سمير الفيل: أقابل أبطال قصصي في المقهى والشوارع الخلفية

قال إنه لا يكتب من أجل الجوائز ويحصل عليها عرضاً

سمير الفيل
سمير الفيل
TT

سمير الفيل: أقابل أبطال قصصي في المقهى والشوارع الخلفية

سمير الفيل
سمير الفيل

يعرف القاص المصري سمير الفيل خصوصية مدينته «دمياط»، وكيف تنفتح على شعرية المكان واللغة كميناء يطل على البحر المتوسط؛ فعلاوة على صناعة الحلوى تتمتع بشهرة عالمية قديمة في صناعة الأثاث، وبورشها المتنوعة وصنّاعها المهرة الذين يتشربون المهنة وأسرارها منذ الصغر، فيعرفون كيف يحولون قطعة من الخشب إلى تحفة فنية، تتقاطع فيها أوتار الحفر الغائر والبارز بأشكال ونسب شديدة الدقة والجمال. لم تفارق هذه الأجواء كتابات سمير الفيل في الشعر والرواية والمسرح، والقصة القصيرة التي تستحوذ على 21 مجموعة صدرت له.
هنا حوار معه حول أجواء هذا العالم وأثره في أعماله:

> لنعد إلى البدايات الأولى؛ إذ يبدو أنك عشت طفولة أدبية سعيدة؛ مما أثر على طبيعة كتابتك، وخاصة في بداياتك.
- ولدت عام 1951، في شتاء قارس، وبعد عام ونصف العام مات أبي، في السادسة تقريباً نزلت للعمل في ورش صناعة الأثاث التي تشتهر بها مدينة دمياط، وكان شيئاً سعيداً أن أنخرط في دولاب عمل أتفهم فيه الحياة، وأخطف بعض الدقائق للعب والمرح، أما يوم الجمعة فهو لي كاملاً، في الصيف نذهب بالمراكب الشراعية إلى مدينة رأس البر الساحلية المجاورة والتي كانت المصيف المفضل لأم كلثوم والطبقة الأرستقراطية في منتصف القرن الماضي.
وفي الشتاء نذهب لبحيرة المنزلة لصيد السمك، وأحياناً نذهب إلى غيطان «الميناء» لنصعد أشجار التوت والنبق والمخيط. على هذا النسق سارت حياتي ثم استقبلنا معلم الصف الأول فعلمنا الأبجدية وزراعة حقل خلف الفصل مباشرة. كان مدرسنا «رفعت قطارية» يغني: ذهب الليل، جاء الفجر.. والعصفور صوصو».
وكان مدرس آخر ينحت التماثيل في الحصص الخالية ونحن نساعده، ويشرح درس اللغة العربية في مزرعته قرب المدرسة حيث يربي أرانب «الشانشيلا». في الصف الرابع كتبت أشعاراً بسيطة مع زميلي، الشاعر والناقد فيما بعد، محمد علوش حاولنا نشرها في «مطبعة نصار»، لكن الرجل لم يزجرنا، بل منحنا قطعتين من نقود فضية، ونصحنا بالعودة إليه عندما نكبر!

> إلى أي حد لعب الشاعر عبد الرحمن الأبنودي دوراً في تقديمك إلى جمهور الشعر؟
- بدأت الكتابة عام 1968 وكانت كتاباتي تقع بين الشعر والسرد، غير أن صديقاً ناقداً هو أنيس البياع استدعى صديقه عبد الرحمن الأبنودي الذي أحيا لدينا في مدينة دمياط ثلاث ليال شعرية، كانت إحداها في «جرن قمح» ببلدة «كفر البطيخ»، حيث كانت تعسكر فيه كتيبة مقاتلة تابعة للجيش. هناك قدمني الأبنودي فحسمت أمري واتجهت لشعر العامية، في العام التالي فازت قصيدة «المطبعة» بشهادة تقدير في المؤتمر الأول للأدباء الشبان بالزقازيق.
> ما تأثير نكسة 1967 عليك وعلى أبناء جيلك على مستوى الوعي، فضلاً عن نظرتكم للأدب ذاته وجدواه ووظيفته؟
- كانت هزيمة مروعة زلزلتنا تماماً، كنت أنتقل من الصف الثالث الإعدادي إلى الصف الأول بمعهد المعلمين، فكرت في ضرورة العودة للشعر، وبالفعل كتبت قصائد عدة وانضممت إلى التجمع الأدبي في سن مبكر للغاية، كان عمري 17 سنة بالضبط، وجدت إشادة بما أكتب وتبناني العم الشاعر محمد النبوي سلامة وكان له ديوان «غنوة شقيانة» وله أغنيتان شهيرتان بالإذاعة «خد الجميل يا قصب» لعبد اللطيف التلباني، و«صباح الخير» لفريق الثلاثي المرح.
قدمني العم النبوي في مقهى شعبي، وكنت أمسك بالورقة ويدي ترتجف، لكن الحشد صفق للقصيدة واستدعاني أحد المسؤولين لمكتبه وأمر بشراء مكتبة قيمتها عشرون جنيها، وصلتني في كرتونتين، أغلب الكتب من سلسلتي «كتاب الهلال» و«اقرأ».
> تقول إن تحولك من الشعر إلى السرد القصصي تم بطريقة غير مقصودة ودون قرار منك، كيف كان ذلك؟
- كنت شاعراً معروفاً، أحضر الندوة الدائمة لشعراء العامية بمعرض القاهرة للكتاب مع قامات شهيرة مثل الأبنودي وسيد حجاب. بلا مقدمات كتبت القصة وفازت بجوائز متقدمة، لكن ما يفسر الموقف أن هناك من رأى في ديواني الأول «الخيول» خيطاً سردياً فحوّله لعرض مسرحي، هو «غنوة للكاكي»، وقد أحاط بالعرض بعض الهمهمات الغاضبة، لكن فطنة الدكتور أحمد جويلي - محافظ دمياط آنذاك – وجرأة محمد عبد المنعم ـ مدير فرع الثقافةـ سمحا باستمرار العرض لأسابيع عدة؛ ما يعني أن المادة الحكائية كانت مؤثرة وضاربة في عمق الوجدان العام.
> غزارة الإنتاج في القصة القصيرة (21 مجموعة منشورة و2 تحت الطبع) تشكل أحد ملامح تجربتك عموماً، ما هي مبررات هذه الغزارة ثم ألا تخشى أن تأتي الغزارة على حسب الجودة؟
- هذا طبع يغلبني، فحين أقبض على ناصية السرد انطلق في عملي خوفاً من العقم الذي صادفته في آخر عملين. أنا بالفعل أخشى التكرار وعدم الإجادة لذلك أخضع أعمالي للمراجعة الذاتية قبل النشر ما عدا مجموعة واحدة أفلتت مني قسراً، والعجيب أنها نالت جائزة مرموقة؟!
ـ ماذا عن «ثلاثين دقيقة» فارقة في حياتك عشتها مع الأديب الرائد يحيى حقي صاحب «قنديل أم هاشم»؟
- آه... هذا حدث في نهاية الثمانينات حين كنت أهبط سلم قصر الثقافة بدمياط ووجدت يحيى حقي جالساً في مكتب مدير القصر، أخذته من يده وسألته أن يحدثني عن الفارق بين القصة القصيرة والرواية فكان كلامه بسيطاً ومعبراً. أشبه بوصية حكيم مع نبرة أبوة تلمستها ونحن في طريقنا لموقف سيارات رأس البر حيث كانت وجهته. قال هامساً: انظر من ثقب الباب، ستقع عينك على حدث بعينه سارع بتدوينه ولا تخرج عن دائرة الرؤية، هذه هي القصة القصيرة. في الرواية افتح الباب على اتساعه وانزل نهر الشارع، واذهب كيفما شئت فهناك قماشة سردية تستوعب كل ما سوف تكتبه.
> ولدتَ وتعيش بمدينة ساحلية صغيرة هي مدينة دمياط بشمال مصر، ما هي الخصوصية التي تنطوي عليها تلك المدينة في عالمك الإبداعي؟
- دمياط كمدينة صناعية تشتهر بالأثاث والحلويات تهتم بالوقت، ولا تهدر وقتها بغير العمل، تعلمت منها أهمية فهمي لواقعي، وضرورة امتلاك الوعي؛ فهو ما يرشدني لمسارات فكرية وجمالية، وفي الوقت نفسه، علي طرد الأوهام والخرافة. عليك ككاتب ألا تسير مع الجموع بل تتخذ طريقاً لا يعرفها غيرك، الكتابة تحتمل هذه اللعبة الخطرة، أن تملك أفقاً لا يشاركك فيه غيرك.
> منذ تقاعدك من عملك مدرساً قبل عشر سنوات، يلعب المقهى دوراً مركزياً في حياتك، ما هي مبررات ذلك، وكيف انعكست على كتاباتك؟
- لم يكن الأمر مقصوداً، في عام 2011 وجدت نفسي خرجت للتقاعد، بعد أربعين عاماً من التدريس، قلت في نفسي: جرّب جلسة المقهى. بالفعل أصبحت لي طاولة في شارع جانبي بالمقهى، تحولت مع مرور الوقت إلى جلسة يومية مع زملائي ؛ لقراءة النصوص القصصية والقصائد الشعرية، وأحياناً نستضيف كاتب مسرح أو موسيقاراً، ورويداً رويداً عرف الكتاب بالجلسة، وفي الوقت نفسه جذبت أجيالا من الشباب.
هي جلسة ترتاح إليها النفس حيث لا جدران ولا تنافس مثير للحنق. لقد تعلمت من تلك الجلسة مراقبة الناس بشكل أكثر تركيزاً بدلاً من جولاتي السابقة في الأسواق والحدائق بحثاً عن حدث. يأتيني الآن أبطال قصصي حيث أجلس، وأحياناً في الشوارع الخلفية وربما في حكايات الناس الشفاهية.
> في السنوات الأخيرة، حصدت عدداً من الجوائز والتكريم مصرياً وعربياً، فهل يسعدك الأمر أم تراه جاء بعد فوات الأوان؟
- في كلمتي التي ألقيتها في «ملتقى الشارقة للتكريم الثقافي» قلت: لا يزال لدي بعض الوقت لأكتب أكثر؛ فبعد محطة عامين بعد السبعين أجدني مستعداً للتجريب من جديد وشحذ أدواتي فهناك وقت، وأنا أعني العبارة بكل أبعادها.
لا أكتب من أجل الجوائز، وإن كنت قد حصلت عليها عرضاً، الكتابة عندي موقف، وهي مدعاة للفرح حيث أحاول كل مرة فهم تدابير القدر، والاحتكام لمعنى صيرورة الحياة، والبقاء حياً، مؤثراً، تحت الشمس؛ فهذا في حد ذاته أمر يدعو للبهجة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

جهود مصرية لإنقاذ «الحبارى الأفريقي» من الانقراض

طائر الحبارى الأفريقي (وزارة البيئة المصرية)
طائر الحبارى الأفريقي (وزارة البيئة المصرية)
TT

جهود مصرية لإنقاذ «الحبارى الأفريقي» من الانقراض

طائر الحبارى الأفريقي (وزارة البيئة المصرية)
طائر الحبارى الأفريقي (وزارة البيئة المصرية)

بعد إطلاقها نحو 2000 طائر حبارى أفريقي بمحمية «العميد» في مطروح (شمال غربي مصر) قبل 4 سنوات، تواصل مصر تكثيف جهودها لإنقاذ هذه الطيور من الانقراض الذي يسببه الصيد الجائر.

ويأتي مشروع إنقاذ «الحبارى الأفريقي» ضمن مشروعات الشراكة البيئية بين مصر و«الصندوق الدولي للحفاظ على طائر الحبارى» بدولة الإمارات العربية المتحدة؛ حيث عُقد اجتماع، الأحد، في القاهرة، ضم وزيرة التنمية المحلية والبيئة المصرية، الدكتورة منال عوض، ومجلس إدارة الصندوق، لبحث أوجه التعاون المصري الإماراتي في مجال حماية الحياة البرية.

وأكدت الدكتورة منال عوض حرص الوزارة على تعزيز التعاون في مجال حماية المحميات الطبيعية، والاستفادة من الخبرات العلمية المتخصصة في تطوير آليات الإدارة والحماية، بما يُسهم في الحفاظ على النظم البيئية وصون التنوع البيولوجي، مع مراعاة الخصائص الطبيعية لكل محمية واحتياجاتها البيئية للحفاظ عليها للأجيال القادمة.

وينتشر طائر «الحبارى الأفريقي» في دول شمال أفريقيا، ومنها مصر. وقد شهدت محمية «العميد» بمحافظة مطروح، في يونيو (حزيران) 2022، إطلاق 2000 طائر من هذا النوع وإعادة توطينها، في إطار بروتوكول التعاون بين جهاز شؤون البيئة في مصر و«الصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى» بدولة الإمارات العربية المتحدة، الذي يستهدف تنفيذ الأبحاث والأنشطة المشتركة لاستعادة طيور الحبارى والمحافظة عليها، وتبادل الخبرات ورفع القدرات الوطنية في مجال حماية الحياة البرية والإدارة المستدامة للطيور والأنواع الرئيسية.

طائر الحبارى الأفريقي معرض للانقراض (وزارة البيئة المصرية)

ويرى أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس، الدكتور عبد المسيح سمعان، أن جهود الحفاظ على طائر «الحبارى الأفريقي» تحمل أهمية مزدوجة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأهمية الأولى المباشرة هي إنقاذه من الانقراض، والأهمية الأكبر تتعلق بالحفاظ على التوازن البيئي والتنوع البيولوجي، وهو تنوع الأنواع والتنوع داخل النوع نفسه»، موضحاً أن «انقراض كائن ما معناه انقراض كائنات أخرى داخل ما يُسمى بالسلسلة الغذائية، ويؤثر الانقراض على صحة النظام البيئي وعلى الإنسان نفسه».

وخلال الاجتماع، وجّهت وزيرة التنمية المحلية والبيئة المصرية بـ«تشكيل لجنة علمية متخصصة تضم خبراء من خارج الوزارة وممثلين عن قطاع المحميات الطبيعية، لإجراء دراسة متكاملة لمحمية (العميد)، تتناول خصائصها ومكوناتها وتكويناتها البيئية، وتقييم مقومات التنوع البيولوجي بها، وتحديد أفضل الآليات والإجراءات اللازمة لحماية مواردها الطبيعية وموائلها، بما يدعم استدامة نظمها البيئية».

جانب من عملية إطلاق طائر الحبارى في عام 2022 (وزارة البيئة المصرية)

ويؤكد سمعان أن «الجهود المصرية تهدف إلى استقرار النظام البيئي وتوازنه، بالحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض، فحتى أي كائنات لا تُمثل أهمية مباشرة للإنسان يجب الحفاظ عليها لضمان سلامة البيئة، وهو دور تقوم به المحميات الطبيعية المصرية؛ حيث تشكل هذه الكائنات شكلاً من أشكال التراث الطبيعي، ومنها الحبار الأفريقي».

وتقع محمية «العميد» على الساحل الشمالي الغربي بمحافظة مرسى مطروح، وتبلغ مساحتها 700 كيلومتر مربع، وأُعلنت محمية طبيعية عام 1986.

ووفق «الهيئة العامة للاستعلامات» المصرية، تشتمل البيئة الطبيعية للمحمية على أهم البيئات المتباينة الموجودة بالساحل الشمالي الغربي، ومنها الكثبان الرملية، والمستنقعات والمسطحات الملحية، والأراضي الضحلة المستوية، والسفوح الصخرية، والكثبان الرملية السيليكية الداخلية، والمسطحات الرملية، والوديان والمنخفضات ذات الأراضي الخصبة.

كما أن المنطقة مغطاة بتكوينات رسوبية من العصرين الميوسيني والهولوسيني، ومنها رواسب شاطئية وكثبان رملية ورواسب خلجانية وتكوينات طباشيرية.


«بيع الهواء»... ظاهرة تؤرق الإعلام المصري وتَصِم فضائياته

مدينة الإنتاج الإعلامي في مصر (صفحتها على فيسبوك)
مدينة الإنتاج الإعلامي في مصر (صفحتها على فيسبوك)
TT

«بيع الهواء»... ظاهرة تؤرق الإعلام المصري وتَصِم فضائياته

مدينة الإنتاج الإعلامي في مصر (صفحتها على فيسبوك)
مدينة الإنتاج الإعلامي في مصر (صفحتها على فيسبوك)

تصاعدت في الفترة الأخيرة ظاهرة «بيع الهواء» على فضائيات مصرية، أي تأجير ساعات بث لأشخاص أو شركات دون تدخل القنوات في المحتوى. ورصد المجلس الأعلى للإعلام تجاوزات عدّة، واستدعى، على فترات متباعدة، قنوات للتحقيق بشأنها. وعدّ خبراء ومتخصصون هذه الظاهرة مصدر قلق للإعلام المصري، إذ ترتبط باستغلال البث لأغراض تجارية أو للسعي إلى الشهرة والانتشار.

وقبل أيام، قرّرت لجنة الشكاوى بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام استدعاء الممثل القانوني لقناة «الحدث اليوم» لجلسة استماع، في ضوء ما رصدته الإدارة العامة للرصد بالمجلس من مخالفات للأكواد الإعلامية في محتوى حلقات برامج «نبض الوطن»، و«أمن وأمان»، و«خط أحمر»، و«المشوار مع روان».

وفي إطار مواجهة هذه الظاهرة، قررت اللجنة، في 5 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، استدعاء الممثل القانوني لقناة «هي» لجلسة استماع، بعدما رصدت إدارة الرصد مخالفات للأكواد الإعلامية في محتوى حلقات برامج «حكايات مروة عزام»، و«بشرة خير» و«هي مش صدفة»، شملت خلط المادة الإعلامية بالإعلانية، والترويج لمنتجات تخسيس مجهولة المصدر، فضلاً عن ادّعاء تفسير الأحلام والرؤى.

ويُعرّف المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام نفسه، على صفحته بـ«فيسبوك»، بأنه «السلطة المختصة في مصر بحماية الرأي والفكر». وينظّم عمله القانون رقم (180) لسنة 2018 واللوائح المنظمة لعمله ولجانه المختصة.

ويؤكد المجلس دائماً مواصلته، عبر إداراته المختصة، متابعة ما يُتداول في وسائل الإعلام والصفحات والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، لرصد أي مخالفات لأحكام القانون أو الأكواد والمعايير المهنية والإعلامية، واتخاذ الإجراءات القانونية المقررة حيالها، ضماناً للالتزام بالقوانين والضوابط المنظمة.

المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر تصدى لظاهرة بيع الهواء (فيسبوك)

من جانبه، يرى أستاذ الإعلام، الدكتور حسن علي، مؤسس جمعية حماية المشاهدين، أن «المشكلة تكمن في قانون ضمانات وحوافز الاستثمار، الذي أُنشئت بموجبه المنطقة الإعلامية الحرة في مدينة الإنتاج الإعلامي بمدينة السادس من أكتوبر، غرب القاهرة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا القانون يسمح لأي شخص لديه المال بإنشاء قناة وفقاً للشروط المحددة، من دون قواعد تُلزم القنوات بعدم بيع الهواء، ما يشير إلى عوار قانوني يحتاج إلى تعديل».

ولفت إلى أن «هذه الظاهرة قديمة، لكن عيوبها بدأت تطفو على السطح أخيراً، بعدما تسببت في تراجع مستوى المحتوى المقدَّم على الشاشة، وأتاحت لأشخاص مشبوهين وغير مؤهلين الظهور إعلامياً، من بينهم سارة خليفة، المحكوم عليها بالإعدام مؤخراً».

وأوضح أن «أدوات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في الرصد أو استقبال البلاغات محدودة، ويمكنه بعد رصد المخالفات تفعيل سلطته التي قد تصل إلى إغلاق القناة. ولكي يتابع المجلس الالتزام بأكواده الإعلامية، يجب أن يكون لديه مرصد يضم كفاءات وخبرات في الرصد والمتابعة، بما يمكّنه من أداء دوره».

ويؤكد حسن علي أن «هذه الظاهرة تصم قنوات، وتسيء إلى المهنة، بل إلى الدولة أيضاً، من خلال طرح موضوعات غريبة بحثاً عن (فرقعات) إعلامية».

ومن القرارات التي اتخذها المجلس في هذا الصدد، خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، وقف بث 3 برامج عبر قناتَي «الحدث اليوم» و«الشمس»، بعدما رصدت الإدارة العامة للرصد مخالفات للأكواد الإعلامية في محتواها، وخلطاً للمادة الإعلامية بالإعلانية. وشمل القرار برنامجَي «من الجاني؟» و«الكورة مع الناشئين» على قناة «الحدث اليوم»، وبرنامج «من القلب» على قناة «الشمس»، وفق بيان للمجلس. كما قرر استدعاء الممثل القانوني لمجموعة قنوات «بانوراما» لجلسة استماع، لمخالفة بعض القرارات والضوابط التنظيمية الصادرة عنه.

وترى الدكتورة سارة فوزي، المتخصصة في الإعلام الرقمي وعضو مجلس إدارة مركز بحوث ودراسات الرأي العام بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، أن «استمرار بيع الهواء وتكرار الخروقات يستدعيان مواقف حازمة من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، تشمل وقف برامج لفترات طويلة، وفرض غرامات بالملايين، بدلاً من الغرامات الحالية، مع ضرورة أن تتخذ نقابة الإعلاميين موقفاً جاداً بمساءلة المذيعين عن مخالفاتهم».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «برامج شراء الهواء تروّج، للأسف، لخرافات وتبتعد عن التفكير العلمي، فضلاً عن تقديم نصائح للأسرة المصرية تخالف القيم والتقاليد. وتندرج ضمن هذا الإطار أيضاً برامج طبية غريبة، وإعلانات لم تعد تقتصر على البرامج الطبية، بل تُبثّ خلال برامج الطبخ وغيرها من برامج شراء الهواء، ويُسمح فيها لأطباء بالإعلان عن عيادات وعقاقير».

ويدرس «الأعلى للإعلام» مشروع لائحة مقدَّماً من نقابة أطباء مصر لتنظيم ظهور الأطباء في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، يتضمن ضوابط تمنع استغلال الظهور الإعلامي للترويج لمصالح شخصية أو لجهات أخرى. كما يحظر المشروع تقديم معلومات طبية مضللة أو غير دقيقة، والترويج لعلاجات ونتائج غير مثبتة علمياً، وادّعاء قدرات علاجية غير مؤكدة، فضلاً عن الترويج لأدوية أو أنظمة غذائية أو علاجية غير معترف بها رسمياً.


«عودة كابتن كابونجا» يوثق أحلام وخيبات «أقوى رجل في العالم»

«كابونجا» يتوسط المخرج وفريق العمل في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)
«كابونجا» يتوسط المخرج وفريق العمل في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)
TT

«عودة كابتن كابونجا» يوثق أحلام وخيبات «أقوى رجل في العالم»

«كابونجا» يتوسط المخرج وفريق العمل في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)
«كابونجا» يتوسط المخرج وفريق العمل في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)

يوثِّق فيلم «عودة كابتن كابونجا» أحلام وخيبات المصارع المصري أشرف محروس، الملقب بـ«أقوى رجل في العالم»، بعدما استطاع تحطيم 3 أرقام بموسوعة «غينيس» للأرقام القياسية، من بينها: «سَحب قطار كامل يزن 279 رطلاً بأسنانه فقط،»، و«تحريك سفينة يصل وزنها إلى 700 طن» بساحل البحر الأحمر.

الفيلم الذي ينافس في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة في الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي، شهد حضوراً لافتاً من الفنانين وصناع الأفلام، خلال عرضه العالمي الأول، السبت، ومن بينهم: أمينة خليل، وشريف منير، وخالد الصاوي، وأشرف عبد الباقي، وحسن الرداد، وريهام حجاج، ونجلاء بدر، وركين سعد. كما استقبلت السجادة الحمراء طاقم الفيلم، وفي مقدمتهم كابتن كابونجا، والمخرج أمير الشناوي الذي قال خلال كلمته إن «الفيلم حاز 6 جوائز في الدورة الماضية من منصة (سيني جونة)، وهو ما ساعدنا على الوجود هنا»، معبراً عن تقديره لفريق العمل الذي شاركه على مدى 5 سنوات استغرقها الفيلم، ما بين تطوير وتصوير.

«كابونجا» يستعرض قوته مع ابنته في أحد مشاهد الفيلم (الشركة المنتجة)

وكتب المخرج كريم الشناوي عبر حسابه على «فيسبوك» معبراً عن سعادته وفخره باختيار فيلم شقيقه أمير الشناوي بمسابقة الجونة، كما عبر عن سعادته شخصياً لمشاركته بجزء صغير في إنتاجه، وبالجهد الذي بذله فريق العمل على مدى 5 سنوات، في ظل مجهود كبير قام به أمير والمنتج أحمد فتحي، ليكون الفيلم جاهزاً للعرض.

الفيلم من إنتاج أحمد عبد السلام، وقد حاز دعماً من صندوق البحر الأحمر، ومن الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)، إلى جانب منصة «سيني جونة».

ويتتبع الفيلم رحلة مصارع استثنائي ينتمي لبلدة صغيرة على أطراف محافظة الإسماعيلية (شرق القاهرة) يسعى إلى إحياء حلمه بنشر لعبة المصارعة، وإقامة حلبة جديدة لتكوين فريق من المصارعين الشباب وتدريبهم للوصول للعالمية، بعدما أجبرته جائحة «كورونا» على التوقف، وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي دفعته لبيع الحلبة التي أقامها في أرض فضاء بقريته.

وعلى الرغم من نجاحاته التي حققها وشهادة موسوعة «غينيس» التي حازها، وتكريم وزير الشباب والرياضة المصري له، فإنه بلا وظيفة دائمة، رغم ارتباطه بزوجتين وعدد من الأطفال، لذا تقول والدته بأسى: «كنت أتمنى أن تكون له وظيفة ودخل من أجل أولاده».

طاقم الفيلم على السجادة الحمراء بمهرجان الجونة (إدارة المهرجان)

ويقترب الفيلم من ذلك الجانب الهش في حياة هذا الرجل العملاق، ضخم الجثة طيب القلب، وكيف أثَّرت عليه الصعوبات الاقتصادية المتزايدة. فقد سافر إلى دولة الإمارات في رحلة للبحث عن عمل يضمن له قدراً من الاستقرار لتحقيق حلمه، غير أنه يعود بخيبة أمل، ويكتشف أن شغفه الكبير لا يؤدي بالضرورة إلى مصدر دخل ثابت يعينه على إعالة أسرته، وأن دخوله موسوعة «غينيس» لا يؤدي إلا لنجاح عابر لا يعينه حتى على إعالة نفسه كرجل تناول 30 بيضة نيئة كمشروب في دقيقة، ضمن أحداث وثَّقها الفيلم في حياته.

ويتولى المنتج محمد حفظي توزيع الفيلم من خلال شركته، وهذه هي أول مرة يتصدى فيها حفظي لتوزيع فيلم وثائقي. ويقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «لقد تحمسنا لهذا الفيلم تحديداً، ولمخرجه أمير الشناوي، وبطله كابتن كابونجا، وهو شخصية مثيرة للاهتمام، وشعرنا بأن الفيلم سيكون به عنصر جذب جماهيري، وجاء العرض بالمهرجان فرصةً لاختبار ذلك، وقد تفاعل الجمهور بشكل رائع مع الفيلم، ونتطلع لعرضه تجارياً بدور العرض بمصر والدول العربية، بعد مشاركته بجولة في المهرجانات.

كابونجا ووالدته في لقطة من الفيلم وخلفهما شهادات «غينيس» على الحائط (الشركة المنتجة)

وعَدَّ الناقد الفني المصري سيد محمود فيلم «عودة كابتن كابونجا» محاولة لتوثيق حياة رياضي معروف بقوته الخارقة. ويقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «كابونجا صنع شهرته ونجوميته بنفسه. وقد قدَّم أمير الشناوي فيلمه ببساطة بعيداً عن الإثارة؛ بل نقل الصورة بواقعها المرير»، لافتاً إلى أن «الفيلم لم تكن به صورة سينمائية لافتة».

ويُعد فيلم «عودة كابتن كابونجا» رابع أفلام المخرج الشاب أمير الشناوي بعد فيلمَيه الوثائقيين الطويلين «الكيلو 64» و«سبع قمم»، وفيلم «إدريس» الوثائقي القصير، وقد حازت أفلامه جوائز عدة.

ويشير الناقد حسام الخولي إلى أن «أول شيء يتبادر إلى ذهن المشاهد بعد مشاهدة الفيلم هو سؤال: عن أي عودة يتحدث الفيلم؟»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «كابونجا يدور في حلقة مفرغة داخل حلم لم يتحقق، يُدرك خلاله أن عليه أن يسعد بما كان يملكه في البداية، وفق رؤية الفيلم».

وأشار الخولي إلى أنه «خلال هذه الرحلة لا يستقر المخرج تماماً على الصورة التي يريد خلقها للبطل لدى المتفرج، مما يخلق نوعاً من الارتباك بين التعاطف والسخرية تجاه أفعال البطل»، على حد تعبيره.