعنى، من تراكمات اليومي المعيش، والمهمش النافر من سكونية المتن ورتابة الخيال... تقول في النص الذي وسم عنوان الديوان «خط متقطع»:

«أشياء كثيرة تُمحى،

كيف تنجو قليلاً،

ظل الوقت يترقب طيفاً لا يشبهني

زاوية مضاءة في الأربعين

حالفها حظ مؤقّت

لا يخطئ الحدسَ والعدَّ

ولا قوانين الترتيب

وأنا عالقة بين قرنين لم يكتملا.

في الجهة الأخرى كنت

طفلة تراقص أحلامها

محمولة على إيقاع «جاز»

محمولة بضفيرتين

الراقصة لا أعرفها تصرخ بلا صوت،

عجلات تدور مع مجرات العظام

المحنطة ورأس ثقيل بين يديّ».

يدور النص في فلك مشهد تبدو فيه الذات الشاعرة وكأنها تبحث عن حكمة ضالة، أو حقيقة هاربة، تواجه في مرآتها وعيها بذاتها وبالوجود. يتبدى ذلك من خلال المزج ما بين الخاص والعام، وكسر العلاقة الصلدة النمطية ما بين الأنا والموضوع؛ لإبراز يقين الذات المنهكة، والتي تتمسك به حتى الرمق الأخير، وتعلن عنه على نحو حاد ومتوتر أحياناً، فلا بأس من أن تصرح: «الحب جدار للعزلة»، «أختار موتي بالتقسيط»، «كأس للروح ووردة لقناص يتوارى خلف أروقة الحرب»، «يصيبني بالهلع».

يعزز هذا المشهد أن الحلم والذاكرة يتبادلان الأدوار في الكثير من قصائد الديوان؛ فالحلم باب للذاكرة، والعكس صحيح أيضاً. وكلاهما يتلامس مع الواقع، يصبّ فيه ويأخذ عنه، في محاولة لتجديد الوعي بالوجود والشعر والحياة، نرى ذلك في نص بعنوان «حلم البارحة»... تقول فيه:

«كان الليل طويلاً يتمدّد في الشوارع،

الوقت ضائعٌ بين رفوف الذاكرة

يضيق الفجرُ

نور أنفاسي متقطّعٌ

وحدها العجوز شبه نائمة

تحركها أغصانُ شجرةٍ

لم يتبقَّ منها سوى كرسيٍّ هزاز

ما أجمل بياضُ شَعرها الرمادي

الزمن عائم هنا

والذاكرة تعيش فوضاها، العجوز نائمة في حلمي

وطفلة تستيقظ من بعيد

تجري مع الريح».

ببدو الخريف وكأنه الملاذ الأخير للذات، لتتخلص من محنتها؛ لذلك تتكرر رمزيته في أكثر من قصيدة، منها،«خريف وشاعر» صفحة 32، «الخريف ممكن» صفحة 34.، وهذه الرمزية من العناصر الأساسية المغوية في الديوان؛ لارتباطها بالحلم، وتنوع دلالتها، وجمعها ما بين الشيء ونقيضه في الوقت نفسه؛ فالأوراق لا تتساقط من الشجرة في الخريف، لتعلن ضمورها وذبولها، إنما لتجدد نموها وتضح في شرايينها حياة جديدة.

أضف إلى ذلك، أن دلالة الحلم تبدو أكثر فاعلية، وقدرة على فك عقدة الحبل المشدود بين الإمكانية والاستحالة، التي تشكل أيضاً بتضادها المعرفي أحد المعاول الفنية في الديوان. وهو ما يطالعنا في قصيدة بعنوان «الحياة ممكنة» تقول فيها:

«تتمدد الشوارع

يضيق الوقت

برغبة تلفظ أنفاسها

عند فجر أبيض

لعجوز تجهز قهوتها

وغانية عائدة تنفض غبارَ رجل

عن فستانها، وطفلة تستقبل يوماً جديداً على هذا الكوكب.

وذاكرة المرايا

حروف ابتلعها طفل

يمارس النطق كما تمارس الأحلام.

الحياة ممكنة

الحب ممكن أيضاً

ما لم تكتمل الرسالة

وسط ضجيج العالم

النوم بهدوء

يحتاج إلى أحلام محترقة».

تنحو اللغة في الديوان نحو البساطة، وعدم التكلف، والوصول إلى الفكرة من أقرب الطرق المتاحة، تحافظ الذات على هذه الطرق، ولا تسعى للبحث عن طرق أخرى بديلة، قد تجعل الفكرة أكثر إثارة للدهشة والأسئلة؛ ما يضفي على الصورة الشعرية ملمحاً جمالياً مغايراً للسائد والمألوف. ومن ثم، من الصعب أن نتأمل نصوص الديوان، في إطار بنية خاصة، بعيداً عن المرجعيات المعروفة، بخاصة في العلاقة المتلازمة بين الدال والمدلول، أو بين الرمز ومرموزه، كما أن حضور النص يظل مرهوناً بها، رغم أنه في الكثير من النصوص يملك العناصر والخبرة التي تساعده على كسر هذا الإطار، ليكون حراً ومستقلاً، من أبرز هذه العناصر البراح الفني الذي توفره قصيدة النثر، واللعب على الخارج والداخل بروح من التجريب والمغامرة. ورغم ذلك، نحن أمام ديوان شيق يستحق التأمل من زوايا متعددة سواء على مستوى الرؤية، أو علاقة الشكل بالمضمون، التي يتعامل معها ككيان واحد، ينتصر للشعر في أبسط مفردات علاقته بالإنسان والواقع والحياة.


بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين
TT

بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي، لكنه لم يشف بعد من داء الحنين فيقرر بعد سنوات من الإقامة في فرنسا أن يعود إلى بلاده، وتحديداً إلى العاصمة أنجمينا التي هرب منها ذات يوم، كأنه يعود إلى جرح قديم لم يندمل.

إنه أبكر بركاى الذي يستقبله صديقه جنكيز بين أزقة سوق دقيل ومقاهي شارع الثلاثين ورائحة حلوى «الفنقاسو» وأغاني أحمد بيكوس وغبار مدينة تعرف كيف تمنح أبناءها مزيجاً غريباً من الحنين والخيبة. تفتح الرواية أبواب عاصمة تشاد لنرى كيف يعيش أبناؤها في غبارها وأسواقها وعنفها وفي ذاكرتها الشعبية، حيث تتجلى أنجمينا كمدينة مثقلة بالحروب الأهلية والبطالة والموت المجاني لكنها لا تكف عن إغواء أبنائها حتى وهم يعرفون أن العودة إليها قد تكون بداية سقوط جديد.

قام البناء الفني للعمل على تقسيم الرواية إلى ثلاثة أقسام هي؛ الكتاب الأول: «الشتاء» والثاني: «الصيف» والثالث: «الخريف»، بحيث يتضمن كل باب عدداً من الفصول الداخلية تحمل أسماء عدد من الشخصيات الفاعلة في النص. تتميز لغة المؤلف بالصفاء والطابع الرائق، ويعكس النص حالة من المقارنة بين الشرق والغرب، ولكن عبر طرفي نقيض محددين هما باريس وأنجمينا، فالرفاهية الأوروبية يقابلها التوتر الأفريقي، لكن الشخصية الرئيسية تجد نفسها منجذبة إلى هذا التوتر برغم خطورته، بسبب ما تحمله من حنين وذكريات.

وروزي جدّي روائي تشادي يقيم في أنجمينا ويعمل في السلك القضائي، صدرت له أربع روايات وكتاب في أدب الرحلة. فازت روايته «زمن الملل» بجائزة غسان كنفاني كما نال جائزة التميز الأدبي عن روايته «ارتدادات الذاكرة»، وهي أرفع جائزة تمنحها وزارة الثقافة في تشاد. وفي عام 2016 تُوّج بجائزة «ابن بطوطة» لأدب الرحلة عن مخطوطته «فوق الأهرامات وتحت القباب: يوميات بين القاهرة وإسطنبول».

من أجواء الرواية نقرأ: «في ذلك الزمن البعيد قبل أن يغادر إلى فرنسا، كنا صغيرين ولم تكن السعادة أكثر من عشرة ريالات في الجيب لتشتري فنقاسو أو مارشميلو لنفسك ولصديقك وتتجولان في أزقة سوق دقيل بكل فخر، بل كنت سعيداً حتى حين صارت السعادة زجاجة «كوكا كولا»، أو العودة غانماً بعد ضرب أحد أبناء الطبقة الوسطى على قفاه وأخذ ماله، لكن الحياة تغيرت ولم تعد الأمور بسيطة كما كانت. لابد أن أعترف بأن صديقي قد تغير كثيراً، كان قصيراً ونحيفاً رغم أنه أكثر وسامة، لكنه عاد الآن رجلاً متوسط الطول وأضخم ولديه عضلات مفتولة كعضلات مرتادي (الجيم).

بعد الآن لن يشعر بالحرج وهو يمشي إلى جانبي كما فعل وقت كنا صغيرين، كنت طفلاً ضخماً وطويلاً وذا كرش عظيم. شكلي لم يتغير كثيراً عدا أنني صرت أطول».