«ترجف الجبال شوقاً»... حتمية التغيير برؤية فنية

معرض في جدة يجسّد التغيرات المتلاحقة التي عاشتها السعودية

المناظر الطبيعية مصدر إلهام للفنانين المشاركين
المناظر الطبيعية مصدر إلهام للفنانين المشاركين
TT

«ترجف الجبال شوقاً»... حتمية التغيير برؤية فنية

المناظر الطبيعية مصدر إلهام للفنانين المشاركين
المناظر الطبيعية مصدر إلهام للفنانين المشاركين

عندما كتبت الفنانة والشاعرة العالمية إيتيل عدنان قصيدتها «صباح ما بعد وفاتي»، لم يدُر بخلدها أنها حين ترحل ستتحوّل نصوصها عناوين لمعارض فنيّة، وهو ما حدث في حي جميل بمدينة جدة، حيث افتتح هذا الأسبوع معرض «ترجف الجبال شوقاً»، الذي يستمر إلى نهاية شهر أبريل (نيسان) المقبل، وهو عنوان مستوحى من قصيدة الشاعرة اللبنانية - الأميركية الراحلة.
تتحدث روتانا شاكر، القيّم الفني للمعرض، لـ«الشرق الأوسط»، مبينة، أنه يستلهم من نص إيتيل عدنان الذي قالت فيه «تغير لون القمر... وارتجفت الجبال بعد السحر... شوقاً يغلفه الحنين... ليكتسي البحر بلونين: أزرق بلون الموج الودود، وأزرق بلون الورود». ومن هذا المنطلق، تشير شاكر إلى أن «المعرض الذي يضم مجموعة من الفنانين السعوديين الصاعدين، سبقه عقد حوارات معهم؛ لاستكشاف تفاعلاتهم المتنوعة مع محيطهم دائم التغير».
وتوضح روتانا شاكر، أن الأعمال الفنية المشاركة تدور حول حتمية التغيير، بالتزامن مع ما تمر به المملكة العربية السعودية حالياً من مراحل متلاحقة ومتداخلة، وما تحمله هذه المتغيرات من تقدم وازدهار قادر على إلهام الفنانين، على حد وصفها.

القيّمة الفنية روتانا شاكر

وهذا التعاطي الفني لا يقتصر على التغييرات المجتمعية والثقافية فقط، بل يتضمن أيضاً تطويرات البنية التحتية التي ألقت بظلالها على المشاهد الطبيعية والحضرية في البلاد. وتتابع «يعرض المعرض أعمالاً قائمة وتكليفات فنية جديدة تشمل الأفلام والرسم والتصوير والنحت والتركيب، ليقدم للجمهور لمحة عن الطرق المعاصرة لتواصل الجيل الجديد من الفنانين السعوديين مع العالم من حولهم».
ويلحظ زائر المعرض هذه الأفكار الكثيفة التي يقدمها الفنانون في أعمالهم ويستكشفون خلالها كل تغيير حدث، سواء كان تغييراً مجتمعياً، أو سياسياً، أو ثقافياً، أو بيئياً، أو حتى شخصياً، في المعرض الذي يشارك فيه كل من: علياء أحمد، وعبد المحسن آل بن علي، ومحمد الفرج، وبدر علي، وزهرة بندقجي، وبشائر هوساوي، وآلاء طرابزوني وفهد بن نايف.
المناخ... سأفتقدك
يتوقف زائر المعرض طويلاً أمام العمل «المناخ، سأفتقدك» لكلٍ من آلاء طرابزوني وفهد بن نايف، وهو عمل فني يتتبع خلاله الفنانان منهجاً وثائقياً لتصوير المناظر الطبيعية المعاصرة؛ إذ يسجلان ويجمعان مواد من حي المناخ في ضواحي الرياض، حيث تقع شركة إسمنت اليمامة السعودية والمجتمع المحيط بها.
وفي هذا العمل الفني، تُسجل وتُدون شبكات الصور والمواد التفصيلية المكتشفة للموقع، ويسلط عمل طرابزوني وبن نايف الضوء على مثل هذه المناظر الطبيعية المحيطية غير المرئية غالباً، والتي نستعين بها للحفاظ على تطوير المراكز الحضرية المتألقة. إذ يلمح المتلقي كيف تتجاور صور محجر الإسمنت مع صور المصنع ذاته، وتتخللها مجموعة مفهرسة من المواد المستوحاة من البيئة المحيطة. ويوضح الفنانان أنهما وجدا أثناء توثيقهما المشهد الطبيعي للمنطقة المحيطة بالمحجر والمصنع، أنه رغم قسوة أحوال وظروف المنطقة، فإنها تتمتع بنظام بيئي مميز خاص بها، لا يقتصر تكوينه على الأفراد العاملين بها والمنتجات المصنعة المبعثرة هنا وهناك فقط، بل يشمل أيضاً النباتات والحيوانات التي تنمو في هذه البيئة على نحو غير متوقع.

تغيرات الجيولوجيا السعودية تنطق بصورة فنية

سحر الذاكرة
الفنانة بشاير هوساوي تستكشف بدورها عبر عملها المشارك دورات البناء والهدم وإعادة البناء التي يتسم بها واقع التطوير في العديد من المدن على مستوى العالم، وتتعامل بالأخص مع حالة التغير المستمر في المشهد الحضري بجدة، وتستلهم أفكارها من ذكريات منزلها القديم والأحياء المحيطة به.
تقدم هوساوي «سحر الذاكرة»، وهو عمل تستخدم فيه الطوب الجديد والقديم في إعداد دراسات نحتية تطرقت فيها لذكريات الماضي وبناء المستقبل في محاولة للحفاظ على الذكريات وإعادة تصورها، وتوحي بعض تشكيلاتها بشخصيات بشرية استلهمتها من ذكرياتها بالحي الذي كانت تسكنه في الماضي. في حين جاء البعض الآخر بمثابة أشكال مجردة لم تتمكن من الحفاظ على توازنها كثيراً، كشظايا الطوب الصغيرة التي تطفو برقة بين أشكال متعرجة بالكاد تلامس بعضها بعضاً.
المسارات المتقاطعة
أما الفنانة زهرة بندقجي، فتشارك بالعمل «المسارات المتقاطعة»، وهي سلسلة مستمرة من الصور الفوتوغرافية التي توثق جولاتها في أحياء جدة وحولها. وكانت قد بدأت السلسلة في عام 2009، قبل أن يُسمح للمرأة بقيادة السيارات في السعودية، وتستمر حتى يومنا هذا. وتصور تلك الصور العاطفية والتي تبدو خالية من أي مشاهد مؤذية، وتغلب عليها روح الدعابة أحياناً، تجربة اختيار المشي في مدينة صممت شوارعها خصيصاً للسيارات؛ وتطرح أسئلة حول سبل التنقل والوصول داخل المشهد الحضري، وكيف يمكن لعوامل مثل الطبقة الاجتماعية والنوع الاجتماعي أن تقوم بدور الوسيط في علاقتنا بالبيئات التي نعيش فيها.
في تلك الصور، تبدأ الأرصفة وتنتهي فجأة؛ تقف بندقجي مرتدية عباءة أمام شجرة تعيق طريقها. وفي إحدى الصور، وضعت الفنانة إطاراً لصورة ظلها مستخدمة نافذة ترسم إطاراً في الوقت ذاته مشهد الحي الخارجي: وكأنها تسترق النظر إلى المدينة. أما في الصور التي تلتقط تفاصيل المناظر الطبيعية مثل الحصى الحبيبي على الطريق أو زهور الأشجار التي تنمو بمحاذاة الرصيف؛ أصبحنا على دراية بكيفية سرعة السفر ووسيلته، بالسيارة أو سيراً على الأقدام، ما يجعلنا نصادف بنوداً مختلفة في البيئات المحيطة بنا. ما هي الروائح والأصوات والأنسجة الغائبة على طول الطريق؟
مشراق
تقدم الفنانة علياء بنت أحمد عملها «مشراق»، وهي التي تقع لوحاتها في مكان ما بين الواقع والخيال، حيث تصور أماكن من نسج الخيال باستخدام عناصر من الزخارف والإيماءات المستمدة من المناظر الطبيعية المحلية في مدينتها الأم؛ الرياض. في حين يعدّ «مشراق» المصمم على الحرير خروجاً عن أسلوبها المعتاد في رسم لوحاتها على القماش.
ويلحظ المتلقي كيف تستعيد الفنانة المناظر الطبيعية من خيالها وذاكرتها لتصور بها أرض الأحلام، كما يثير منهج علياء الذي يعتمد على الأشكال العضوية غير المتساوية، والحدود الانطباعية، والألوان التي تتداخل مع بعضها، السؤال التالي: ما هي العناصر التي تميز رسومات المناظر الطبيعية وتوجهها؟ وفي هذا العمل، تصبح المناظر الطبيعية اندماجاً للتجارب الحسية للشكل واللون والضوء، وهذه التجارب لا يمكن التعبير عنها أو احتوائها كلياً. وربما تتحدث هذه التجربة الطبيعية التي يصعب فهمها بعض الشيء عن كيفية تعاملنا مع العالم الحقيقي.
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق
يهتم الفنان عبد المحسن البين بدراسة العلاقات الإنسانية وإدراك الإنسان للعالم الطبيعي، وقد استوحى عنوان عمله المشارك في المعرض «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» من كتابات رسام الخرائط وعالم الجغرافيا الشهير في القرن الثاني عشر محمد الإدريسي، والذي تضمن كتابه الرحلات الممتعة إلى الأراضي البعيدة، ويعتقد الكثيرون، أن هذا الكتاب يُعدّ واحداً من بين النسخ المرجعية الأكثر دقة في هذا المجال لقرون عدة. ومن هذه النقطة، يسلط الفنان الضوء على محاولات الإنسان المستمرة لتخيل المناظر الطبيعية وقياسها وفهمها وتصويرها، ويركز على هذا الدافع في عمله؛ إذ يصور جبلاً يتقلص حجمه ليدخل في خزان في محاولة لإدارته وملاحظته والسيطرة عليه. ومن خلال هذا المشهد، ينظر الفنان في علاقة الإنسان بالأرض ومحاولاته لفهمها بالكامل، وكذلك رغبته في المطالبة بملكيتها، روحياً وعملياً.
تضاريس
يعتمد الفنان بدر علي على تدريبه الفني الكلاسيكي وعوالمه الداخلية في رسم مناظر طبيعية مدهشة، وكسابق أعماله التي تصور المناظر الطبيعية، تأتي لوحته «تضاريس» مستوحاة كلياً من خياله؛ إذ يستخدم المناظر الطبيعية وعناصرها المختلفة كأدوات لإثارة ردود فعل عاطفية محددة لدى المشاهدين، ويستخدم الضوء والظل لخلق إحساس قوي بالحركة؛ مما يوجه نظر المشاهد إلى قلب اللوحة. وعند تقسيم اللوحة إلى أجزائها التركيبية والتركيز على القوة المعادلة للنطاق واللون والملمس والضوء، يصنع الفنان بعناية مشهداً غامراً يثير الرهبة. إذ يستوحي من الذاكرة والخيال مزيجاً من المرجعيات للفنانين القدماء وتفسيره الخاص للمشهد العقلي والعاطفي. وقد تمكّن بدر علي من الجمع بين التقنية والمخزون العقلي العميق للمراجع التاريخية للفن، وابتكر تفسيراته الخاصة للمناظر الطبيعية الرائعة التي تعمل على إلهام الشعور.
لمحات من الآن
في فيديو مدته 70 دقيقة، جمع الفنان محمد الفرج صوراً من الهاتف المحمول ومن الكاميرا ملتقطة منذ عام 2015 وحتى يومنا هذا ليصور لحظات من الحياة العادية ولحظات من احتفالات في حياة الناس في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية. وتعكس هذه الصور المتدرجة لمحات من الحياة اليومية في كواليس غير متجانسة، تراها في شوارع المدينة أو من عبر النافذة، أو على البحر على طول المناطق الساحلية، أو من فوق جبل يطل على المدينة، أو في حقول الجنوب. وبهذا، يصور الفرج مساحة شاسعة من المناظر الطبيعية ويعرضها عرضاً مفعماً بالحيوية، كما ويأتي هذا العمل الذي أسماه «لمحات من الآن» باعتباره فيلماً وثائقياً شعرياً، تتنقل مشاهده من مكان إلى آخر، ومن لحظة حاضرة إلى لحظة مستقبلية. كما يلتقط صورة آنية للثواني العابرة التي تشكل هذه الفترة من التغيرات التي تطرأ على الناس بوتيرة متسارعة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

علي الطيب لـ«الشرق الأوسط»: لا أراهن على حجم الأدوار

الممثل المصري علي الطيب (حسابه على فيسبوك)
الممثل المصري علي الطيب (حسابه على فيسبوك)
TT

علي الطيب لـ«الشرق الأوسط»: لا أراهن على حجم الأدوار

الممثل المصري علي الطيب (حسابه على فيسبوك)
الممثل المصري علي الطيب (حسابه على فيسبوك)

قال الممثل المصري علي الطيب إن مشاركته ضيف شرف في فيلم «شكوى رقم 713317» للمخرج ياسر شفيعي لم تكن وليدة سبب واحد، بل جاءت نتيجة حالة فنية متكاملة لمسها منذ اللحظة الأولى، موضحاً أن وجود اسم كبير بحجم محمود حميدة ضمن فريق العمل شكّل دافعاً قوياً بالنسبة له، لما يمثله من خبرة وقيمة فنية، تمنح أي ممثل فرصة حقيقية للتعلم والتطور.

وأضاف علي الطيب لـ«الشرق الأوسط» أن «تعاونه المتكرر مع شركة (ريد ستار) المنتجة للعمل، الذي يعد الرابع بينهما، جعله يثق في المشروع منذ بدايته، خصوصاً لما لمسه من احترافية ورؤية واضحة في اختيارات الشركة»، مؤكداً أن هذه الثقة تُبنى عبر تجارب متراكمة.

وأوضح أن علاقته بالمخرج ياسر شفيعي تعود إلى فيلمه القصير «تدريبات قاسية لتحسين الأداء»، الذي حقق نجاحاً لافتاً وحصد جوائز عدة، وهو ما جعله متحمساً لرؤية تجربته الأولى في الفيلم الطويل من خلال «شكوى رقم 713317»، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل نقلة نوعية في مسيرة أي مخرج.

علي الطيب (حسابه على فيسبوك)

وأوضح أن عرض الفيلم بعدة مهرجانات بعد عرضه الأول في مهرجان «القاهرة السينمائي» بنسخته الماضية، يعكس قدرة العمل على الوصول إلى جمهور متنوع، مشيراً إلى أن «تفاعل الجمهور، سواء العربي أو الأجنبي، مع تفاصيل الفيلم ومواقفه الإنسانية، هو ما يمنح صناع العمل إحساساً حقيقياً بقيمة ما يقدمونه».

وأكد علي الطيب أن السينما تظل قادرة على تجاوز الحواجز اللغوية والثقافية، وهو ما لمسه بنفسه خلال العروض الدولية، بعدما وجد أن الجمهور غير العربي يتفاعل مع القصة ويفهم أبعادها الإنسانية، معتبراً أن هذا النوع من التواصل يمثل جوهر الفن الحقيقي؛ لكون هذه المشاركات الدولية تفتح آفاقاً جديدة أمام الممثل، وتجعله أكثر وعياً بطبيعة الجمهور وتنوعه.

وحول مشاركته في الدراما الرمضانية بمسلسل «فرصة أخيرة»، وصف علي الطيب تعاونه مع المخرج أحمد عادل سلامة بالتجربة المختلفة والمليئة بالتحديات، واصفاً العمل بأنه «ورشة تمثيل كبيرة»، في ظل وجود مجموعة من الممثلين الذين يسعون جميعاً لتقديم أفضل ما لديهم.

وأضاف الطيب أن ضغط الوقت قبيل شهر رمضان، يظل من أبرز الصعوبات التي تواجه الفنانين؛ لكون التصوير يتطلب جهداً مضاعفاً لإنجاز العمل في وقت محدود، مما يضع الجميع تحت ضغط كبير.

وأوضح علي الطيب أنه يسعى دائماً إلى كسر نمطية الأدوار التي يقدمها، بعد تقديمه شخصية الضابط أكثر من مرة، مما دفعه للبحث عن تفاصيل مختلفة داخل كل دور، حتى لا يقع في فخ التكرار، معتبراً أن التحدي الحقيقي بالنسبة له هو إيجاد زاوية جديدة لكل شخصية، حتى لو بدت تقليدية في ظاهرها.

علي الملصق الترويجي لمسلسل «فرصة أخيرة» (حسابه على فيسبوك)

وأكد أن اختياراته الفنية لا تقوم على فكرة البطولة المطلقة أو الجماعية، بل على جودة المشروع نفسه، موضحاً أن السيناريو يظل العنصر الأهم بالنسبة له، إلى جانب المخرج وشركة الإنتاج، لذا قد ينجذب أحياناً للعمل مع مخرج شاب أو في بداياته، إذا لمس لديه الشغف والرؤية؛ لأن هذه العناصر تصنع الفارق الحقيقي في أي عمل فني.

وتحدث عن مشاركته في مسلسل «شاهد قبل الحذف» مع المخرج محمد أسامة، موضحاً أنه يجسد خلاله شخصية «حسن»، الشاب البسيط القادم من حي «شبرا»، الذي يعمل في «كول سنتر»، قبل أن تقوده الظروف إلى مسار مختلف تماماً، عقب تعرضه لأزمة تدفعه لتحمل مسؤوليات لم يكن مستعداً لها، وهو ما يضعه في صراعات نفسية وإنسانية معقدة.

وأضاف أن هذه النوعية من الأدوار تستهويه؛ لأنها تتيح له الغوص في تفاصيل إنسانية عميقة، بعيداً عن القوالب الجاهزة، مؤكداً أن الجمهور أصبح أكثر وعياً، ولم يعد ينجذب بسهولة إلى الشخصيات النمطية، بل يبحث عن الصدق والتفاصيل الحقيقية.

وفي سياق آخر، كشف عن خوضه تجربة الكتابة للمرة الأولى، مؤكداً أن هذه الخطوة جاءت بشكل طبيعي، بعد سنوات من التفكير وتدوين الأفكار، دون نية واضحة في البداية لتحويلها إلى أعمال فنية، لافتاً إلى أنه «بدأ يشعر برغبة حقيقية في تطوير هذه الأفكار، وتحويلها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، مما دفعه للتعاون مع السيناريست أحمد السجيني في مشروع فيلم جديد».

مع مخرج الفيلم وبطليه محمود حميدة وشيرين (حسابه على فيسبوك)

واعتبر أن هذه التجربة تمثل تحدياً جديداً بالنسبة له، لأنها تضعه في موقع مختلف تماماً عن التمثيل، حيث يتعامل مع البناء الدرامي من زاوية أوسع، تشمل الفكرة والشخصيات والتفاصيل، مؤكداً أن الكتابة تحتاج إلى صبر ورؤية عميقة، وهو ما يسعى لتطويره خلال هذه المرحلة.

وأوضح أن دخوله مجال الكتابة لا يعني الابتعاد عن التمثيل، بل يضيف إلى أدواته كونه فناناً، ويمنحه فهماً أعمق للشخصيات التي يجسدها، مؤكداً أن هذه التجربة ستنعكس بشكل إيجابي على اختياراته المستقبلية.


غابي حويك يعود إلى الشانسونييه: الضحكة حاجة في زمن الأزمات

تُعرض المسرحية في «فيللا في» مساء كلّ جمعة بمنطقة برمانا (صور غابي حويك)
تُعرض المسرحية في «فيللا في» مساء كلّ جمعة بمنطقة برمانا (صور غابي حويك)
TT

غابي حويك يعود إلى الشانسونييه: الضحكة حاجة في زمن الأزمات

تُعرض المسرحية في «فيللا في» مساء كلّ جمعة بمنطقة برمانا (صور غابي حويك)
تُعرض المسرحية في «فيللا في» مساء كلّ جمعة بمنطقة برمانا (صور غابي حويك)

«نحتاج إلى الابتسامة والضحكة في لبنان أكثر من أي وقت مضى»، بهذه العبارة يستهلّ الممثل الكوميدي غابي حويك حديثه لـ«الشرق الأوسط»، معلناً عن مسرحيته الجديدة «غابي حويك كوميدي شو 2026».

ومن خلال هذا العمل، يعود إلى خشبة الشانسونييه الهزلي الساخر، بعد غياب امتد لأكثر من 5 سنوات. ففي عام 2020، تعرَّض لوعكة بعدما أُصيب بورم حميد في الرأس؛ ممّا تسبَّب في مضاعفات أجبرته على التوقّف عن العمل مدةً طويلة.

غابي حويك يعود بعد غياب إلى خشبة الشانسونييه (صور الممثل)

واليوم، يعود بزخم كبير بعد استعادة صحته بالكامل، ليقدّم عرضه الجديد على خشبة مسرح «فيللا في» في برمانا، مساء كلّ جمعة، على أن ينتقل لاحقاً إلى عدد من المهرجانات والحفلات الموسمية خلال الصيف.

ويوضح أن إضافة «عام 2026» إلى عنوان المسرحية جاءت لتأكيد انطلاقته الجديدة بعد الغياب. ويقول: «استعنت بفريق من المواهب الكوميدية الشابة واللافتة؛ لأنّ غالبية أعضاء فريقي السابق مرتبطون بأعمال أخرى تحول دون مشاركتهم معي. ومع ريتا غصن وأنطوني فاخوري نشكّل فريقاً منسجماً وخفيف الظلّ».

وعن الصفات التي يبحث عنها في الممثل الذي يشاركه الخشبة، يوضح: «خفّة الظلّ عنصر أساسي في الممثل الكوميدي؛ لأنها تساعده على كسر الحواجز سريعاً مع الجمهور. هذه الموهبة (لا تُكتسب بسهولة)، بل هي جزء من شخصية الإنسان. يجب أن يشعر الجمهور بألفة فورية مع الممثل، فتولد بينهما كيمياء خاصة تختصر الوقت والمسافات». ويشير إلى أنّ العثور على هذه المواهب يتطلَّب منه بحثاً طويلاً ودقيقاً، لكنه نجح في تسليط الضوء على أسماء جديدة تستحقّ الفرصة.

ويمتدّ العرض نحو ساعتين، ويتناول موضوعات مستوحاة من الواقع اللبناني الراهن. ويشير حويك إلى أنّ اختيار موضوعات مناسبة في ظلّ تراجع عروض الشانسونييه لم يكن مهمّة سهلة، مضيفاً: «غالبية الأفكار تنبع من يومياتنا، ومن المشهدين الفنّي والسياسي اللذين يطبعان حياتنا. كما أن وجود ريتا وأنطوني أتاح توسيع مساحة التقليد والمشاهد الكوميدية».

مشهد من مسرحية «غابي حويك كوميدي شو 2026» (صور الممثل)

ويكشف عن أنّ ريتا غصن ستقدّم فقرة تُقلّد فيها الفنانة هيفاء وهبي، فيما يؤدّي أنطوني فاخوري شخصيات فنّية أخرى. وتتحوّل ريتا في أحد المَشاهد إلى نجل الفنان فضل شاكر، ضمن اسكتش كوميدي يدور في أجواء مخيم عين الحلوة، حيث عاش الأخير مدّة طويلة.

وعن التحدّيات التي رافقت عودته بعد انقطاع طويل، يقول: «لم يكن من السهل العودة إلى أجواء الشانسونييه بعد كلّ هذه السنوات. صحيح أنني شاركت ضيفَ شرف في بعض العروض، لكن ذلك لم يكن كافياً. كما أن ابتعادي عن شاشات التلفزيون والإطلالات الإذاعية طيلة هذه المدّة ترك أثره عليّ، وجعل أي ظهور إعلامي جديد تحدّياً بالنسبة إليّ».

ويؤكد حويك أنه خلال أزمته الصحية لم يفقد الأمل يوماً، مضيفاً: «في الأزمات علينا التمسُّك بالأمل والإيمان كي نتجاوزها بعيداً عن السلبية».

وعن المقارنة بين مسرح الشانسونييه الذي تراجع حضوره أخيراً، و«ستاند أب كوميدي» الذي يشهد انتشاراً واسعاً، يقول: «لا أعتقد أنّ أي نوع كوميدي يمكن أن يحلّ مكان الشانسونييه. لقد جرّبتُ النوعين، ووجدتُ أنّ للشانسونييه نكهته الخاصة. ومع تراجع هذا النوع من العروض، شعرتُ بأنّ هناك مساحة كبيرة لأفكار جديدة في عملي الحالي».

ومن بين الفقرات التي يتضمّنها العرض، يُخصّص حويك اسكتشاً تكريمياً للفنان الراحل ملحم بركات، ويقول: «أستحضره على المسرح وكأنه يأخذ استراحة قصيرة؛ لأنه كان يحب هذا النوع من المسرح».

كما تتناول المسرحية موضوعات مرتبطة بظواهر مُعاصرة، مثل تطبيق «تيك توك»، وظاهرة «اللايف كوتش» المُنتشرة أخيراً، إلى جانب ملفات سياسية واجتماعية وفنّية راهنة. كذلك تتضمَّن مَشاهد ساخرة تجمع بين مايك فغالي والوزير اللبناني السابق جبران باسيل ضمن حوار كوميدي ساخر.

استعان بمواهب جديدة من بينها ريتا غصن (صور غابي حويك)

أما غابي حويك، فيطلّ خلال العرض عبر تقليد مجموعة من الشخصيات المعروفة، من بينها جبران باسيل ومورغان أورتيغاس. ويوضح في هذا السياق: «أقدّم مورغان أورتيغاس عروساً تسأل عن عريسها أنطوان الصحناوي، وما إذا كان ابن بيت ويملك منزلاً، وغيرها من المواصفات التقليدية التي تُطلب في العريس اللبناني. وفي النهاية نحتفل لها بزفّة لبنانية بمناسبة زواجها المرتقب منه».

ويشير إلى أنه خلال ابتعاده القسري عن الساحة الفنّية، حرص على متابعة العروض المسرحية، مضيفاً: «كنتُ أظنُ أنّ موجة الـ(ستاند أب كوميدي) ستقضي تدريجياً على مسرح الشانسونييه، لكنني اكتشفت أن الواقع مختلف تماماً».


فرنسيس الأسيزي بين الأمس واليوم... روسيليني واستحالة البراءة الحديثة

كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)
كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)
TT

فرنسيس الأسيزي بين الأمس واليوم... روسيليني واستحالة البراءة الحديثة

كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)
كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)

800 عام على ولادة القديس الإيطالي فرنسيس الأسيزي تبدو كأنها زمنٌ يكفي كي يتحوّل إنسان إلى أسطورة أو صورة دينية مُعلّقة على جدار كنيسة. وإنما العودة إلى فيلم «فرانشيسكو، ملاك الله» للمخرج روبرتو روسيليني ضمن أسبوع احتفالي نظّمته سينما «متروبوليس» في بيروت، تُعيد النظر في الطريقة التي يمكن للسينما أن تقترب فيها من القداسة من دون أن تغرق في التبجيل أو تُحوّل الشخصية إلى رمز جامد خارج الحياة.

فيلم هادئ عن عالم فَقَد هدوءه (IMDb)

كان روسيليني (1906 - 1977) من أبرز الأصوات التي صنعت الواقعية الإيطالية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية، حين خرجت السينما من الاستوديوهات إلى الشوارع والوجوه المُتعَبة ويوميات الناس البسطاء. اهتمّت هذه السينما بالفقر والانكسار والجروح الإنسانية، مُستخدمةً مواقع تصوير غير مُصطَنعة وممثلين خارج نجومية الشاشة أحياناً، في محاولة لالتقاط الحقيقة كما هي. بين أبناء هذه الحركة، بدا روسيليني الأكثر ميلاً إلى تحويل الواقعية من موقف اجتماعي فقط إلى بحث أخلاقي وروحي في معنى الإنسان بعد الخراب.

الفيلم الذي أُنجز عام 1950، وعُرض ضمن مجموعة أفلام تناولت القديس فرنسيس، لا يُشبه الأعمال الدينية المألوفة التي اعتادت صناعة البطولات الروحية عبر الموسيقى المُتصاعدة والانفعالات الثقيلة والوعظ المباشر. روسيليني اقترب من الشخصية بطريقة تكاد تكون مُعاكسة تماماً لفكرة السيرة السينمائية. التقط شذرات من حياة جماعة صغيرة تمشي في الحقول وتضحك أحياناً وتجوع أحياناً أخرى، وتحاول أن تعيش الفقر على أنه خيار روحي وليس عقاباً. لم يصنع دراما عن رجل غيَّر العالم.

8 قرون مرَّت ولا يزال العالم يبحث عن السلام نفسه (IMDb)

يبدو الفيلم كأنه يرفض الإغواء منذ مَشاهده الأولى. الحبكة لا تجعل المُشاهد أسير الانفعال العاطفي. فالإيقاع بطيء إلى حدّ يكاد يستنزف صبر المُتفرّج المُعاصر. جمالها في أنها لا تُظهر فرنسيس بطلاً مركزياً يبتلع الشاشة. يذوب وسط الرهبان الآخرين، كأنّ روسيليني أراد إسقاط فكرة البطل لمصلحة روح جماعية تقوم على البساطة والطاعة والفرح الداخلي.

الفيلم مختلف وقاسٍ. اختلافه في محاولته تحرير السينما الروحية من المَسْرحة الدينية الرائجة. وقسوته أنّ هذا التحرير يجعل الفيلم اليوم يبدو خارج الزمن، أو على الأقلّ خارج الحساسية البصرية والنفسية للمُشاهد المُعاصر.

المتفرّج الحالي ابن عالم مختلف تماماً. عالم قائم على السرعة والتحليل النفسي والتناقضات الحادّة داخل الشخصيات. اعتادت السينما الحديثة الحَفْر في العنف الداخلي والرغبات المكبوتة والتمزُّق الإنساني. أمّا روسيليني، فيتعمَّد الابتعاد عن هذه المناطق. شخصياته شفَّافة إلى حدّ كبير، تكاد تتحرَّك بخفّة روحية منفصلة عن ثقل الجسد وأسئلته. لهذا يشعر كثيرون اليوم بأنّ الفيلم جميل بصرياً لكنه بعيد عاطفياً. كأنّ المتفرّج يكتفي بمشاهدة حياة لا يستطيع لمسها.

القداسة عند روسيليني تتحرَّك في مساحة البراءة أكثر مما تتحرَّك في مساحات الصراع. الرهبان يضحكون كثيراً ويتقبّلون الإهانة من دون غضب، ويتعاملون مع العالم بخفّة طفولية. هذه النظرة كانت تحمل بعد الحرب العالمية الثانية معنى أخلاقياً عميقاً. أوروبا المُثقَلة بالجراح كانت تبحث عن نقاء ما وطريقة للتخفُّف من العنف الذي التهم القارة. لذلك بدا فرنسيس في سينما روسيليني أشبه باقتراح أخلاقي لاستعادة الإنسان.

القداسة عند روسيليني تُشبه البساطة أكثر من المعجزة (IMDb)

اليوم، بعد عقود طويلة من الحروب والانهيارات النفسية والاغتراب الحديث، لم يعد هذا الصفاء يُقنِع بسهولة. المُشاهد الحالي يريد رؤية الجرح وليس صورته المُصفَّاة فقط. يريد الاقتراب من تناقضات الإنسان وانكساراته، وليس من روحه بعدما بلغت السلام. بذلك تتشكَّل المسافة التي يخلقها الفيلم مع جزء من جمهوره المُعاصر. إنه عمل يُحتَرم أكثر مما يمكن الشعور به عاطفياً.

ومع ذلك، يبقى له أثر خاص يتجاوز بروده الظاهري، خصوصاً حين يُعرض في بيروت الآن. فاختيار إعادة هذه الأعمال إلى الشاشة في لحظة لم يتعافَ فيها لبنان من الحرب، يحمل معنى يتعدَّى الاحتفاء السينمائي.

في كلمتها الافتتاحية، تحدَّثت مديرة «متروبوليس»، هانيا مروّة، عن الرغبة في استعادة فكرة السلام في أيام لا تزال مشبَّعة بالخوف والمجهول. بدا كأنّ المدينة المُتعَبة من صُور الموت والقلق تحاول أن تسترجع قدرتها على التأمُّل ولو عبر فيلم أبيض وأسود عن رجل اختار الفقر والسكينة قبل 8 قرون.

قد لا يندمج المُشاهد المُعاصر بالكامل مع عالم روسيليني الزاهد والمُتحرّر من الإبهار. وقد يشعر بأنّ العمل ينتمي إلى زمن آخر. وإنما إعادة عرضه اليوم تستدعي التمهُّل أمام علاقتنا نحن بفكرة السلام. كأنّ الفيلم يكشف من دون أن يقصد عن حجم التحوّل الذي أصاب الإنسان الحديث. لم نعد نعرف كيف ننظر طويلاً إلى البساطة ولا كيف نمنح البطء وقته، ولا كيف نُصدّق أنّ الخفّة قد تكون موقفاً أخلاقياً في وجه عالم يزداد عنفاً يوماً بعد يوم.