اضطراب «صدمة ما بعد الزلازل»... مضاعفات خطيرة

5 تأثيرات نفسية شائعة للهزات الأرضية الكبيرة

اضطراب «صدمة ما بعد الزلازل»... مضاعفات خطيرة
TT

اضطراب «صدمة ما بعد الزلازل»... مضاعفات خطيرة

اضطراب «صدمة ما بعد الزلازل»... مضاعفات خطيرة

تعدّ الزلازل واحدة من أكثر أنواع الكوارث الطبيعية تهديداً وتدميراً للحياة، وتعطيلاً هائلاً للأراضي ومواردها، ونزوحاً كبيراً للسكان، إضافة إلى آثار ما بعد الكارثة التي تشمل الوفيات والمراضة والإعاقة الجسدية والصدمات النفسية والتكيفات الاجتماعية لما بعد الكارثة. ويعدّ زلزال تركيا وسوريا آخرها وأقواها ومن أكثرها ضراوة وعنفاً، حيث وصلت حصيلة ضحاياه إلى أكثر من 50 ألف قتيل ونحو 40 مليون متضرر حتى لحظة تحرير هذا المقال.
يُعد الإعداد والتنفيذ المناسبان لخوارزميات إدارة الأزمات ذوي أهمية قصوى لضمان توفر استجابة المساعدة الطبية واسعة النطاق بسهولة بعد وقوع حدث مدمر كالزلازل. على وجه الخصوص، يعد الفرز الفعال للضحايا في موقع الحدث أمراً حيوياً لتحسين استخدام الموارد الطبية المحدودة وتعبئة هذه الموارد بشكل فعال من أجل الإسراع في إنقاذ المرضى. ومع ذلك، فإن الأولويات الرئيسية لفرق الإنقاذ في حالات الكوارث هي توفير الرعاية الطارئة للإصابات الجسدية. علاوة على ذلك، فإن إنشاء ممرات إجلاء لوسائل النقل، وهي سمة غالباً ما يتم تجاهلها، أمر ضروري لتوفير فرصة للضحايا للبقاء على قيد الحياة ومعالجة الإصابات الجسدية والنفسية عن طريق الإجراءات التشخيصية والعلاجية البسيطة المطبقة والمتاحة عالمياً، وفقاً للمعهد الوطني للصحة البريطانية (pubmed.ncbi.nlm.nih.gov).
إلى أي مدى تتسبب الكوارث الطبيعية مثل الزلازل في ظهور إعاقة عقلية وجسدية شديدة؟ كما أن هناك مجموعة متنوعة من الاستجابات العاطفية المؤثرة، كيف يمكن تخفيفها؟

- صدمات الزلازل
تُقَيِّمُ أعدادٌ كبيرة من الدراسات مدى الصدمة النفسية وشدة أعراضها التي تحدث بعد الزلازل وعوامل الخطر المرتبطة بها بين مجموعات الناجين، آخذين في الاعتبار العوامل الأخرى كالعمر والجنس والحالة الاجتماعية وفقدان الأحباء ومدى القرب أو البعد عن مركز الزلزال والحالة الصحية الشخصية والإصابات الناتجة منها. نستعرض فيما يلي بعضاً من أهم تلك الدراسات، ونتعرف على أهم التأثيرات النفسية الشائعة التي قد تصيب الناجين من الزلازل الكبيرة.
> اضطرابات ما بعد الصدمة. قام بهذه الدراسة وعنوانها اضطرابات ما بعد الصدمة: دراسة المضاعفات الخطيرة بعد الزلزال (Posttraumatic stress disorder: a serious post - earthquake complication) - فريق من الباحثين بقيادة الدكتور مدثر فاروقي (Mudassir Farooqui) في مركز العلوم الصحية بجامعة أوكلاهوما بالولايات المتحدة الأميركية.
في هذه الدراسة، تم تسليط الضوء على أهمية فهم خصائص وانتشار أعراض اضطراب ما بعد الصدمة وعوامل الخطر المرتبطة بها بين الناجين من الزلازل الكبرى الأخيرة في جميع أنحاء العالم، باستخدام البيانات المتاحة في الأدبيات الحديثة المنشورة على مدى العشرين سنة الماضية. في السنوات الأربعين الماضية، تم الكشف أيضاً عن أن هذه الكوارث قد ارتبطت بزيادة حدوث وانتشار الأمراض النفسية المختلفة بين مجموعات الناجين، بما في ذلك اضطراب الإجهاد الحاد، واضطرابات القلق ومنها اضطراب القلق الاجتماعي، والاكتئاب الشديد، والشكاوى الجسدية، واضطرابات النوم.

ومن ضمن نتائج هذه الدراسة، تم اكتشاف أن التعرف المبكر والتدخل لا يساعدان فقط في فهم الأعراض النفسية، بل يمكنهما أيضاً تقليل الإصابات، حيث تتمثل نتائج هذا النوع من الكوارث في توافر الموارد والبنية التحتية الجيدة وأنظمة الدعم الاجتماعي الأفضل، والتي تتوافر جميعها على نطاق واسع في البلدان المتقدمة أكثر من البلدان النامية. علاوة على ذلك، فإن معدلات حالات اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) المبلّغ عنها بعد أي كارثة أقل بكثير في البلدان المتقدمة عنها في دول العالم النامي.
على الرغم من أن عواقب أي كارثة قد تشمل مجموعة واسعة من الأعراض والأمراض النفسية؛ فقد وثقت غالبية الدراسات أن أكثر الأمراض النفسية شيوعاً في أعقاب الكوارث الطبيعية هو اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) من هذه الدراسة تم استنتاج الآتي:
- هناك تباين كبير في معدلات انتشار اضطراب ما بعد الصدمة بين الناجين من الزلزال، والذي يعتمد إلى حد كبير على العديد من العوامل المساهمة.
- وُجد أن الإناث هن أكثر الفئات تضرراً على نطاق واسع، وهن أكثر عرضة للخطر مقارنة بالذكور.
- من حيث العمر، وُجد أن السكان المسنين والأطفال الصغار يعانون من آثار نفسية اجتماعية كبيرة.
- أكدت نتائج الدراسة بعد مراجعة الأدبيات نفسها، أن التحديد المبكر للأعراض من خلال تقييم الضائقة والاضطراب النفسي خلال الحادثة بواسطة اختصاصي الصحة العقلية بعد بضع ساعات أو بضعة أيام من الحدث يمكن أن يكتشف عوامل الخطر.
- يمكن أن تلعب زيادة الدعم النفسي والاجتماعي، ومجموعات الدعم، وخلق فرص عمل للأشخاص المتضررين دوراً رئيسياً في الحد من الأعراض ومنع تطور ليس فقط اضطراب ما بعد الصدمة، ولكن أيضاً الأمراض النفسية الرئيسية المصاحبة الأخرى.
- يُعد التعرف المبكر على الأعراض والتدخل المبكر ومراقبة الاستجابة للعلاج جزءاً من التدابير الوقائية طويلة الأجل التي يمكن استخدامها لزيادة سرعة الشفاء وضمان الصحة العقلية.
مع ذلك، هناك حاجة إلى مزيد من البحث في هذا المجال لدراسة عوامل الخطر التي تنطوي على الإثارة والإصابة، والمسؤولة عن زيادة انتشار هذه الأعراض النفسية، وخاصة اضطراب ما بعد الصدمة. يمكن أن تكون هذه الكوارث كارثية وتترك أثراً مأساوياً دائماً، وتؤثر بشكل غير واعٍ على الصحة العقلية العامة للناس.
> الزلازل والصدمات. قام بهذه الدراسة وعنوانها الزلازل والصدمات: مراجعة الفرز والرعاية الفورية الخاصة بالإصابات (Earthquakes and trauma: review of triage and injury - specific، immediate care)– الدكتور جوشي أو بي Gautschi OP ونشرت في مجلة طب الكوارث (Prehosp Disaster Med).
تم في هذه الدراسة إجراء بحث عن الأدبيات في قواعد البيانات الرئيسية مثل (MEDLINE - PubMed - EMBASE - PsycINFO) وفي مجلات علم الأعصاب والطب النفسي والعديد من المجلات الطبية الأخرى. تضمنت المصطلحات المستخدمة في عمليات البحث الإلكترونية، على سبيل المثال لا الحصر، اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، أعراض ما بعد الصدمة، القلق، الاكتئاب، واضطراب الاكتئاب الشديد، الزلازل، والكوارث الطبيعية. ثم تم استخدام المعلومات ذات الصلة لتحديد العلاقات بين الزلازل وأعراض الإجهاد اللاحق للصدمة.
وجد أن اضطراب ما بعد الصدمة هو أكثر حالات الصحة العقلية شيوعاً بين الناجين من الزلزال. كما تم إدراج اضطراب الاكتئاب الرئيسي، واضطراب القلق العام، واضطراب الوسواس القهري، والرهاب الاجتماعي، والرهاب المحدد.
> دراسة «الصدمات النفسية». كشفت الأبحاث التي أجريت عن «الصدمات النفسية» التي أعقبت الزلازل السابقة؛ حتى بعد مرور 50 عاماً على وقوع أكبر زلزال في اليونان، عن أن الكارثة لا تزال تترك بصمة كبيرة على الصحة العقلية للناجين. ووفقاً للدراسة التي نُشرت في مجلة الأمراض العصبية والعقلية (The Journal of Nervous and Mental Disease)، فقد أقرّ ما يقرب من 80 في المائة من الضحايا بالتأثير العام القوي للزلازل على حياتهم، وعانى جميعهم تقريباً من تذكر شديد للحدث في ذكرى وقوعه. الشباب (17 - 25 سنة) وكذلك النساء، كنّ أكثر الفئات عرضة لتطور المشاكل العاطفية، أما كبار السن فقد أظهروا قدراً أكبر من المرونة نظراً لأنهم عاشوا في منطقة ذات نشاط زلزالي مرتفع، وعانوا بالفعل من زلازل مختلفة، ربما تكون قد أعدتهم نفسياً للتعرض لأحداث كارثية لاحقة. (وفقاً لموقع علم النفس - اليوم (psychologytoday.com) بتاريخ 13 فبراير/شباط 2023).

- تأثيرات نفسية شائعة
هناك 5 تأثيرات نفسية شائعة لما يواجه الناجين من الزلزال. في 6 فبراير 2023، شهدت المنطقة أفظع كارثة طبيعية حلت على البشرية (زلزال تركيا وسوريا - 2023)، أودت بحياة الألوف من البشر ودمرت مجتمعاتهم، وأصبح على أولئك الذين تمكنوا من البقاء على قيد الحياة، إلى جانب عمال الإنقاذ، مواجهة تداعيات المأساة المرعبة: من إنقاذ الضحايا المحاصرين تحت الأنقاض، إلى تنظيف ما خلّفته الكارثة، إلى - ربما الأصعب - التقاط قطع دمارهم الشخصي. ولا شك أن لكل هذه الأعمال آثاراً دائمة، لا يمكن أن نراها أو نفهمها مما قد يخلفه الزلزال على الناجين منه، ونحن عادة لا يمكننا رؤية ما بداخلهم من أفكار ومشاعر وألم وشكوى. إن كل ما يمكننا تخيله هو ما يمكن أن يفعله شيء مدمر للغاية، زلزال كبير، لعقل المرء والتأثيرات النفسية والعواقب الوخيمة.
علماء النفس يفسرون لنا بعض ما يتعلق بالتأثيرات النفسية التي قد يسببها التعرض لزلزال كبير وهم هنا، أيضاً، لمساعدتنا على فهم بعض هذه التأثيرات الأكثر شيوعاً بشكل أفضل، وسوف نختار خمسة من أكثرها شيوعاً.
> أولاً - فرط اليقظة. تقول عالمة النفس الدكتورة كارولين واجنر (Carolyn Wagner)، المستشارة المهنية والمعالجة النفسية في مركز لاينبارغر (Linebarger & Associates)، غالباً ما يعاني الناجون من الزلازل من اليقظة المفرطة (Hypervigilance) أي ضوضاء قليلة تجعل من هذا الشخص يركض بحثاً عن غطاء، كما أن أي لمسة، حسنة النية ولكن تكون غير متوقعة من أحد أفراد الأسرة، يمكن أن تجعله يصرخ من الخوف. هذا لأن جسمه أصبح في حالة تأهب قصوى لتهديد آخر للسلامة؛ مما قد يجعله يشعر بالتوتر والقلق. عادة ما تختفي هذه الاستجابة من تلقاء نفسها، ولكنها قد تكون سمة لشيء آخر أكثر خطورة إذا لم يحدث، مثل اضطراب ما بعد الصدمة.
> ثانياً - القلق والاكتئاب. تقول عالمة النفس الدكتورة نيكيتا بانكس (Nikita Banks)، معالجة نفسية سريرياً ومرخصة في بروكلين، نيويورك، بعد أن تتعرض حياة الفرد للتهديد والانقلاب إلى جانبها بسبب الزلزال، فليس من غير المألوف أن تظهر عليهم علامات القلق و- أو الاكتئاب (Anxiety and- or Depression). يُظهر المرضان أعراضاً متشابهة مثل التعب، فقدان النوم، انخفاض الاهتمام بالأنشطة اليومية، التهيج، وعدم القدرة على التركيز. قد تأتي هذه الأعراض وتختفي مع مرور الوقت، ولكن إذا ثبت أنها أصبحت مستمرة ودائمة، فمن المهم طلب العلاج.
> ثالثاً - حواجز وعقبات عقلية. تواصل عالمة النفس الدكتورة نيكيتا بانكس (Banks)، بأن من المعتاد أيضاً للناجين من الزلازل والكوارث الطبيعية الأخرى أن يُحْيُوا الحدث باستمرار في رؤوسهم بسبب إصابتهم بما يسمى بالحواجز والعقبات العقلية (Mental Roadblock). وتقول بأن من الضروري حملهم على الالتزام بالروتين في أسرع وقت ممكن لمساعدتهم على العودة إلى بعض الإحساس بالحياة الطبيعية، حيث سيساعدهم ذلك على أن يصبحوا أكثر أماناً في بيئتهم.
> رابعاً - رهاب الزلزال. يقول عالم النفس الدكتور كريج أبريل (Craig April)، وهو معالج نفساني مرخص ومدير مركز أبريل لإدارة هجوم القلق في لوس أنجليس، إنه مع ما يحدث من رهاب الزلزال (Earthquake Phobia) أو الخوف، فإن التركيز يميل إلى الرغبة في التحكم في احتمالية حدوث زلزال آخر. ومع ذلك، من الواضح أن هذا خارج عن سيطرتنا، ومن ثم يؤدي الفشل الوشيك إلى استمرار الخوف والقلق.
> خامساً - اضطراب ما بعد الصدمة. تقول عالمة النفس الدكتورة جانا سكريفاني (Jana Scrivani) المتخصصة في علم النفس الإكلينيكي، والتي سبق أن تعرضت شخصياً لزلزال، بأنه سيظهر على معظم الأشخاص المتأثرين بشكل مباشر العديد من الأعراض النفسية التي تشبه اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). ستتعافى الغالبية منهم، لكن أقلية أخرى ستصبح عالقة في مكان ما في عملية التعافي، وتواصل تطوير اضطراب ما بعد الصدمة. تشمل أعراض اضطراب ما بعد الصدمة الخوف الشديد وذكريات الماضي والكوابيس. هذا هو التأثير النفسي الأكثر شدة ودائماً الذي قد يحدثه الزلزال على الفرد بعد نجاته.
نختتم بما استنتجته كبيرة استراتيجيي مركز الاستشارات النفسية ثرايف ويركس (Thriveworks) في أميركا ومؤلفة الكتاب التفاعلي «اترك الاكتئاب وراءك»، تايلور بينيت، من أن الدلائل تشير إلى ارتفاع معدلات اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) والاكتئاب والمخاوف المتعلقة بالزلازل لدى الأطفال والمراهقين. يبدو أن الإجهاد الناجم عن الصدمة يتم من خلال فقدان السيطرة على الخوف الناجم عن التعرض للزلازل التي لا يمكن التنبؤ بها والتي لا يمكن السيطرة عليها.
لا يحتاج الشخص إلى تجربة الكارثة بشكل مباشر حتى يتأثر نفسياً، فالتعرض لساعات لا حصر لها من التغطية التلفزيونية، إلى جانب عدم القدرة على الحصول على معلومات عن الأهل والأصدقاء، يمكن أن يكون له تأثير عاطفي شديد حتى وإن كان عن بعد.
من المهم جداً في حالة صدمة الكوارث الطبيعية أن يمنح الضحية لنفسه الوقت للشفاء والمرور منها بسلام حتى يتماثل للشفاء.
بشكل عام، يُنصح الناجون من الكوارث الطبيعية بالتماس الاستشارة المهنية المتخصصة إذا وجدوا أنفسهم غير قادرين على استعادة السيطرة على حياتهم أو إذا استمروا في المعاناة من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة لأكثر من شهر.

- استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

صحتك 7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

أمّ تحمل في إحدى يديها طفلاً، وفي الأخرى ملفاً طبياً أثقل من عمره الصغير، تتنقل بين أروقة المستشفيات والعيادات حائرة، تطلق تساؤلات بلا إجابة واضحة

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

يُسوّق البلميط المنشاري بوصفه علاجاً طبيعياً لتضخم البروستاتا، وهو أحد المكملات الغذائية الأكثر مبيعاً.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساتشوستس الأميركية)
يوميات الشرق يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق خلايا تولد كأنَّ الذاكرة اختارت أن تتأخَّر في الرحيل (شاترستوك)

«المعمّرون الخارقون» يكشفون عن سرّ الدماغ الذي لا يشيخ

يُعرَّف «المعمّر الخارق» بأنه شخص يبلغ 80 عاماً أو أكثر، ويتمتّع بوظائف إدراكية تماثل شخصاً متوسّط المستوى في منتصف العمر تقريباً...

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك النظام الغذائي الصحي يلعب دوراً مهماً في تقليل خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم (أ.ف.ب)

4 أطعمة قد تقلل خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم

يُعد سرطان القولون والمستقيم أحد أكثر السرطانات شيوعاً في العالم، لكن خبراء الصحة يؤكدون أن للنظام الغذائي دوراً مهماً في تقليل خطر الإصابة به.

«الشرق الأوسط» (لندن)

7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

الأمراض النادرة تنتشر عبر العالم
الأمراض النادرة تنتشر عبر العالم
TT

7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

الأمراض النادرة تنتشر عبر العالم
الأمراض النادرة تنتشر عبر العالم

أمّ تحمل في إحدى يديها طفلاً، وفي الأخرى ملفاً طبياً أثقل من عمره الصغير، تتنقل بين أروقة المستشفيات والعيادات حائرة، تطلق تساؤلات بلا إجابة واضحة، وتصف أعراضاً لمرض لم يُسمَّ بعد، يعاني منه صغيرها منذ سنوات... إنها تعيش معه ما يسميه المختصون «رحلة البحث عن التشخيص» (Diagnostic Odyssey). هذه ليست قصة فردية؛ بل تجربة يعيشها ملايين الأسر حول العالم.

اليوم العالمي للأمراض النادرة

اليوم العالمي للأمراض النادرة

في اليوم العالمي للأمراض النادرة، الذي يُصادف اليوم الأخير من شهر فبراير (شباط) من كل عام، تتجه الأنظار إلى أكثر من 7000 مرض نادر موثق علمياً، تؤثر مجتمعة في نحو 300 مليون شخص عالمياً، وفق بيانات التحالف الأوروبي للأمراض النادرة (EURORDIS). ورغم أن كل مرض منها يصيب نسبة ضئيلة من السكان، فإن مجموعها يمثل عبئاً صحياً وإنسانياً لا يمكن تجاهله.

ما المقصود بالمرض النادر؟

يُعرَّف المرض النادر في الاتحاد الأوروبي بأنه المرض الذي يصيب أقل من شخص واحد من كل 2000 فرد، وفق تعريف وكالة الأدوية الأوروبية (EMA). وفي الولايات المتحدة يُعرَّف بأنه المرض الذي يؤثر في أقل من 200 ألف شخص على المستوى الوطني.

هذه التعريفات العددية تُخفي خلفها تنوعاً هائلاً في الأنماط المرضية؛ إذ تشمل الأمراض النادرة اضطرابات عصبية، واستقلابية، ومناعية، وأمراض دم وراثية، وتشوهات خلقية معقدة.

80 في المائة منها ذات أصل جيني

ويُقدَّر أن نحو 80 في المائة من الأمراض النادرة ذات أصل جيني، وأن ما يقارب 70 في المائة منها يبدأ في مرحلة الطفولة، وفق تقارير «EURORDIS» ومنظمة «الصحة العالمية». هذا البعد الوراثي يضع مسألة الفحص المبكر والاستشارة الجينية في صلب أي استجابة صحية فعالة.

أزمة التشخيص المتأخر

يُعدّ التأخر في التشخيص أحد أعقد التحديات في هذا المجال. وتشير دراسات منشورة في مجلات طبية مرموقة، إلى أن متوسط مدة الوصول إلى تشخيص دقيق قد يتراوح بين 5 و7 سنوات في بعض الحالات.

خلال هذه السنوات، يخضع المرضى لسلسلة طويلة من الفحوص، ويتلقون أحياناً تشخيصات خاطئة، أو علاجات لا تعالج السبب الجذري للمرض.

ولا ينعكس هذا التأخر على الحالة الصحية فقط؛ بل يمتد إلى البعدين النفسي والاجتماعي؛ فالأسرة تعيش قلقاً مزمناً، والطفل قد يفقد فرصاً مبكرة للتدخل العلاجي الذي يمكن أن يغيّر مسار المرض.

هنا تبرز أهمية بناء أنظمة إحالة متخصصة، وتدريب أطباء الرعاية الأولية على الاشتباه المبكر، وإنشاء سجلات وطنية للأمراض النادرة تسهّل الربط بين الحالات المتشابهة.

الأمراض النادرة في الواقعين العربي والسعودي

* إقليمياً، يكتسب موضوع الأمراض النادرة بُعداً إضافياً في بعض المجتمعات العربية، نظراً لانتشار زواج الأقارب، ما قد يزيد من احتمالية ظهور بعض الاضطرابات الوراثية المتنحية. وتشير دراسات إقليمية إلى أن نسبة من الأمراض الوراثية النادرة تكون أعلى في المجتمعات ذات الروابط العائلية القوية.

* محلياً، اتخذت المملكة العربية السعودية خطوات مهمة في هذا المجال، من بينها برامج الفحص الطبي قبل الزواج، التي تهدف إلى تقليل انتقال بعض الأمراض الوراثية الشائعة، إضافة إلى برامج المسح المبكر لحديثي الولادة للكشف عن عدد من الاضطرابات الاستقلابية والغددية في الأيام الأولى من الحياة.

تمثل هذه المبادرات حجر زاوية في الوقاية الثانوية، إذ يسمح التشخيص المبكر بالتدخل السريع قبل حدوث مضاعفات دائمة.

وفي إطار رؤية السعودية 2030، التي تضع جودة الحياة وتعزيز كفاءة النظام الصحي ضمن أولوياتها، يشكل تطوير خدمات الأمراض النادرة فرصة لتعزيز الرعاية المتخصصة عالية الدقة، والانتقال نحو الطب الشخصي القائم على الخصائص الجينية لكل مريض.

صورة أرشيفية لمصاب بمرض نادر يحيي فعاليات اليوم العالمي للأمراض النادرة في جنوب أفريقيا

العبء الاقتصادي

تُعرف العلاجات المخصصة للأمراض النادرة باسم «الأدوية اليتيمة» (Orphan Drugs)، وهو مصطلح يعكس محدودية السوق المستهدفة، ما يجعل الاستثمار فيها أقل جذباً للشركات من دون حوافز تنظيمية. لذلك تبنت دول عديدة تشريعات خاصة لدعم تطوير هذه الأدوية، كما فعلت الولايات المتحدة منذ عام 1983 بإصدار قانون الأدوية اليتيمة.

غير أن التحدي لا يتوقف عند تطوير الدواء؛ بل يمتد إلى تكلفته، فبعض العلاجات الجينية الحديثة قد تتجاوز تكلفته مئات الآلاف، أو حتى ملايين الدولارات للحالة الواحدة.

وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن تحقيق العدالة الصحية وضمان وصول المرضى إلى علاجات منقذة للحياة دون إنهاك ميزانيات الأنظمة الصحية؟

وتتطلب الاستجابة مزيجاً من التفاوض على الأسعار، وتبني نماذج دفع مبتكرة قائمة على النتائج العلاجية، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، إضافة إلى الاستثمار في البحث العلمي المحلي لتقليل الاعتماد الكامل على الخارج.

أضواء على ثورة العلاج الجيني والطب الشخصي

* أولاً: التدخل في الجذر الجزيئي للمرض. يحمل العقد الحالي تحولاً نوعياً في مقاربة علاج بعض الأمراض النادرة، خصوصاً ذات المنشأ الجيني؛ فبدل الاكتفاء بعلاج الأعراض أو إبطاء تطور المرض، أصبح الهدف هو التدخل في الخلل الجزيئي ذاته.

وتعتمد العلاجات الجينية الحديثة على نقل نسخة سليمة من الجين المعيب إلى خلايا المريض باستخدام نواقل معدلة، بحيث تستعيد الخلايا قدرتها الطبيعية على إنتاج البروتين المفقود أو المختل. وقد أثبت هذا النهج فاعلية في بعض اضطرابات الدم الوراثية وأمراض نقص المناعة وحالات الضمور العضلي الشوكي.

* ثانياً: تقنيات تحرير الجينوم. أما تقنيات التحرير الجيني مثل «CRISPR-Cas9»، فقد فتحت آفاقاً أوسع في تصحيح الشفرة الوراثية؛ إذ لا تكتفي بإضافة جين جديد، بل تقوم بتصحيح الطفرة في موقعها الأصلي داخل الحمض النووي. هذا التطور يمثل نقلة مفاهيمية من «تعويض الخلل» إلى «إصلاحه».

وقد شهدت السنوات الأخيرة موافقات تنظيمية على أول علاجات قائمة على تحرير الجينوم لبعض أمراض الدم الوراثية، في إنجاز عُدّ علامة فارقة في تاريخ الطب الحديث.

* ثالثاً: العلاج الخلوي والهندسة المناعية. لا تقتصر الثورة على الجينات وحدها؛ بل تمتد إلى العلاج الخلوي، حيث تُسحب خلايا من جسم المريض، وتُعدَّل وراثياً في المختبر، ثم تُعاد إليه بعد إعادة برمجتها لأداء وظيفة علاجية محددة. هذا التكامل بين الهندسة الجينية وعلم المناعة، أعاد رسم حدود الممكن في علاج أمراض كانت تُعد مستعصية قبل سنوات قليلة.

* رابعاً: الذكاء الاصطناعي وتسريع التشخيص. يسهم الذكاء الاصطناعي في تسريع اكتشاف الطفرات المسببة للأمراض النادرة؛ فتحليل الجينوم الكامل ينتج ملايين المتغيرات الوراثية، ويصعب فرزها يدوياً. وهنا تتدخل الخوارزميات المتقدمة لربط البيانات الجينية بقواعد معلومات عالمية، واقتراح تشخيصات محتملة بناءً على أنماط دقيقة قد لا تكون واضحة للعين البشرية.

كما أن دمج البيانات الجينية مع الصور الشعاعية والسجلات الصحية الإلكترونية يسمح ببناء نماذج تنبؤية تساعد في اختيار العلاج الأنسب لكل مريض.

* خامساً: من الطب العام إلى الطب الشخصي. هذا التداخل بين علم الجينات والتقنيات الرقمية يرسّخ مفهوم «الطب الشخصي» أو «الطب الدقيق»، حيث يُصمَّم العلاج وفق البصمة الجينية والبيولوجية للفرد بدلاً من اعتماد مقاربة موحدة للجميع.

ورغم التحديات الأخلاقية والتنظيمية المرتبطة بهذه التقنيات، فإن الاتجاه العام واضح: الطب ينتقل تدريجياً من مرحلة السيطرة على المرض إلى مرحلة إعادة صياغة مساره البيولوجي.

التحول الصحي في المملكة: رؤية 2030 والانتقال إلى الطب الشخصي

في السياق السعودي، تتقاطع هذه الثورة العلمية مع التحول الصحي الذي تقوده رؤية المملكة 2030، حيث يشكل الاستثمار في التقنيات الحيوية والبحث الجيني، محوراً واعداً لتعزيز جودة الرعاية الصحية وتنويع الاقتصاد المعرفي.

وقد أولت المملكة اهتماماً متزايداً ببرامج الطب الشخصي (الدقيق)، وتطوير المختبرات الجينية المتقدمة، ودعم مراكز الأبحاث المرتبطة بعلم الجينوم، إضافة إلى إنشاء قواعد بيانات صحية رقمية واسعة النطاق، تُسهّل الربط بين المعطيات السريرية والوراثية. كما أن التوسع في برامج المسح المبكر لحديثي الولادة، وتعزيز خدمات الاستشارة الوراثية، يعكسان توجهاً استباقياً نحو الوقاية والكشف المبكر، لا سيما في مجتمع يتميز بترابط أسري قوي يستدعي عناية خاصة بالأمراض الوراثية.

إن موقع المملكة ضمن الخريطة العالمية للبحث في الجينوم البشري، وتنامي الشراكات بين الجامعات والمراكز التخصصية والقطاع الحيوي، يهيئان بيئة مناسبة لأن تصبح السعودية مركزاً إقليمياً في تشخيص وعلاج الأمراض النادرة. وهذا لا يخدم المرضى محلياً فحسب؛ بل يعزز دور المملكة في إنتاج المعرفة الطبية، بدل الاكتفاء باستهلاكها.

وفي عالم يتجه سريعاً نحو الطب الشخصي، فإن الاستثمار المبكر في البنية التحتية الجينية والرقمية ليس خياراً تقنياً فحسب؛ بل قرار استراتيجي يضع صحة الإنسان في صميم التنمية المستدامة.

ختاماً: واقع صحي يتطلب رؤية واضحة

لقد بات واضحاً أن «ندرة المرض» لا تعني ندرة المعاناة، فـ300 مليون إنسان حول العالم ليسوا هامشاً إحصائياً؛ بل واقع صحي يتطلب رؤية واضحة، وتمويلاً عادلاً، وإرادة سياسية مستدامة.

فعشية اليوم العالمي للأمراض النادرة، لا يكفي رفع شعار التوعية؛ بل يجب أن نترجم الوعي إلى سياسات، والسياسات إلى إجراءات، والإجراءات إلى خدمات تصل إلى المريض في الوقت المناسب.

ويتضح لنا جلياً أن الأمراض النادرة ليست قضية سريرية فحسب؛ بل اختبار لقدرة الأنظمة الصحية على تحقيق العدالة والإنصاف. فبناء سجل وطني شامل، وتسهيل الوصول إلى الاختبارات الجينية المتقدمة، وتطوير مراكز تميز متعددة التخصصات، ليست إجراءات تقنية فقط؛ بل تعبير عن إرادة مؤسسية ترى في كل مريض حالة تستحق الاهتمام، مهما كانت ندرة مرضه. كما أن دعم جمعيات المرضى يوفّر بعداً إنسانياً لا يقل أهمية، إذ يمنح الأسر شبكة أمان نفسية واجتماعية في مواجهة مسار مرضي طويل ومعقد.

وبين رحلة البحث عن التشخيص، وتحديات التكلفة، وبوادر الثورة الجينية، يقف العالم أمام فرصة تاريخية: إما أن تبقى الأمراض النادرة في الهامش، أو تتحول إلى نموذج يُحتذى به في تكامل العلم والسياسة والرحمة.

والأمل، كما تؤكد الاكتشافات العلمية المتسارعة، لم يعد وعداً نظرياً؛ بل صار تحولاً فعلياً بدأ في إعادة رسم مستقبل هؤلاء المرضى.


هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟
TT

هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

يُسوّق البلميط المنشاري بوصفه علاجاً طبيعياً لتضخم البروستاتا، وهو أحد المكملات الغذائية الأكثر مبيعاً. وهو خلاصة مستخرجة من الثمار التي تنمو على أشجار البلميط المنشاري (saw palmetto)، وموطنها الأصلي في جنوب شرقي الولايات المتحدة.

فوائد مفترضة لصحة البروستاتا

* مكملات شائعة. وفقاً لإحدى التقديرات، يحصل أكثر من ثلث البالغين في الولايات المتحدة، الذين يتناولون المكملات الغذائية، على مكملات البلميط المنشاري على وجه التحديد. وتُشير بعض الأدلة إلى أن البلميط المنشاري يملك خصائص مضادة للالتهابات، ويعود استخدامه دواءً في الطب الشعبي إلى أكثر من قرن.

ومع ذلك، يجب على الرجال النظر إلى فوائده المفترضة لصحة البروستاتا بعين الحذر. وتقول الدكتورة هايدي رايالا، جرّاحة المسالك البولية في مركز بيث إسرائيل ديكونيس الطبي، التابع لجامعة هارفارد، والأستاذة المساعدة في طب المسالك البولية في كلية الطب بنفس الجامعة: «من غير المرجح أن يضر البلميط المنشاري بصحتك، لكنه على الأرجح لن يقدم أي فوائد كبيرة أيضاً».

* تضخم البروستاتا الحميد وتأثير البلميط المنشاري المحتمل. من الشائع أن يصاب الرجال بتضخم البروستاتا، أو تضخم البروستاتا الحميد (BPH) benign prostatic hyperplasia، مع تقدمهم في العمر. ويُعيق تضخم البروستاتا الحميد تدفق البول عبر مجراه، ما يسبب أعراضاً انسدادية يمكن أن تتفاقم مع مرور الوقت.

ومع ذلك، فإن الكيفية التي قد يؤثر بها البلميط المنشاري على البروستاتا لتحسين الأعراض ليست واضحة تماماً. وتشير بعض الأدلة إلى أنه يحاكي تأثيرات بعض الأدوية المستخدمة لعلاج تضخم البروستاتا الحميد، بما في ذلك مثبطات إنزيم «5-ألفا ريدوكتيز» (5-alpha reductase inhibitors)، مثل فيناسترايد (finasteride) وبروسكار (Proscar)، التي تعمل على تقليص حجم غدة البروستاتا.

* تحذير طبي. في الولايات المتحدة، لا يوجد أي مكمل عشبي معتمد لعلاج تضخم البروستاتا الحميد. وتحذر الجمعية الأميركية لجراحة المسالك البولية من أن الدراسات التي تدعم استخدام البلميط المنشاري في علاج تضخم البروستاتا يشوبها العديد من العيوب، بما في ذلك قصر مدتها وغياب المجموعات الضابطة المعتمدة على أدوية وهمية. وتنبع أغلب الأدلة الداعمة من دراسات صغيرة تمولها الشركات، التي تسوق المكملات الغذائية.

نتائج التجارب

ماذا تُظهر التجارب السريرية العشوائية؟ تظهر أفضل الأبحاث عدم وجود فوائد للبلميط المنشاري في علاج تضخم البروستاتا الحميد. وخلال إحدى الدراسات، عولج 225 رجلاً يعانون من تضخم البروستاتا الحميد المتوسط إلى الشديد، إما بعلاج وهمي أو بـ160 ملّيغراماً من البلميط المنشاري، تؤخذ مرتين يومياً لمدة عام. ولم يكتشف الباحثون أي فرق في النتائج، لكنهم أقروا أيضاً بأن الجرعات التي جُرّبت في الدراسة ربما كانت منخفضة للغاية، بحيث لم تُنتج تأثيرات قابلة للقياس.

لذا، خلال دراسة لاحقة أوسع نطاقاً، اختبر الباحثون جرعات أعلى من البلميط المنشاري تصل إلى 320 ملّيغراماً تؤخذ 3 مرات يومياً. مع توزيع ما يقرب من 370 رجلاً في سن 45 عاماً أو أكثر عشوائياً على مجموعات العلاج أو الدواء الوهمي. وبعد مرور عام ونصف عام، أفاد الرجال في كلا المجموعتين أنهم لا يشعرون بتدهور أو أنهم يشعرون بتحسن طفيف. واللافت للنظر أن 40 في المائة من الرجال الذين عولجوا بدواء وهمي، قالوا إن الأعراض قد تحسنت، ما يشير إلى أن مجرد تناول حبة دواء قد تكون له علاقة بالفوائد المتصورة للمكمل الغذائي.

وقاد الدراسة الدكتور مايكل باري، أستاذ الطب في كلية الطب بجامعة هارفارد. وهو يحثّ الرجال على استشارة أطبائهم قبل تجربة البلميط المنشاري، وذلك بالأساس لاستبعاد الأسباب المحتملة الأخرى لانسداد المسالك البولية، التي يمكن أن تتضمن سرطان المثانة أو البروستاتا. كذلك، قد يتداخل البلميط المنشاري مع قدرة الدم على التجلط، ما يجعله خطيراً على الرجال الذين يتناولون أدوية مميعات الدم.

النتائج الحديثة

تأتي الأدلة الحديثة حول البلميط المنشاري وتضخم البروستاتا الحميد من «مراجعة كوكرين» (Cochrane Review)، التي اشتملت على 27 دراسة منضبطة بالعلاج الوهمي، شارك فيها 4656 مشاركاً. وقد أظهرت النتائج المنشورة عام 2024 عدم حدوث تحسن في الأعراض البولية أو جودة الحياة ناتجة عن تناول البلميط المنشاري (سواء بمفرده أو مع مكملات عشبية أخرى) على مدى فترات تراوحت حتى 17 شهراً.

في هذا الصدد، تقول الدكتور رايالا: «إذا كانت المكونات الموجودة في هذه المنتجات العشبية فعالة في علاج الأعراض البولية، لكانت شركات الأدوية قد حصلت بالفعل على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية عليها كدواء يجب على شركات التأمين تغطيته. وعليه، فإنه لا بأس بتناولها، لكن كن حذراً بشأن إنفاق كثير من أموالك على مثل هذه البدائل».

أخيراً، ضع في الاعتبار هذه الملحوظة حول البلميط المنشاري من خبير آخر في جامعة هارفارد، وهو الدكتور مارك غارنيك، أستاذ الطب في كلية الطب بجامعة هارفارد ومركز بيث إسرائيل ديكونيس الطبي، ورئيس تحرير دليل كلية الطب بجامعة هارفارد لأمراض البروستاتا. يقول الدكتور غارنيك: «من السهل فهم سبب إقبال كثيرين على تناول مكمل غذائي طبيعي لعلاج مشاكل المسالك البولية في منتصف العمر. ومع ذلك، لا توجد أدلة على فاعلية البلميط المنشاري، وينبغي تجنب استخدامه لعلاج تضخم البروستاتا الحميد وأعراض المسالك البولية الشائعة الأخرى دون إجراء تقييم كامل للأسباب المحتملة».

* رسالة هارفارد «مراقبة صحة الرجل»، خدمات «تريبيون ميديا».


ضوضاء المرور ليلاً تزيد ضربات القلب وتسبب الالتهابات

ضوضاء الطرق تعد أحد أبرز مصادر التلوث الضوضائي في المدن (رويترز)
ضوضاء الطرق تعد أحد أبرز مصادر التلوث الضوضائي في المدن (رويترز)
TT

ضوضاء المرور ليلاً تزيد ضربات القلب وتسبب الالتهابات

ضوضاء الطرق تعد أحد أبرز مصادر التلوث الضوضائي في المدن (رويترز)
ضوضاء الطرق تعد أحد أبرز مصادر التلوث الضوضائي في المدن (رويترز)

أظهرت دراسة دولية أن التعرض لضوضاء حركة المرور ليلاً، حتى لمدة ليلة واحدة فقط، قد يسبب إجهاداً ملحوظاً للقلب والأوعية الدموية، ويزيد مستويات الالتهاب، ويؤثر على جودة النوم.

وأوضح الفريق البحثي التابع للجمعية الأوروبية لطب القلب، بقيادة جامعة يوهانس غوتنبرغ في ألمانيا، أن هذه الدراسة تُساعد على تفسير ارتفاع معدلات ضغط الدم وأمراض القلب والشرايين بين الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من الطرق المزدحمة، ونُشرت النتائج، الأربعاء، في دورية «Cardiovascular Research».

وتُعد ضوضاء الطرق أحد أبرز مصادر التلوث الصوتي في المدن، إذ تنتج بشكل رئيسي عن حركة السيارات والشاحنات والدراجات النارية. وتتسبب هذه الأصوات في اضطراب النوم، وزيادة معدل ضربات القلب، وإحداث تغيرات التهابية في الجسم، مما يؤثر سلباً على صحة القلب والأوعية الدموية.

وشارك في الدراسة 74 متطوعاً بصحة جيدة، على مدار ثلاث ليالٍ، حيث تعرضوا في كل ليلة لأحد السيناريوهات التالية: إما من دون ضوضاء (المجموعة الضابطة)، وإما للتعرض لـ30 حدثاً متفرقاً من ضوضاء المرور خلال الليل، وإما 60 حدثاً متفرقاً من الضوضاء. وكان كل «حدث» عبارة عن تسجيل قصير لحركة المرور، مثل مرور سيارة، أو شاحنة، أو مجموعة سيارات في وقت محدد، تصل ذروتها إلى نحو 60 ديسيبلاً. وكانت الدراسة مزدوجة التعمية، بحيث لم يكن المشاركون ولا الباحثون على علم بمستوى الضوضاء في كل ليلة.

تغيرات مناعية

وفي صباح اليوم التالي، خضع المشاركون لسلسلة من الاختبارات الصحية، أبرزها اختبار تمدد الأوعية الدموية، وهو اختبار معتمَد طبياً لقياس صحة الأوعية الدموية. وأظهرت النتائج انخفاض نسبة التمدد من 9.35 في المائة في المجموعة الضابطة إلى 8.19 في المائة مع التعرض لـ30 حدثاً، وإلى 7.73 في المائة مع التعرض لـ60 حدثاً، مما يشير إلى ضعف وظيفة الأوعية الدموية وارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب.

كما أظهرت تحاليل الدم تغيرات في مسارات مناعية مرتبطة بالالتهاب والاستجابة للتوتر، بالإضافة إلى ارتفاع متوسط معدل ضربات القلب بنحو 1.23 نبضة في الدقيقة. وأفاد المشاركون بتدهور واضح في جودة النوم والشعور بالراحة بعد التعرض للضوضاء.

وأشار الباحثون إلى أن الجسم يظل «يقظاً» حتى في أثناء النوم، وأن تنشيط استجابات التوتر بشكل متكرر ليلاً قد يؤدي، على المدى الطويل، إلى تطور أمراض قلبية مزمنة.

وأضافوا أن الحد من التعرض للضوضاء يُعد جزءاً مهماً من استراتيجيات الوقاية من أمراض القلب في المدن.

ونصح الفريق البحثي بعدة إجراءات فردية لتقليل تأثير ضوضاء المرور، منها إبعاد غرف النوم عن مصادر الضوضاء قدر الإمكان، واستخدام نوافذ عازلة للصوت، واتباع نمط حياة صحي يشمل التغذية المتوازنة والنشاط البدني، إلا أنهم أكدوا أن الأثر الأكبر يتطلب حلولاً مجتمعية وهيكلية، مثل تقليل حركة المرور ليلاً، واستخدام طرق أقل ضوضاء، وتحسين التخطيط العمراني والعزل الصوتي للمباني.