بول فيني... عشق أبدي للعلم... والشعر

رحيل آخر المفكرين الكبار في فرنسا

بول فيني
بول فيني
TT

بول فيني... عشق أبدي للعلم... والشعر

بول فيني
بول فيني

أخيراً رحل المؤرخ الفرنسي الشهير بول فيني عن هذا العالم. لقد رحل صديق ميشيل فوكو ورينيه شار وبقية المشاهير عن عمر مديد يناهز الـ92 عاماً. كلهم رحلوا وسبقوه إلى دار الخلود بزمن طويل. فوكو مات منذ عقود عام 1984 رغم أنه من جيله أو مجايله، وكذلك بيير بورديو عام 2002، ورولان بارت عام 1980، وجاك دريدا عام 2004... إلخ. كل الكبار ذهبوا ما عداه. كلهم رحلوا وبقي هو يتحدى الأيام والسنوات. إنه صديق الشاعر الكبير رينيه شار. ومعلوم أنه كان يمثل بين يديه بكل تواضع كتلميذ صغير وهو الأستاذ الكبير في «الكوليج دو فرانس»! ومعلوم أنها أعلى مؤسسة علمية في فرنسا: أعلى من السوربون. ولا يدخلها من الأساتذة إلا الكبار أو كبار الكبار. ولكن الجميع يتواضعون في حضرة الشعر والقصائد العبقرية. وفي حضرة رينيه شار شاعر فرنسا الأكبر في القرن العشرين لا يوجد كبار. من يستطيع أن يزاحم رينيه شار على الشهرة والمجد؟ إنه رامبو العصور الحديثة. وقد نتجت عن لقاءاته المتكررة مع شاعر فرنسا الأكبر مخطوطة كتاب مهم وممتع جداً: «رينيه شار في قصائده»... منشورات «غاليمار» 1995، وهذه أول مرة أجد فيها مؤرخاً أكاديمياً ضخماً مثل بول فيني مهتماً بالشعر إلى مثل هذا الحد. عادة الأكاديميون والأساتذة الجامعيون لا يهتمون بالشعر ولا بالأدب عموماً. هناك كثيرون ممن لم يقرأوا قصيدة واحدة في حياتهم. ولا يعرفون كيف يستمتعون بالشعر ولا يرون أي ضرورة لذلك. لماذا تضييع الوقت؟ وهؤلاء أساتذة جامعات واضرب واطرح!... ولكن بول فيني كان مهووساً بالعلم الرصين والشعر في آن معاً. وهنا تكمن مزيته الأساسية.
يقول متحدثاً عن رينيه شار في هذه المذكرات التي تروي قصة عمر طويل ومديد: قبل أن أغادر فرنسا إلى روما لمتابعة دراساتي الأكاديمية عن الحضارة الرومانية القديمة رغبت في رؤية الشاعر رينيه شار. أردت أن أقوم بزيارته كما يقوم الطالب الصغير بزيارة الكاتب الكبير. كنت أمجده، أعبد أشعاره وقصائده عبادة. لقد اكتشفت نصوصه لأول مرة في الثانوي. وقد أحسست بعبقريته الشعرية على الفور. كانت واضحة بالنسبة لي، كانت ساطعة سطوع الشمس. كنت قد قرأت ديوانه: «وحدهم يظلون»، مراراً وتكراراً. وحفظت الكثير من قصائده عن ظهر قلب. ولكن قبل زيارته في شقته الباريسية لم أكن أجهل أن رينيه شار لم يكن شاعراً فقط، وإنما كان أيضاً أحد أبطال المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي إبان الحرب العالمية الثانية. وبالتالي فهو مناضل كبير من أجل الحرية. ولذلك لقبوه: ديغول الشعر!
ثم يضيف بول فيني قائلاً: لقد راسلته ورجوته أن يحدد لي موعداً، وما كنت أتوقع أن يقبل. فأنا كنت آنذاك مجرد نكرة أو شخص مبتدئ. ولكني فوجئت بأنه قبل أن يستقبلني، ولمدة ساعتين متواصلتين... وتحدث لي في ذلك اللقاء عن أشياء كثيرة أخرى ما عدا الشعر! ثم يضيف المؤرخ الأكاديمي الشهير قائلاً: أعترف بأن رينيه شار هو أعظم شخصية كارزمية أتيح لي أن أراها في حياتي. كانت تحيط به هالة من الهيبة والعظمة لا تكاد تصدق. إنه يفرض نفسه عليك بشكل عفوي طبيعي ويسحقك سحقاً بشخصيته الجبارة دون أن يقصد ذلك أو دون أن يدري... ولذا قررت عندئذ ألا أراه بعد اليوم خوفاً من هذه الهالة الإشعاعية التي تحيط به، وخوفاً من أن يحتقرني أو يزدريني عندما يرى مدى انسحاقي أمامه. ولكني حنثت بهذا الوعد الذي قطعته على نفسي. وحسناً فعلت. فقد التقيته لاحقاً مراراً وتكراراً، بل وأكثر من مائة مرة! ولكن ذلك حصل بعد ثلاثين عاماً من اللقاء الأول: أي بعد أن أصبحت أستاذاً شهيراً في الجامعات الفرنسية، ولم أعد ذلك التلميذ الصغير الذي ألتقاه في بداية شبابه. وعن هذه اللقاءات العديدة المكثفة نتج الكتاب المذكور: «رينيه شار في قصائده». ولكن للأسف لم أنشر الكتاب إلا بعد موته عام 1988، وبالتالي فلم يتح له الاطلاع عليه أو رؤيته في حياته. قال له رينيه شار مرة: لا ينبغي أن نبني أوهاماً كثيرة عن الشاعر. الشاعر إنسان كبقية البشر. ولا يصبح شاعراً إلا في لحظات معينة عندما يختلي بنفسه وتهيج هوائجه وتجيئ القصيدة... عندئذ يصبح شاعراً حقاً ولكن بقية اليوم فهو إنسان عادي وربما أقل من عادي. لا يمكن أن تكون شاعراً طيلة الوقت يا بول فيني. مستحيل. هذه صورة خاطئة عن الشعر والشعراء.
ثم يصفه بول فيني على النحو التالي: كان رينيه شار كريماً إلى أقصى الحدود، وكان جذاباً إلى أقصى الحدود. ولكن العيش معه كان شيئاً مستحيلاً لا يطاق تقريباً. لماذا؟ لأن انفجارات غضبه كانت مشهورة كالرعد القاصف وتتطلب ساعات لكي تهدأ. ولكنه بعدئذ كان يعود إلى طبيعته الجميلة إنساناً سمحاً طيباً. لم يكن رينيه شار إنساناً شريراً ولا خبيثاً أبداً رغم عواصف الغضب التي قد تعتريه. وإنما كان العكس تماماً. وأما على المستوى الشكلي فقد كان ضخماً عملاقاً مثل ديغول. ولذلك أيضاً لقبوه بـ«ديغول الشعر» كما ذكرنا آنفاً.
أما عن ميشيل فوكو، الذي كان من جيله (1926 - 1984) وصديقه الحميم حتى نهاية حياته، فيقول عنه بول فيني ما معناه: كنت الشخص الوحيد «غير الشاذ جنسياً» من بين أصدقائه الخلص. ما عدا ذلك كلهم كانوا مثليين مثله. وكان يستقبلني في شقته الباريسية الفخمة عندما أجيء إلى العاصمة قادماً من الجنوب الفرنسي. وذلك لأني ظللت أسكن في منطقتي الأصلية وأعيش في قرية صغيرة بعيداً عن ضجيج العواصم. ولم أسكن باريس ولم أستقر فيها أبداً. ولكني كنت مضطراً للمجيء إليها لإلقاء دروسي في «الكوليج دو فرانس». وعندئذ كنت أنزل عنده ويقدم لي الطعام والشراب مجاناً. كنت ضيفاً معززاً مكرماً في شقته الرائعة الواقعة في وسط باريس. والواقع أنه كان شهماً وكريماً جداً أيضاً مثل رينيه شار. ولكن مشكلته أنه كان ينتمي إلى التيار الشكوكي الارتيابي في الفلسفة. كان يقول لي مثلاً ما يلي: انظر إلى الوراء يا بول فيني، انظر إلى التاريخ، إلى الماضي. ماذا تلاحظ؟ تلاحظ أن ماضي البشرية كله ليس إلا «مقبرة ضخمة من الحقائق الميتة». بمعنى أن ماضي البشرية ما هو إلا سلسلة متلاحقة من المعايير المختلفة واليقينيات المتغيرة من عصر إلى عصر. فما كان سائداً في العصور الوسطى من حقائق ويقينيات أصبح باطلاً ولاغياً في العصور الحديثة. بمعنى أن ما هو حقيقة اليوم قد يصبح خطأ غداً ويتم تجاوزه. وهكذا دواليك... لقد وصلت الحياة مع الكائن البشري إلى مخلوق مقدر له أن يتيه ويخطئ إلى ما لا نهاية، دون أن يتوصل إلى حقيقة يقينية راسخة وثابتة.
ثم يعلق بول فيني على كلام فوكو قائلاً: إن فكر فوكو ليس إلا وصفاً لما اعتقده البشر ومارسوه كحقائق مطلقة في كل فترة من فترات تاريخهم. نقصد ما اعتقدوا أنه حقيقة عن الجنس مثلاً، أو الجنون، أو المراقبة والعقاب، أو أنظمة الحكم، إلخ... إنه وصف حيادي، موضوعي، بارد. وهذا يعني أن فوكو لم يكن يعتقد بإمكانية وجود ثوابت تاريخية. لا توجد حقائق ثابتة في نظره. وإنما فقط حقائق نسبية متغيرة من عصر إلى عصر. وهذا يعني أنه كان نسبوياً أو حتى عدمياً بمعنى من المعاني. ولكن هذا لا يعني أنه كان على صواب. قد يكون صحيحاً القول بأن تاريخ البشرية كلها ما هو إلا «مقبرة هائلة من الحقائق الميتة» ولكن ليس في كل المجالات. صحيح أن البشرية اعتقدت طيلة آلاف السنين أن الشمس هي التي تدور حول الأرض، وليس العكس، كما اكتشف كوبرنيكوس. وهذه حقيقة ضخمة هائلة أصبحت ميتة بعد أن كشف العلم الحديث عن أنها خاطئة تماماً. ولكنها طيلة العصور الوسطى كانت تفرض نفسها كحقيقة مطلقة لا يرقى إليها الشك. وصحيح أن العلم الحالي تجاوز أخطاء العلم السابق التي كانت بمثابة حقائق راسخة. كل هذا صحيح. ولكن في مجال القيم والأخلاق توجد ثوابت يقينية لا حقائق ميتة. ويوجد صح/ وخطأ، وحق/ وباطل، وحقيقة/ وأكذوبة، إلخ. ولا يمكن الشك مثلاً في أن الجنس الطبيعي بين الرجل والمرأة أفضل من الجنس المثلي الشذوذي. هذه حقيقة أنتربولوجية، أي إنسانية كونية، منذ بدء الخليقة وحتى اليوم. هذه حقيقة لا تتغير ولا تتبدل بتغير العصور والأزمان يا سيد ميشيل فوكو.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«مهرجان الجونة» يُرسّخ حضوره بالأفلام والجوائز ودعم صنّاع السينما

لقطة جماعية للمشاركين في ختام «الجونة السينمائي» (إدارة المهرجان)
لقطة جماعية للمشاركين في ختام «الجونة السينمائي» (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان الجونة» يُرسّخ حضوره بالأفلام والجوائز ودعم صنّاع السينما

لقطة جماعية للمشاركين في ختام «الجونة السينمائي» (إدارة المهرجان)
لقطة جماعية للمشاركين في ختام «الجونة السينمائي» (إدارة المهرجان)

أسدل «مهرجان الجونة السينمائي» الستار على دورته التاسعة (15 - 23 أكتوبر / تشرين الأول 2026)، التي شهدت حضوراً كبيراً من نجوم السينما المصرية والعربية وصنّاع الأفلام من مختلف أنحاء العالم، فيما لُوحظ غياب نجوم السينما العالمية الذين اعتاد المهرجان استضافتهم وتكريم أحدهم بجائزة «إنجاز العمر»، كما في دوراته السابقة، على غرار فورست ويتكر، وسيلفستر ستالون، إلى جانب الاحتفاء بالممثلة كيت بلانشيت.

وأكّد ذلك مدير المهرجان عمرو منسي، في كلمته خلال حفل الختام، إذ قال: «إننا لن ندفع أموالاً لجلب نجوم من الخارج، لا سيما بعدما رسّخ المهرجان حضوره». وأشار إلى أنه لمس تسابق الجمهور إلى مشاهدة الأفلام، بدلاً من حضور الحفلات، وهو ما يستهدفه المهرجان منذ دورته الأولى، وفق قوله.

وفي دورة غاب عنها مؤسِّس المهرجان رجل الأعمال نجيب ساويرس، تمهيداً للدفع نحو استقلال المهرجان وتولّي جيل جديد من العائلة قيادته بعد دورته العاشرة، قال شقيقه مؤسِّس مدينة الجونة سميح ساويرس، خلال حفل الختام: «إن المهرجان يبدو مثل طفل شبّ ولم يعد بحاجة إلى رعاية أبوية، والعام المقبل سنحتفل بالدورة العاشرة، وهو ما يثبت أنّ أنفاسنا طويلة، ولا نحبّ المشروعات سريعة النجاح».

محمد حماد وفريق «خروج آمن» الفائز بذهبية «الجونة» لأفضل فيلم روائي طويل (إدارة المهرجان)

وإلى جانب احتفائه بالتجارب السينمائية المُلهمة التي ينفرد بعرضها، والفعاليات التي تثير نقاشاً وتفاعلاً بين صنّاع الأفلام العرب والأجانب، يعزّز المهرجان حضوره على مدى دوراته بدعم صنّاع الأفلام العرب عبر منصة «سيني جونة»، التي بلغت قيمة جوائزها لمشروعات الأفلام العربية في مرحلتَي «التطوير وما بعد الإنتاج» نحو 350 ألف دولار أميركي، استفاد منها 16 مشروعاً هذا العام من مختلف الدول العربية.

وشهدت الدورة التاسعة عرض نحو 77 فيلماً من مختلف دول العالم، من بينها 13 فيلماً في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، و10 أفلام في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة، و19 فيلماً في مسابقة الأفلام القصيرة. وكشفت مسابقة الأفلام الروائية عن استقطاب المهرجان أفلاماً تتّسم بتنوّع لافت، تتقاطع فيها أسئلة الحرب والمنفى والعزلة والعنف الاجتماعي.

وتتجاوز مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة تسجيل الوقائع إلى طرح أسئلة عمّن يملك حق رواية الحكاية، وكيف تتحوّل الكاميرا إلى أداة لمواجهة النسيان وتوثيق الوقائع.

المخرج رشيد مشهراوي يتسلّم جائزتَي فيلم «المواطن أسامة» (إدارة المهرجان)

ويصف الناقد العراقي كاظم السلوم، الذي شارك في لجنة تحكيم جائزة «نيتباك» للأفلام الآسيوية، أفلام هذه الدورة بأنها «جيدة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه ليس من السهل على أيّ مهرجان أن يُقام بهذه الجودة منذ دورته الأولى عام 2017. وأشار إلى أنّ أفلاماً بعينها لفتت نظره، منها الفيلم اللبناني «البارح العين ما نامت»، الذي يتناول قهر النساء في المجتمعات الذكورية، والفيلم الهندي «دمية العجل»، الذي يتناول معاناة المهمّشين في الهند.

ويلفت السلوم إلى تنوّع الأفلام في المسابقتين الوثائقية والروائية، وعروض الأفلام القصيرة، ومن بينها الفيلم السعودي «ولد الحجية»، الذي يعتمد على فكرة بسيطة تتناول مدى ارتباط الأطفال بجدّاتهم، مشيداً بتركيز المهرجان على الأفلام وحُسن تنظيم عروضه.

وتتجلّى خصوصية مسابقة الأفلام القصيرة في تنوّع جغرافي وفنّي يضع الحكايات المحلّية ضمن أسئلة إنسانية أكثر رحابة. ويلفت الناقد المصري عصام زكريا إلى أنّ «تقييم الأفلام مسألة نسبية»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنّ «دورة الجونة التاسعة قدَّمت مجموعة من الأفلام الجيدة، من بينها أعمال حازت جوائز دولية كبرى». وأشار إلى أنّ المسابقة شهدت أعمالاً روائية متميّزة، مثل «أرض الآباء» و«روز»، إلى جانب أفلام عربية جديدة، منها «البارح العين ما نامت» و«حليمة» و«خروج آمن»، وكذلك الفيلم الوثائقي الياباني «فجأة»، الذي يمتدّ لساعات من دون أن يثير الملل، وفق قوله.

ويرى زكريا أنه «من ناحية الأضواء والبريق واللوجستيات، قد لا تكون هذه الدورة مثل السابقة، لكن من ناحية الأفلام، هناك مجموعة من الأفلام المتميزة والمهمّة».

وحقّقت السينما العربية حضوراً لافتاً في جوائز مسابقات المهرجان الثلاث. ففي مسابقة الأفلام الروائية، فاز الفيلم المصري «خروج آمن»، للمخرج محمد حماد، بجائزة «نجمة الجونة الذهبية» لأفضل فيلم، وفازت الفنانة الأردنية ركين سعد بجائزة «أفضل ممثلة» عن فيلم «بومة». وحصد الفيلم اللبناني «البارحة العين ما نامت»، للمخرج ركان مياسي، جائزة أفضل فيلم عربي طويل، فيما حاز فيلم «كلّ العشاق في الليل»، للمخرجة يوكيكو سودي، «نجمة الجونة الفضية».

بينما فاز الفيلم الإيراني «قليل من النور»، للمخرج علي أصغري، بـ«نجمة الجونة البرونزية»، وحاز الممثل جوفان جينيك جائزة أفضل ممثل عن دوره في الفيلم الصربي «بعد ثلاثة أسابيع»، فيما حصل الفيلم المغربي «حليمة» على تنويه خاص.

الفنانة الأردنية ركين سعد تحصد جائزة «أفضل ممثلة» عن دورها في فيلم «بومة» (إدارة المهرجان)

وفي مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة، فاز الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة»، للمخرج أحمد حسونة، بجائزة «نجمة الجونة الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي، كما حصد جائزة أفضل فيلم وثائقي عربي. وتسلّم الجائزتين منتج الفيلم، المخرج رشيد مشهراوي، الذي أهداهما إلى الصحافيين الفلسطينيين الذين استهدفتهم قوات الاحتلال، والبالغ عددهم 250 صحافياً. في حين حاز فيلم «همسات في مايو» من هونغ كونغ الجائزة الفضية، والفيلم الإيطالي «حرب على النساء» الجائزة البرونزية.

وفي مسابقة الأفلام القصيرة، حاز فيلم «ذكريات مسروقة»، وهو إنتاج نرويجي سويدي مشترك، جائزة «نجمة الجونة الذهبية» لأفضل فيلم، وحصل فيلم «لا أحد يعرف العالم» من بيرو على الجائزة الفضية، فيما حاز الفيلم المصري «الخبيث»، للمخرج جاد شاهين، الجائزة البرونزية. وفاز الفيلم اللبناني «يوماً ما ولد»، للمخرجة ماري روز أسطا، بجائزة أفضل فيلم عربي قصير، فيما نال فيلم «كنتاكي غزة»، للفلسطيني عمر رمال، تنويهاً خاصاً من لجنة التحكيم.

وإذا كان حفل افتتاح الدورة التاسعة قد غابت عنه البهجة، فقد عوَّضها حفل الختام، الذي قدّم تحية إلى الموسيقار الراحل هاني شنودة، غنَّت خلالها منى عزيز، مطربة فرقة «المصريين»، أغنية «ماشية السنيورة». كما قُدّمت أغنية جماعية مصوّرة بعنوان «سيدي يا سيدي»، بمشاركة المطرب محمد الشرنوبي وياسمين العبد وجميع نجوم الجونة.


موسم دراما رمضان المقبل يطوي خلافات فنانين مصريين

مسلسل «تمكين» يجمع ياسمين صبري ومحمد سامي وعمرو سعد (حساب عمرو سعد على «فيسبوك»)
مسلسل «تمكين» يجمع ياسمين صبري ومحمد سامي وعمرو سعد (حساب عمرو سعد على «فيسبوك»)
TT

موسم دراما رمضان المقبل يطوي خلافات فنانين مصريين

مسلسل «تمكين» يجمع ياسمين صبري ومحمد سامي وعمرو سعد (حساب عمرو سعد على «فيسبوك»)
مسلسل «تمكين» يجمع ياسمين صبري ومحمد سامي وعمرو سعد (حساب عمرو سعد على «فيسبوك»)

من المقرر أن يشهد الموسم الدرامي الرمضاني المقبل «تجمعات فنية» كانت بعيدة عن توقعات الجمهور الذين عاصروا أحداث «التلاسن والتراشق» الإعلاميين بين أبطال أبرزهم ياسمين صبري ومحمد سامي من ناحية، وباسم سمرة ومحمد رمضان من ناحية أخرى.

ومن عبارة محمد سامي الشهيرة لياسمين صبري «إن شاء الله ما عجبك» بعد انتقادها نهاية مسلسل «الأسطورة»، الذي شهد اجتماعهما قبل 10 سنوات، وإعلانها عدم العمل معه مجدداً مهما كان حجم المشروع الفني وقيمته؛ يبدو أن موسم دراما رمضان المقبل سيكون فرصة لـ«سد الفجوات» وإنهاء الخصام، بعد إعلان مشاركة ياسمين في مسلسل «تمكين» من إخراج محمد سامي.

ومن سخرية لاذعة وسجال على الهواء، بعد انتشار مقطع فيديو للفنان باسم سمرة وهو يدفع محمد رمضان في إحدى المناسبات الشعبية، وتعليق رمضان على الواقعة بأن سمرة «لم يكن في وعيه»، ورد باسم سمرة بدعوة محمد رمضان إلى الوقوف أمامه في فيلم روائي قصير ويكون الحكم للجمهور حينها على أدائهما؛ قلب إعلان مشاركتهما في مسلسل «عشماوي» كل الموازين، وعاد خصما الأمس ليجتمعا في عمل واحد، وتحول الخلاف الذي كان حديث «السوشيال ميديا» إلى تعاون فني مرتقب.

لم تقتصر «القطيعة الفنية» على الممثلين فقط، لكنها طالت التعاون الإنتاجي بعد انتشار أخبار تفيد بوجود مشكلات إنتاجية بين محمد رمضان والمنتج صادق الصباح بعد تقديمهما مسلسل «ابن حلال» قبل 12 عاماً، الذي حقق حينها نجاحاً لافتاً، وكان بداية الانطلاقة والبطولة الدرامية لـرمضان، لكن التعاون لم يتكرر بعكس التوقعات، حتى جاء «عشماوي» ليفتح صفحة إنتاجية جديدة.

محمد رمضان وباسم سمرة في «عشماوي» (حساب باسم سمرة على «فيسبوك«)

وفي السياق، تعود الفنانة غادة عبد الرازق إلى العمل مع المنتج ممدوح شاهين في مسلسلَين خلال رمضان، هما «روح وجسد» و«خيوط من ذهب»، رغم ظهوره الإعلامي أخيراً، ووصفها بأنها «مزعجة».

وتتنوع خلافات الفنانين عادة بين أولوية تصدّر «الملصقات الترويجية»، و«ترتيب الأسماء»، وعدم الالتزام بمواعيد التصوير، و«قيمة الأجر»، و«قص المشاهد»، وغيرها من «المناوشات الفنية».

وأجمع نقاد، خلال حديثهم لـ«الشرق الأوسط»، على أن تنحية الخلافات جانباً والتعاون الفني مجدداً بعد خصام أمران طبيعيان، ويندرجان تحت بند «المصالح تتصالح»، إذ أكد الناقد الفني عماد يسري أن «الخلافات الفنية موجودة في الوسط منذ سنوات طويلة وبأشكال مختلفة، وتنحيتها جانباً يمكن أن ينتج دراما جماهيرية، وإضافة لأطراف عدة بالعمل، وإعادة اكتشاف لموهبة ربما لن تظهر إلا بوجودهما معاً».

بدوره، يرى الناقد الفني طارق الشناوي أن «الخلافات جزء حميم من الحياة الفنية، ولا يمكن فصلها في ظل التنافس والدائرة المشتركة التي تؤدي إلى وجود مشكلات وصراعات»، مضيفاً: «لدينا مثل شهير ينطبق على مجالات عدة، وهو أن (المصالح تتصالح)».

ومن أشهر الخلافات الفنية المعلنة في الوسطَين الفني والإعلامي كان خلاف عادل إمام ونور الشريف مع نادية الجندي، فالأول شاركها بطولة فيلم «خمسة باب»، ولم يكرر التعاون مجدداً رغم مشوارهما السينمائي الطويل، بسبب حديث عن خلافات في كواليس التصوير، وتناول أسباب «منع الفيلم» حينها من العرض، أما خلافها مع نور الشريف الذي دفعه إلى عدم التعاون معها مطلقاً طوال مسيرته فكان بسبب استبعاده من المشاركة في أحد أفلامها بعد تحضيراته، بحجة أنه لا يليق بالشخصية، إلى جانب الخلاف الشهير بين عبد الوهاب وأم كلثوم، والعودة إلى العمل معاً.

من جانبها، أكدت الناقدة الفنية الدكتورة آمال عثمان «أن الوسط الفني شهد خلافات كثيرة وصلت إلى حد التراشق والتلاسن في العلن وفي الكواليس»، مضيفة: «شاهدنا طي صفحات كثيرة من الخصام، فالمبادئ تتغير أحياناً، وهذا لا يعيب ولا يقلل من قدر أحد». وتابعت: «هناك فارق بين الخصومة الشخصية والخصومة الفنية، والأخيرة يمكن إنهاؤها وزوالها سريعاً ما دام العمل الذي يمكن أن يجمعهما موجوداً».


توم هانكس يعود للمسرح بقصة عن الحب عبر الزمن

توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)
توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)
TT

توم هانكس يعود للمسرح بقصة عن الحب عبر الزمن

توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)
توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)

بعد غياب 14 عاماً عن المسرح يعود النجم الأميركي توم هانكس إلى مسارح برودواي بمسرحية من تأليفه تحمل عنوان «عالم الغد». ووفقاً لتقرير موقع «ديدلاين»، سيتعاون هانكس مع كيلي أوهارا، وهي ممثلة مخضرمة في برودواي، وحائزة على جائزة توني عام 2015 عن إعادة تقديمها لمسرحية «The King and I» في المسرحية التي ستُعرض على مسارح برودواي في خريف عام 2027.

يعود الثنائي إلى المسرح معاً بعد نجاح عرض المسرحية خارج برودواي في مسرح «ذا شيد» بنيويورك عام 2025. شارك هانكس في كتابة المسرحية مع جيمس غلوسمان، وسيتولى الإخراج كيني ليون، الحائز على جائزة توني عن إحياء مسرحية «A Raisin in the Sun» عام 2014.

توم هانكس كيلي أوهارا في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (مسرح شيد)

تدور أحداث «عالم الغد» حول بيرت ألينبيري، رجل يعيش في أواخر القرن الحادي والعشرين، يسافر عبر الزمن ليعود إلى يوم واحد في معرض نيويورك العالمي عام 1939 في كوينز، على أمل تغيير مستقبله. ومن خلال هذه الرحلات المتكررة، يكتشف بيرت كيف يمكن لخيارات الناس في الحب أن تُشكّل حياتهم وتفتح أمامهم أبواباً لفرص جديدة.

تستوحي المسرحية أحداثها من قصص قصيرة من مجموعة هانكس القصصية «Uncommon Type» الصادرة عام 2017. يؤدي هانكس دور بيرت، بينما تجسد أوهارا شخصية كارمن، المرأة التي يلتقيها خلال رحلاته.

وفي بيان له، قال المخرج كيني ليون: «أنا متحمس للغاية لمواصلة العمل على هذه المسرحية الأميركية الجديدة الرائعة. لا يوجد وقت أفضل من الآن لاستكشاف قصة الحب والسفر عبر الزمن هذه من غلوسمان وهانكس. أكثر ما أتطلع إليه هو أن يحظى المزيد من الجمهور بفرصة مشاهدة التناغم الرائع بين كيلي أوهارا وتوم هانكس على خشبة المسرح»، كما رحب المنتج برايان أنتوني مورلاند بانتقال المسرحية إلى برودواي، واصفاً تقديمها لجمهور أوسع بأنه شرف كبير، ومسلطاً الضوء على رسالتها عن الحب عبر الزمن.

وفي حديثه مع مجلة «بلايبيل» خلال عرض المسرحية العام الماضي، ناقش هانكس محاورها الرئيسية عندما سُئل عن معناها قائلاً: «لو لم يذهبا إلى المعرض العالمي عام 1939، لما التقيا بحب حياتهما. وأقول لكم الآن، حتى أنتم تمرون بلحظات كهذه في حياتكم. هذا هو جوهر دراسة التاريخ. لطالما أذهلني ذلك الجانب الغريب من السلوك البشري الذي يقول: لا تحدث الأشياء إلا عندما تكون في المكان المناسب في الوقت المناسب، ولا تدري إن كنت في المكان المناسب أو إن كان الوقت مناسباً للوجود هناك - فالتاريخ هو الذي يقرر ذلك نيابةً عنك. وأعتقد أن هذا أمرٌ رائع».

كان آخر ظهور لهانكس على مسارح برودواي في مسرحية «Lucky Guy»، حيث رُشِّح لجائزة توني عن أدائه فيها. سيشهد إنتاجه القادم أول ظهور له على مسارح برودواي منذ أكثر من 14 عاماً. كما أنه سيؤدي دور أبراهام لينكولن في مسرحية «لينكولن في الباردو»، وهي عمل يجمع بين التمثيل الحي وتقنية إيقاف الحركة، مقتبس من رواية جورج سوندرز.