لوحات وسام بيضون في «إعادة تخيل بيروت»

طالب أهل المدينة بتزويدها بالحب والاهتمام

وسام بيضون أمام لوحة تحكي عن  طبيعة جبال لبنان (من المعرض)
وسام بيضون أمام لوحة تحكي عن طبيعة جبال لبنان (من المعرض)
TT

لوحات وسام بيضون في «إعادة تخيل بيروت»

وسام بيضون أمام لوحة تحكي عن  طبيعة جبال لبنان (من المعرض)
وسام بيضون أمام لوحة تحكي عن طبيعة جبال لبنان (من المعرض)

رغب الفنان التشكيلي وسام بيضون في معرضه «إعادة تخيل بيروت»، في رسم ولادة جديدة لها على طريقته، فحدد لها مساراً مختلفاً مع حفاظه على خطوطها الرئيسية، وترجمه بريشة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالجذور حيناً والشباب حيناً آخر.
وأنت تتجول في المعرض الذي يستضيفه غاليري «آرت أون 56» في منطقة مار مخايل، تلمس التغييرات التي أحدثها على المدينة؛ متراصة ومتحدة يسكنها أشخاص يفكرون فيها في العمق، بعيداً عن السطحية. للوهلة الأولى يخيل لزائر المعرض أنه يشاهد لوحات فنية ترتكز على مقاييس هندسية، ويستوعب بعدها بأنها مجرد وسيلة يبرز معها خريطة طريق مستقبلية. فالخطوط الأفقية والعمودية المتشابكة ليست سوى رسالة فكرية للإشارة إلى ضرورة إعادة تنظيم هذه المدينة واتحاد أهلها.
يركز بيضون في لوحاته على الفكر، فنرى غالبية أعماله تدور في هذا الإطار.
شخصياته في حالة تفكير مستمرة، ويحاول بيضون بريشته الدقيقة التقاط ذبذباتها، ويتولى مهمة تعريفنا بها من قرب، بعد أن وزعها بتأنٍ على أجزاء الرأس ولغة الجسد.
«انفجار 4 أغسطس (آب)» ألهمه إعادة تخيل بيروت من خلال انفجار آخر تمثل بالألوان التي استخدمها، وأوصل رسالة مباشرة إلى أهل المدينة كي يبنوها ويعيدوا تركيب أحجيتها، ولكن هذه المرة مزودين بحب عميق لها.


يحلم بيضون بإعادة تنظيم بيروت مع الحفاظ على محتواها الأساسي (من المعرض)

يمر بيضون بريشته على خريطة بيروت الجغرافية التي حفظناها منذ أيام الدراسة. فهو لم يقترب من أحشائها، واكتفى بتحديد معالمها التي تزنرها فقط. مر على تضاريسها الطبيعية وبحرها وسمائها متوقفاً عند مرفئها ووسطها، وأكمل طريقه بين مناطق رأس بيروت وعين المريسة وصخرة الروشة، ليكتشف ناظرها جمالها الساحر.
«رغبت من خلال لوحاتي هذه في الإشارة إلى خصوصية المدينة. لذلك حددت المسار المطلوب لإعادة تنظيمها. بيروت يكمن جمالها وسحرها بتركيبتها كما هي اليوم.
ولا ينقصها سوى إعادة تفصيلها بحياكة أنامل أهلها الخائفين عليها وعلى مستقبلها. ومن خلال لوحاتي أوجه رسالة مباشرة إلى أهل المدينة وإلى شبابها بالأخص ومفادها: (انتبهوا إلى مدينتكم)».
هكذا يتخيل وسام بيضون بيروت الجديدة تربط كل الناس بعضهم ببعض من دون أي هواجس أو أفكار سلبية مسبقة. ولذلك قدم شخصيات لوحاته تغطس في بحر الفكر باحثة عن الأفضل لمدينتها من باب التأني والانتباه.
يتضمن معرض «إعادة تخيل بيروت» قسمين أساسين؛ أحدهما يعرض أعمالاً فنية لبيضون تعود إلى عام 2016 ويحكي فيها عن طبيعة لبنان وجباله. والثاني معاصر يتناول بيروت اليوم... «أنا ابن بيروت، ولكنني مغرم بطبيعة لبنان وجباله، التي رسمتها بشغف في أيام سابقة. اليوم تمثل لوحاتي نقلة نوعية محفوفة بخصائص مدينة أعشقها».
ويأتي هذا المعرض؛ الذي اختارته منسقته وصاحبة غاليري «آرت أون 56» نهى محرم، احتفاء بمرور 10 سنوات على انطلاقته.
وتعلق لـ«الشرق الأوسط»: «لم نشأ أن نسترجع في هذه المناسبة مآسي بيروت بعيد الانفجار الذي تعرضت له. ولذلك فكرنا في مستقبل مشرق يغمرها، ومن خلال لوحات وسام بيضون نستطيع أن نستشعر هذه الفكرة».


يتضمن معرض وسام بيضون لوحات تحكي عن بيروت الغد (من المعرض)

تتنوع موضوعات بيضون التي يتناولها في لوحاته متحدثاً عن رؤيته لبيروت الغد؛ فبينها ما يحكي عن عمق جذور اللبناني بمدينته وتعلقه بها، وأخرى يطل فيها على الوقت وطول الانتظار وإشراقة شمس المستقبل، المترجمة بألوان تتدرج بين الأحمر والبرتقالي أفقاً لها. بعض لوحات وسام بيضون تعزز الثنائيات والشراكة، فنراها تجمع بين الرجل والمرأة ليس من باب الصورة المبسطة والعادية، بل ليدخل منها إلى التكاتف والمساندة. وفي لوحات أخرى يتوسع في هذا الترابط ليشمل مجموعات من الناس.
«أنا وأنت» و«المتاهة» و«زهرة إليك» و«وحيد في غرفة» و«النعم الثلاث»، هي بعض العناوين التي تحملها لوحات وسام بيضون المرسومة بتقنية الأكواريل. ويبوح الرسام اللبناني لابنته ضمن كتيب صغير صممته خصيصاً لمعرضه تحت عنوان «بيروت ولدت من جديد» عن أسرار تسكن فن الرسم عنده. ومما يرد فيه عن إطار الألوان والتقنية التي يستخدمها، هو أن الألوان المائية أكثر سحرية. «إنها الكيمياء بين الماء والمادة الملونة النقية وتعطي كثيراً من الاحتمالات لناظرها».
في إحدى لوحاته التي سماها «أنا لبناني» يبرز بيضون الخلطة التي تؤلف هذه العقدة عند اللبناني عامة. وبتقاسيم منمنمة تجمع أشكالاً مختلفة يعبر من خلالها بيضون عن ميزة هذه الخلطة، يدقق مشاهدها بأجزائها كي يكتشف أنها غنية.
«هذا هو اللبناني بنظري صاحب خلطة تخرج عن المألوف وتظهر جلية في بنيته الداخلية. ولو أنهم يتركوننا ننفذ هذه الخلطة على الأرض بكل تفاصيلها، لكنّا حققنا أضعاف الإبداعات التي نقوم بها اليوم».
لا ينسى بيضون التركيز على الجذور والمشاعر عند اللبناني أينما كان... هائماً في بلاد المهجر أو عالقاً في مدينة يحلم بتعافيها. فنرى الازدهار لبيروت الغد تترجمه المشاريع والأفكار بألوان زاهية. وفي المقابل تظهر لوحات أخرى مدى عمق الجذور وأهميتها للحفاظ على هوية لبنان.
ولكن كيف يتخيل وسام بيضون بيروت المستقبل بعد المسار الذي وضعه لها؟ يرد: «أتخيلها منظمة، فيها مساحات خضراء، وأهلها متراصين ومتحدين يبذلون جهداً للحفاظ على ميزاتها. هي رسالة موجهة للشباب أولاً، الذين سيرسمون مسار مستقبلها».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

بعد اللوفر... سرقة لوحات قيمتها تسعة ملايين يورو من متحف فرنسي

يقوم ضباط الشرطة بدوريات أمام مدخل متحف رينوار بعد السرقة في مدينة كاني سور مير (أ.ف.ب)
يقوم ضباط الشرطة بدوريات أمام مدخل متحف رينوار بعد السرقة في مدينة كاني سور مير (أ.ف.ب)
TT

بعد اللوفر... سرقة لوحات قيمتها تسعة ملايين يورو من متحف فرنسي

يقوم ضباط الشرطة بدوريات أمام مدخل متحف رينوار بعد السرقة في مدينة كاني سور مير (أ.ف.ب)
يقوم ضباط الشرطة بدوريات أمام مدخل متحف رينوار بعد السرقة في مدينة كاني سور مير (أ.ف.ب)

قال بريان ماسون رئيس بلدية مدينة كاني سور مير، حيث متحف رينوار على الريفيرا الفرنسية، في بيان على «فيسبوك» إن لصين سرقا ثلاث لوحات من المتحف في وقت مبكر من اليوم الثلاثاء، ما أعاد إلى الأذهان السرقة الكبيرة التي شهدها متحف اللوفر في باريس العام الماضي.

وأضاف أن اللصين اقتحما المتحف قبل الساعة السادسة صباحاً بقليل، وسرقا أربع لوحات، مشيراً إلى أن قيمة اللوحات المسروقة تقدر بتسعة ملايين يورو.

وتابع أن الشرطة رصدت اللصين، وطاردتهما، لكنهما تمكنا من الفرار بثلاث لوحات. وتابع أنهما أسقطا إحدى اللوحات خلال المطاردة، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ماسون في البيان: «استهداف متحف رينوار هو استهداف لجزء من تاريخ وتراث كاني سور مير. وهذه الأفعال خطيرة بشكل كبير».

تمت سرقة أربع لوحات تقدر قيمتها بتسعة ملايين يورو من المتحف في عملية سطو وقعت في الساعات الأولى من صباح اليوم (أ.ف.ب)

أنشئ المتحف في 1960 بقصر الرسام الانطباعي بيير أوجوست رينوار على تلة في كاني سور مير قرب نيس، حيث توفي في 1919. وتضم المجموعة المعروضة في المتحف 13 لوحة للرسام، ونحو 40 منحوتة، إلى جانب أثاث، وصور فوتوغرافية.

عمدة مدينة كاني سور مير برايان ماسون المنتمي لحزب «التجمع الوطني» يتجول في حديقة متحف رينوار بعد سرقة أربع لوحات تقدر قيمتها بتسعة ملايين يورو (أ.ف.ب)

ولم يحدد ماسون اللوحات المسروقة. وبيعت أغلى أعمال رينوار في مزادات في السابق بعشرات الملايين من الدولارات.

وقالت الوكالة الأوروبية للتعاون في مجال إنفاذ القانون (يوروبول) الشهر الماضي إن لصوص الأعمال الفنية في أوروبا يرتكبون عمليات سطو أكثر عنفاً، وإن العصابات المتخصصة حلت محلها مجموعات انتهازية مؤقتة يجري تجنيدها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

متحف رينوار في مدينة كاني سور مير (أ.ف.ب)

وقالت «يوروبول» إن عملية السطو على متحف اللوفر في باريس في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي كانت مثالاً بارزاً على ذلك، إذ هدد اللصوص الحراس والزوار، وسرقوا مجوهرات بقيمة 88 مليون يورو (102.3 مليون دولار)، مثل تاج الإمبراطورة أوجيني.

 

 


«أنغام وأفلام»... الماضي الذي لم يُغادرنا له موعدٌ في بيروت

«أنغام وأفلام»... حفل تجلس فيه الذاكرة بين مقاعد الجمهور (الجهة المنظّمة)
«أنغام وأفلام»... حفل تجلس فيه الذاكرة بين مقاعد الجمهور (الجهة المنظّمة)
TT

«أنغام وأفلام»... الماضي الذي لم يُغادرنا له موعدٌ في بيروت

«أنغام وأفلام»... حفل تجلس فيه الذاكرة بين مقاعد الجمهور (الجهة المنظّمة)
«أنغام وأفلام»... حفل تجلس فيه الذاكرة بين مقاعد الجمهور (الجهة المنظّمة)

في ليلة واحدة، ستعود أغنيات خرجت من أفلام صنعت جانباً من الذاكرة العربية إلى خشبة بيروت، محمولةً هذه المرّة على أصوات شابّة وأوركسترا حيّة. «أنغام وأفلام»، الذي تستضيفه «ميوزيك هول بيروت ووترفرونت» في 24 سبتمبر (أيلول)، يستعيد أعمالاً ارتبطت بعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وأسمهان ووردة وغيرهم، ضمن رؤية وضعها المايسترو هاروت فازليان، ويقود فيها الأوركسترا الوطنية للموسيقى الشرق عربية بتشكيل يضمّ 24 موسيقياً.

هاروت فازليان أمام ألحان لا تبدأ من الصفر... تبدأ من الذاكرة (الجهة المنظّمة)

تبدو الفكرة قريبة من حفلات استعادة الأغنيات القديمة، وإنما فازليان يضع لها نقطة انطلاق مختلفة. في حديثه مع «الشرق الأوسط»، يعود إلى جوهر مهنة قائد الأوركسترا، فيرى أنّ مَهمّته تقوم على صَوْغ العمل الموسيقي ومَنْحه التماسُك والشكل والتجانس، وجَمْع العازفين في تعبير واحد، سواء كان العمل سيمفونياً أو أوبرالياً أو أغنية عربية. هذا المبدأ لا يتغيَّر في «أنغام وأفلام»، فيما تزداد حساسية المَهمّة لأنّ المادّة الموسيقية سبقت الحفل بعقود، وحُفرت في ذاكرة الجمهور مقترنةً بأصوات وصُوَر ومَشاهد رافقتها طويلاً.

اختار فازليان الاقتراب من الأعمال في صيغتها الأصيلة، بعيداً عن التغيير لمجرّد إظهار الاختلاف. بالنسبة إليه، لهذه الألحان حياة داخل الذاكرة الجماعية، وما يحتاج إليه المسرح هو أن يمنحها حضوراً حيّاً من خلال الأوركسترا ويترك قوّتها العاطفية تعمل من داخلها.

ثمة أغنيات نكبُر نحن وتبقى هي في العُمر نفسه (الجهة المنظّمة)

أما خروج الأغنية من فيلمها، فلا يعني عنده خسارة أثرها البصري. يقول المايسترو: «حين تغيب الصورة، تمنح الجمهور حرّية أن يصنع صورته الخاصة». أغنية الحبّ التي كانت مرتبطة بشخصية ومشهد، تستطيع أن تتحرّر من تلك الحكاية لتصبح أقرب إلى ذاكرة المُستمع وتجربته الشخصية. كثيرٌ من هذه الأغنيات عاش خارج أفلامه منذ زمن، وصار قادراً على رواية حكايته من دون الشاشة.

تدخل النوستالجيا إلى الحفل من مكانها الطبيعي. فالمايسترو يعلم أنّ الأغنية الجيّدة تستطيع مخاطبة مَن عرفها قبل نصف قرن كما تستطيع الوصول إلى شخص يسمعها اليوم للمرّة الأولى. «الأغنية العظيمة لا تنتهي صلاحيتها»، يؤكد. لذلك يصبح الحفل محاولة لصنع لحظة مختلفة حول موسيقى عَبَرَت الزمن، يُشارك في تكوينها العازفون والمغنّون والجمهور معاً.

الأغنيات القديمة لا تسأل المُستمع عن عُمره (الجهة المنظّمة)

سيستمع هذا الجمهور إلى 4 أصوات هي اللبنانية سيندي لاتي، وعليا ندا وبيتر جوزيف ومحمد علي من مصر. واختيارهم يحمل بدوره حكاية موازية، تختصرها المُنتجة الإبداعية رلى تلج بمسار «From Social Media To Stage».. تقول لـ«الشرق الأوسط» إنها استمعت إلى نحو 1000 صوت عبر مواقع التواصل، قبل أن تنتقي هذه المجموعة وتضع أصواتها أمام أذن فازليان الموسيقيّة الصارمة، فلامست لديه حسّاً موسيقياً لا يُجامِل. أرادت تلج أن تبحث عن الأصوات في مكان لم تعتد صناعة المواهب أن تبحث فيه، وتنقل حناجر ألِفَت الغناء للناس عبر المنصات، إلى فضاء فنّي مُغاير، حيث الأوركسترا والجمهور والمسرح. وهذه النقلة هي في صلب المشروع الذي تتصوَّره، إذ ترى في موعد حفل بيروت فاتحةً لمشروع مستقبلي، مع خطط لجولات عربية وأوروبية وعروض على مسارح كبرى.

أقصر الطُرق إلى زمن مضى قد تكون أغنية (الجهة المنظّمة)

هذا الانتقال يضع المغنّين أمام امتحان حسّاس. الجمهور لا يتلقّى أغنية لعبد الحليم أو أسمهان بذاكرة فارغة، وكلّ صوت شاب يدخل مساحة مأهولة سلفاً. سيندي لاتي تقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ ما وجدته في هذه الأغنيات هو مشاعر لا يحدّها زمن، ووَقْعها عليها يتغيَّر مع كلّ مرحلة تعيشها. وحين تؤدّي عملاً يحفظه الناس بصوت صاحبه، لا يشغلها أن تمحو ذلك الصوت من الذاكرة. هدفها الدخول إلى الأغنية بإحساسها وهويتها، فيشعر المستمع بشخصيتها من دون أن يفقد العمل الذي أحبَّه.

كانت الأغنية أطول لأنّ الشعور لم يكن مستعجلاً (الجهة المنظّمة)

وبيتر جوزيف يجد نفسه قريباً من عالم هذه الأغنيات رغم المسافة الزمنية. يتحدَّث عن ثراء الكلمات والألحان، والرقي في اختيار المفردات، ويرى أنّ هذه الصفات أقرب إلى ذائقته ممّا يطغى على أغنيات جيله. وفي الأداء، يضع صدق الإحساس في المقدّمة، فـ«المستمع يلتقط أولاً حقيقة الشعور قبل أيّ استعراض صوتي».

عليا ندا تذهب إلى مكان آخر في علاقتها بهذا الإرث. تستعيد زمناً كان يُتيح للمتلقّي التعمُّق في تفاصيل اللحن والمقامات وتحولاتها بين المقاطع، وتربط ذلك بإيقاع حياة أبطأ وبهوية فنّية تُميّز كلّ مطرب. بالنسبة إليها، تمنح هذه الأغنيات فرصة للخروج من سرعة اليوم والدخول في عمق موسيقي وعاطفي أطول، مع إقرارها بأنّ الأغنية المعاصرة لا تزال تُقدّم أعمالاً جميلة.

أربعة شبّان أمام أغنيات سبقت أعمارهم بسنوات طويلة (الجهة المنظّمة)

ويربط محمد علي قوة الطرب بالمقامات الموسيقية وبقدرة الأغنية القديمة على التمهُّل في وصف الحالة الإنسانية. ويرى أنّ طُول الأغنية كان يُتيح للكلمات أن تتوغَّل في التفاصيل، بينما تميل أغنيات كثيرة اليوم إلى الاختصار. وعندما يؤدّي عملاً معروفاً، يُفضّل الاقتراب من روح الأداء الأصلي وإضافة لمساته بهدوء، لأنّ المبالغة في إثبات الذات قد تصنع مسافة بين المُغنّي والجمهور.

بذلك يلتقي مساران في «أنغام وأفلام». موسيقى خرجت من أفلام قديمة تعود إلى الحاضر بأوركسترا وصوت حيّ، وأصوات شقَّت طريقها عبر مواقع التواصل تجد نفسها أمام جمهور وخشبة وذاكرة فنّية أثقل بكثير من شاشة هاتف. في 24 سبتمبر، لن يكون الماضي بعيداً بما يكفي لنشتاق إليه. سيصبح اختباراً لِمَا يبقى من الأغنية حين تتغيَّر الأزمنة، ولِمَا يُمكن لصوت جديد أن يُوقظه فيها من دون أن يُطفئ ما أحببناه أول مرّة.


الاتحاد يمدد حضوره خارج الـ90 دقيقة… ويدخل صناعة الأفلام والمسلسلات

الاتحاد يجعل صناعة الأفلام والمسلسلات امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب (النادي)
الاتحاد يجعل صناعة الأفلام والمسلسلات امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب (النادي)
TT

الاتحاد يمدد حضوره خارج الـ90 دقيقة… ويدخل صناعة الأفلام والمسلسلات

الاتحاد يجعل صناعة الأفلام والمسلسلات امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب (النادي)
الاتحاد يجعل صناعة الأفلام والمسلسلات امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب (النادي)

على مدى عقود، صنع نادي الاتحاد السعودي جانباً كبيراً من ذاكرته في 90 دقيقة؛ أهداف وبطولات ونجوم ومدرجات تناقلت حكاياتها أجيال من المشجعين.

واليوم، يبحث النادي عن مساحة أخرى تعيش فيها هذه الذاكرة خارج زمن المباراة، بعدما قرر الدخول إلى صناعة الأفلام والمسلسلات، وجعل الشاشة امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب.

الخطوة بدأت بإعلان النادي وشركة «تلفاز 11»، المتخصصة في تطوير وإنتاج المحتوى، شراكة استراتيجية طويلة الأمد، يتعاونا بموجبها على إنتاج أفلام ومسلسلات وأعمال ترفيهية موجهة إلى الجمهور في السعودية والمنطقة وخارجها، تجمع إرث «الاتحاد» وقاعدته الجماهيرية بخبرة الشركة في صناعة المحتوى وسرد القصص.

يقول رئيس الإعلام المؤسسي في النادي، رياض المزهر، لـ«الشرق الأوسط»، إن الفكرة انطلقت من إدارة الإعلام لديهم، ولم تُقتبس من تجربة نادٍ آخر، موضحاً أنه لا يعرف نادياً عربياً سبق الاتحاد إلى نموذج مماثل بهذه الصورة.

وكشف المزهر أن التوجه يقوم على إنتاج أعمال درامية وتجارية مشتركة ربما ترتبط بالرياضة أو تبتعد عنها تماماً؛ مضيفاً أن الاتحاد قد يظهر خلفيةً للأحداث، أو تكون إحدى شخصيات مسلسل من مشجعيه، أو يحضر اسم النادي بصورة طبيعية داخل القصة، فيما يظل العمل في جوهره درامياً.

وهنا تكمن الفكرة الأبعد للمشروع: ألا تكون الشاشة مكاناً يروي قصة «الاتحاد» فقط؛ بل فضاء يصبح النادي نفسه جزءاً من حكاياته. ولهذا استحدث استوديو خاصاً به بوصفه بيت إنتاج متخصصاً لتطوير وكتابة وإنتاج الأعمال، في خطوة تنقله من إتاحة اسمه ولاعبيه ومنشآته لصناع المحتوى إلى المشاركة في صناعة ما سيظهر على الشاشة.

والمشروع تجاوز بالفعل مرحلة الفكرة؛ إذ أفاد المزهر بأن العمل بدأ على أول مشروعين ضمن هذا التوجه، لكنه تحفظ على الكشف عن تفاصيلهما في الوقت الراهن.

الشراكة تجمع إرث «الاتحاد» وقاعدته الجماهيرية بخبرة «تلفاز 11» في صناعة المحتوى وسرد القصص (النادي)

ذاكرة تعبر الأجيال

لا يضع الاتحاد العائد المالي المباشر في مقدمة رهانه الجديد، بل تستهدف التجربة، بحسب المزهر، تعزيز حضور النادي وتقديمه من خلال الدراما «بطريقة ناعمة وليست موجهة بشكل مباشر»، فيما ستكون أي عوائد تحققها الأعمال مشتركة بين طرفي الشراكة.

فبينما اللاعب يعتزل، والبطولة تتحول مع مرور السنوات إلى تاريخ، ويأتي جيل لم يشاهد اللحظات التي صنعت ذاكرة من سبقه، يمنح الفيلم والمسلسل النادي طريقاً آخر لعبور الزمن؛ من خلال شخصية أو قصة أو تفصيل يستطيع أن يُبقي اسم الاتحاد وهويته ولاعبيه حاضرين لدى أجيال جديدة، وحتى لدى مشاهد ربما لا يتابع كرة القدم.

وبذلك تصبح الدراما بالنسبة إلى الاتحاد أداة من أدوات القوة الناعمة، من خلال حضور يتجاوز تعريف المشاهد بـ«النادي»، وإنما يجعله يلتقيه داخل قصة يريد معرفتها.

نمو السينما السعودية

لا يأتي اختيار نادي الاتحاد للشاشة في فراغ؛ بل في لحظة اكتسبت فيها صناعة السينما السعودية وزناً مختلفاً خلال سنوات قليلة؛ ففي 2025، بلغت إيرادات شباك التذاكر 920.8 مليون ريال (245 مليون دولار)، بنمو 8.9 في المائة عن العام السابق، مع بيع 18.8 مليون تذكرة وعرض 538 فيلماً.

لكن الرقم الأكثر دلالة على التحول يتعلق بالمحتوى المحلي نفسه؛ إذ حققت 11 فيلماً سعودياً خلال العام 122.6 مليون ريال (32.7 مليون دولار) من الإيرادات، بعد بيع 2.8 مليون تذكرة، مقارنة بنحو 56.8 مليون ريال (15 مليون دولار) للأفلام السعودية في 2024، بما يعني أن إيرادات الإنتاج المحلي تجاوزت الضعف خلال عام واحد.

وفي سوق أصبح فيها الفيلم السعودي قادراً على المنافسة على المشاهد وشباك التذاكر، يبدو دخول مؤسسة رياضية بحجم نادي الاتحاد إلى صناعة المحتوى امتداداً لتحول أكبر؛ فالسينما لم تعد مجرد مساحة عرض، بل أصبحت سوقاً للحكايات والهويات والملكية الفكرية.

أما «تلفاز 11»، فتأتي للشراكة بخبرة ممتدة من المحتوى الرقمي إلى إنتاج الأفلام والمسلسلات، ومن أعمالها «سطار» و«ناقة» و«مندوب الليل»، مع تجربة سابقة في الاقتراب من عالم الأندية الرياضية عبر الفيلم الوثائقي «الروح الزرقاء» عن نادي الهلال عام 2022.

دخول الاتحاد إلى صناعة المحتوى امتداد لتحول أكبر في سوق السينما (النادي)

حكاية ترسخ الهوية

يرى رئيس تحرير منصة «فاصلة» السينمائية، أحمد العياد، أن هذه الشراكة تمثل «خطوة مهمة وواعدة»، لأنها تجمع نادياً يمتلك تاريخاً طويلاً وقاعدة جماهيرية كبيرة بشركة لديها خبرة في صناعة المحتوى السينمائي والتلفزيوني.

ويضيف العياد أن الاتحاد يمتلك «مخزوناً ضخماً من الحكايات»، لا يتوقف عند بطولاته ونجومه، وإنما يمتد إلى علاقته بمدينة جدة وجماهيره في مختلف مناطق السعودية، بما يمنح الأعمال فرصة للوصول إلى جمهور يتجاوز مشجعي النادي نفسه.

لكن هذا المخزون وحده لا يضمن نجاح التجربة؛ فالعياد يضع شرطاً أساسياً أمام المشروع: أن تستطيع الأعمال تجاوز المحتوى الدعائي المباشر؛ لأن الجمهور يريد قصة حقيقية وممتعة، فيها النجاح والإخفاق والتحديات، لا مجرد عمل احتفائي بالنادي.

وهنا يكمن ربما أصعب اختبارات رهان الاتحاد على القوة الناعمة، ويتمثل في أن يكون النادي حاضراً بما يكفي لترسيخ هويته، وخفيفاً بما يكفي كي تبقى الحكاية هي البطل.

وبعد عقود صنع خلالها حضوراً في الملعب، يدخل الاتحاد اليوم تجربة مختلفة يسعى منها لأن يصبح شريكاً في صناعة ما يشاهده الجمهور، ويمنح ذاكرته طريقاً جديداً للعبور من جيل إلى آخر، أبعد من حدود الـ90 دقيقة.