ليلي بريك وفلاديمير ماياكوفسكي: الحب على الحافة بين الشعر والانتحار

اختطفته من أختها إلسا تريوليه وأولمت قلبها لرجال كثيرين

ليلي بريك وفلاديمير ماياكوفسكي: الحب على الحافة بين الشعر والانتحار
TT

ليلي بريك وفلاديمير ماياكوفسكي: الحب على الحافة بين الشعر والانتحار

ليلي بريك وفلاديمير ماياكوفسكي: الحب على الحافة بين الشعر والانتحار

يصعب على نقاد الشعر ودارسيه ألا يتوقفوا ملياً عند التجربة المهمة والثرية لفلاديمير ماياكوفسكي الذي استطاع رغم قصر حياته أن يحقن القصيدة الروسية بلغة جديدة وطازجة، وأن يمهرها ببصمته وتوقيعه الخاصين. وإذا كان الشعر الروسي قد انتظر طويلاً ظهور ألكسندر بوشكين في القرن التاسع عشر لكي ينقله من طور إلى طور ويشهد على يديه ولادته الحقيقية، فإنه يدين بولادته الثانية لعدد من شعراء «العصر الفضي» الذين قضى معظمهم انتحاراً، من أمثال يسينين وباسترناك وبلوك وأخماتوفا، كما لماياكوفسكي على وجه الخصوص، وهو الذي تمكن بما يمتلكه من موهبة عالية وحساسية مختلفة إزاء اللغة والعالم، من تجاوز المنجز الإبداعي لأسلافه، ومن وضع الشعر الروسي في قلب المغامرة الحداثية للقرن العشرين.
ولأن الطفولة بالذات هي البوصلة الأصلية التي تحدد وجهة سير الحياة برمتها، فقد كان فقدان ماياكوفسكي المبكر لأبيه هو الحدث الأكثر مأساوية في حياة الطفل المولود في جورجيا عام 1893، حيث اضطرت العائلة للانتقال إلى موسكو لتواجه هناك حالة من الفاقة والعوز تسببت في فصل الفتى عن الدراسة عام 1908، الأمر الذي ترك خدوشه العميقة في قلبه ووجدانه، وكان السبب الأبرز في اعتناقه الفلسفة الماركسية وانضمامه إلى صفوف الحزب البلشفي المناهض للحكم القيصري، وهو لا يزال في الخامسة عشرة من عمره. أما تجربة السجن التي واجهها المراهق الممتلئ حماسة وسعياً إلى التغيير، إثر إدانته بتهريب بعض النسوة الثائرات من السجون، فقد مكنته على قسوتها من تعميق ثقافته وإيجاد الوقت اللازم لقراءة بايرون وشكسبير وتولستوي وغيرهم.
ومع انتسابه اللاحق إلى معهد الفنون الجميلة في موسكو لم يتأخر ماياكوفسكي في الانضمام إلى حركة المستقبليين الروس الذين أصغوا بإمعان مشوب بالدهشة إلى نصوصه المبكرة، واصفين إياه بالشاعر العبقري. أما معرفته بإلسا تريوليه التي ستصبح في حقبة لاحقة حبيبة الشاعر الفرنسي أراغون وزوجته فناجمة عن زيارة الشاعر إلى منزل العائلة الثرية ليبيع قصيدته «ثورة الأشياء» بفعل الضائقة المالية التي كان يكابدها آنذاك.
«لقد كان يذرع شوارع موسكو بهامته الشاهقة على رؤوس غيره من المارة. تلك الهامة العجيبة ذات الجمجمة الضخمة المستديرة، والوجنتين المستطيلتين الغائرتين والفك القوي، والعينين الكستنائيتين الذاهلتين. وكانت تحمله قدمان قويتان، فيما القسم الأعلى من جسمه يتخذ بمنكبيه العريضين شكل تمثال نصفي»، بهذه الدقة الحاذقة ترسم إلسا تريوليه بورتريها شديد الدقة لملامح ماياكوفسكي الذي سحرها بشعره وحضوره دون أن تتحرج رغم ذلك من الحديث عن هندامه الفوضوي وقميصه الأصفر الفاقع ذي الكمين النصفيين، أو عن اعتداده بنفسه، وهو الذي كان يمهر رسائله لها بعبارة «رائد المستقبل فلاديمير ماياكوفسكي».
لم تكن العلاقة العاطفية التي ربطت بين إلسا وماياكوفسكي لسنتين اثنتين خافية على أحد، حيث كان الشاعر يتردد على منزل الفتاة العائلي دون أي ممانعة من الوالدين المثقفين والمنتميين إلى الطائفة اليهودية، الأمر الذي أتاح لابنتيهما ليلي وإلسا أن يتعلقا بدورهما بالثقافة والأدب والفن ويتقنا لغات عدة، فضلاً عن جمالهما الباهر الذي تنافس على تخليده في وقت لاحق فنانون كبار من وزن شاغال وليجيه وماتيس. إلا أن تريوليه تمر على تلك العلاقة بشكل عرضي في كتابها عن ماياكوفسكي الذي نشرته بعد سنوات من انتحاره. وهي بالطريقة نفسها تشير إلى علاقة ماياكوفسكي بليلي مركزة بالمقابل على الجانبين الإبداعي والعقائدي من حياته القصيرة، كما لو أن دخول أختها على خط العلاقة واختطاف عشيقها منها هو بالنسبة لها أمر عادي لا يستحق العناء. ولعل الأسلوب التلقائي والبارد الذي عرضت فيه إلسا للجانب العاطفي من علاقتها بماياكوفسكي يعود على الأرجح لعلاقة الحب العاصفة التي كانت قد جمعتها بأراغون وتم تتويجها بالزواج، وما رتبه ذلك عليها من إغضاء متعمد عن تفاصيل غرامياتها السابقة، رغم إقرارها الصريح بتلك العلاقة. كما يعكس من ناحية أخرى الوطأة الثقيلة للآيديولوجيا الماركسية في تلك الحقبة، حيث أولوية النضال الثوري تتقدم على كل شأن آخر. فيما السبب الثالث متصل بعدم رغبة إلسا في الإقرار بهزيمتها أمام ليلي، أو بفتح معركة خاسرة وغير متكافئة مع أختها الكبرى.
لا تنفي إلسا في كتابها عن ماياكوفسكي علاقتها العاطفية والجسدية به. ومع ذلك فهي تحاول الإيحاء للقارئ بأنها هي التي قررت قطع علاقتها بالشاعر، كمحاولة منها للتخفيف من غضب الأم، بخاصة بعد أن سألتها أختها المتزوجة ليلي إثر زيارتها لمنزل العائلة: «من هو هذا الماياكوفسكي الذي يتردد على منزلنا؟ وإذا كنت تصرين على معاشرته فإن ما تفعلينه يحمل والدتنا على البكاء». والأرجح أن كبرياء تريوليه الجريح، هو الذي دفعها للقول بأنها قد أخلت الساحة بشكل طوعي لأختها الشرهة للرجال، مع أن الدلائل كلها كانت تشير إلى أن ما حدث كان أقرب إلى عملية اختطاف أو قرصنة عاطفية.
لم يكن زواج ليلي من الناقد الحداثي المستقبلي أوسيب بريك عام 1912، ليردعها رغم ذلك عن محاولة الظفر بقلب الشاعر المتعطش إلى الحب، الذي حدست بما تملكه من ثقافة وتبصر بمكانته اللاحقة في عالم الإبداع. حرضت ليلي زوجها المعجب بدوره بماياكوفسكي بأن يُخرجا زواجهما من ربقة المؤسسة وجدرانها الضيقة ويحولاه إلى نوع من الزواج الحر «المفتوح»، وأقنعته بتحويل منزلهما العائلي إلى صالون أدبي دوري يلتقي في رحابه مبدعو روسيا وكتابها ونُخبها المثقفة. وهو ما أتاح للزوجة الشرهة إلى متع الحياة المختلفة ألا تكتفي بجعل ماياكوفسكي عشيقاً علنياً لها، بل حرصت أشد الحرص على توسيع سريرها الزوجي بما يجعله قابلاً للتقاسم بين الأطراف الثلاثة، الزوج والزوجة والعشيق. ولم تكن رغبة ليلي التي اعتبرها بابلو نيرودا ملهمة الحداثة الأدبية الروسية في أن تكون ملهمة ماياكوفسكي وعشيقته الأثيرة بعيدة عن التحقق باعتبار أنها هي بالذات المرأة التي تقف وراء أعظم وأجمل أشعاره، وبينها القصيدة الأكثر شهرة وتميزاً «غيمة في سروال» التي كتبها عام 1915 ويقول فيها:

«ماذا يهم، تزوجي فسأصمد
أترين كم أنا هادئ كنبض الموتى؟
أنت الجيوكندا التي ينبغي أن تُسرق وقد سرقوها بالفعل
ومرة أخرى أخرج إلى اللعبة عاشقاً
والنار تضيء حاجبي المحنيين
وتشاكسينني مشاكسة القرش للشحاذ
ولديكِ من الزمرد ما يسلب العقل»
إلا أن إلسا تريوليه تتعمد في كتابها عن ماياكوفسكي ترك الباب موارباً فيما يخص استمرار علاقتها به. فهي إذ تشير غير مرة إلى ارتباطه العاطفي بليلي تلمح من جهة أخرى إلى أن علاقتهما الشخصية لم تنقطع تماماً. وهو ما يظهر جلياً في حديثها عن أن ماياكوفسكي كان يبحث عن أسباب مختلفة لمخاصمتها، وأن أختها الكبرى هي التي كانت تتدخل باستمرار لتهدئة الخصام. ثم في أي خانة غير خانة الحب أو ما شابهه يمكننا أن نضع قول إلسا الحرفي «لقد عدت إلى باريس حيث لم يكن ينتظرني أحد. وقد سافر ماياكوفسكي إلى هناك مراراً وساد بيننا سلام ضمني. ولكم كنت أحب الذهاب إلى المحطة لأنتظره!»، خصوصاً أن علامة التعجب التي وضعتها تريوليه في نهاية المقطع، تتكفل أكثر من سواها بحملنا إلى حيث ينبغي أن نذهب.
ورغم كل ذلك فإن بريك بالذات كانت بالنسبة لشاعر الثورة السوفياتية الأبرز المرأة التي قلبت حياته رأساً على عقب على امتداد خمسة عشر عاماً من علاقتهما الحميمة والعاصفة. فهي لم تحظ بالقسم الأوفر من قصائده فحسب، بل بعث لها بعشرات الرسائل التي تحولت مع الزمن إلى واحدة من أبرز الوثائق العاطفية والثقافية والسياسية في القرن الفائت. ومع ذلك فإن الصورة التي تركتها ليلي في أذهان معاصريها، كما الأجيال اللاحقة، لم تكن بالقطع صورة المرأة المثقفة ومتعددة المواهب، بل المرأة اللعوب والشريرة، التي عملت على إغواء الكثير من الرجال وإيقاعهم في حبائل فتنتها الطاغية وجمالها الآسر. وإذ أبدى زوجها ذو العقل المنفتح والأفكار الفوضوية الكثير من التفهم لعلاقاتها مع الرجال لم يلبث أن حسم قراره بالانفصال عنها إثر حملها من الموسيقي المؤلف غريغوري كراين، ثم إجهاضها للجنين، وعدم تمكنها لاحقاً من الإنجاب. إلا أن ليلي التي استوقفها اهتمام زوجها بشعر ماياكوفسكي وترويجه لمؤلفاته آثرت أن تحتفظ بالطرفين معاً، الزوج والعشيق في آن واحد.
على المستوى الشعري، كان نجم ماياكوفسكي يتجه نحو مزيد من السطوع في عشرينيات القرن المنصرم. ومع ذلك فقد بدت حادثة انتحاره عام 1930 أقرب إلى اللغز الذي لم يتم فك شفرته بالكامل حتى اليوم. فثمة من ربط قراره التراجيدي بالانتحار بالهجمات التي كانت تشن عليه من غير جهة وفريق. فالمتعصبون للنظام السياسي وشعرية التعبئة الدعائية أخذوا عليه إغراقه المطرد في الرمزية والتعقيد، في حين أن الرمزيين والمستقبليين رأوا في قصائده السياسية كقصيدته عن لينين على سبيل المثال لا الحصر نوعاً من الارتداد السلبي عن مغامرة الحداثة وتوجهاتها التغييرية الجذرية. إلا أن دارسين ومؤرخين آخرين ذهبوا إلى تحميل ليلي بريك بالذات مسؤولية انتحاره، وهي التي لم تتورع رغم تعلقها به عن نسج علاقات غرامية متفاوتة العمق مع فنانين وشعراء وسينمائيين كثر، من أمثال ألكسندر روشينكو وإيف سان لوران وبازوليني وأراغون وآخرين. كما أن عشرات الرسائل التي تركها الشاعر المنتحر خلفه، والتي لم يُكشف عن معظمها بعد، تقدم تلميحات متفاوتة الوضوح عما تسببت به المرأة التي التحقت بجهاز المخابرات الروسية لصاحب «مزمار الفقرات» من جروح نفسية وعصبية بالغة. ومع أن ماياكوفسكي لم يشأ أن يحمل أحداً غير الحياة نفسها مسؤولية ما فعله بنفسه حين كتب قبيل انتحاره بلحظات «إنني أموت، فلا تتهموا أحداً ولا حاجة بكم إلى التقول. إنها ليست طريقة للموت ولا أنصح أحداً بها، ولكنني لم أجد لنفسي نهاية أخرى». فإن عبارته اللاحقة «ليلي امنحيني حبك» ليست سوى إشارة ضمنية إلى ما كان يعانيه من شحها العاطفي ومن حاجته إلى الاحتضان، حيث أراد من امرأته المخاتلة أن تعطيه بعد موته ما لم تعطه إياه في حياته. أما بريك من جهتها فقد كتبت مقالة مطولة عن انتحاره تقول فيها «لقد أحب ماياكوفسكي الحياة بشوق كبير. لقد أحبها بكل تجلياتها، الثورة، الفن، العمل، أنا، المرأة، الإثارة والهواء الذي يتنفس. لكنه أدرك أنه لم يكن قادراً على دحر الكِبَر، وبخوف رهيب راح ينتظره منذ صباه المبكر». لكن هاجس الخوف من الشيخوخة لا يمكن أن يكون السبب الأبرز لانتحار شاعر من وزن ماياكوفسكي، متفرد وشغوف بالحياة، الذي لم يكن يتجاوز حينها عتبة السابعة والثلاثين. وما قالته ليلي في هذا الصدد، لم يكن سوى محاولة مكشوفة لتضليل قراء الشاعر ومحبيه، ولنفي أي دور لها في إيصاله إلى مأساته.
وقد يكون شعور ليلي بالذنب إزاء ما فعله ماياكوفسكي بنفسه، هو الذي جعلها تطلب من ستالين إعادة الاعتبار للشاعر الراحل والسماح لمؤلفاته بالتداول بعد أن تعرض بُعيد انتحاره لحملات التخوين، كما للمنع والتغييب الكاملين. وإذا كان قد قُدر لليلي أن تعيش طويلاً بعد عاشقها المنتحر، وتنتقل بعد طلاقها النهائي من أوسيب من عشيق إلى عشيق ومن زواج إلى آخر، فإن من سخريات القدر ومفارقاته الأكثر غرابة، أن تُقْدم هي الأخرى على الانتحار بواسطة الحبوب المنومة بعد أن كسرت وركها في حادثة سقوط مؤلمة، وخشية من أن تصبح في شيخوختها عالة على أحد. وكأنها أرادت بذلك أن تشاطر الرجل الذي أحبها حتى الثمالة طريقته في الموت معتذرة بصورة مواربة عما ألحقته به من عذابات.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر: تطوير تشريعات لحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت والألعاب الإلكترونية

اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)
اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر: تطوير تشريعات لحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت والألعاب الإلكترونية

اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)
اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)

بدأت لجنة الاتصالات في مجلس النواب (البرلمان المصري) جلسات استماع لتطوير تشريعات تهدف إلى حماية الأطفال والنشء من مخاطر الإنترنت والألعاب الرقمية، بحضور وزراء الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والتربية والتعليم والتعليم الفني، والتضامن الاجتماعي.

وكان النائب أحمد بدوي، رئيس لجنة الاتصالات في مجلس النواب، قد أعلن عقد أولى جلسات الاستماع بشأن هذه التشريعات، بحضور عدد من الوزراء، وممثلي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والمجلس القومي للأمومة والطفولة، والأزهر الشريف، والكنيسة المصرية، إضافة إلى الفنان أحمد زاهر، بطل مسلسل «لعبة وقلبت بجد»، وممثلين عن المنصات الدولية.

وفي بداية الاجتماع، ثمَّنت اللجنة مقترح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بشأن التنسيق بين الحكومة والبرلمان لإعداد هذا التشريع المهم لحماية النشء من سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكدت الدكتورة سحر السنباطي، رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة، أن المجلس يعمل وفق نهج يجمع بين التوعية المجتمعية، والدعم النفسي، والتعاون المؤسسي، والتدخل التشريعي، بما يضمن حماية الطفل في البيئة الرقمية المتطورة.

واستعرضت الجهود التي يبذلها المجلس لدعم حماية الأطفال وأسرهم، والتي تشمل رفع الوعي المجتمعي عبر حملات ومبادرات توعوية لحماية الأطفال من العنف والتنمر الإلكتروني، والتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية غير الآمنة.

وأوضحت أن المجلس، في إطار تعزيز التعاون المؤسسي، تعاون مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات و«اليونيسف» لإعداد أدلة تدريبية متكاملة حول دور الأسرة والمؤسسات التعليمية في حماية الأطفال من مخاطر سوء استخدام الإنترنت والألعاب الإلكترونية.

وأكدت أن المجلس أعدّ رؤية استراتيجية لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 16 عاماً، بهدف حمايتهم من مخاطر الابتزاز والتنمر والتحرش الإلكتروني، ومخاطر بعض الألعاب الإلكترونية. وأشارت إلى أن هذه الرؤية استندت إلى نماذج تشريعية دولية؛ من بينها التجربة الأسترالية، وقد قُدِّمت إلى وزارة العدل لدراسة إمكانية اعتمادها إطاراً تشريعياً وطنياً.

وكان الرئيس المصري قد طالب، في خطاب قبل أيام، بإصدار تشريعات تحدّ من استخدام الهواتف الجوالة حتى سنّ معينة، مستشهداً بتجارب دولية سابقة.

وأكدت رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة ضرورة نقل عبء الحماية من المستخدم إلى مقدّم الخدمة، من خلال الالتزام بمبدأ الحد الأدنى من البيانات، وعدم جمع معلومات الأطفال إلا للضرورة، وتوفير إعدادات خصوصية وأمان افتراضية عالية للفئة العمرية (16 - 18 عاماً)، وإلزام المنصات بإنشاء فرق عمل محلية لمراقبة المحتوى باللغة العربية واللهجة المصرية، واستخدام خوارزميات ذكاء اصطناعي مخصّصة لاكتشاف التنمر والتحرش باللهجات المحلية.

وقبل أيام، أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حجب لعبة «روبليكس» الإلكترونية، بالتنسيق مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، عقب مناقشات مجتمعية وإعلامية حول خطورة التطبيق على الشباب.

ويتيح التطبيق بيئة افتراضية تفاعلية تجمع ملايين المستخدمين، مع وجود أقسام مخصّصة للبالغين تتضمن مشاهد عنف وقتل، وقد صُنِّف في دول عدّة تطبيقاً غير آمن.

كما أعلن رئيس لجنة الاتصالات في مجلس النواب، في تصريحات متلفزة، حجب تطبيق مراهنات وصفه بـ«الخطير» يُدعى «إكس بيت»، مؤكداً أن الحجب سيمتد ليشمل مواقع المراهنات المخالفة التي تمارس ما وصفه بـ«القمار الإلكتروني».

ويرى خبير وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، محمد فتحي، أن الجهود التشريعية لحماية الأطفال من مخاطر بعض الألعاب والتطبيقات الرقمية، على الرغم من أهميتها، لن تكون كافية وحدها لحل المشكلة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أنه لا بدَّ من تنفيذ برامج تثقيف رقمي في المدارس، وتدريب أولياء الأمور على التعامل مع الأجهزة والتطبيقات، إلى جانب إطلاق حملات إعلامية عبر منصات التواصل لجذب انتباه الشباب والأسر إلى مخاطر الاستخدام غير الآمن.

وأشار إلى ضرورة تغليظ العقوبات على من ينشر صوراً أو مقاطع فيديو للأطفال دون موافقة، وحجب الحسابات أو الخدمات الرقمية التي تروّج لسلوكيات مسيئة أو تستهدف القُصَّر، بما يسهم في توفير بيئة رقمية آمنة، وتمكين الأسر من أدوات حماية تقنية وقانونية، مع إلزام الشركات التكنولوجية بتطبيق معايير خاصة لحماية المستخدمين من الأطفال.

وأوضح أن التحديات الرقمية الحالية ليست مجرد مشكلة تقنية؛ بل قضية اجتماعية تتطلب تنفيذاً فعالاً وتوعية مستمرة، إلى جانب تشريعات قوية، بهدف تمكين الأجيال القادمة من استخدام الإنترنت بأمان وثقة، لا عزلها عن التكنولوجيا.


مصر: «الأعلى لتنظيم الإعلام» يبحث شكوى نقيب «المهن التمثيلية» ضد «تيك توكر»

الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)
الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)
TT

مصر: «الأعلى لتنظيم الإعلام» يبحث شكوى نقيب «المهن التمثيلية» ضد «تيك توكر»

الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)
الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)

أعلن «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عن تلقيه شكوى من الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين، ضد «تيك توكر»، تدعى «أم جاسر»، لنشرها فيديو تهكَّمت خلاله على نقيب المهن التمثيلية بطريقة غير لائقة، مدعية قدرتها على العمل في التمثيل من دون الحاجة إلى العضوية، أو الحصول على التصاريح اللازمة لممارستها.

وقرر رئيس المجلس، في بيان، الاثنين، إحالة الشكوى إلى لجنة الشكاوى، برئاسة الإعلامي عصام الأمير، وكيل المجلس، لبحثها ودراسة ما ورد بها، واتخاذ الإجراءات القانونية، وفقاً لما تقضي به القوانين واللوائح المنظمة.

وظهرت «أم جاسر»، في الفيديو المشار إليه في البيان، عقب إصدار «نقابة الممثلين» بياناً صحافياً، أكدت خلاله إيقاف مسلسل «روح OFF»، للمنتج بلال صبري، ومنعه من العرض خلال موسم رمضان 2026، لمخالفته الصريحة لتعليمات النقابة وقراراتها.

وأكدت النقابة في بيانها أن قرار إيقاف المسلسل جاء بعد توجيه أكثر من تنبيه وتحذير للمنتج بلال صبري بضرورة الالتزام بلوائح النقابة والقوانين المنظمة للعمل الفني، لكنه استمر في تجاهل تلك التعليمات ومخالفتها، على خلفية إعلان إحدى الجهات مشاركة «أم جاسر» في المسلسل.

فريق مسلسل «روح OFF» (الشركة المنتجة)

تعليقاً على قرار إيقافها عن العمل، تحدثت «أم جاسر» في مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي بسخرية، قائلة: «في الوقت الذي كنتُ أصوّر فيه إعلانات ستُعرض على الشاشة خلال موسم رمضان، فوجئتُ بـ(النقابة) ووسائل الإعلام تعلنان منعي من الظهور في مسلسلات هذا العام، رغم أنني لم أشارك من الأساس، وكنت أنتظر التقديم في العام المقبل، حيث يجري تقييمي سلباً أو إيجاباً»، مؤكدة أنها ستشارك في التمثيل خلال العام المقبل بالفعل.

وعَدَّ الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن «ما حدث لا يمكن أن نطلق عليه تصعيداً، بل هو تنظيم لمسألة استباحة الشخصيات العامة والكيانات النقابية والتعامل معها بسخرية، وهو ما يستوجب رداً»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأمر معروض حالياً أمام المجلس، وسيتخذ ما يلزم حياله. ومن حق نقابة المهن التمثيلية تنظيم المهنة، كما أن من حق المتضرر التوضيح والرد بشكل مناسب، وليس بهذه الطريقة».

وشددت النقابة في بيان سابق، على أنها لن تتهاون مع أي تجاوزات أو محاولات للتحايل على القوانين، مؤكدة أن حماية المهنة وصون حقوق أعضائها يأتيان على رأس أولوياتها، وأن أي عمل فني لا يلتزم بالضوابط ستتخذ ضده إجراءات حاسمة، مؤكدة ترحيبها بالتعاون مع شركات الإنتاج الملتزمة بالقواعد والقوانين المنظمة للعمل الفني.

في السياق، أعلن عدد من صناع «روح OFF»، على حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، حل أزمة المنع، واستكمال التصوير، وعرض العمل في موسم رمضان، بعد التأكيد على عدم وجود مشاركات تمثيلية مخالفة لقواعد النقابة.


مهرجان «الثقافة والفنون» ينعش الموسم السياحي في أسوان

فرق الفنون الشعبية قدمت عروضاً متنوعة (وزارة الثقافة المصرية)
فرق الفنون الشعبية قدمت عروضاً متنوعة (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مهرجان «الثقافة والفنون» ينعش الموسم السياحي في أسوان

فرق الفنون الشعبية قدمت عروضاً متنوعة (وزارة الثقافة المصرية)
فرق الفنون الشعبية قدمت عروضاً متنوعة (وزارة الثقافة المصرية)

يُعدّ مهرجان «أسوان الدولي للثقافة والفنون» في دورته الـ13 محطة بارزة على أجندة الفعاليات الثقافية في جنوب مصر، ورافداً مهماً لدعم الحركة السياحية، وتعزيز الحضور الفني للمدينة التي تُعرف بـ«عروس المشاتي». ويأتي المهرجان العام الحالي ليؤكد دور الفنون الشعبية في تنشيط السياحة، وتوسيع جسور التبادل الثقافي بين الشعوب، عبر برنامج حافل بالعروض، والأنشطة التراثية.

انطلقت فعاليات المهرجان قبل أيام، وتُختتم اليوم الاثنين، بمشاركة 14 فرقة للفنون الشعبية من مصر، ومن دول عربية، وأجنبية عدّة. نظمته وزارة الثقافة ممثلة في الهيئة العامة لقصور الثقافة بالتعاون مع محافظة أسوان، وشهد حضور وفود الدول المشاركة، إلى جانب جمهور من أهالي أسوان، والسائحين زائري المدينة.

وأكد وزير الثقافة المصري، الدكتور أحمد فؤاد هنو، أن مهرجان «أسوان الدولي للثقافة والفنون» يمثل «منصة مهمة للاحتفاء بالتنوع الثقافي، وتبادل الخبرات الفنية، وترسيخ قيم التفاهم والسلام من خلال الفنون»، مشيراً إلى أن اختيار أسوان لاستضافة هذا الحدث الدولي يعكس مكانتها التاريخية، والحضارية، ودورها بوصفها بوابة مصر إلى أفريقيا، وملتقى للثقافات عبر العصور، وذلك وفق بيان للوزارة.

عروض فولكلورية متنوعة في المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

من جانبه، وصف محافظ أسوان، اللواء إسماعيل كمال، المهرجان بأنه إضافة مهمة إلى الخريطة السياحية، والثقافية، والفنية للمحافظة، وفرصة لإبراز ما تتمتع به أسوان من مقومات طبيعية، وتراثية فريدة، مؤكداً استمرار دورها جسراً للتواصل مع أفريقيا. وأوضح أن المحافظة تمتلك إمكانات اقتصادية، وسياحية، وعلمية متنوعة، إلى جانب مخزون كبير من الإبداع، والموروث الثقافي الذي يعكس عراقة التاريخ، وروح الأصالة.

وأشار إلى حصول أسوان على جوائز دولية سياحية، وثقافية، وفنية عدّة، من بينها إعلان فوزها بجائزة «مدينة العام السياحية» لعام 2026 التي تنظمها منظمة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي.

وتُعد أسوان من أبرز المقاصد السياحية الشتوية في مصر، حيث تبلغ الحركة السياحية ذروتها خلال هذا الموسم، وتضم عدداً من المعالم الأثرية البارزة، مثل معبد فيلة، ومعبدي أبو سمبل، وقبة الهوا، وجزيرة النباتات، فضلاً عن إطلالتها المميزة على نهر النيل.

فرق أجنبية شاركت في المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

وشهدت عروض المهرجان مشاركة فرق للفنون الشعبية من محافظات مصرية مختلفة، عكست تنوع الفولكلور المحلي بين النوبي، والصعيدي، والبدوي، والفلاحي، والساحلي. كما شاركت فرق عربية وأجنبية من السودان، وفلسطين، والجبل الأسود، ولاتفيا، والهند، واليونان، وكازاخستان، وتونس، وقدمت عروضاً فولكلورية متنوعة.

وأقيمت الفعاليات في مواقع ثقافية وسياحية عدّة بمختلف مدن ومراكز المحافظة، في إطار الربط بين الأنشطة الثقافية والحركة السياحية.

وتستضيف أسوان على مدار العام مهرجانات، وفعاليات ثقافية وفنية عدّة، من أبرزها احتفالية تعامد الشمس على قدس الأقداس في معبد أبو سمبل، والتي تتكرر مرتين سنوياً في فبراير (شباط)، وأكتوبر (تشرين الأول).

وتراهن مصر على تنويع أنماطها السياحية، بما يشمل السياحة الثقافية، وسياحة المؤتمرات، والمهرجانات، والسفاري، والسياحة الشاطئية، والعلاجية، وغيرها، وقد سجلت خلال العام الماضي رقماً قياسياً في عدد السائحين بلغ نحو 19 مليون زائر.