بول فيني... عشق أبدي للعلم... والشعر

رحيل آخر المفكرين الكبار في فرنسا

بول فيني
بول فيني
TT

بول فيني... عشق أبدي للعلم... والشعر

بول فيني
بول فيني

أخيراً رحل المؤرخ الفرنسي الشهير بول فيني عن هذا العالم. لقد رحل صديق ميشيل فوكو ورينيه شار وبقية المشاهير عن عمر مديد يناهز الـ92 عاماً. كلهم رحلوا وسبقوه إلى دار الخلود بزمن طويل. فوكو مات منذ عقود عام 1984 رغم أنه من جيله أو مجايله، وكذلك بيير بورديو عام 2002، ورولان بارت عام 1980، وجاك دريدا عام 2004... إلخ. كل الكبار ذهبوا ما عداه. كلهم رحلوا وبقي هو يتحدى الأيام والسنوات. إنه صديق الشاعر الكبير رينيه شار. ومعلوم أنه كان يمثل بين يديه بكل تواضع كتلميذ صغير وهو الأستاذ الكبير في «الكوليج دو فرانس»! ومعلوم أنها أعلى مؤسسة علمية في فرنسا: أعلى من السوربون. ولا يدخلها من الأساتذة إلا الكبار أو كبار الكبار. ولكن الجميع يتواضعون في حضرة الشعر والقصائد العبقرية. وفي حضرة رينيه شار شاعر فرنسا الأكبر في القرن العشرين لا يوجد كبار. من يستطيع أن يزاحم رينيه شار على الشهرة والمجد؟ إنه رامبو العصور الحديثة. وقد نتجت عن لقاءاته المتكررة مع شاعر فرنسا الأكبر مخطوطة كتاب مهم وممتع جداً: «رينيه شار في قصائده»... منشورات «غاليمار» 1995، وهذه أول مرة أجد فيها مؤرخاً أكاديمياً ضخماً مثل بول فيني مهتماً بالشعر إلى مثل هذا الحد. عادة الأكاديميون والأساتذة الجامعيون لا يهتمون بالشعر ولا بالأدب عموماً. هناك كثيرون ممن لم يقرأوا قصيدة واحدة في حياتهم. ولا يعرفون كيف يستمتعون بالشعر ولا يرون أي ضرورة لذلك. لماذا تضييع الوقت؟ وهؤلاء أساتذة جامعات واضرب واطرح!... ولكن بول فيني كان مهووساً بالعلم الرصين والشعر في آن معاً. وهنا تكمن مزيته الأساسية.
يقول متحدثاً عن رينيه شار في هذه المذكرات التي تروي قصة عمر طويل ومديد: قبل أن أغادر فرنسا إلى روما لمتابعة دراساتي الأكاديمية عن الحضارة الرومانية القديمة رغبت في رؤية الشاعر رينيه شار. أردت أن أقوم بزيارته كما يقوم الطالب الصغير بزيارة الكاتب الكبير. كنت أمجده، أعبد أشعاره وقصائده عبادة. لقد اكتشفت نصوصه لأول مرة في الثانوي. وقد أحسست بعبقريته الشعرية على الفور. كانت واضحة بالنسبة لي، كانت ساطعة سطوع الشمس. كنت قد قرأت ديوانه: «وحدهم يظلون»، مراراً وتكراراً. وحفظت الكثير من قصائده عن ظهر قلب. ولكن قبل زيارته في شقته الباريسية لم أكن أجهل أن رينيه شار لم يكن شاعراً فقط، وإنما كان أيضاً أحد أبطال المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي إبان الحرب العالمية الثانية. وبالتالي فهو مناضل كبير من أجل الحرية. ولذلك لقبوه: ديغول الشعر!
ثم يضيف بول فيني قائلاً: لقد راسلته ورجوته أن يحدد لي موعداً، وما كنت أتوقع أن يقبل. فأنا كنت آنذاك مجرد نكرة أو شخص مبتدئ. ولكني فوجئت بأنه قبل أن يستقبلني، ولمدة ساعتين متواصلتين... وتحدث لي في ذلك اللقاء عن أشياء كثيرة أخرى ما عدا الشعر! ثم يضيف المؤرخ الأكاديمي الشهير قائلاً: أعترف بأن رينيه شار هو أعظم شخصية كارزمية أتيح لي أن أراها في حياتي. كانت تحيط به هالة من الهيبة والعظمة لا تكاد تصدق. إنه يفرض نفسه عليك بشكل عفوي طبيعي ويسحقك سحقاً بشخصيته الجبارة دون أن يقصد ذلك أو دون أن يدري... ولذا قررت عندئذ ألا أراه بعد اليوم خوفاً من هذه الهالة الإشعاعية التي تحيط به، وخوفاً من أن يحتقرني أو يزدريني عندما يرى مدى انسحاقي أمامه. ولكني حنثت بهذا الوعد الذي قطعته على نفسي. وحسناً فعلت. فقد التقيته لاحقاً مراراً وتكراراً، بل وأكثر من مائة مرة! ولكن ذلك حصل بعد ثلاثين عاماً من اللقاء الأول: أي بعد أن أصبحت أستاذاً شهيراً في الجامعات الفرنسية، ولم أعد ذلك التلميذ الصغير الذي ألتقاه في بداية شبابه. وعن هذه اللقاءات العديدة المكثفة نتج الكتاب المذكور: «رينيه شار في قصائده». ولكن للأسف لم أنشر الكتاب إلا بعد موته عام 1988، وبالتالي فلم يتح له الاطلاع عليه أو رؤيته في حياته. قال له رينيه شار مرة: لا ينبغي أن نبني أوهاماً كثيرة عن الشاعر. الشاعر إنسان كبقية البشر. ولا يصبح شاعراً إلا في لحظات معينة عندما يختلي بنفسه وتهيج هوائجه وتجيئ القصيدة... عندئذ يصبح شاعراً حقاً ولكن بقية اليوم فهو إنسان عادي وربما أقل من عادي. لا يمكن أن تكون شاعراً طيلة الوقت يا بول فيني. مستحيل. هذه صورة خاطئة عن الشعر والشعراء.
ثم يصفه بول فيني على النحو التالي: كان رينيه شار كريماً إلى أقصى الحدود، وكان جذاباً إلى أقصى الحدود. ولكن العيش معه كان شيئاً مستحيلاً لا يطاق تقريباً. لماذا؟ لأن انفجارات غضبه كانت مشهورة كالرعد القاصف وتتطلب ساعات لكي تهدأ. ولكنه بعدئذ كان يعود إلى طبيعته الجميلة إنساناً سمحاً طيباً. لم يكن رينيه شار إنساناً شريراً ولا خبيثاً أبداً رغم عواصف الغضب التي قد تعتريه. وإنما كان العكس تماماً. وأما على المستوى الشكلي فقد كان ضخماً عملاقاً مثل ديغول. ولذلك أيضاً لقبوه بـ«ديغول الشعر» كما ذكرنا آنفاً.
أما عن ميشيل فوكو، الذي كان من جيله (1926 - 1984) وصديقه الحميم حتى نهاية حياته، فيقول عنه بول فيني ما معناه: كنت الشخص الوحيد «غير الشاذ جنسياً» من بين أصدقائه الخلص. ما عدا ذلك كلهم كانوا مثليين مثله. وكان يستقبلني في شقته الباريسية الفخمة عندما أجيء إلى العاصمة قادماً من الجنوب الفرنسي. وذلك لأني ظللت أسكن في منطقتي الأصلية وأعيش في قرية صغيرة بعيداً عن ضجيج العواصم. ولم أسكن باريس ولم أستقر فيها أبداً. ولكني كنت مضطراً للمجيء إليها لإلقاء دروسي في «الكوليج دو فرانس». وعندئذ كنت أنزل عنده ويقدم لي الطعام والشراب مجاناً. كنت ضيفاً معززاً مكرماً في شقته الرائعة الواقعة في وسط باريس. والواقع أنه كان شهماً وكريماً جداً أيضاً مثل رينيه شار. ولكن مشكلته أنه كان ينتمي إلى التيار الشكوكي الارتيابي في الفلسفة. كان يقول لي مثلاً ما يلي: انظر إلى الوراء يا بول فيني، انظر إلى التاريخ، إلى الماضي. ماذا تلاحظ؟ تلاحظ أن ماضي البشرية كله ليس إلا «مقبرة ضخمة من الحقائق الميتة». بمعنى أن ماضي البشرية ما هو إلا سلسلة متلاحقة من المعايير المختلفة واليقينيات المتغيرة من عصر إلى عصر. فما كان سائداً في العصور الوسطى من حقائق ويقينيات أصبح باطلاً ولاغياً في العصور الحديثة. بمعنى أن ما هو حقيقة اليوم قد يصبح خطأ غداً ويتم تجاوزه. وهكذا دواليك... لقد وصلت الحياة مع الكائن البشري إلى مخلوق مقدر له أن يتيه ويخطئ إلى ما لا نهاية، دون أن يتوصل إلى حقيقة يقينية راسخة وثابتة.
ثم يعلق بول فيني على كلام فوكو قائلاً: إن فكر فوكو ليس إلا وصفاً لما اعتقده البشر ومارسوه كحقائق مطلقة في كل فترة من فترات تاريخهم. نقصد ما اعتقدوا أنه حقيقة عن الجنس مثلاً، أو الجنون، أو المراقبة والعقاب، أو أنظمة الحكم، إلخ... إنه وصف حيادي، موضوعي، بارد. وهذا يعني أن فوكو لم يكن يعتقد بإمكانية وجود ثوابت تاريخية. لا توجد حقائق ثابتة في نظره. وإنما فقط حقائق نسبية متغيرة من عصر إلى عصر. وهذا يعني أنه كان نسبوياً أو حتى عدمياً بمعنى من المعاني. ولكن هذا لا يعني أنه كان على صواب. قد يكون صحيحاً القول بأن تاريخ البشرية كلها ما هو إلا «مقبرة هائلة من الحقائق الميتة» ولكن ليس في كل المجالات. صحيح أن البشرية اعتقدت طيلة آلاف السنين أن الشمس هي التي تدور حول الأرض، وليس العكس، كما اكتشف كوبرنيكوس. وهذه حقيقة ضخمة هائلة أصبحت ميتة بعد أن كشف العلم الحديث عن أنها خاطئة تماماً. ولكنها طيلة العصور الوسطى كانت تفرض نفسها كحقيقة مطلقة لا يرقى إليها الشك. وصحيح أن العلم الحالي تجاوز أخطاء العلم السابق التي كانت بمثابة حقائق راسخة. كل هذا صحيح. ولكن في مجال القيم والأخلاق توجد ثوابت يقينية لا حقائق ميتة. ويوجد صح/ وخطأ، وحق/ وباطل، وحقيقة/ وأكذوبة، إلخ. ولا يمكن الشك مثلاً في أن الجنس الطبيعي بين الرجل والمرأة أفضل من الجنس المثلي الشذوذي. هذه حقيقة أنتربولوجية، أي إنسانية كونية، منذ بدء الخليقة وحتى اليوم. هذه حقيقة لا تتغير ولا تتبدل بتغير العصور والأزمان يا سيد ميشيل فوكو.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

محتويات القمامة تثير خلافاً بين جامعيها والحكومة المصرية

تدشين أول ماكينة لإعادة تدوير المخلفات البلاستيكية في يونيو الماضي (وزارة البيئة المصرية)
تدشين أول ماكينة لإعادة تدوير المخلفات البلاستيكية في يونيو الماضي (وزارة البيئة المصرية)
TT

محتويات القمامة تثير خلافاً بين جامعيها والحكومة المصرية

تدشين أول ماكينة لإعادة تدوير المخلفات البلاستيكية في يونيو الماضي (وزارة البيئة المصرية)
تدشين أول ماكينة لإعادة تدوير المخلفات البلاستيكية في يونيو الماضي (وزارة البيئة المصرية)

أدى ظهور ماكينات لجمع بعض محتويات القمامة، وتحديداً زجاجات المياه الفارغة وعبوات المياه الغازية المستخدمة، واستبدالها بنقاط وتحويلها إلى نقود، إلى تفجير خلاف بين ممثلين لجامعي القمامة وخطط الحكومة لتطوير المنظومة، بعد أن أعلن رئيس رابطة عمال النظافة وجامعي القمامة، أو ما يُعرف بـ«نقابة الزبالين»، وهي نقابة غير رسمية، رفض العمل في المناطق التي تنتشر فيها هذه الماكينات؛ لكونها تهدد مصدر رزق جامعي القمامة.

وقال شحاتة المقدس، المعروف بصفته «نقيب الزبالين»، إن «بيع المواد الصلبة، مثل الكانز والبلاستيك، يمثل مصدر الرزق الأساسي للعمال، وسحبه منهم عبر مشروعات منفصلة يهدد بيوتهم بالخراب»، مضيفاً، في تصريحات متلفزة، أن «نقابة الزبالين تضم نحو مليون شخص يعملون في جمع القمامة بالقاهرة الكبرى، التي تضم القاهرة والجيزة والقليوبية، ويجمعون يومياً نحو 18 ألف طن من المخلفات، ويتحملون جمع ونقل كافة أنواع القمامة دون رواتب من الدولة»، موضحاً أن «زجاجات البلاستيك والمشروبات الغازية تمثل مصدراً مهماً للدخل بالنسبة إليهم، وإذا أرادت الحكومة فصل الأشياء ذات القيمة والاستفادة منها، فعليها أن تأخذ القمامة كلها».

وهدد، خلال مداخلات متلفزة في أكثر من قناة، بالامتناع عن رفع القمامة من أي منطقة تعتمد نظام تجميع المواد الصلبة بشكل منفصل، لحين وضع آلية شاملة تحفظ حقوق العمال ومصادر دخلهم.

وفي شهر يونيو (حزيران) الماضي، دشّنت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، والمهندس خالد عباس، رئيس شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، أول 3 ماكينات ذكية لاسترداد العبوات البلاستيكية والمعدنية بالحي الحكومي في العاصمة الجديدة (شرق القاهرة)، وذلك في خطوة لدعم الاقتصاد الدائري، والحد من التلوث البلاستيكي، وفق بيان لوزارة البيئة وقتها.

ضمن حملة للنظافة بمحافظة الجيزة (محافظة الجيزة)

وعدَّ البيان إطلاق الماكينات نموذجاً تجريبياً بالحي الحكومي، تمهيداً لتعميمه بمختلف محافظات الجمهورية؛ لتشجيع المواطنين والعاملين على الفصل من المنبع وإعادة التدوير عبر حلول تكنولوجية ذكية، مع توجيهات بسرعة استكمال البنية التحتية لمنظومة المخلفات، والتوسع فيها، والعمل على تحسين كفاءة المنظومة في تجمعات سكنية جديدة.

وفي إطار المساعي الحكومية لضبط جمع المخلفات وتدويرها وفقاً للتراخيص المعتمدة قانوناً، كان محافظ الجيزة، الدكتور أحمد الأنصاري، قد أعلن عن حملات مكثفة نفذتها الأجهزة التنفيذية بمختلف الأحياء على مدار 4 أشهر، أسفرت عن إخلاء وغلق 101 مخزن لفرز المخلفات والخردة مخالف، وذلك في إطار جهود المحافظة لإحكام الرقابة على الأنشطة غير المرخصة، والحد من آثارها السلبية على البيئة والصحة العامة وسلامة المواطنين.

وأكد الدكتور أحمد الأنصاري أن المحافظة مستمرة في تنفيذ خطة متكاملة للتعامل مع الأنشطة غير المرخصة، وفي مقدمتها مخازن فرز المخلفات؛ لما تمثله من آثار سلبية على البيئة والصحة العامة، مشيراً إلى أن الأجهزة التنفيذية تواصل أعمال المتابعة والرصد الميداني بصورة دورية، بما يضمن القضاء على هذه الظاهرة، ومنع ظهورها مجدداً، والحفاظ على المظهر الحضاري، وتحسين جودة حياة المواطنين.

ضبط مخازن مخالفة للتعامل مع المخلفات (محافظة الجيزة)

من جانبه، رأى عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، عاطف مغاوري، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب «التجمع» أن «التطوير مطلوب في منظومة النظافة وجمع القمامة، لكن لا بدَّ أن يكون ضمن منظومة متكاملة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «قبل طرح الماكينات الجديدة، يجب أن تكون هناك منظومة متكاملة تراعي كيفية التعامل مع كل مخلفات القمامة، وألا تنسى هذه المنظومة أن هناك فئة عددها ليس بالقليل، وربما يتجاوز المليون شخص، يعيشون ويتكسبون من هذه المنظومة؛ وبالتالي يجب إدماجهم في أي خطط للتطوير».

ولفت مغاوري إلى ضغوط سابقة من «رابطة الزبالين» أو «نقابة الزبالين»، حين أعلنت جهات في الإدارة المحلية التعاقد مع شركات خاصة لجمع القمامة. ورأى أن التهديد الحالي بعدم العمل في أماكن انتشار الماكينات ربما يستدعي وقفة لوضع منظومة شاملة؛ إذ ليس من المنطقي أن تحصل الدولة، ممثَّلة في الماكينات الحديثة، على مكوّنات معينة، وتترك بقية القمامة، العديمة أو المنخفضة القيمة، لجامعيها.

وقال إن «القمامة أمر مهم وخطير جداً في أي مجتمع؛ فمن الممكن أن تكون نقمة وتتحول إلى أزمة، ومن الممكن أن تكون كنزاً تستفيد منه الدولة والعاملون في هذا المجال».


ترند «قاع الهامور» يجتذب فنانين مصريين

نيللي كريم نشرت صورة لها مع باسم سمرة من مسلسل «ذات» ضمن «الترند» (حسابها على فيسبوك)
نيللي كريم نشرت صورة لها مع باسم سمرة من مسلسل «ذات» ضمن «الترند» (حسابها على فيسبوك)
TT

ترند «قاع الهامور» يجتذب فنانين مصريين

نيللي كريم نشرت صورة لها مع باسم سمرة من مسلسل «ذات» ضمن «الترند» (حسابها على فيسبوك)
نيللي كريم نشرت صورة لها مع باسم سمرة من مسلسل «ذات» ضمن «الترند» (حسابها على فيسبوك)

​حققت «تدوينات ساخرة» لعدد من الفنانين المصريين ضمن «ترند» مجموعة «قاع الهامور» المليونية، والمقتبسة من الكارتون الشهير «سبونج بوب» تفاعلاً لافتاً عبر موقعَي «فيسبوك»، و«إكس» في مصر، السبت.

واعتمدت التعليقات والصور التي نشرها فنانون، وشاركها متابعون على «السوشيال ميديا»، على إعادة تدوير «مشاهد تمثيلية» معروفة داخل «المساحة المائية» لمجموعة «قاع الهامور» الهزلية، بتقنية الذكاء الاصطناعي، والتعليق بكلمات ساخرة.

ومن أبزر النجوم الذين شاركوا في «الترند»: نيللي كريم التي نشرت صورة جمعتها بالفنان باسم سمرة من مسلسل «ذات»، وكتبت: «العيشة في قاع الهامور أصبحت تقصر الزعنفة». ونشر باسم سمرة صورة شخصيته في مسلسل «العتاولة» وكتب: «بقينا في القاع»، وروَّجت روبي لحفلها الجديد، قائلة: «انتظروا حفلاً في قاع الهامور قريباً».

وعلَّقت هنا الزاهد على صورتها ضمن «الترند»، وكتبت: «الهجرة إلى قاع الهامور»، وأشادت مي عز الدين باستقبال شخصيتها الفنية، وكتبت: «لحظة وصول واستقبال (العايقة) في قاع الهامور»، بينما تفاعلت الشيف نادية السيد على طريقتها، وقالت: «يا أهالي قاع الهامور، ابعدوا عن أكل الغواصات الغارقة والمخلفات».

هنا الزاهد شاركت في «الترند» الجديد (حسابها على فيسبوك)

وتسببت «المجموعة الهزلية» في حالة بحث لافتة عبر تعليقات أشخاص من مصر والدول العربية، وخصوصاً على موقع «إكس»، والتساؤل عن سبب انتشارها السريع، ومَن صاحب الفكرة وتوجهاته، وعنوانها «السوشيالي»، وكيف يمكنهم الانضمام لعالمها المائي، ووصل الأمر لاتهام أصحابها بالانحياز لتوجه سياسي بعينه.

وردَّ مسؤول المجموعة على هذه الاتهامات قائلاً: «نحن نخلي مسؤوليتنا عن أي منشور سياسي باسم (الترند) خارج المجموعة»، مضيفاً: «نحن في (قاع الهامور) وهذا أكثر شيء يجعلكم لا تفكرون نحونا بطريقة جدية».

وتضم المجموعة الساخرة ملصقات دعائية لمدارس، ومستشفيات، ومحال تجارية، ومطاعم، ومقاهٍ، ومراكز تجميل، ولم يغفل أصحابها عن الترويج لمكاتب حجز تذاكر الطيران وفنادق الإقامة، ومكاتب التسويق العقاري لبنايات (قاع الهامور)، إلى جانب الإعلان عن تنسيق الكليات البحرية، مثل البلطي والهامور والجمبري، وغيرها.

وإلى جانب التفاعل الكوميدي لبعض الفنانين، حذَّر آخرون من الانسياق وراء المجموعة الساخرة، من بينهم وفاء صادق التي كتبت عبر حسابها على «فيسبوك»: «المفروض ناس كبيرة وقيمة وقامة وتعليم، ولا يصح أن تقعوا في الفخ. فعلاً نحن في القاع»، بينما وصف المنتج عبد الله أبو الفتوح «الترند»، بأنه ثقيل الدم وغير لذيذ، وليست به صور جذابة ولا فكرة عميقة، مضيفاً: «أصبحت أخاف على مستوى الكوميديا في مصر. الضحك في خطر».

روبي ضمن مشاركتها في «الترند» (حسابها على فيسبوك)

وعن رأيه في تفاعل عدد من الفنانين مع «ترند» مجموعة «قاع الهامور» بشكل سريع، بعكس بعض «الترندات» الأخرى، قال الناقد الفني المصري محمد عبد الخالق: «ما شاهدناه من تفاعل فني على (ترند الهامور) أمر طبيعي؛ لا سيما أنه لطيف ويدور في أجواء كوميدية، ويتسع لعدد لا نهائي من المشاركين، وكل ما قد يخطر على الذهن يصلح أن يتم تقديمه بخفة دم وسخرية».

ويوضح محمد عبد الخالق لـ«الشرق الأوسط»، أن السبب الرئيسي وراء انتشار «الترند» على صفحات المشاهير يكمن في أنه بسيط ومختلف، ولا يتطلب سوى لقطات من الحياة والتعليق بطريقة كوميدية»، لافتاً إلى أن «كل من شارك فيه من الفنانين عُرفوا بحضورهم الكبير على (السوشيال ميديا)»، مع توقعاته بانضمام مزيد خلال الساعات القادمة.

باسم سمرة تفاعل مع «الترند» بشكل لافت (حسابه على فيسبوك)

وارتبطت مراحل عمرية عدة بسلسلة حلقات «سبونج بوب سكوير بانتس»، أو المعروف لدى الأطفال باسم «سبونج بوب»، وهو مسلسل رسوم متحركة كوميدي، عُرض أول مرة في نهاية التسعينات، وتدور أحداثه حول مغامرات «سبونج بوب»، وهو إسفنجة بحرية صفراء تجسد شخصية بشرية، وتمت دبلجته باللهجة المصرية فيما بعد، وعُرض على قنوات متنوعة، ويضم المسلسل إلى جانب شخصية «سبونج بوب» الرئيسية، شخصيات (بسيط نجم، وشفيق، ومستر سلطع، وساندي، وشمشون، وكارن، وسريع، وعضلات).


ديني كوتيه: «عنف لا يخص أحداً» يطرح أسئلة الحياة والموت

بدأت فكرة الفيلم خلال مرض المخرج  (مهرجان لوكارنو)
بدأت فكرة الفيلم خلال مرض المخرج (مهرجان لوكارنو)
TT

ديني كوتيه: «عنف لا يخص أحداً» يطرح أسئلة الحياة والموت

بدأت فكرة الفيلم خلال مرض المخرج  (مهرجان لوكارنو)
بدأت فكرة الفيلم خلال مرض المخرج (مهرجان لوكارنو)

قال المخرج الكندي ديني كوتيه إن نقطة انطلاق فيلمه الجديد «عنف لا يخص أحداً» (Nobody’s Violence) ارتبطت بحالته الشخصية، إذ كان يعاني من قصور في وظائف الكلى منذ 18 عاماً، وكانت حالته الصحية تتدهور تدريجياً عندما بدأ العمل على المشروع، لافتاً إلى أنه كان يعيش آنذاك واحدة من أصعب مراحل حياته، مع تراجع طاقته وشعوره بأن العالم من حوله بات محاطاً بعدم اليقين.

وأضاف كوتيه، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر البريد الإلكتروني، أن شخصية «ميرا» خرجت تدريجياً من هذه الحالة، موضحاً أنها «عالقة في عالم موازٍ وغير محتمل، منشغلة بمستقبلها، وتبحث عن الأدوات التي تساعدها على تحديد طريقها».

ويروي الفيلم قصة «ميرا»، وهي امرأة غامضة تعيش حياة على هامش العالم، وتساعد أشخاصاً اختاروا إنهاء حياتهم عبر تزويدهم بمسحوق قاتل يخلطونه بالماء ويتناولونه بأنفسهم. ومع تنقّلها بين حالات مختلفة، تتجاوز علاقتها ببعض هؤلاء الأشخاص حدود المهمة التي تؤديها، فتجد نفسها أمام أسئلة عن معنى الحياة والموت، وما الذي يجعل الاستمرار ممكناً.

عُرض الفيلم في المسابقة الدولية لمهرجان «لوكارنو السينمائي» بسويسرا، وحصل على تنويه خاص عن أداء الممثل الكندي كزافييه بيرجيرون، في عودة كوتيه إلى المهرجان بعد عقدين من فوزه بـ«الفهد الذهبي».

وعن عودته إلى «لوكارنو»، قال كوتيه إن الحصول على التكريم أمر ممتع، لكنه لا يصنع أفلامه من أجل الجوائز، ولا يبني مشروعاته وفق حسابات الوصول إليها؛ لأن الجوائز بطبيعتها ملتبسة، ونادراً ما تحظى بإجماع، ورأى أن هذه المساحة من الاختلاف جزء مما يحبه فيها.

المخرج الكندي ديني كوتيه (مهرجان لوكارنو)

وأوضح المخرج الكندي أن تجربة كتابة الفيلم كانت مشبعة بحالته الشخصية، لكنها لم تكن واضحة بالنسبة إليه حينها، إذ وجد نفسه أمام عمل غامض لا يعرف تماماً إلى أين يقوده. وقال: «إن عملية زراعة الكلى والحصول على عضو جديد، إلى جانب استعادة قدر أكبر من التوازن في حياتي اليومية، غيّرت علاقتي بالفيلم، فأصبحت أنظر إليه من منظور سينيفيلي يرتبط أكثر بحبي للسينما، بعيداً عن كونه انعكاساً مباشراً لتجربتي».

ولفت كوتيه إلى أن «ميرا» تعيش في حالة من التعليق داخل مساحة بين عالمين، إذ تتقاطع لديها أسئلة الحياة والموت مع بحثها عن موقع خاص بها، مؤكداً أن قسوة الفيلم وعدم يقينه جزء من لغته الجمالية، وأن طبيعته الاستكشافية تمنحه خصوصيته.

وأضاف أن الموت لا يمثّل بالنسبة إليه موضوعاً يحتاج إلى معالجة صريحة أو استفزازية، خصوصاً أنه يعيش في كندا، حيث أصبحت المساعدة الطبية على الموت متاحة ضمن نظام آمن ومدروس وخاضع للرقابة، مشيراً إلى أن وجود هذا الخيار يفتح بطبيعته أسئلة أخلاقية معقدة، من دون حاجة إلى إصدار أحكام أو تبنّي موقف مباشر منها.

وأوضح أن «الكشف التدريجي عن طبيعة عمل (ميرا) كان ضرورياً للحفاظ على المسافة بينها وبين المشاهد، فلم أرغب في تقديمها بوصفها شخصية باردة وروبوتية تنتمي إلى فيلم من أفلام النوع»، لافتاً إلى أن «الأسئلة التي يثيرها الفيلم حول المساعدة على الموت لا تمثّل بالنسبة إليه بياناً اجتماعياً مباشراً؛ لأن عالم الأحداث خيالي وملتوٍ ويميل إلى الديستوبيا».

وأشار إلى أن الأفلام الوثائقية تستطيع معالجة الجوانب الاجتماعية والروحية للقضية بصورة مباشرة، في حين اختار هو الاقتراب منها بطريق أكثر خيالاً والتواءً، يترك الأسئلة مفتوحة أمام المتلقي؛ فـ«ميرا» لا تؤدي وظيفتها فحسب، وإنما تتحرك بين عوالم وطاقات وعلاقات وحالات نفسية مختلفة، بحثاً عن مكانها الصحيح.

وعدّ أن «هذه المشاعر لا تحتاج إلى سرد محكم»، مؤكداً أنه يحب الأفلام التي تجعل المشاهد يشعر بالضياع ويسأل عمّا يشاهده. وأضاف: «لذلك جاء هذا الجزء متعرجاً وعائماً، حتى لو لم ينسجم مع ذائقة الجميع؛ لأن الاغتراب وفقدان الطريق كانا جزءاً من التجربة التي أردت بناءها».

استخدم المخرج رؤية بصرية تتماشى مع رؤيته للحياة خلال مرضه (مهرجان لوكارنو)

وعن التصوير والإضاءة باستخدام شريط 16 مليمتراً، قال كوتيه: «يرتبط هذا الاختيار بالفعل بالطريقة التي كنت أرى بها العالم أثناء مرضي؛ فقد كنت أشعر بنفور متزايد من الجمال المصقول واللامع في المسلسلات والسينما التجارية، إذ أصبح كل شيء مطالباً بأن يبدو مثالياً وجذاباً»، مشيراً إلى رغبته في مقاومة هذا التصور للجمال، إذ يجد جمالاً أكثر تحرراً من القواعد البصرية السائدة.

وفيما يتعلق بتداخل تجربته الصحية مع الفيلم، رفض كوتيه التعامل مع العمل بوصفه سيرة ذاتية مقنّعة، موضحاً أنه لا يريد أن تصبح خلفية المخرج مفتاحاً إلزامياً لفهم الفيلم؛ لأن معرفة ما مرّ به في أثناء الكتابة قد تدفع المشاهد إلى قراءة العمل بطريقة مختلفة، حين يفضّل أن «يُستقبَل الفيلم بوصفه عملاً سينمائياً مستقلاً».