مختصون مصريون: مشكلات العربية معقدة ومسؤولو التعليم جعلوها محل تجارب شكلية

اليوم العالمي للغة الأم (2من2) أكاديميون وباحثون يبدون آراءهم حول حال لغة الضاد

مختصون مصريون: مشكلات العربية معقدة ومسؤولو التعليم جعلوها محل تجارب شكلية
TT

مختصون مصريون: مشكلات العربية معقدة ومسؤولو التعليم جعلوها محل تجارب شكلية

مختصون مصريون: مشكلات العربية معقدة ومسؤولو التعليم جعلوها محل تجارب شكلية

أجمع أعضاء بمجمع اللغة العربية وكتاب ونقاد مصريون على أن واقع اللغة العربية في مصر يحتاج إلى تضافر كل المؤسسات الرسمية، بما فيها وزارة التعليم والهيئات العلمية المهتمة بشأن العربية، مع مؤسسات المجتمع المدني العاملة في المجال نفسه من أجل تحسين واقع اللغة العربية في البلد، وحمايتها من التهميش والتشويه.

د. يسري عبد الله

دكتور محمد عبد العظيم سعود (عضو مجمع اللغة العربية): «وضع مؤسف»

وضع اللغة العربية مؤسف، وينطوي على كثير من الهزل، ويظهر ذلك مثلاً في المناطق الشعبية مثلاً ومحلاتها التي تكتب لافتاتها باللغة الإنجليزية، فيما لا توجد أي إشارة للمعنى العربي للمكتوب، وأنا أعجب من حلولها مكان العربية حتى في هذه المناطق، وهذا شيء غريب جداً، وقد أصبح هذا سائداً رغم أن القانون يمنعه، وقد تواصلنا مع كثير من المؤسسات لتصحيح هذه الأوضاع لكن دون جدوى، أما بالنسبة للجامعات، فأعتقد أن هناك ردة في حال اللغة العربية، وهو ما يظهر في بعض الكليات والتي كانت تفرض الدراسة فيها في السنة الأولى باللغة العربية، لكن بعض الأساتذة في كثير من الكليات العلمية تراجعوا وعادوا لتدريس موادهم باللغة الإنجليزية، دون اهتمام بلغتهم الأم، كما أنهم يقدمون مادة بلغة مهجّنة، حيث لا يستطيع أي واحد منهم أن يقدم محاضرته كاملة باللغة الإنجليزية، وأحياناً يستخدمون كلمات إنجليزية في تقديم الدروس والمحاضرات، وهذا شيء غريب، بينما كنا منذ سنوات طويلة في الحقيقة ومنذ بداية الخمسينات كان الاهتمام باللغة العربية، وقد سمعت من أستاذ يدرس الفيزياء في كلية الهندسة جامعة عين شمس عام 1961 قال: لا مفر من التعليم، والجماعة تريد هذا، وكان يقصد بهم مجلس قيادة الثورة، وكان وزير التعليم وقتها كمال الدين حسين أحد أعضاء المجلس، كأن التعليم هذا شر كبير جداً، لكننا الآن عدنا نتغنى في السنة الأولى باللغة الإنجليزية، وبالطريقة المهجنة التي أشرت إليها، وهو شيء مؤسف جداً في الحقيقة.
أما عما يقوم به المجمع لمكافحة هذه الأزمة والعمل على علاج حال اللغة العربية المزري، فكثير منه أولا أننا نعمل على ترجمة المصطلحات الأجنبية إلى اللغة العربية، وهذا يحدث في كل فروع العلوم الحديثة، والإنسانية، وإذا وجدنا أن من العسير الترجمة في بعض الأشياء فنلجأ إلى التعريب، حتى ننقل كل هذه العلوم إلى لغتنا العربية، ويخرج المجمع بهذه الطريقة الكثير من المعاجم، في كل فروع العلم.

د. عمار علي حسن

دكتور عبد الحكيم راضي (عضو مجمع اللغة العربية): لغتنا في محنة

بداية أذكر المثل العامي الذي يقول إن «اليد الواحدة لا تصفق»، والدور الذي يقوم به مجمع اللغة العربية شريف في أساسه، وكان النص منذ بداياته في أوائل القرن الماضي في قرار إنشائه على أن يقوم المجمع على تطوير اللغة العربية، وجعلها صالحة لمقتضيات العصر وعلومه، على أن تبلغ توصياته إلى وزارة التعليم، وعلى الأخيرة أن تقوم بالتنفيذ.
لكن الآن هناك ظروف كثيرة اجتماعية واقتصادية طرأت على حياتنا، في مصر وفي البلاد العربية أيضا، جعلت الناس لا يقفون الموقف الواجب إزاءها، واللغة العربية في محنة، والأسباب كثيرة، وبعضها يدعو للتعجب، انظر مثلا إلى المؤتمرات التي تعقد لتطوير اللغة وبحث أحوالها، وما فيها من توصيات نبيلة تخرج للمناداة بتدريس اللغة العربية في جميع كليات الجامعات المصرية، هذه التوصيات لا تنفذ، وتصبح حبراً على ورق، لأن الأمور تثار وتتحرك لأسباب طارئة، حين تزول يختفي الحماس، وتعود الحال كما هي عليه، وعلى هذا الوضع تظل الأحوال، وتنحصر محنة اللغة العربية بين المجتمع ومؤسسات التعليم، بما في ذلك تلك التي تدرس علومها بلغات أجنبية، من هنا لا يمكن أن نفصل أوضاع اللغة العربية المتردية عن الوضع العام للتعليم، وهو وضع تتحمل مسؤوليته الوزارات المتتابعة التي كانت مسؤولة عنه في بلدنا بعد أن جعلته مجالاً لتجارب غير محسوبة النتيجة.

د. محمد عبد العظيم سعود

الدكتور حسن الشافعي، رئيس اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية، ومجمع اللغة العربية السابق: «قضية مجتمعات»

واقع اللغة في مصر لا يختلف كثيراً عن واقعها في البلاد العربية المجاورة، وهو بوجه عام جيد في بعض جوانبه، وسيئ في كثير من الجوانب الأخرى، فاللغة من حيث إنها أداة متطورة حية نالت حظاً من التقدم والحيوية والجمال، ما في ذلك شك، وعلى من يماري في هذا أن يقارن بين أي نص حالي وآخر يعود لأوائل القرن الماضي، وسيجد الفرق شاسعاً من حيث بساطة اللغة، وحيويتها وسهولتها، وجمالها، لكن اللغة العربية على ألسنة الشباب، ولسان الطفل العربي الضائع بين أمه والمربية الأجنبية، وما تتناوله بعد ذلك أنظمة تعليمية متعددة اللغات، تجعل التلميذ لا يعرف من لغته وتراثه وثقافته غير القشور، فلا البيت يسعفه، ولا نظام التعليم يرعاه، وهذه هي الحال في بلادنا العربية كافة، وربما كانت الحال في مصر أحسن قليلا من حيث إن هناك نظاماً تعليمياً أزهرياً يقدم شيئاً من جوانب اللغة بصرف النظر عن مدى النجاح تربوياً، لكنه على الأقل يقدم العلوم العربية والدينية بنظام ممتد على مدى القرى والمدن في كل مكان، وهذا لا يكاد يوجد في بلدان أخرى، ونحن للأسف لم نقدم الخدمة الواجبة لرفع مستوى اللغة العربية.
نعم المجمع يصدر المعاجم وينهض كذلك بأنشطة ثقافية أخرى، ولكنها مقصورة على القاهرة فقط، أما قيامه بتقديم ترجمات المصطلحات العلمية فهو بمثابة أمل في أن يعرَّب نظام التعليم، خصوصاً في العلوم التقنية المعاصرة، فإنها لا تزال تدعي أنها تدرس بالإنجليزية، لكن هذا ليس صحيحاً، لكن ما يتم هو استعمال لغة هجين بينها وبين العربية، وقد سبقتنا سوريا بتعريب هذه العلوم، ولا أظن أن الطبيب السوري أقل كفاءة من الطبيب المصري. قضية اللغة ليست قضية مجامع ولا هيئات، لكنها قضية مجتمعات.


د. عبد الحكيم راضي

الكاتب والناقد الدكتور يسري عبد الله (كاتب وناقد): «تفعيل دور الخيال»

اللغة تكتسب حياة جديدة، ومدلولات جديدة عبر الأداء اللغوي ذاته سواء على المستوى الشفاهي أو المستوى الكتابي. ومن هنا يجب أن يكون ثمة اهتمامات حقيقية بالتجديد اللغوي عبر تفعيل الخيال الإبداعي، وتنشيط الذاكرة الأدبية، ويجب أن تلعب المؤسسات الأكاديمية دوراً في هذا السياق، بحيث تنفتح على النصوص الإبداعية الجديدة، التي تعاين اللغة من منظورات جمالية مغايرة عن السائد.
ويجب أيضاً أن تهتم المؤسسات الثقافية بالتنوع اللغوي الخلاق في حواضر اللغة المختلفة، كما ينبغي على المؤسسات الإعلامية أن تعتمد مدونة جديدة تقرب الفصحى من المتلقين، وتستخدم لغة تداولية تعتمد على السلامة اللغوية وعلى الإحاطة بالمعنى.
اللغة تتجدد بتجدد الممارسة اللغوية والإبداعية، وواجبنا نحوها يستلزم استحضار ذلك كله من جهة، وتعزيز حضورها اليومي المتجدد في مؤسساتنا الأكاديمية والفكرية والإعلامية من جهة ثانية.

دكتور عمار علي حسن
(روائي وباحث): صراع اللهجات
المحلية والوافد الأجنبي

تعاني اللغة العربية من مشكلات معقدة، بعضها مزمن وكان معروضاً ومعروفاً ولم يجد حلاً على مدار سنين، وبعضها جديد، وصار مكشوفاً للأذهان، ولا يحتاج إلى جهد حتى نقف عليه، ونشخصه، ونفكر في حلول له.
بعض هذه المشكلات يتعلق بتطوير النحو بحيث يصبح أسهل، وهي مسألة بح صوت طه حسين وغيره، في سبيل تلافيها. وبعضها يتعلق بإيجاد الألفاظ المناسبة التي تواكب التطور العلمي والحضاري، وما تلقيه العولمة في نهر اللغات كل سنة من مفردات ومفاهيم واصطلاحات كل يوم تقريباً. وبعضها يرتبط بإيجاد بلاغة جديدة في التشبيه والاستعارة والمبالغة وصناعة الصورة وقدح الخيال.
لكن هذا هو الجانب الأيسر من المشكلة، أما الأصعب فهو ما يرتبط بوجود اللغة العربية نفسها. وقد زحفت عليها اللهجات العامية بقسوة، ولم تقف عند حد أن تكون متداولة شفاهة، كما كان سابقاً، ثم بات أغلب الجيل الجديد يعتمدها في التعبير عن آرائه ومواقفه وأفكاره ومشاعره، بل وصل الأمر إلى بعض الكتّاب أو الأدباء، الذين نتابع ما يكتبونه بالعامية الفجة على مواقع التواصل الاجتماعي ونتعجب، لا سيما أن ما يكتبونه لا يكون من قبيل الحوار الذي يمكن أن يفرض اللهجات العامية المحلية، بل في الوصف والتصوير والتحليل والتخيل.
وبعض اللهجات العامية المحكية لديها قدرة هائلة على التعبير وتجاوز الكثير من مشكلات اللغة الفصحى، لا سيما اللهجة المصرية، لكن في مصر لا توجد لهجة عامية واحدة، فما بالنا بكل البلدان العربية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».