إلسا مورانته وألبرتو مورافيا... علاقة متهاوية لم تفلح في إنقاذها مئات الرسائل

تعارض شبه فصامي بين حياته العاطفية وأدبه الإباحي

إلسا مورانته  -  مورافيا في مكتبه
إلسا مورانته - مورافيا في مكتبه
TT

إلسا مورانته وألبرتو مورافيا... علاقة متهاوية لم تفلح في إنقاذها مئات الرسائل

إلسا مورانته  -  مورافيا في مكتبه
إلسا مورانته - مورافيا في مكتبه

«أنت مثل الأطفال، تجري وراء كل الأشياء، قبل أن تعود إلى مكانك وتهرب من جديد. كل أولئك النساء لسن سوى لا شيء. لا أحد يحبك، والأكيد أن أحداً لن يحبك بالفعل»، قد يكون هذا الجزء من الرسالة التي بعثت بها إلسا مورانته إلى الكاتب الإيطالي الشهير ألبرتو مورافيا عام 1938، أي بعد سنتين اثنتين من تعارفهما، هو التعبير الأبلغ عن الترنح السريع لعلاقتهما العاطفية من جهة، وعن الطبع العصبي والقسوة المفرطة اللذين ميزا شخصية مورانته من جهة أخرى. صحيح أن مورافيا كان محاطاً في تلك الفترة بالكثير من المعجبات، وأن علاقته بالرسامة البلجيكية ليلو فيو، لم تكن خافية على أحد، ولكن الصحيح أيضاً أنه شغف بإلسا منذ لقائهما الأول، وأن زواجه منها بعد سنوات لم ينقص بأي حال من منسوب ذلك الشغف المحموم، بل زاده توهجاً واضطراماً، فيما راحت من جهتها تضرب بمشاعره عرض الحائط، باحثة عن ضالتها العاطفية خارج سريرها الزوجي.
ولد ألبرتو بنكيرليه، وهو الاسم الأصلي لمورافيا، في العاصمة الإيطالية روما عام 1907 لعائلة ميسورة الحال، حيث كان والده كارلو بنكيرليه، المتحدر من البندقية، رساماً ومهندساً معمارياً ومهتماً بالأدب. ولعل إصابة ألبرتو بسل العظام وهو بعدُ في العاشرة، واستعانته اللاحقة بالعكاز، هي الحادثة الأكثر تأثيراً على حياته بكاملها، حيث اضطر إلى الاكتفاء بالشهادة المتوسطة قبل أن يترك مقاعد الدراسة بشكل نهائي. إلا أن ذلك الحدث لم يمنعه بأي حال من التهام كل ما يقع بين يديه من كتب ومؤلفات، حيث قرأ بإمعان أعمال دانتي وشكسبير وبودلير ورامبو وفرويد وكافكا وبروست وإليوت ودوستويفسكي، مبدياً إعجاباً خاصاً بهذا الأخير. على أن الموهبة الواضحة التي تمتع بها الكاتب منذ يفاعته، لم تشفع له لدى الناشرين الذين رفضوا نشر باكورته الروائية «اللامبالون»، بدعوى أنها «ضباب من الكلام»، قبل أن تحقق إثر نشرها عام 1929 نجاحاً منقطع النظير.
أما إلسا مورانته، التي التقى بها مورافيا عام 1936، بوساطة من الرسام كابو غروسي، فلم تكن بعيدة بالمقابل عن عالم الكتابة الأدبية، إلا أنها لم تحقق شهرتها الواسعة إلا بعد مرور سنوات عدة على ارتباطها بصاحب «الانتباه». ومع أن مورافيا قد شعر بانجذاب خاص إلى مورانته منذ لقائهما الأول، إلا أن ذلك لم يمنعه من تقديم بورتريه دقيق لملامحها وشخصيتها «المحيرة»، إذ يقول «كانت تعيش وحدها وتموت من الوحدة والجوع. كان شعرها أبيض منذ مراهقتها. وهو يشبه نبتة فطر كبيرة معلقة على وجه مستدير. وكانت مصابة بقصر النظر، ولها عينان جميلتان ونظراتها حالمة مثل نظرات قصيري النظر. أما فمها فكان كبيراً ويوحي بالدلع، ووجهها طفولي».
على أن انضواء مورافيا ومورانته في مؤسسة الزواج، سرعان ما أماط اللثام عن التباينات الكثيرة التي تفصل بين الطرفين. ومع أن ألبرتو قد زعم، في رسائله إلى زوجته، التي جمعتها أليساندرا غرانديليس تحت عنوان «بمجيئكِ قد تكتمل سعادتي»، ونقلها إلى العربية نبيل المهايني، بأنه أحب مورانته ولكنه لم يقع في غرامها، إلا أن من يمعن النظر في الرسائل، سيكتشف بشكل ملموس مدى الحب الجارف الذي كان يكنه الكاتب للمرأة التي اقترن بها، وكيف أنه على امتداد علاقتهما الصعبة ظل يطالبها بما يشبه التوسل، بأن لا تتركه وحيداً إلى مصيره القاتم. واللافت في الأمر أن كلا الطرفين راح في الفترة السابقة على الزواج يرشق الآخر بالتهم نفسها، محملاً إياه المسؤولية الكاملة عما يعترض علاقتهما من مصاعب. فمورافيا يعترف لصديق له بحبه لإلسا، لكنه لا يتوانى عن اتهامها بالأنانية والغيرة، قبل أن يضيف قائلاً «أرجوك أن تدرك أنني قادر على الاحتفاظ بحبي لها، ما لم تكن أنانية بهذا الشكل. أنا أعرف كم الحب مهم بالنسبة للرجل، ولكن ما يهمني أيضاً هو الحفاظ على نفسي دون أي قيد، وأني أفضل النوم على قارعة الطريق، على أن أنام على سرير من العذاب».
أما إلسا مورانته، فلا تتوانى عن انتقاد مورافيا الذي يسرف في تلميع صورته على حسابها، حيث تكتب في مذكراتها بأنه «مزيج من أخيل وهاملت»، ثم تضيف قائلة: «إنه يسافر إلى باريس من أجل انتصاراته الشخصية. وأنا؟ إني أعاني من وحدة رهيبة، إني أنهار». لكنها لا تتردد من ناحية أخرى في إظهار غيرتها من نجاحاته، فتكتب في رسالة أخرى: «كم أرغب في أن أكون قد كتبتُ كل ما كتبتَه أنت. كما أنني أرغب رغبة شديدة في أن أكون أنت». غير أن تلك البداية الصعبة للعلاقة لم تمنع الطرفين من تجاوز مخاوفهما المتبادلة، واتخاذ قرارهما النهائي بالزواج عام 1941، حيث يعترف الزوج بأنه اكتفى بشراء باقة الزنبق، فيما لم تكن العروس تملك المال لشراء خاتم الزفاف.
غير أن فترة الصفاء الوادعة التي حكمت العلاقة بين الطرفين لم تتجاوز السنتين الأوليين من الزواج، حيث أمكن للعواطف «الطازجة» وحدها أن تتكفل بتجاوز المصاعب الناجمة عن ضيق ذات اليد وتواضع المنزل الزوجي، وحيث كان الزوجان يسيران مغتبطين في شوارع روما. وفيما كانت إلسا تجر قطاً سيامياً بواسطة الجنزير، كان ألبرتو يسير إلى جانبها وقد وضع بومة على أحد كتفيه. والأرجح أن ما ساعد الزوجين على إطالة فترة التفاهم والانسجام، لم يكن الحب وحده، بل مطاردتهما الشرسة من قبل النظام الفاشي الذي كان آنذاك في ذروة استشرائه، والذي وضعهما بسبب مواقفهما المنددة ببطشه على قائمة المطلوبين. ووفقاً للمثل القائل «رب ضارة نافعة»، فقد تبين أن فترة الهروب إلى قرية مالابارته النائية، قد بدت على شظفها، فردوس مورافيا المفقود، والفترة الوحيدة التي حظي فيها مع زوجته بالهدوء والسعادة الحقيقية والبعد عن المنغصات.
ومع أن شغف مورافيا الشديد بسيغموند فرويد وفتوحاته المعرفية المتعلقة بعلم النفس، قد قاده على المستوى النظري إلى اعتبار الحب «نوعاً من المرض، وتوسعاً غير عادي للأنا»، فإن ما يستوقفنا في هذا المجال هو أن إلسا هي التي استثمرت بمكر واضح نظرية زوجها المتعلقة بثقل المؤسسة المرهق وحاجة طرفيها إلى الحرية، لتدخل في غير علاقة غرامية، غير آبهة بمشاعر صاحب «السأم»، الذي لم يسأم رغم الطعنات المتلاحقة، من محاولة استعادة الزوجة الحرون، التي أشاحت بقلبها عنه. ومن المفارقات الغريبة أيضاً، أن يكون أحد أكثر كتاب الغرب إباحية، وصاحب روايتي «أنا وهو» و«امرأة من روما»، الذي اتهمه الفاتيكان بالفحش وترويج الرذيلة، مطالباً بمنع العديد من أعماله، هو في الوقت ذاته العاشق الموله، الذي ظل على امتداد ثلاثة عقود ونصف العقد يطارد زوجته بالرسائل، حتى أثناء هجرها له وارتمائها في أحضان سواه. في حين تقع إلسا في غرام المخرج السينمائي لوكينو فيسكونتي عام 1949، لم يعمد الزوج رغم تعاسته إلى تقريعها، بل راح يحدثها عن الكوابيس التي كانت تداهمه في ليل مكابداته الطويل. وحين دخلت في علاقة أخرى عاصفة مع الرسام الأميركي الشاب بيل مورو، إثر زيارتها إلى نيويورك عام 1959، لم تُظهر لزوجها، الذي لم يعمد إلى تطليقها أبداً، أي شعور بالذنب. لا بل إنها ذهبت إلى أبعد من ذلك، حين اتهمت مورافيا بأن معاملته الفظة لمورو، كانت واحدة من الأسباب التي عجلت في موته المفاجئ إثر نوبة قلبية حادة.
«الزواج من الأدباء ليس إلا آفة»، كتبت إلسا لإحدى صديقاتها عام 1945، أي بعد سنوات أربع على ارتباطها الرسمي بمورافيا، متناسية أن هذا القول لا يصيب زوجها وحده، بل يصيبها أيضاً في الصميم، وهي الكاتبة المرموقة التي لقيت أعمالها الأدبية والروائية مثل «أكاذيب وشعوذات» و«التاريخ»، نجاحاً باهراً في الأوساط الثقافية الإيطالية. كما لقي كتابها «العالم الذي تم إنقاذه من الصبية»، الذي تنتقد فيه بشكل لاذع ثورة الطلاب الشهيرة عام 1968، ردود فعل واسعة ومتباينة على المستويين الأوروبي والعالمي. وقد يكون الموقف السلبي من تلك الثورة، أحد القواسم القليلة التي جمعت بين الزوجين المتباعدين، خصوصاً أن مورافيا قد وضع ما يجري في إطار الصراع الضاري بين الأجيال، متهماً جيل الشبان بأنه يتعامل مع الأجيال التي سبقته من منطلق النبذ والإلغاء، وكأنها «لم توجد البتة».
ولعل أكثر ما يلفت في رسائل مورافيا إلى زوجته، هو إصراره الدائم على أن يتجرع كأس تنكرها له بأقصى ما يملك من الصبر والأناة. ومع أنه كان أحد أكثر كتاب العالم شغفاً بالسفر، وشبيهاً بعاصفة لا تهدأ، فإن ذلك لم يساعده على نسيان إلسا، بل كان يكرر في رسائله لها عبارات من مثل «أنا لا أستطيع الحياة من دونك»، أو «لا أريد الانفصال عنك، وأنت أكثر الذين أحببتهم في العالم». وحين قررت الانفصال النهائي عنه، بعد وفاة مورو، ظل يذيل تواقيعه على الرسائل بعبارة «حبيبك ألبرتو»، أو ما شابهها. ومع أن يأسه من عودة مورانته قاده إلى البحث عن ضالة عاطفية بديلة مع الكاتبة داتشا مارييني، إلا أن ذلك لم يخفف أبداً من ألمه الممض ووحشته المتمادية. والأدل على ذلك أنه أثناء رحلة له إلى أفريقيا بصحبة داتشا وبازوليني، يكتب لإلسا «كنت أشعر في روما بحزن رهيب، وأشعر هنا أيضاً في آخر العالم كلما فكرت بك. إنني لا أستطيع تحمل عباراتك القائلة (لا أبداً، وعلى الإطلاق). لقد انقضى من حياتنا ثلثاها، وفي هذه العبارات طعم الموت. وهذه هي المرة الأولى التي أفكر فيها بالموت».
لم يمت مورافيا من الحب بالطبع. لكن قيام إلسا بمحاولة للانتحار نجت بأعجوبة منها، ليس أمراً بلا دلالة، لأنه كشف بشكل ملموس عن هشاشتها المستترة خلف قناع ظاهري من الصلابة. ومع ذلك فإن نجاتها من الانتحار لم توفر لها ملاذاً من الموت طويل الأمد، حيث لم تلبث أن قضت بنوبة قلبية بعد سنتين اثنتين من تلك الحادثة. أما صاحب «العصيان» فقد آثر التحامل على جراحه ليتزوج، بعد انفصاله عن داتشا مارييني، من الكاتبة كارمن لليرا عام 1986، التي اتصلت به لإجراء مقابلة مطولة لصالح إحدى الصحف، ثم رافقته بعد ذلك حتى لحظة رحيله عن هذا العالم عام 1990.
لن يُعثر فيما بعد على الرسائل التي كتبها مورافيا إلى لليرا، والتي جرى تمزيقها لأسباب غامضة. لكن رسائله إلى إلسا مورانته ستظل شاهداً حياً وبالغ الدلالة على الثلم العميق الذي تركه في قلب الكاتب، سعيه المستحيل لاستعادتها من براثن الفقدان. وإذا كانت إلسا بالنسبة له هي حبه الأعظم وخيبته الكبرى في الآن ذاته، فقد بدت من بعض وجوهها، الصورة الرمزية لمدينته روما، الساحرة والمتهالكة والمليئة بالتناقضات، التي وصفها بقوله «لم يعد بالإمكان التعرف إلى روما. روما لن تكون عاصمة أبداً. لقد كتبت عنها بوصفها مدينة للحب، لكنها تحولت إلى مكان للكراهية، وأنا بالتأكيد أعيش فيها كمدينة غريبة عني».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

قادة من «كرتون»... ترمب وبوتين وكيم وغيرهم في شخصيات رسوم متحركة

ترمب ومادورو وكيم وبوتين في شخصيات من الرسوم المتحركة (يوتيوب)
ترمب ومادورو وكيم وبوتين في شخصيات من الرسوم المتحركة (يوتيوب)
TT

قادة من «كرتون»... ترمب وبوتين وكيم وغيرهم في شخصيات رسوم متحركة

ترمب ومادورو وكيم وبوتين في شخصيات من الرسوم المتحركة (يوتيوب)
ترمب ومادورو وكيم وبوتين في شخصيات من الرسوم المتحركة (يوتيوب)

استقبل فلاديمير بوتين العام الجديد متخلياً لدقائق معدودة عن جدّيّته المعهودة وعن خطابه الحربي الصارم. اختار أن يطلّ في برنامج رسوم متحركة للأطفال، ليوجّه من خلاله المعايدة إلى الشعب الروسي.

بشخصية «كرتونيّة»، وبرفقة الكلب الشهير «شاريك» والقط المحبوب لدى أطفال روسيا «ماتروسكين»، دعا الرئيس الناس إلى تزيين شجرة العيد بأجمل الذكريات. وانخرط هو نفسه في اللعبة، قائلاً للكلب والقط إنه يعرف قريتهما المتخيّلة «بروستاكافاشينو»، وإن صيد السمك هناك ممتاز.

يدرك بوتين أنّ هذا النوع من الترويج هو جزء من استراتيجية «القوة الناعمة» التي يعتمدها القادة في اللحظات السياسية والوطنية الحرجة. لذلك، من المتوقع أن تكون تلك الإطلالة الخارجة عن المألوف للرئيس الروسي قد جرت بالتنسيق مع الكرملين.

ترمب «الكرتونيّ»

ليس فلاديمير بوتين القائد السياسي الأوحد الذي ظهر كشخصية رسوم متحركة. سبقه إلى ذلك كثيرون، من بينهم طبعاً دونالد ترمب الذي لا يوفّر أي شكلٍ من أشكال الفنون، خدمة لحملاته ودعماً لشعبيّته؛ من الرقص إلى الغناء، مروراً بالتمثيل، وليس انتهاءً بالرسوم المتحركة.

كثيرة هي النماذج الكرتونيّة التي استنسخت الرئيس الأميركي. وإذا كانت غالبيّتها الساحقة تثير غضبه بسبب محتواها النقدي المتهكّم، فإنّ واحداً منها حقّق جماهيرية غير مسبوقة، إلى درجة أن الرئيس نفسه أقرّ بشعبيّته واستشهد به أحياناً.

في سلسلة «Our Cartoon President» التي انطلق عرضها عام 2018، وضع الممثل والكاتب والإعلامي ستيفن كولبرت ولاية ترمب الرئاسية الأولى تحت مِجهره الساخر. تدور أحداث الرسوم المتحركة الكوميدية في البيت الأبيض ومراكز نفوذ أخرى في واشنطن؛ حيث تنقل بشكلٍ مضحك يوميات ترمب وعائلته وفريقه والإعلاميين المحيطين به.

يحوّل «Our Cartoon President» دونالد ترمب والمحيطين به إلى شخصيات كرتونية (يوتيوب)

صحيح أن «Our Cartoon President» خُصص بالكامل لترمب، إلا أنّ عدداً من الرؤساء الأميركيين الآخرين أطلّوا سريعاً من خلاله، مثل: بيل كلينتون، وباراك أوباما، وجو بايدن.

«سوبر شارِب»

حتى خصوم ترمب لم يوفّروا لعبة الكرتون. في أميركا اللاتينية، ليس من المستغرب أن يروّج الرؤساء لأنفسهم من خلال مسلسلات الرسوم المتحرّكة، فهذا تقليد يعود لسنوات. إلا أنّ الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو هو أكثر من وظّف تلك الوسيلة في خدمة مشروعه السياسي.

تحت عنوان «Super Bigote» أو «سوبر شارِب»، أطلّ مادورو على الفنزويليين والعالم نهاية 2021. ظهر في شخصية شبيهة بالبطل الخارق «سوبرمان» آتية لتخلّص فنزويلا من الأعداء، على رأسهم الإدارة الأميركية.

السلسلة التي ضمّت عدداً كبيراً من الحلقات، كانت تُعرض أسبوعياً على التلفزيون الفنزويلي الرسمي، وقد استمرت منذ 2021 وحتى سقوط مادورو. وقد أبدى الأخير حماسة كبيرة لـ«سوبر شارِب»؛ إذ دعا المتابعين إلى استخدام فلتر «إنستغرام» الخاص به، والتقاط صور لأنفسهم بهيئة تلك الشخصية.

وحتى عشيّة المواجهة الكبرى مع واشنطن، كان المسلسل يبعث برسائل سياسية واضحة؛ كأن يستبدل مادورو أو «سوبر شارِب» زيّه الأزرق والأحمر المعتاد بلباسٍ عسكري، استعداداً لأي مواجهة محتملة.

الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو بشخصية «سوبر شارِب» (يوتيوب)

كيم يتحوّل إلى طائرة

مَن أفضل من كيم جونغ أون في تجسيد شخصية رسوم متحرّكة؟

يشكّل رئيس كوريا الشمالية مادة دسمة بالنسبة لصنّاع المحتوى الكوميدي، وقد ألهمَ عام 2012 منصة «College Humor» الأميركية المتخصصة في الكوميديا التلفزيونية الساخرة. على مدى سنتين وعددٍ من المواسم والحلقات، يروي مسلسل «مغامرات كيم جونغ أون» حكايات متخيّلة عن القائد الكوري الشمالي وصديقه الروبوت.

لإضفاء مزيدٍ من السخرية، يدّعي المسلسل أنّ كيم نفسه هو من كتبه وأخرجه. والحلقات شبيهة بفيديوهات البروباغاندا والدعاية الشعبوية التي تبثّها كوريا الشمالية ترويجاً لقائدها.

يُصوَّر كيم على أنه بطل خارق، يحكم بلداً نموذجياً، وهو يستطيع الطيران وحتى التحوّل إلى طائرة حربية. يثير رعب أعدائه؛ ولا سيما الإدارة الأميركية وباراك أوباما. وغالباً ما يظهر إلى جانبه في الحلقات صديقه لاعب كرة السلة الأميركي دنيس رودمان، المعروف بعلاقته الوثيقة بكيم جونغ أون.

كيم البطل الخارق في «مغامرات كيم جونغ أون» (يوتيوب)

تعلّم اليوغا مع مودي

رئيس حكومة الهند ناريندرا مودي الذي سبق أن نشر كتاباً يروي طفولته من خلال الرسوم، لم يوفّر التقنيات الحديثة لمخاطبة شعبه، والترويج لنفسه بأسلوب غير تقليدي.

عام 2018، وبعد 4 سنوات من تسلّمه رئاسة الحكومة الهنديّة، ظهر مودي في فيديوهات ثلاثية الأبعاد، يعلّم فيها الحركات الأساسية في تمارين اليوغا، والتي تعود جذورها إلى بلده. ويُعدّ مودي سفيراً لليوغا في الهند وحول العالم، وهو الذي جعل منظّمة الأمم المتحدة تطلق يوماً عالمياً للاحتفاء باليوغا، في كل 21 من شهر يونيو (حزيران).

الملكة والدّب

حتى سيدة البروتوكول والجدّية والصرامة، الملكة إليزابيث، لم تستطع أن تقاوم إطلالة إلى جانب أظرف دببة بريطانيا وأشهرها على الإطلاق: «بادينغتون».

صحيح أنها لم تظهر في شخصية كرتونيّة، إلا أنها رافقت الدب المحبوب ضمن فيديو خاص باليوبيل البلاتيني للملكة على عرش بريطانيا عام 2022.

كانت إليزابيث في الـ96 من عمرها يوم شاركت «بادينغتون» جلسة شاي، وأخبرته عن حبها لسندويتشات المربّى، وضحكت لتصرّفاته الخرقاء وارتباكه أمامها.


الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.