عندما يرتفع الكولسترول... ماذا تفعل؟

إرشادات محدّثة لخفض مستوياته الضارة

عندما يرتفع الكولسترول... ماذا تفعل؟
TT

عندما يرتفع الكولسترول... ماذا تفعل؟

عندما يرتفع الكولسترول... ماذا تفعل؟

طرحت جمعية القلب الأوروبية عدداً من النقاط الجديدة ضمن تحديثها الأخير لـ«إرشادات جمعية القلب الأوروبية 2021 حول الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية في الممارسة الإكلينيكية». وذلك باستخدام تسلسل منطقي وعملي.
وأكدت الجمعية على حقيقة أن الأدلة الحديثة تثبت أن ترسبات الكولسترول الخفيف LDL والبروتينات الدهنية الأخرى الغنية بالكولسترول Cholesterol - Rich Lipoproteins، داخل جدار الشرايين، هو «الحدث الرئيسي» في بدء نشوء حالة تصلب الشرايين في القلب، أو الدماغ، أو الشرايين التي تغذي أطراف الجسم كالقدمين. وبالتالي، فإنها أساس حصول كل تداعيات ومضاعفات ذلك، كنوبات الجلطة القلبية أو المعاناة من آلام الذبحة الصدرية أو السكتة الدماغية أو حالات غرغرينا الأطراف.
وقالت جمعية القلب الأوروبية: «هذا الدور السببي للكولسترول الخفيف والبروتينات الدهنية الأخرى Apolipoproteins في نشوء حالات مرض تصلب الشرايين القلبية ASCVD، تم إثباته بما لا يدع مجالاً للشك من خلال الدراسات الجينية ودراسات المراقبة الإكلينيكية ودراسات المعالجات التداخلية».

تحليل دقيق
وأضافت جمعية القلب الأوروبية قائلة ما ملخصه: «وبالمطلق، فإن كل انخفاض في معدلات الكولسترول الخفيف، يتناسب مع خفضٍ في مخاطر الأمراض القلبية الوعائية، بغض النظر عن الأدوية المستخدمة لتحقيق هذا التغيير الإيجابي. ولذلك، فحتى الانخفاض الصغير في معدلات الكولسترول الخفيف، سيترجمه الجسم إلى انخفاض كبير في المخاطر المطلقة لدى المرضى الذين سبقت إصابتهم بنوبة الجلطة القلبية أو السكتة الدماغية».
واعتبرت الجمعية أن الخطوة الأساسية في كل ما تقدم، هي إجراء تحليل الدم لقياس معدلات الكولسترول والدهون الثلاثية. وأنه كلما تم إجراء هذا التحليل بدقة، كان السبيل أوضح في الوقاية والمعالجة.
وتحليل الدم المعتاد للكولسترول والدهون، يُعطي نتائج لأربعة عناصر، هي:
- الكولسترول الثقيل HDL، وهو الكولسترول الحميد، لأنه كلما ارتفع في الدم، انخفضت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.
- الكولسترول الخفيف LDL، وهو الكولسترول الضار، لأنه كلما ارتفع في الدم، ارتفعت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.
- الدهون الثلاثية TG، وعند ارتفاعها مع ارتفاع الكولسترول الخفيف أو انخفاض الكولسترول الثقيل، ترتفع احتمالات تراكم الكولسترول والدهون في جدران الشرايين.
- الكوليسترول الكلي TC، وهو محصلة قياس تلك العناصر الثلاث في نتائج تحليل الكولسترول.
وفي تقييم عموم الناس، يُجرى تحليل الدم للكولسترول دون الحاجة للصوم Non - Fasting. ولكن وعند متابعة مرضى الشرايين القلبية، والمرضى الذين يعانون من متلازمة التمثيل الغذائي Metabolic Syndrome (التي يتم رصدها عند وجود عدد من الأمور: زيادة محيط البطن، ارتفاع الدهون الثلاثية، انخفاض الكولسترول الثقيل، ارتفاع ضغط الدم، ارتفاع السكر في الدم) أو مرض السكري أو مرضى اضطرابات الكولسترول، يجب أخذ عينة الدم للتحليل بعد الصوم (لمدة تتراوح ما بين 9 إلى 12 ساعة).
وأساس الإشكالية في ضرورة الصوم من عدمه، أن تناول الطعام والمشروبات (غير الماء)، في الساعات التي تسبق سحب عينة الدم لإجراء تحليل الكولسترول، قد يُؤثر على نتائج هذا التحليل، وخاصة الدهون الثلاثية. أما شرب الماء فقط، فليس له أي تأثير عليه.
وعند ملاحظة وجود اضطرابات في نتائج تحليل الكولسترول والدهون الثلاثية، من الضروري التأكد أن ذلك لم يكن بسبب أمراض أو حالات «أخرى». وحينئذ يكون علاج تلك «الأخرى» وسيلة تحسين اضطرابات الكولسترول والدهون الثلاثية، أي دون الحاجة إلى تلقي العلاج الخافض للدهون. ومن أمثلة ذلك، كسل الغدة الدرقية Hypothyroidism، وتناول أدوية مشتقات الكورتيزون Corticosteroids.

خطوات ضبط الكولسترول
وبالإضافة إلى الأهمية العالية لتحسين سلوكيات نمط عيش الحياة اليومية (التغذية، ممارسة الرياضة، تقليل التوتر، خفض الوزن)، تعتمد استراتيجيات ضبط الكولسترول والدهون الثلاثية استخدام أدوية تعمل على تحقيق ذلك. ونظراً لأن بعض الأدوية قد لا تتوفر في كل مكان من مناطق العالم أو قد لا يتحمل بعض المرضى آثارها الجانبية، أكدت جمعية القلب الأوروبية أن الهدف المطلوب «بالدرجة الأولى» للعلاج هو تحقيق خفض مستويات الكولسترول الخفيف في أقرب وقت ممكن، ليكون ضمن المعدلات المُستهدف الوصول إليها بالمعالجة، للرجال والنساء على السواء. ولذا يجب أن تكون عملية صنع قرار المعالجة مشتركة بين الطبيب والمريض، وأن تكون المقاربة العلاجية بخطوات متدرجة Stepwise Approach، لأن ذلك أقرب إلى تعاون المريض وإلى خفض احتمالات المعاناة من تبعات حصول الآثار الجانبية.
ومن بين جميع الذين لديهم ارتفاع في مستويات الكولسترول الخفيف، يجدر العمل على خفضه بدرجة أكبر لدى فئة المرضى الذين تم بالفعل تشخيص إصابتهم بأمراض شرايين القلب، وأيضاً غير المُصابين بأمراض شرايين القلب، ولكن ترتفع لديهم خطورة احتمالات الإصابة بها. أي وصولاً إلى «الهدف العلاجي» لهم، بأن تكون مستويات الكولسترول الخفيف أقل من 1.4 (واحد فاصلة أربعة) ملي مول - لتر (أو 55 مليغراماً - ديسيلتر).

الاضطرابات لدى المسنّين
وناقشت جمعية القلب الأوروبية حالات اضطرابات الكولسترول والدهون الثلاثية لدى منْ أعمارهم فوق السبعين. وأكدت على أن الاعتماد على مقدار العمر فقط هو نسبياً غيرُ دقيقٍ عملياً وتقييم افتراضي Relatively Arbitrary. وقالت: «العمر البيولوجي عامل مؤثر في الممارسة الإكلينيكية. وعلى سبيل المثال، قد يكون الشخص البالغ من العمر 75عاماً لائقاً ومناسباً جداً ومؤهلاً للحصول على علاج مخصص عادة لمن تقل أعمارهم عن 70 عاماً. كما على العكس من ذلك، يجب اعتبار الشخص الضعيف جداً والبالغ من العمر 65 عاماً، هو فعلاً أكبر سناً في بعض الأحيان». ومعلوم أننا كبشر، لدينا عمران مختلفان، العمر الزمني Chronological Age والعمر البيولوجي Biological Age.
والعمر الزمني هو عدد السنوات التي قضاها الشخص على قيد الحياة، بينما يشير العمر البيولوجي إلى العمر الذي يبدو عليه الشخص وجسمه.
أما العمر البيولوجي فيأخذ في الاعتبار العديد من العوامل، بما في ذلك النظام الغذائي وممارسة الرياضة وعادات النوم والإصابات بعدد من الأمراض والحالة النفسية، على سبيل المثال لا الحصر. وهناك عدة وسائل إكلينيكية لتحديد ذلك.
وأضافت الجمعية: «عززت الأدلة الحديثة دور ارتفاع مستويات الكولسترول الخفيف كعامل خطر في نشوء حالات مرض تصلب الشرايين القلبية في المرضى الكبار السن. وتشير الأدلة من التجارب الإكلينيكية إلى أن العقاقير المخفضة للكولسترول، تؤدي إلى انخفاض كبير في الأحداث الوعائية الرئيسية بغض النظر عن العمر». ومن أمثلة المقصود بالأحداث الوعائية الرئيسية: نوبات الجلطة القلبية والسكتة الدماغية وغيرها. وفي حالات «الوقاية الأولية» من تبعات ارتفاع الكولسترول، أي كبار السن الذين لم يتم تشخيص إصابتهم بأمراض الشرايين القلبية ولكن لديهم اضطرابات في الكولسترول، أشارت جمعية القلب الأوروبية إلى ضرورة أن يكون ذلك وفق تقدير مستوى خطورة احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية (أي أن يكون ثمة احتمالات خطورة عالية وفق عناصر التقييم الاكلينيكي المعروفة لدى الأطباء)، مع التنبه إلى ضبط مقدار الجرعات العلاجية وتأثير الأمراض المصاحبة وكفاءة عمل الكلى وغيرها من العوامل، عند وصف أدوية معالجة اضطرابات الكولسترول والدهون كـ «وقاية أولية» لدى فئة منْ هم فوق عمر 75 سنة.

13 عنصراً في التغذية لخفض الكولسترول

> تؤثر العوامل الغذائية على تطور أمراض شرايين القلب، إما بشكل مباشر، أو من خلال تأثيرها غير المباشر على عوامل الخطر التقليدية، مثل اضطرابات الكولسترول أو ارتفاع ضغط الدم أو مستويات الغلوكوز. ولخصت جمعية القلب الأوروبية في هذا الجانب نصيحتها بقولها: «تشير الدلائل المتسقة من الدراسات الطبية إلى أن ذلك يشمل:
- تبني نمط غذائي تغلب فيه المنتجات النباتية، مع القليل من المنتجات الحيوانية المصدر.
- يجب أن تمثل الأحماض الدهنية المشبعة Saturated Fatty Acids (الشحوم الحيوانية وزيت النخيل وزيت جوز الهند) أقل من 10 في المائة من إجمالي مدخول الطاقة في الغذاء اليومي.
- تحاشي تناول الدهون المتحولة Trans Fatty Acids.
- إجمالي تناول الملح يومياً أقل من 5 غرامات (نحو ملعقة شاي).
- تناول الألياف (من الحبوب الكاملة غير المقشّرة) بمقدار 30 إلى 45 غراماً في اليوم.
- تناول 200 غرام من أي نوع من الفواكه في اليوم (2 - 3 حصص غذائية).
- تناول 200 غرام من الخضراوات (غير الخضراوات النشوية كالبطاطا) في اليوم (2 - 3 حصص غذائية).
- تقليل تناول اللحوم الحمراء الطبيعية إلى ما بين 350 و500 غراماً في الأسبوع كحد أقصى.
- التقليل الشديد من تناول اللحوم المصنعة (النقانق، السلامي، المارتاديلا).
- تناول الأسماك مرة أو مرتين في الأسبوع، وخاصة الأسماك الدهنية.
- تناول 30 غراماً من المكسرات غير مملحة يومياً.
- خفض تناول المشروبات المحلاة بالسكر (وليس بالمُحليات الصناعية) مثل المشروبات الغازية وعصائر الفاكهة.
- استهلاك القهوة المعتدل (3 - 4 أكواب في اليوم) لا يكون ضاراً، وربما مفيداً بشكل معتدل.

تطورات العلاجات لخفض الكولسترول

> عرضت جمعية القلب الأوروبية الأدوية الرئيسية الخافضة للكولسترول في الاستخدامات الإكلينيكية، وهي:
* أدوية فئة ستاتين Statin. وفق ما أكدته جمعية القلب الأوروبية، فهي الدواء المفضل لمعالجة مرضى ارتفاع الكولسترول الخفيف بالعموم، وخاصة من بينهم أولئك المرضى المعرضون لخطر متزايد للإصابة بأمراض الشرايين القلبية، والمرضى الذين هم بالفعل مُصابون بها. وتعمل هذه الفئة من الأدوية على خفض معدلات الكولسترول الخفيف ومعدلات الدهون الثلاثية، عبر خفض إنتاج الكبد للكولسترول. ومعلوم أن 80 في المائة من كولسترول الدم يأتي من إنتاج الكبد، و20 في المائة من الطعام. وهناك أشكال مختلفة من أدوية الستاتين، ومنها: أتورفاستاتين (ليبيتور)، روسوفاستاتين (كرستور)، سيمفاستاتين (زوكور).
* أدوية خفض امتصاص الأمعاء للكولسترول Cholesterol Absorption Inhibitor. ومن أمثلتها عقار إزيتيميب Ezetimibe وهو من أدوية الفئة الثانية، ذات الجدوى العالية عند الاستخدام كإضافة مع أدوية الستاتين. أي أنه حين لا تحقق أدوية الستاتين الوصول للخفض المطلوب للكولسترول، أو حينما لا يُمكن وصف الستاتين للمريض لأسباب عدة.
* أدوية مثبطات بيه سي إس كيه 9 PCSK9 Inhibitors. وهي أدوية علاج جيني مكونة من أجسام مضادة، يتم تلقيها بالحقن. وتعمل على زيادة تقبل خلية الكبد دخول مزيد من كولسترول الدم الخفيف إلى داخل خلايا الكبد، وبالتالي خفض نسبته في الدم. وثمة عدة أنواع منها، كعقار إنكليسيران Inclisiran (الذي تم عرضه ضمن عدد 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 من ملحق صحتك بـ«الشرق الأوسط»)، وعقار ريباثا Repatha وعقار إيفولوكيماب Evolocumab. وأنواعها تختلف بشكل رئيسي في المدة بين كل جرعة وأخرى. وعند تلقيها منفردة، تحقق خفضاً بنسبة تصل إلى مقدار 60 في المائة أو أكثر في نسبة الكولسترول الخفيف الضار بالدم. وترتفع نسبة الانخفاض عند تلقيها مع أدوية ستاتين أو عقار إزيتيميب. وفي «الجانب العلاجي» دعمت جمعية القلب الأوروبية استخدامها قائلة: «تعمل أدوية مثبطات بيه سي إس كيه 9 بشكل فعال (أي تقليل احتمالات حصول الأحداث السلبية المستقبلية Future Events لأمراض شرايين القلب) لدى المرضى المعرضين لخطر عالٍ للإصابة بأمراض شرايين القلب (كالمصابين بالارتفاع الوراثي للكولسترول الخفيف والمصابين بمرض السكري).
* فئة أدوية حمض بيمبدويك Bempedoic Acid. وهي من أدوية «مثبطات إنزيم سترات لياز» Citrate Lyase Inhibitors، التي تعمل على منع الكبد من إنتاج الكولسترول. أي تقريباً بنفس مبدأ عمل أدوية ستاتين، ولكن بآلية مختلفة. وتمت الموافقة عليه في الولايات المتحدة وأوروبا في عام 202. والغرض الرئيسي من الاستخدام هو المشاركة مع إيزيتيميب في المرضى الذين يعانون من عدم تحمل الستاتين.


مقالات ذات صلة

دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

يوميات الشرق ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)

دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

كشفت دراسة قادها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا عن نتائج واعدة لأول تجربة بشرية لعقار جديد قادر على خفض الدهون الثلاثية في الدم بشكل ملحوظ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك قياس مستوى السكر بالدم (أرشيفية - إ.ب.أ)

تجنب السكري قبل أن يبدأ... خطوات للوقاية من مقدمات المرض

هناك بعض الخطوات العملية التي قد تساعد على الوقاية من مقدمات السكري والحفاظ على الصحة قبل أن يبدأ المرض.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك صورة نشرتها دار رعاية «كينتفورد مانور» ببريطانيا لإليزابيث ميلنر أثناء الاحتفال بعيد ميلادها

معمرة تبلغ 104 أعوام: الخضراوات والشوكولاته هما سر الحياة الطويلة الصحية

كشفت معمرة تبلغ من العمر 104 أعوام أن «الخضراوات والشوكولاته» هما سرّ الحياة الطويلة والصحية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الجهاز المناعي هو خط الدفاع الأول للجسم ضد الأمراض والعدوى (د.ب.أ)

كيف تعزز جهازك المناعي في 3 أسابيع؟

اقترح الدكتور ويل بولسيفيتش أخصائي أمراض الجهاز الهضمي بولاية كارولاينا الجنوبية خطة من ثلاث مراحل يمكن إتمامها في غضون ثلاثة أسابيع لتعزيز المناعة

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك الضغوط المالية قد تُسرّع شيخوخة القلب (رويترز)

الضغوط المالية قد تُسرّع شيخوخة القلب أكثر من الضغط والسكري

أظهرت دراسة جديدة أن الضغوط المالية قد تُسرّع شيخوخة القلب أكثر من عوامل الخطر التقليدية لأمراض القلب والأوعية الدموية مثل ارتفاع ضغط الدم وداء السكري والتدخين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

وظيفة تكرهها... هذا ما تفعله بجسمك

عدد كبير جداً من الموظفين عالقون في وظائف سامة (أرشيفية - رويترز)
عدد كبير جداً من الموظفين عالقون في وظائف سامة (أرشيفية - رويترز)
TT

وظيفة تكرهها... هذا ما تفعله بجسمك

عدد كبير جداً من الموظفين عالقون في وظائف سامة (أرشيفية - رويترز)
عدد كبير جداً من الموظفين عالقون في وظائف سامة (أرشيفية - رويترز)

يمرّ الجميع بأيام سيئة في العمل، لكن هناك إشارات ينبغي على الموظفين الانتباه لها قبل أن يتحوّل أسبوع سيئ في المكتب إلى ضغط مهني مزمن ومُنهك لا ينتهي، ويبدأ بتخريب صحتك.

عدد كبير جداً من الموظفين عالقون في وظائف سامة، وهي مشكلة تحتاج إلى أن يأخذها أرباب العمل والموظفون على محمل الجد. فقد وجد جيفري بفيفر، أستاذ السلوك التنظيمي في جامعة ستانفورد ومؤلف كتاب «الموت من أجل الراتب»، من خلال أبحاثه، أن سوء الإدارة في الشركات الأميركية مسؤول عما يصل إلى 8 في المائة من تكاليف الرعاية الصحية السنوية، ويرتبط بنحو 120 ألف حالة وفاة إضافية كل عام.

قد يعرف جسمك قبل أن تدرك ذلك تماماً أن وظيفتك هي السبب وراء أعراض التوتر التي تعانيها، فيبدأ بإرسال إشارات إنذار واضحة بأن الأمور ليست على ما يرام.

لا تستطيع النوم

تقول مونيك رينولدز، وهي إخصائية نفسية سريرية في ولاية ماريلاند، وتعمل في مركز القلق وتغيير السلوك: «في كثير من الأحيان، أول ما نسمعه من الناس هو الشكوى من ليالٍ بلا نوم». وتضيف: «يذكر الناس أنهم إمّا لا يستطيعون النوم لأن أفكارهم تتسابق، أو أنهم لا يستطيعون الاستمرار في النوم، فيستيقظون في منتصف الليل وهم يفكّرون في قائمة المهام».

بضع ليالٍ مضطربة ليست مشكلة كبيرة، لكن إذا تحوّل الأمر إلى نمط متكرر، فقد يكون ذلك علامة على أن ضغط العمل لديك أصبح ساماً.

وقالت رينولدز: «إذا كان الأمر مرتبطاً بالعمل بشكل متواصل، فهذه إشارة إلى أن هناك خللاً في التوازن».

تصاب بالصداع

تشدّ العضلات نفسها لحماية الجسم من الإصابة. وعندما ينظر الإنسان إلى مكان العمل على أنه منطقة خطر، تبقى عضلاته مشدودة باستمرار، وفقاً لجمعية علم النفس الأميركية. ويمكن أن يرتبط التوتّر المزمن في الرقبة والكتفين والرأس بالإصابة بالشقيقة (الصداع النصفي) وصداع التوتّر.

وتقول رينولدز: «الضغط النفسي يخلق أعراضاً جسدية، وهذا يظهر على شكل ألم».

تشعر بآلام في عضلاتك عموماً

عندما تكون وظيفتك سامة، قد تشعر وكأنك تقاتل نمراً مفترساً وأنت جالس إلى مكتبك. وتحت وطأة الشعور بالخطر، يغمر الدماغ الجسم بالأدرينالين وغيره من هرمونات التوتر.

وقالت رينولدز: «أجهزتنا العصبية في الوظائف السامة تكون في حالة تأهّب دائم. نحن نعيش في ترقّب مستمر، مستعدّين للردّ على مدير أو زميل مزعج في أي لحظة».

تتدهور صحتك النفسية

وأشارت رينولدز إلى أن زيادة التوتر يمكن أن تفاقم مشكلات الصحة النفسية القائمة. وقالت: «شخص قد يكون بطبعه كثير القلق، لكن في بيئة عمل شديدة السميّة، غالباً ما يتفاقم هذا القلق إلى حدّ يتجاوز العتبة السريرية».

إذا شعرتَ أن مديرك يتربّص بك دائماً، فإن صحتك النفسية تدفع الثمن. فقد ربط تحليل أُجري عام 2012 وشمل 279 دراسة بين الشعور بانعدام العدالة داخل المؤسسات وبين شكاوى صحية لدى الموظفين، مثل الإفراط في الأكل والاكتئاب.

وقال إخصائي علم نفس إي كيفن كيلواي إن المعاملة غير العادلة في العمل يمكن أن تسبّب مستويات مفرطة من التوتر.

وأضاف: «الظلم عامل ضغط سام بشكل خاص لأنه يضرب في صميم هويتنا. فعندما تُعاملني بغير عدل، فأنت تمسّ كرامتي كإنسان، وكأنك تقول إنني لا أستحق معاملة عادلة أو أن أُعامل مثل الآخرين».

تصاب بالمرض بشكل متكرر

إذا كنت تُصاب بنزلات البرد باستمرار، ففكّر في شعورك تجاه عملك. فهناك كمّ كبير من الأبحاث يبيّن أن التوتر المزمن يمكن أن يُضعف جهاز المناعة، ما يجعلك أكثر عرضة للإصابة بالأمراض.

تشعر بالإرهاق طوال الوقت

هذا هو الإعياء الحقيقي: تعب عميق يصل إلى العظام، لا يبدو أن قيلولة أو نوم عطلة نهاية الأسبوع قادران على علاجه.

ويشير كيلواي إلى أنه «لا توجد طريقة واحدة ثابتة يستجيب بها الأفراد لبيئة عمل سامة»، لكنه يوضح أن الإرهاق يقع ضمن مجموعة الأعراض الجسدية التي قد يشعر بها الموظفون.

تضطرب معدتك

عسر الهضم، والإمساك، والانتفاخ، كلها قد تكون مرتبطة بالتوتر، لأن الضغط النفسي يؤثر في طريقة عمل الجهاز الهضمي، ويمكن أيضاً أن يغيّر بكتيريا الأمعاء، وهو ما ينعكس بدوره على المزاج.

ويشرح كيلواي أن هذا هو السبب في أنك قد تشعر بآلام في المعدة عندما تكون منزعجاً، وهو أمر اختبره بنفسه خلال عمله في إحدى الوظائف السامة.

ويقول: «بعد نحو 6 أشهر، بدأت ألاحظ أنني كل يوم أحد بعد الظهر كنت أشعر بألم في معدتي. لم يكن العرض بحد ذاته هو ما لفت انتباهي، بل توقيته (تماماً عندما كنت أبدأ التفكير بما عليّ فعله صباح الاثنين)، وهذا ما نبهني إلى ارتباطه بالعمل». ويضيف: «اختفت كل الأعراض عندما تركت الوظيفة وانتقلت إلى عمل آخر».

تتغيّر شهيتك

ترتبط الشهية ارتباطاً وثيقاً بالدماغ. ففي حالات التوتر الحاد، تطلق استجابة «الكرّ أو الفرّ» الأدرينالين، ما يدفع الجسم إلى كبح الهضم والتركيز على النجاة من خطر متصوَّر، وفقاً لنشرة «هارفارد هيلث». أما في حالات التوتر المزمن، فتفرز الغدد الكظرية هرمون الكورتيزول ويتراكم في الجسم، وهو هرمون يمكن أن يزيد الشعور بالجوع. وعندما يكون عملك سبباً في ضيق نفسي طويل الأمد، قد تلجأ إلى الطعام كوسيلة للراحة والتعويض.


الأطعمة فائقة المعالجة... ما تأثيرها الحقيقي على الجسم؟

الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بعدد لا يُحصى من الأمراض (أرشيفية - رويترز)
الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بعدد لا يُحصى من الأمراض (أرشيفية - رويترز)
TT

الأطعمة فائقة المعالجة... ما تأثيرها الحقيقي على الجسم؟

الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بعدد لا يُحصى من الأمراض (أرشيفية - رويترز)
الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بعدد لا يُحصى من الأمراض (أرشيفية - رويترز)

اجتمع عدد من أبرز خبراء العالم في مجال الأطعمة فائقة المعالجة، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لمراجعة أحدث الأدلة حول التأثير العام لهذه الأطعمة على الصحة، وذلك لصالح المجلة الطبية المرموقة «ذا لانسيت».

وكانت النتائج صادمة؛ إذ خلصت إلى أن الأطعمة فائقة المعالجة تُلحق أضراراً تقريباً بكل جهاز من أجهزة الجسم. وبالنسبة إلى بريطانيا، حيث يستهلك الفرد في المتوسط 56 في المائة من سعراته الحرارية اليومية من هذه الأطعمة، جاءت هذه النتائج على نحو مقلق بشكل خاص.

وقال كريس فان توليكن، أستاذ في كلية لندن الجامعية ومؤلف كتاب «الناس والأطعمة فائقة المعالجة»: «بصورة عامة، أصبح سوء التغذية يتجاوز التدخين عالمياً بوصفه السبب الأول للوفاة المبكرة».

وأضاف: «في بريطانيا، يقوم نظامنا الغذائي الوطني أساساً على الأطعمة فائقة المعالجة، وعلى مدى عدة أجيال، جرى ابتكار أطباقنا الوطنية بهدف تحقيق الربح. وإذا فكرت في أصابع السمك، والفاصولياء المعلّبة، وحبوب الإفطار التي نتناولها جميعاً صباحاً، وخبز السوبرماركت، فهذه ليست أطعمة تقليدية صُنعت لتغذيتنا، بل هي منتجات صناعية بالكامل».

وعلى مستوى العالم، كلما تعمّق العلماء في البحث، اكتشفوا أكثر أن الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بعدد لا يُحصى من الأمراض.

ويقول أندرو تشان، اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي وأستاذ في كلية الطب بجامعة هارفارد: «لقد ارتبطت الأطعمة فائقة المعالجة بمجموعة واسعة من الأمراض المزمنة؛ فقد وُجد ارتباط بينها وبين السمنة والسكري وأمراض استقلابية أخرى، والتي تبدو بدورها عوامل خطر للإصابة بالسرطان. وإحدى الآليات المحتملة هي أن هذه الأطعمة قد تسهم في إحداث تغييرات استقلابية تشكّل عوامل مهيّئة للإصابة بالسرطان في سن مبكرة».

ما الأعضاء الأكثر عرضة للتأثر بالأطعمة فائقة المعالجة؟

الكبد

في عام 2023، أجرى باحثون في جامعة ليفربول دراسة شملت أكثر من 60 ألف شخص، أظهرت أنه كلما زاد استهلاك الفرد للأطعمة فائقة المعالجة، ارتفع خطر إصابته بمرض الكبد الدهنية. وهذه حالة خطيرة ومتفاقمة، يؤدّي فيها التراكم التدريجي للدهون إلى تليّف الكبد وإضعاف وظائفه.

وسلّطت الدراسة الضوء على عامل خطر أقل شهرة، يتمثّل في وجود مواد كيميائية صناعية في عبوات الوجبات الجاهزة والوجبات الخفيفة وغيرها من الأطعمة فائقة المعالجة، وهي مواد تُربك الهرمونات في الجسم، وقد ارتبطت بتسريع تطوّر مرض الكبد الدهنية.

لكن السبب الرئيسي يبقى أن هذه الأطعمة تهيّئ الطريق تماماً لتراكم سريع وخطير للدهون في الكبد؛ فالجسم يمتلك آلية دقيقة جداً لتنظيم كمية السعرات الحرارية التي نستهلكها، غير أن الأطعمة فائقة المعالجة تُضلّل هذه المنظومة المعقّدة.

ويقول فان توليكن: «الأطعمة فائقة المعالجة طرية، عالية الكثافة الحرارية، مليئة بالنكهات والألوان، وتحتوي على نسب دقيقة جداً من الملح والسكر والدهون، وكلها مُصمَّمة بحيث يصبح من الصعب جداً التوقف عن الأكل». ويضيف: «افتح أي كيس مقرمش، أو تناول أي وجبة جاهزة، وستلاحظ كم أنها لا تشعرك بالشبع، وكم هو سهل أن تستهلك كماً هائلاً من السعرات الحرارية في وقت قصير».

عواقب هذا الإفراط في الاستهلاك بسيطة لكنها مدمّرة؛ إذ ينتهي بنا الأمر إلى تكوين دهون زائدة في الجسم. ويمكننا تخزين جزء من هذه الدهون في الخلايا الدهنية تحت الجلد، لكن بعد فترة يُجبر الجسم على البحث عن أماكن إضافية لتخزينها، ويكون الكبد من أوائل الأعضاء التي يلجأ إليها.

يقول الدكتور أليكس هيني، الزميل السريري الأكاديمي في أمراض السكري والغدد الصماء بجامعة ليفربول: «الأشخاص الذين يتناولون الأطعمة فائقة المعالجة يكونون أكثر عرضة لتناول كميات أكبر من الطعام مع مرور الوقت».

ويضيف: «والسبب في ذلك أنها تحتوي على نسب أعلى من الدهون والكربوهيدرات المكرّرة مقارنة بالبروتينات والألياف الصحية، ما يؤدّي في النهاية إلى هذا التخزين المفرط للدهون في الكبد».

الأمعاء

تلعب الأمعاء دوراً أساسياً في شبكة تنظيم الشهية في الجسم؛ إذ تؤثر في شعورنا بالجوع أو الشبع، غير أن قدرتها على ضبط الشهية ترتبط بما يُعرف بـ«مصفوفة الطعام» - أي البنية الفيزيائية والكيميائية المعقّدة للطعام الكامل.

ولأن الأطعمة فائقة المعالجة تُصنع عادةً من مكوّنات «مُهضّمة مسبقاً»، فإن الأمعاء لا تتلقى الإشارات الطبيعية التي تطوّرت للاستجابة لها، ما يدفعنا إلى الإفراط في الأكل واكتساب مزيد من الدهون في الكبد.

ويقول الدكتور هيني: «عندما تُدمَّر مصفوفة الطعام، يختلّ نظام الإشارات في ميكروبيوم الأمعاء». ويضيف: «ويزداد الأمر سوءاً؛ لأن كثيراً من الأطعمة فائقة المعالجة مليئة بالدهون والكربوهيدرات المكرّرة، مقارنة بالبروتينات والألياف الصحية».

بحسب ماتيلد توفييه، أستاذة في المعهد الوطني الفرنسي للصحة والأبحاث الطبية وأحد معدّي تقرير مجلة «ذا لانسيت»، تتزايد المخاوف من أن الإفراط في استهلاك بعض المضافات الغذائية ضمن نظام غذائي غني بالأطعمة فائقة المعالجة - مثل المستحلبات والمحليات - يسبّب أضراراً موضعية داخل الأمعاء نفسها.

وتقول البروفسورة توفييه: «ترتبط الأطعمة فائقة المعالجة بزيادة خطر الإصابة بداء كرون، وهو أحد أمراض الأمعاء الالتهابية». وتشير إلى أن بعض الدراسات التي أُجريت على الحيوانات أظهرت أن التهاب الأمعاء قد يؤدي إلى تطوّر سرطان القولون، بينما تحاول دراسة كبرى جديدة تُعرف باسم «PROSPECT» حالياً التحقّق مما إذا كانت الأطعمة فائقة المعالجة تقف وراء الارتفاع المقلق في حالات سرطان الأمعاء لدى من هم دون الخمسين عاماً.

وبدأت بعض البيانات المبكرة تدعم هذه الفرضية بالفعل. ففي الشهر الماضي، نشر البروفسور تشان وزملاؤه دراسة وجدت أن النساء دون سن الخمسين اللواتي يستهلكن ما يصل إلى 10 حصص يومياً من الأطعمة فائقة المعالجة - مثل الوجبات الخفيفة، والوجبات الجاهزة، وحبوب الإفطار المعلّبة، أو المشروبات الغازية - يواجهن خطراً أعلى للإصابة بالزوائد اللحمية في الأمعاء، مقارنة بمن يكتفين بعدد محدود من الحصص (نحو 3.3 حصة يومياً).

الزوائد اللحمية هي نموّات غير طبيعية في بطانة الأمعاء تنشأ نتيجة تلف الخلايا، ويمكن أن تشكّل مرحلة تمهيدية للإصابة بالسرطان. ويقول البروفسور تشان: «نعلم أن الغالبية العظمى من سرطانات القولون والمستقيم تمرّ أولاً بمرحلة الزوائد اللحمية».

ورغم أن الباحثين لم يتمكّنوا بعد من تحديد المكوّنات الدقيقة في الأطعمة فائقة المعالجة التي تبدو مسؤولة عن تحفيز تكوّن هذه الزوائد، فإن البروفسور تشان يرجّح أن «جزءاً من الأمر قد يكون مرتبطاً بأنواع معيّنة من البكتيريا [التي تتغذّى على مكوّنات هذه الأطعمة]، كما قد يكون له علاقة أيضاً بنوع المستقلبات التي تنتجها هذه البكتيريا في الأمعاء، والتي تُضعف قدرة الأمعاء على إصلاح نفسها». وتشير بعض الدراسات على نماذج حيوانية أيضاً إلى أن بعض المواد المستحلبة قد يكون لها تأثير سلبي في صحة بطانة الأمعاء.

القلب

مع مرور الوقت، يمكن أن يؤدّي استهلاك كميات كبيرة من الأطعمة فائقة المعالجة إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية المختلفة، من السكتات الدماغية إلى أمراض القلب. وقد نجحت دراسة حديثة في الولايات المتحدة حتى في تحديد أن بعض هذه الأطعمة يبدو أكثر ضرراً على القلب والأوعية الدموية من غيرها، وكان أبرز المتهمين في ذلك المشروبات السكرية واللحوم المصنّعة.

وأظهرت أبحاث أُجريت على الحيوانات أيضاً أن بعض المضافات الشائعة في الأطعمة فائقة المعالجة، مثل الكبريتيت ومحسّن النكهة غلوتامات أحادي الصوديوم (MSG)، ارتبطت بتلف في أنسجة القلب وتصلّب الأوعية الدموية.

في المقابل، لم ترتبط بعض الأطعمة فائقة المعالجة مثل الخبز المعلّب، وحبوب الإفطار، والوجبات الخفيفة المالحة، واللبن أو الحلويات المصنوعة من الألبان، بمستويات عالية من خطر الإصابة بمشكلات القلب والأوعية الدموية.

وتقول جوسييمر ماتّي، الأستاذة المشاركة في التغذية في كلية «هارفارد تي إتش تشان» للصحة العامة: «ليس كل الأطعمة فائقة المعالجة تزيد خطر الإصابة بأمراض القلب». وتضيف: «فبعضها قد يكون محايداً أو حتى واقياً، لأنه يحتوي على عناصر غذائية أخرى مهمة توازن الآثار السلبية».

تشير الدكتورة ماتّي إلى وجود أسباب متعددة تفسّر لماذا تُعدّ اللحوم المصنّعة والمشروبات السكرية ضارّة بشكل خاص بصحة القلب على المدى الطويل. وتقول: «الأطعمة فائقة المعالجة تسهم في زيادة استهلاك السعرات الحرارية، والسكريات المضافة، والصوديوم، والدهون غير الصحية».

وتضيف: «كما أن بعض المركّبات الموجودة في هذه الأطعمة قد تزيد الالتهاب أو تُلحق ضرراً بالبطانة الداخلية للأوعية الدموية (الخلايا التي تُبطّن جدران الأوعية)؛ ما يسهم في تكوّن الترسبات وتلف أنسجة القلب».

الدماغ

قد يؤثّر النظام الغذائي الغني بالأطعمة فائقة المعالجة في المزاج وحدّة التفكير؛ فقد تبيّن أن الإكثار من تناول الوجبات الجاهزة والحلويات يجعل الشخص أكثر عرضة للشعور بالاكتئاب والقلق، ومع مرور الوقت قد يطول هذا التأثير الوظائف المعرفية أيضاً، مثل القدرة على التعلّم والتذكّر والاستنتاج وحلّ المشكلات.

وقد ربطت دراسات عدة بين زيادة استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة وارتفاع خطر الإصابة بالخرف، وفي العام الماضي نشرت مجلة «The American Journal of Clinical Nutrition» دراسة ربطت بشكل خاص بين اللحوم المصنّعة مثل لحم الخنزير المقدد (البايكون) والمشروبات السكرية وبين زيادة خطر التدهور المعرفي.

لماذا يحدث ذلك؟ نعلم أن الأطعمة فائقة المعالجة تُربك عمل الأمعاء، ومن ثم فإن «محور الأمعاء - الدماغ» (الذي يسمح للمواد الكيميائية التي تنتجها الأمعاء بالتأثير في الوظائف الذهنية) قد يقدّم تفسيراً واضحاً لذلك؛ فالأشخاص الذين يعانون التهابات أكثر في الأمعاء نتيجة نظام غذائي سيئ يكونون أكثر عرضة للاكتئاب، في حين أن الذين يستهلكون كميات أكبر من الأطعمة فائقة المعالجة يميلون أيضاً إلى تناول كميات قليلة جداً من الألياف. وهذه الألياف تتحلّل إلى مواد كيميائية مفيدة للأمعاء تُعرف باسم الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، والتي يمكن أن تساعد على حماية الدماغ.

ويقول أليكس دي فيليتشي أنطونيو، الأستاذ المساعد في معهد فرالين للأبحاث الطبية الحيوية في جامعة «فرجينيا تك»: «لقد ثبت أن زيادة محتوى الدهون والسكر تغيّر استجابة الدماغ لمشروب مثل المخفوقات؛ لذلك من المحتمل أن يكون التركيب الغذائي النموذجي لبعض الأطعمة فائقة المعالجة يؤدّي إلى تغيّرات وظيفية في الدماغ».

ما الذي ينبغي فعله؟

رغم أن بوسع كل واحد منا اتخاذ خيارات أفضل لتقليل استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة، فإن الخبراء يرون أيضاً أن على الحكومات أن تقوم بدور أكبر بكثير من خلال اعتماد سياسات غذائية أكثر صرامة. ويدعو فان توليكن إلى فرض تنظيمات أقوى تتعلّق بمحتوى الأطعمة غير الصحية وبطريقة تسويقها.

ويعتقد فان توليكن أنه، على غرار السجائر، ينبغي على الدول اعتماد ملصقات تحذيرية أقوى كثيراً على الأطعمة الغنية بالملح أو الدهون أو السكر أو السعرات الحرارية. ويُطبّق هذا الإجراء بالفعل بنجاح في عدد من دول أميركا الجنوبية والوسطى.

ويقول: «عندما يحمل الطعام ملصقاً تحذيرياً، تُفرض عليه بعدها ضريبة. ولا يعود مسموحاً وضع شخصيات كرتونية عليه، ولا تقديم ادعاءات صحية بشأنه، ولا بيعه للأطفال، ولا تقديمه في المدارس أو المستشفيات أو السجون، كما لا يقوم الجيش بشرائه».

ويضيف: «نحن بحاجة إلى كل هذه الإجراءات، إلى جانب نظام إلزامي ودقيق للإبلاغ عن مبيعات الأطعمة غير الصحية بتفاصيل كثيرة ومفصّلة، حتى نعرف تماماً ما الذي يجري».


في أي عمر تبلغ السعادة والثقة بالنفس الذروة؟

مع التقدّم في العمر يصبح الإنسان أعلى قدرة على تجاوز ضغوط الحياة اليومية (بكساباي)
مع التقدّم في العمر يصبح الإنسان أعلى قدرة على تجاوز ضغوط الحياة اليومية (بكساباي)
TT

في أي عمر تبلغ السعادة والثقة بالنفس الذروة؟

مع التقدّم في العمر يصبح الإنسان أعلى قدرة على تجاوز ضغوط الحياة اليومية (بكساباي)
مع التقدّم في العمر يصبح الإنسان أعلى قدرة على تجاوز ضغوط الحياة اليومية (بكساباي)

تُظهر الأبحاث أنه كلما تقدّم الإنسان في العمر، أصبح أعلى ثقة بنفسه ورضاً عن حياته... «ففي الواقع، يكون الأشخاص بعمر الستينات أميل إلى الشعور بالسعادة»، ووفقاً لإحدى الدراسات، فإنهم يتمتّعون أيضاً بثقة أكبر بالنفس، مقارنة بمعظم من هم في مراحل عمرية أصغر.

فما السر؟ للأسف؛ لا توجد إجابة واحدة، بل مجموعة من العوامل. وفي ما يلي بعض الأمور التي يُرجّح أنها عوامل مساعدة، وفق ما يشير إليه بعض الدراسات العلمية في هذا المجال:

قدرٌ أكبر من الحكمة

تُظهر البيانات أن الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً لديهم أعلى معدلات الاكتئاب. ورغم أن جائحة «كورونا» رفعت هذه المعدلات لدى جميع الفئات العمرية - بمن فيهم الأكبر سناً - فإن من تجاوزوا الخمسين لا يزالون يسجّلون أدنى المعدلات بشكل عام.

في دراسة أُجريت عام 2016، استطلع الباحثون آراء أكثر من 1500 شخص من مختلف الأعمار بشأن صحتهم الجسدية والمعرفية والنفسية. وتبيّن أن الأشخاص في العشرينات والثلاثينات من العمر سجّلوا مستويات أقل من السعادة، مقارنة بمن هم في عقود عمرية أكبر. وقال ديليب جيستي، وهو طبيب نفسي وأحد معدّي الدراسة، لمجلة «تايم»، إن «السبب المرجّح لذلك هو أن الإنسان يصبح مع التقدّم في العمر أكبر قدرة على تجاوز ضغوط الحياة اليومية، كما يصبح - نعم! - أكبر حكمة؛ مما ينعكس زيادة في الشعور بالسعادة».

تزداد الحياة استقراراً مع التقدّم في السن

وجدت ورقة بحثية نُشرت عام 2018 في مجلة «Psychological Bulletin» أن الثقة بالنفس تبلغ أعلى ذروة لها عند سن الستين، ويعزو باحثو الدراسة ذلك على الأرجح إلى بيئة حياتية أعلى استقراراً، ففي هذا العمر، يكون كثيرون قد كوّنوا علاقات متينة، أو نالوا ترقيات في العمل، أو ساعدوا أبناءهم على أن يصبحوا بالغين يمكن الاعتماد عليهم.

كما وجدت إحدى الدراسات أن المشاركين الأصغر سناً كانوا أعلى ميلاً إلى وصف السعادة بأنها لحظات يشعرون فيها بالنشوة أو الابتهاج، وفق ما نقلته مجلة «ذا أتلانتيك». في المقابل، وصف الأكبرون سناً شعورهم بالسعادة بأنه عندما يكونون في حالة سلام أو هدوء أو استرخاء، وهو شعور يرتبط بشكل أكبر بالرضا عن اللحظة الراهنة بدلاً من التحمّس لما هو مقبل.

ويُرجّح معدّو الدراسة أن هذا التغيّر يعود إلى ازدياد الشعور بالترابط مع الآخرين ومع اللحظة الحالية كلما تقدّم الإنسان في العمر.

يقلّ تأثير المشاعر السلبية مع التقدّم في العمر

وجدت أبحاث في تصوير الدماغ، نُشرت عام 2004، أن الأشخاص الأكبر سناً أظهروا نشاطاً أقل في اللوزة الدماغية، وهي المنطقة المرتبطة بالتوتر والاستجابات العاطفية، عندما عُرضت عليهم صور سلبية. وقد يعني ذلك أن الاستجابة التلقائية للمحفّزات العاطفية السلبية تصبح أهدأ وأخْفَتَ مع التقدّم في السن.

لكن هناك بعض التحفّظات التي يجدر ذكرها: فعندما يتعلّق الأمر بالسعادة، يشير كثير من الأبحاث، التي أُجريت على مدى الزمن، إلى أنها تتّبع عموماً منحنى على شكل حرف «U»، أي إن السعادة تكون مرتفعة أيضاً في العشرينات، ثم تنخفض في منتصف العمر، قبل أن تعاود الارتفاع بقوة في أواخر الستينات. وبذلك، لا يكون عقد التقاعد هو المرحلة الوحيدة التي يبلغ فيها الإنسان ذروة شعوره بالسعادة، إذا صحّ التعبير.

وفضلاً عن ذلك، فإن الحقيقة البسيطة هي أن أي شخص يمكنه زيادة شعوره بالرضا أو الثقة بالنفس، فالعمر لا يحدّد بالضرورة مقدار سعادتك، بل عاداتك هي التي تفعل ذلك، وهناك كثير من العادات التي يمكن ممارستها لمساعدتك على الوصول إلى حالة من الصفاء والرضا.