فتحية دبش: سؤال الهوية في روايتي ابن معاناته الذاتية والموضوعية

الكاتبة التونسية ترى أهمية النصوص في قربها أو بعدها عن تجارب القارئ

فتحية دبش: سؤال الهوية في روايتي ابن معاناته الذاتية والموضوعية
TT

فتحية دبش: سؤال الهوية في روايتي ابن معاناته الذاتية والموضوعية

فتحية دبش: سؤال الهوية في روايتي ابن معاناته الذاتية والموضوعية

تعيش الكاتبة التونسية فتحية دبش، في فرنسا، منذ ما يقرب من 25 عاماً، لكن قلبها معلق بوطنها تونس، ونصوصها مهمومة بقضايا المرأة، بخاصة في واقعها العربي. أثارت روايتها الأولى «ميلانين» جدلاً واسعاً، حيث تقدم وجهاً آخر غير مثالي للغرب يتمثل في اضطهاد امرأة عربية تمتهن الصحافة بسبب بشرتها السمراء، وزاد من حدة الجدل أوجه الشبه بين المؤلفة وبطلتها من حيث الهجرة ولون البشرة وطبيعة العمل والوطن الأم.
شكلت القصة القصيرة تجربتها السردية الأولى، وصدرت لها مجموعتان «رقصة النار» 2017، ثم «صمت النواقيس»... هنا حوار معها حول روايتها وهمومها الأدبية.

> تتناول روايتك «ميلانين» أزمة الهوية لدى صحافية تونسية تسافر لباريس فتعاني من التنمر والتهميش بسبب بشرتها السوداء، إلى أي مدى يغرد هذا الطرح خارج سرب السرديات العربية التي تمجد عادة الغرب؟
- أزمة الهوية هي ثيمة أدبية عربية بامتياز في حقيقة الأمر منذ بواكير الرواية العربية وسرديات تجارب الهجرة والمنفى إلى جانب السرديات النسوية وما بعد الكولونيالية. لا يعني ذلك أن سؤال الهوية غير مطروق في الأدب الغربي كمقابل للأدب العربي، بل ذلك يعني أن هذه الثيمة لها خصوصياتها وتعقيداتها في الحقل الأدبي العربي، نظراً لالتباسها بالثقافي والسياسي والاقتصادي وكذلك التاريخي أيضاً.
روايتي «ميلانين» وإن كانت تتخذ لها مكاناً في جملة الروايات المعنية بسؤال الهوية وسؤال الشرق - غرب، إلا أنها قدمت طرحاً جديداً للهوية وكشفت الوجه الآخر لا للغرب فقط، بل سعت إلى تعرية الوجه المخبوء للعالم العربي. فالصحافية التونسية السوداء تنقل معاناة المهاجرين، وأرق سؤال الهوية لديهم، ومن خلال ذلك تقدم معاناتها الذاتية والموضوعية وأرق سؤال الهوية والمواطنة.
الطرح في «ميلانين» يتقاطع مع مرحلة «طوباوية» مثالية تمجد الغرب ولا ترى غير مزاياه. هذه المزايا وإن كانت حقيقة واقعة إلا أنها لا تنفي بشاعة الوجه الآخر للغرب العنصري. وهو ما ظلت الأدبيات تحجبه لغايات سياسية وثقافية أكثر منها أدبية وجمالية، أسباب متعلقة بحيز تاريخي معين لم تكن فيه الهجرة تطرح مشكلات كبرى كما هو الحال الآن. وإذا كانت المجموعات المتحدرة تاريخياً من الهجرة تعاني التمييز في الغرب رغم ما حققته من حضور وحقوق، فإن المجموعات المتحدرة تاريخياً من الهجرة أو الرق ما زالت في العالم العربي تعاني التغييب والتهميش.
> يبدو السفر لعنة تلاحق بطلة العمل «أنيسة عزوز» والقلق مصيراً محتوماً، فهل يجسد الأمر رؤيتك لواقع رسو قوارب المرأة العربية على شواطئ الغرب؟
- لقد كان السفر كما القلق في السرديات العربية مجالاً وفعلاً وحقاً ذكورياً غالباً ما تكون المرأة فيه إما غائبة وإما تابعة للذكر القلق والمسافر، أباً كان أو زوجاً. في «ميلانين» تكسر النساء القاعدة ويتمسكن بقرار السفر للدراسة أو للزواج أو ببساطة للبحث عن مكان وحياة أخرى كما فعلت أنيسة ورقية. وهذا التحول ليس مجرد انعكاس لرؤيتي ككاتبة للرواية ولا كامرأة مهاجرة بدوري، وإنما انعكاس لحقيقة التحولات التي تكتنف حياة النساء العربيات اللواتي ينخرطن في فعل القلق والسفر نتيجة لانخراطهن في المجال الاقتصادي انخراطاً لم يكن من اختيارهن في البداية، بل كان نتيجة اضطرار المجتمع للسماح لهن بذلك.
> يرى البعض أن الرواية تستلهم تجربة شخصية عاشتها المؤلفة، هل يزعجك تلصص الآخرين على ما يعدونه «أصداء ذاتية» تتردد في فضاءات النص؟
- هذا السؤال شديد الأهمية، فالكاتب - أو الكاتبة - عندما يكتب هو لا يكتب سيرته الذاتية إلا حين يقدم النص على أنه سيرة ذاتية. كما أنه عندما يكتب فهو بالضرورة يكتب عن شيء يشغله أو استلهمه من تجربته الذاتية أو من تجارب الآخرين أو من قراءاته وغيره من الممكنات الملهمة.

لا يجب أن يغيب هذا الأمر على القارئ، سواء كان قارئاً أكاديمياً أو انطباعياً. بالتالي، لا تكمن أهمية النصوص في قربها أو بعدها عن تجارب الكاتب أو الكاتبة بل في قربها أو بعدها عن تجارب القارئ.
القراءة لامرأة كاتبة تختلف كثيراً عن القراءة لرجل كاتب. ورغم أن وجود نساء كاتبات ليس بالجديد اليوم، إلا أن فعل الكتابة يبقى فعلاً فكرياً وسياسياً أيضاً، وبالتالي فهو فعل ذكوري بالدرجة الأولى. ولأن الفحولة تقاس بمقدار القدرة على التعري والانكشاف، فقد رأى النقد أن صدى التجارب الشخصية في كتابات الرجال يمنح النص قيمة عليا، بينما يكون العكس تماماً عندما يتعلق الأمر بامرأة كاتبة. بمعنى أن مشروعية القول «جندرية» دائماً، ولذلك يحسن القراء وحتى القارئات، وإن كان ذلك بدرجة أقل، التلصص على سير النساء الكاتبات، بل أكثر من ذلك يبحثون عن هذه المرأة الكاتبة في نصها.
والحقيقة أنني بعثرت نفسي في «ميلانين»، وفي الوقت ذاته اعتمدت تقنية التخييل الذاتي في الرواية، فقد يعتمد الكاتب على حدث عاشه أو عايشه ومنه ينسج حكاية متخيلة وفي الواقع كل الكتابات هذا ديدنها.
> لكن أوجه التشابه عديدة بين البطلة وبين المؤلفة؟
- نعم، ومع ذلك تظل «ميلانين» رواية وليست سيرة ذاتية، رغم أني اخترت أن تكون البطلة «أنيسة عزوز» امرأة تونسية سوداء ولدت في مارث بتونس، وهي مسقط رأسي أيضاً.
كان يمكن لهذه الرواية أن تكتبها امرأة تونسية بيضاء، هل كان البعض سيرى أنها أصداء من سيرتها؟ أجزم أن لا. لأن القارئ في سلم التلقي اعتاد القراءة لكتاب وكاتبات يشبهونه. وبما أن «أنيسة عزوز» لا تشبهه و«فتحية دبش» لا تشبهه فهو لا يتعرف على نفسه في النص، وبالتالي لا بد أن يلجأ إلى عقد قرابة أو انعكاس أو تطابق بين أنيسة وفتحية بحكم كل ما أوهم به النص قارئه من قرائن. بالمجمل أشجع الكاتبات على تحويل ذواتهن إلى مواضيع في أعمالهن، وذوات فاعلات في الكتابة.
> ما سر نبرة الشاعرية التي جاءت لغة الرواية مشحونة بها؟
- أتيت إلى الكتابة من باب الشعر في بداياتي المبكرة. ومن الشعر نزحت إلى السرد إبداعاً ونقداً، وكان لا بد لروح الشعر في صوتي أن تكشف دوماً حضورها، هذا علاوة على أن ثيمة «ميلانين» تقتضي وجدانية عالية.
> فوز روايتك الأولى بجائزة أدبية كبرى له أصداء إيجابية مفهومة، لكن ألا يمكن أن يكون له وجه سلبي يؤثر على الطموح مستقبلاً، أو خفض سقف التحديات التي يواجهها الكاتب؟
- الفوز بجائزة بحجم «كتارا» وعن روايتي المنشورة الأولى هو بلا شك مسؤولية لم أكن قد تمثلتها ولا أستوعبتها. والجائزة في حقيقة الأمر لا تؤثر على الكاتب في علاقته بنصوصه فقط بل حتى في علاقته بقارئه.
الكاتبة التي كنتها قبل الفوز كانت كاتبة حرة من توقعات القراء. والكاتبة التي صرتها بعد الفوز أصبحت مسؤولة عن تلك التوقعات. وهنا الصعوبة، أن أحترم مشروعي وأكتب أو أن أذعن للسوق وأكتب ما ينتظره.
في حالتي نعم هناك دوماً خوف من النص القادم وكأنه النص الأول، وهناك دوماً خوف شك ولا يقين؛ فالجائزة لا تعني أن الكاتب سيكون دائماً كاتباً جيداً، وهي ليست صكاً على بياض، بل قد تصبح عائقاً أحياناً إذا سقط الكاتب في شرك اليقين وتوقفت عنه جمرة الشك. كل ذلك يمثل لي حافزاً على تجويد كتاباتي ووفائي لمشروعي، وتجاوز نفسي.
> بدأت مسيرتك بالقصة القصيرة عبر مجموعتين، فما الذي يمثله لك فن القصة، وهل يصبح مجرد ذكرى قديمة في «زمن الرواية»؟
أحب الانتقال بين الأنواع والأجناس. وكما كتبت القصة القصيرة، كتبت القصيرة جداً والرواية والنقد والترجمة. لكل نص بهجته ولذلك لا أستطيع أن أجعل من نص ما مجرد ذكرى بعيدة، حتى وإن كان الزمن «زمن الرواية» فعلاً.
> كيف ترين «الأدب العربي في المهجر» من واقع إقامتك في فرنسا؟
- الأدب العربي في المهجر له خصوصياته اللغوية و«الثيمية» والأسلوبية وله هويته الخاصة به، لكنه مهمل والدراسات المخصصة له تكاد تكون متشابهة، وبالتالي أرى أنه أدب مهمش، لكنه جدير بالعناية.
> إلى أي حد تختلف الكتابة من داخل الحدود الأوروبية عن الكتابة في البلاد العربية بالنسبة للكاتبة العربية بشكل خاص؟
- الكتابة من الداخل تمثل تحدياً كبيراً بالنسبة للكاتبة العربية. وأما من الخارج وفي الجغرافية الثقافية الأوروبية، فهامش الحرية يتسع أكثر ومعه تتسع أيضاً خريطة التحديات. هناك أمر مهم جداً، وهو التخلص من عقدة الولاء للمواضيع المستهلكة، وكذلك عقدة الطاعة للحدود المرسومة، ولكن بما أن الكاتب العربي يحمل عقدته في ذاته فهو نادراً ما يستغل هامش الحرية كما ينبغي.
> عملت طويلاً في مجال التدريس، هل كان لهذه المهنة تأثير ما على تجربتك الأدبية؟
- من التدريس تعلمت الصبر وطول النفس حتى وإن كنت في تركيبتي النفسية شخصاً ملولاً جداً. تعلمت أيضاً أن كل شيء يصلح أن يكون مادة للدرس، وأن الكاتب لا يجب أن يكون صبوراً فقط على فعل الكتابة، وإنما أيضاً على فعل القراءة. تعلمت كذلك أن الشغف هو «ملح الكتابة وسكرها»، على حد عبارة الكاتب أمير تاج السر.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

متحف فاروق حسني بمصر يراهن على «حكمة اللون» و«سر التشكيل»

متحف فاروق حسني يفتح أبوابه لمحبي الفنون التشكيلية (مؤسسة فاروق حسني)
متحف فاروق حسني يفتح أبوابه لمحبي الفنون التشكيلية (مؤسسة فاروق حسني)
TT

متحف فاروق حسني بمصر يراهن على «حكمة اللون» و«سر التشكيل»

متحف فاروق حسني يفتح أبوابه لمحبي الفنون التشكيلية (مؤسسة فاروق حسني)
متحف فاروق حسني يفتح أبوابه لمحبي الفنون التشكيلية (مؤسسة فاروق حسني)

مراهناً على «حكمة اللون» و«سرّ التشكيل»، افتتح وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني، مساء السبت، متحفاً فنياً يحمل اسمه في حيّ الزمالك الراقي بقلب القاهرة، بحضور لافت لنجوم الفن والسياسة.

جاء الافتتاح ليُحقق وعداً قديماً قطعه وزير الثقافة المصري الأسبق بتحويل منزله إلى متحف، غير أن الأحداث التي أعقبت 25 يناير (كانون الثاني) 2011، وخروجه من الوزارة، أسهمت في تأجيل تنفيذ المشروع وتغيير موقعه. ولم تُوضع اللبنة الأولى لحلم حسني إلا عام 2019، مع افتتاح مؤسسة «فاروق حسني للثقافة والفنون»، التي قدّمت على مدار السنوات الماضية جوائز لدعم شباب الفنانين في مجالات متعددة، قبل أن يتوسّع مقرّها في الزمالك ليغدو متحفاً يضم عدداً من لوحات فاروق حسني، إلى جانب مقتنياته الخاصة من إبداعات فنانين آخرين.

حسني مع وزير الثقافة المصري (وزارة الثقافة المصرية)

ويراهن فاروق حسني على أن يتيح المتحف لزوّاره «فرصة مناسبة للحديث الداخلي، وللإصغاء إلى حكمة اللون، وسر التشكيل، وبراءة الرؤية»، فالمتحف يجسد «إيمانه بالفن بوصفه حقيقة كبرى لا يدرك حكمتها إلا مَن يُحسن الإصغاء»، وفق تعبيره خلال افتتاح المتحف.

يصحب المتحف زوّاره في جولة فنية روحية تبدأ منذ اللحظات الأولى، عقب عبور بواباته الحديدية والولوج إلى حديقته التي تُشكل الأشجار والديكورات فيها جزءاً من سيناريو العرض، ويُضيف الضوء سحراً على أعمال نحتية وضعت بعناية وسط الحديقة، وقبل الصعود إلى شرفة تقود إلى قاعة العرض الرئيسية التي تضم نحو مائة لوحة من أعمال فاروق حسني الشخصية، إضافة إلى نحو 20 عملاً لفنانين آخرين تتراوح بين النحت والتصوير الزيتي.

يضم المتحف مكتبة متخصصة تحتوي على أهم المراجع الفنية والأدبية (مؤسسة فاروق حسني)

تتوزع اللوحات على جدران القاعة الصغيرة وفق تنسيق بصري ينقل الزائر بين مساحات لونية مختلفة وأشكال فنية متعددة تتراوح ما بين التجريد والتشخيص، مستعرضاً مراحل مختلفة من مسار فاروق حسني ورحلته الفنية عبر لوحات اختيرت بدقة، بعضها سبق عرضه في متاحف ومعارض دولية وإقليمية.

ولا يغفل هذا المسار عن عرض جانب من اهتمامات فاروق حسني الفنية، من خلال مجموعة من المقتنيات لفنانين من مصر والعالم، بينهم أنطوني تابيس، وجورج دي كيركو، وبوسان، ومحمود مختار، ومحمود سعيد، وآدم حنين، وسيف وانلي، ومنير كنعان، وغيرهم، تتشابك جميعها في حوار فني يربط بين مدارس وتجارب مختلفة.

أعمال متنوعة يحتوها متحف فاروق (مؤسسة فاروق حسني)

وعدّ وزير الثقافة المصري أحمد هنو المتحف «نموذجاً حياً للترابط بين الإبداع الفني والعمل الثقافي المجتمعي»، مشيراً، في كلمته خلال الافتتاح، إلى أن «المتحف بؤرة ثقافية ومعرفية كبيرة، تخدم قطاعاً كبيراً من طلاب الفنون والبحث العلمي في مختلف مجالات الفنون التشكيلية والبصرية».

وأشاد هنو بدور فاروق حسني بوصفه وزيراً وفناناً، قائلاً: «فاروق حسني... اسم ونسق كبير جداً، وبحكم منصبي فإنه صعّب الأمور علينا جداً بما قدّمه»، في إشارة إلى صعوبة مجاراة وزراء الثقافة لما أنجزه حسني خلال نحو 23 عاماً في المنصب، وما زال يواصل دعم العمل الثقافي والفني، رغم مغادرته المنصب الرسمي عام 2011.

المتحف الجديد يضم أعمال فاروق حسني إضافة إلى مقتنياته من أعمال فنانين آخرين (مؤسسة فاروق حسني)

وأكد وزير الثقافة المصري تقدير مؤسسات الدولة والمجتمع الثقافي لمسيرة فاروق حسني الفنية الثرية التي امتدت لعقود، وشاركت في إثراء الحركة التشكيلية المصرية والعربية، موضحاً أن «المتحف يُتيح مساحة للاطلاع على تجربة فنية متفردة شكّلت أحد ملامح الفن المعاصر في مصر، مدللاً على عمق هذه المسيرة، وتجذرها بحجم ونوعية الحضور في افتتاح المتحف».

أعمال الفنان فاروق حسني تدعو للتأمل (مؤسسة فاروق حسني)

وشهد حفل افتتاح المتحف حضوراً لافتاً لرموز الفن والثقافة والسياسة، من بينهم؛ الشيخة مي آل خليفة، رئيس هيئة الثقافة والآثار بمملكة البحرين سابقاً، والأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، ووزيرا الخارجية السابقان عمرو موسى وسامح شكري، ومستشار الرئيس المصري للأمن القومي فايزة أبو النجا، ورئيس الوزراء المصري الأسبق أحمد نظيف، ونجل الرئيس المصري الأسبق جمال مبارك، وعدد من الوزراء والمسؤولين السابقين، ورجال الأعمال والفنانين والنقاد.

وأعربت الشيخة مي آل خليفة عن «اعتزازها بهذا الحدث الثقافي البارز»، مشيدةً بمسيرة حسني وإسهاماته العميقة في المشهد الثقافي المصري والعربي.

بينما أكد رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، نائب رئيس مجلس أمناء «مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون»، أن «المتحف سيكون فضاءً مفتوحاً أمام الجمهور، خصوصاً الشباب ومحبي الفنون»، موجهاً الشكر لحسني على إهداء المتحف ومقتنياته لخدمة العمل الثقافي.

فاروق حسني يفتتح متحفه ويحقق وعداً قديماً قطعه على نفسه (مؤسسة فاروق حسني)

وإلى جانب اللوحات والمنحوتات يضم المتحف مكتبة متخصصة تحتوي على أهم المراجع الفنية والأدبية، ومكتبة موسيقية وغرفة ميديا مخصصة لعرض الأفلام والأعمال التسجيلية، في تكامل معرفي يجمع بين الصورة والنص والصوت.

ووفق مؤسسة «فاروق حسني للثقافة والفنون» فإن «افتتاح المتحف تتويج لمسيرة فنية استثنائية امتدت لعقود، قدّم خلالها فاروق حسني تجربة تشكيلية متفرّدة تفاعلت مع مفردات الثقافة المصرية والعالمية، وخلّفت بصمة بصرية مميزة قائمة على البحث والتجريب والسعي الدائم نحو المعنى والإلهام».


مكملات غذائية قد تضعف تأثير الدواء

بعض الفيتامينات والمعادن قد تتداخل مع امتصاص الأدوية في الجسم (جامعة أوكلاهوما ستيت)
بعض الفيتامينات والمعادن قد تتداخل مع امتصاص الأدوية في الجسم (جامعة أوكلاهوما ستيت)
TT

مكملات غذائية قد تضعف تأثير الدواء

بعض الفيتامينات والمعادن قد تتداخل مع امتصاص الأدوية في الجسم (جامعة أوكلاهوما ستيت)
بعض الفيتامينات والمعادن قد تتداخل مع امتصاص الأدوية في الجسم (جامعة أوكلاهوما ستيت)

حذّر خبراء الصحة من أن بعض المكملات الغذائية الشائعة قد تتداخل مع الأدوية التي تتناولها وتقلل من فعاليتها. وبينما تُباع هذه المكملات عادةً دون وصفة طبية، فإن تناولها دون استشارة طبية قد يكون له آثار صحية خطيرة.

ويشير اختصاصي الطب الطبيعي الأميركي جاكوب وولف إلى أن بعض الفيتامينات والمعادن قد تتداخل مع امتصاص الأدوية، أو ترتبط بها، فتمنع الجسم من الاستفادة منها، أو تُستقلب عبر نفس مسارات الأدوية في الجسم؛ ما قد يؤثر على صحتك بشكل خطير، وفق موقع «EatingWell».

ومن أبرز هذه المكملات المعادن، مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والحديد؛ فهي قد تتفاعل مع أدوية، مثل «ليفوثيروكسين» المستخدم لعلاج قصور الغدة الدرقية، وكذلك مع بعض المضادات الحيوية، مثل «التتراسيكلين» و«الفلووروكينولون». ولضمان عدم تأثير هذه المعادن على امتصاص الأدوية، يُنصح بفصل تناولها عن أوقات الدواء بساعات، ويفضل الانتظار 4 ساعات على الأقل عند استخدام «ليفوثيروكسين».

ورغم أهميتها لصحة الجهاز الهضمي وتنظيم نسبة السكر والكوليسترول، يمكن لمكملات الألياف أن تقلل من امتصاص أدوية، مثل «الميتفورمين» لمرض السكري، وأدوية القلب مثل «ديجوكسين» و«ليفوثيروكسين». ولذلك من الضروري استشارة الطبيب لتحديد التوقيت المناسب لتناول المكملات والأدوية، لضمان استفادة الجسم من كليهما بشكل كامل.

أما مكملات الفحم النشط، فتستخدم عادة في حالات الطوارئ لعلاج التسمم، لكن عند تناولها كمكمل غذائي دون استشارة طبية قد تمتص الأدوية وتقلل من فعاليتها. لذلك يُنصح بتجنبها تماماً إذا كنت تتناول أدوية ضرورية للحياة.

تقليل فعالية علاجات السرطان

وبالنسبة لمكملات الفيتامينات، فإن فيتامين «سي» يعتبر مضاد أكسدة مهماً لدعم المناعة، لكنه قد يقلل من فعالية بعض علاجات السرطان الكيميائية إذا تم تناولها خلال فترة العلاج، وينطبق الشيء نفسه على مكملات فيتامين «E». أما فيتامين «K»، فإنه يلعب دوراً مهماً في تخثر الدم وصحة العظام، لكن يمكن لمكملات فيتامين «K» أن تقلل من فعالية أدوية السيولة، مثل «الوارفارين»، ما يزيد خطر الجلطات القلبية أو السكتات الدماغية. لذلك، يجب الحفاظ على كمية ثابتة منه سواء من الطعام الغني بفيتامين «K»، مثل السبانخ والكرنب والبروكلي، أو المكملات عند استخدام «الوارفارين».

ولتناول المكملات بأمان، ينصح الخبراء باستشارة طبيبك قبل إدخال أي منتج جديد إلى روتينك اليومي. كما يُنصح باختيار مكملات مختبرة وموثوقة للتأكد من محتواها وخلوها من المعادن الثقيلة أو المواد الضارة، والتأكد من الجرعة المناسبة لك، لأن الجرعات المُعلنة على الملصق قد تختلف بين المنتجات.


«المسرح العربي» يحتفي بـ«النجوم القدامى» ويركز على ورش التمثيل

مهرجان المسرح العربي يشهد منافسة 14 عرضاً من عدة دول (وزارة الثقافة المصرية)
مهرجان المسرح العربي يشهد منافسة 14 عرضاً من عدة دول (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«المسرح العربي» يحتفي بـ«النجوم القدامى» ويركز على ورش التمثيل

مهرجان المسرح العربي يشهد منافسة 14 عرضاً من عدة دول (وزارة الثقافة المصرية)
مهرجان المسرح العربي يشهد منافسة 14 عرضاً من عدة دول (وزارة الثقافة المصرية)

شهد حفل افتتاح الدورة الـ16 من مهرجان «المسرح العربي»، التي تقام هذا العام في مصر، حضوراً مؤثراً لنخبة بارزة من نجوم «المسرح المصري» الذي احتفى بهم المهرجان، ورحب بتكريمهم الجمهور بشكل واسع، من بينهم فردوس عبد الحميد، وأحمد بدير، ومراد منير، والدكتورة سميرة محسن، والمخرج ناصر عبد المنعم، ومهندسة الديكور نهى برادة، والمخرج عصام السيد، والكاتب بهيج إسماعيل، والدكتور جلال حافظ، والناقدة عبلة الرويني، والكاتبة فاطمة المعدول.

من جانبها، أعربت رائدة الديكور المسرحي المهندسة نهى برادة، عن سعادتها بالتكريم الذي منحها فرصة الالتقاء بالجمهور مجدداً، لافتة إلى أنه كان مفاجأة بالنسبة لها، خصوصاً بعد توقفها وابتعادها عن العمل منذ سنوات، بعدما قدمت مسرحيات ما زالت حاضرة في أذهان الناس، من أبرزها «سيدتي الجميلة»، و«مدرسة المشاغبين»، و«ريا وسكينة»، و«الجميلة والوحشين»، وغيرها.

وأضافت نهى برادة لـ«الشرق الأوسط»: «عملي بالديكور المسرحي كان أشبه بالقبطان الذي يقود السفينة، ومنحني الفرصة لتقديم أشكال منوعة من الفنون التي زينت خشبته، من بينها (التشكيلي والمعماري)»، مضيفة: «كل جزء بالمسرح له ذكرى في وجداني وعقلي، والحديث عن جولاتي في أروقته وذكرياتي معه تطول، وأمس استرجعت الكثير منها وشعرت بسعادة بالغة لأن المهرجان تذكرني».

تكريم مهندسة الديكور المسرحي نهى برادة (وزارة الثقافة المصرية)

وبجانب تكريم النجوم القدامى كرّم المهرجان 5 جهات مسرحية، هي: «الجمعية المصرية لهواة المسرح»، و«المسرح الكنسي»، و«فرقة الورشة»، و«مركز الإبداع الفني»، و«نوادي المسرح بالثقافة الجماهيرية».

وتزامن افتتاح الدورة الـ16 من المسرح العربي، التي تقام فعالياتها خلال الفترة من 10 وحتى 16 يناير (كانون الثاني) الجاري، مع الاحتفاء باليوم «العربي للمسرح»، وذلك تحت شعار «نحو مسرح عربي جديد ومتجدد».

حضر حفل الافتتاح الذي أقيم بتنظيم من «الهيئة العربية للمسرح»، وبرعاية وزارة الثقافة المصرية، الدكتور أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة المصري، والكاتب إسماعيل عبد الله مدير المهرجان وأمين عام الهيئة، والمخرج خالد جلال المنسق العام للمهرجان ومخرج حفل الافتتاح، وعدد كبير من المسرحيين والنقاد والمتخصصين من مصر والعالم العربي، وشهد أيضاً فقرات فنية غنائية واستعراضية.

وخلال الحفل الذي أقيم بالمسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية وقدمته الفنانة رانيا فريد شوقي، أكد الدكتور أحمد فؤاد هنو، أن «انعقاد المهرجان على أرض مصر يؤكد مكانة القاهرة بوصفها عاصمة دائمة للثقافة العربية وحاضنة للفنون والإبداع، ويجدد الإيمان بدور المسرح».

تكريم الفنان المصري أحمد بدير (وزارة الثقافة المصرية)

وكشف هنو أن نسخة المهرجان لهذا العام تضم عدداً كبيراً من المبدعين العرب، مؤكداً «حرص وزارة الثقافة على دعم الحراك المسرحي العربي، وتوفير المناخ الملائم لازدهاره»، إيماناً بأن الفنون وفي مقدمتها المسرح، ركيزة أساسية في بناء الإنسان وترسيخ قيم الجمال والتسامح والانفتاح.

ويتنافس في الدورة الـ16 من المهرجان 14 عرضاً مسرحياً على «جائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي»، وذلك بمشاركة دول المغرب وقطر وتونس والإمارات ولبنان والعراق والأردن والكويت ومصر، بينما اعتذر الفريق الجزائري عن عدم المشاركة.

لقطة جماعية للمكرمين (وزارة الثقافة المصرية)

وفي كلمته، أكد الكاتب إسماعيل عبد الله أن «الهيئة العربية للمسرح هي بيت كل المسرحيين العرب»، كما أرادها صاحب الفكرة، موضحاً أن «أصعب الأمنيات والتفاصيل في مسألة تبدو للبعض سهلة، ألا وهي حضور المهرجان، والمساهمة في إيقاد أنواره وإشعاعه، وفي رسم صورته، فكل مسرحي يطمح إلى أن يكون صانعاً أو مشاركاً في صناعة الحدث الذي يريده كما يتمنى».

فردوس عبد الحميد بعد تكريمها بالمهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

وتشهد الدورة الـ16 من المهرجان، إقامة 6 ورش تدريبية في التمثيل والإخراج، في محافظات الإسكندرية والإسماعيلية وأسوان، بجانب إقامة الدورة الـ5 من «الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة»، على هامش المهرجان لأول مرة في مصر خلال الفترة من 21 إلى 23 يناير الحالي، بمشاركة مصرية وعربية واسعة تنوعت بين الجلسات الفكرية وعروض العرائس.