خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)

يروي في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط» تفاصيل عن الصراع على السلطة في سوريا بين 1966 و1970

وزير الدفاع حافظ الأسد بين الرئيس نور الدين الأتاسي (يسار) والقيادي صلاح جديد (الشرق الأوسط)
وزير الدفاع حافظ الأسد بين الرئيس نور الدين الأتاسي (يسار) والقيادي صلاح جديد (الشرق الأوسط)
TT

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)

وزير الدفاع حافظ الأسد بين الرئيس نور الدين الأتاسي (يسار) والقيادي صلاح جديد (الشرق الأوسط)
وزير الدفاع حافظ الأسد بين الرئيس نور الدين الأتاسي (يسار) والقيادي صلاح جديد (الشرق الأوسط)

يروي نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام، في الحلقة الحادية عشرة والأخيرة من مذكراته التي تنشرها «الشرق الأوسط»، تفاصيل الصراع على السلطة في سوريا بين 1966 و1970. بين وزير الدفاع حافظ الأسد والأمين العام المساعد لـ«البعث» صلاح جديد، والمراحل السابقة لذلك منذ تسلم الحزب الحكم، إضافة إلى دوره في نقل «رسائل» من الأسد إلى الرئيس نور الدين الأتاسي الذي كان متحالفاً مع جديد.
ويقول خدام إنه ذهب في نوفمبر (تشرين الثاني) 1970 إلى قيادة الجيش للقاء الأسد و«اقترحتُ إرسال أمناء الفروع في الحزب من العسكريين إلى الأتاسي لشرح الوضع، لأنه قد يكون معتقداً أن اللواء صلاح جديد لا يزال يملك قوة الجيش (...) ذهبوا إلى منزل الأتاسي، فاستقبلهم، وبدأوا الحديث معه عن الأزمة، ففاجأهم بقرار طردهم من الحزب، إذ قال لهم: «باعتباري الأمين العام للحزب، أطردكم». خرجوا من عنده وأبلغوا الأسد. وفي ذلك اليوم، جرى اعتقال أعضاء القيادة القطرية، وبينهم جديد والأتاسي والباقون. ويقول خدام: «هكذا انتهت مرحلة لتبدأ مرحلة أخرى. اجتمعنا مساءً في مكتب الفريق الأسد في الأركان، وكنا مجموعة من (البعثيين) القياديين، واتفقنا على تسمية أحمد الخطيب رئيساً للدولة، والفريق الأسد رئيساً لمجلس الوزراء، وحددنا اليوم التالي لاجتماع لتسمية الوزراء».
كما يروي نظرته إلى التغيرات في مواقف الأسد، قائلاً: «الأسد كان يعتقد أن كلامه هو الصحيح، وما يقوله واجب التنفيذ. كان سريع التأثر بأفراد عائلته... ودائماً، كان يعتقد أنه يسير في الطريق الصحيحة، وإذا طرح موضوعاً فإنه لا يتراجع عنه».
بعد حسم القيادة القطرية لحزب «البعث» الحاكم، صراعها مع القيادة القومية بتاريخ 23 فبراير 1966. أحكمت السيطرة على البلاد، ونهجت نهجاً «ستالينياً» متطرفاً، وتخلت عن مبادئ الحزب الأساسية التي كانت تدعو إلى الحرية والديمقراطية.
وانعكس هذا النهج بعداء من غالبية السوريين للحزب ونظامه، وتراجع الاقتصاد الوطني، فاستخدم النظام القمع والاعتقال للسيطرة على البلاد. وتشكلت وقتذاك، مجموعات صغيرة من «البعثيين» القياديين من مختلف المحافظات، كنت أنا بينهم، حيث كانت تجري الاتصالات بينهم بصورة شخصية مباشرة حتى لا يتسرب الأمر إلى القيادة.
في تلك الفترة، زرت أنا عبد الله الأحمر ونبيه حسون، وكل منهما أمين فرع للحزب، وزير العمل محمد رباح الطويل. وخلال الزيارة بدأ الطويل حملة هجوم على القيادة، شارك بها الأحمر ونبيه حسون. اتخذت موقف الصمت، وأحياناً موقف النقد للوزير، وقلت له: «لماذا تهاجم القيادة معنا، ولماذا لا تعبر عن آرائك في الاجتماعات؟». بعد أيام، تشكلت لجنة حزبية للتحقيق معنا. هذه الأجواء دفعتنا، نحن وغيرنا، للبحث عن مخرج لإنقاذ الحزب.
في عام 1968، عقد مؤتمر قطري للحزب في يعفور، قرب دمشق. وفي اللجنة العسكرية للمؤتمر طرح وزير الدفاع حافظ الأسد مشروعاً لإقامة جبهة عسكرية تتكون من سوريا والأردن والعراق، فتصدت القيادة لذلك بالرفض، معتبرة عدم جواز التعامل مع الأردن لأنه «عميل أميركي». كما رفضت التعاون مع العراق نظراً للتوترات القائمة بين البلدين. وقبل أن تنتهي جلسات المؤتمر، تحدث الأسد وأدلى بمواقف تتعارض مع مواقف النظام، ومنها أن الصراع مع إسرائيل «ليس سورياً وإنما هو صراع بين العرب جميعاً وإسرائيل، وبالتالي يجب تجاوز الخلافات مع الدول العربية والعمل على ضمها للصراع»، ثم انسحب ومعه العسكريون، فتوقف المؤتمر.
تدخل إبراهيم ماخوس، وحاول إقناع كل من رئيس الدولة نور الدين الأتاسي والأمين العام للحزب صلاح جديد ووزير الدفاع بتغيير مواقفهم، على أن يتسلم الأسد رئاسة الوزراء ويترك وزارة الدفاع. لكن الأسد رفض هذا الاقتراح، وتصاعدت الحملات بين فريقي القيادة. وفي تلك المرحلة، جرت اتصالات بيننا وبين الأسد، واتفقنا على أن ننقل للناس قناعاتنا بمشاركتهم في السلطة وتغيير نهج القمع.
وفي أواخر عام 1968، عقد مؤتمر قطري استثنائي في المسرح العسكري في دمشق، وكان منقسماً إلى قسمين: الأكثرية مع القيادة القطرية، والأقلية تعارضها. وتحدثت في ذلك المؤتمر مطولاً، وانتقدت بشدة القيادة القطرية، وطالبت بالعودة إلى مبادئ الحزب الأساسية وضمان الحرية ومشاركة الناس. قاطعتني إحدى الرفيقات قائلة: «لماذا لم تتحدث هكذا في المؤتمرات السابقة؟»، فأجبتها بحادثة وقعت مع الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي نيكيتا خروتشوف، الذي تولى السلطة بعد وفاة ستالين: خطب خروتشوف ضد ستالين، فوقف أحد أعضاء الحزب الشيوعي، وسأله: «لماذا لم تقل ذلك عندما كان ستالين حياً؟»، فغضب الأمين العام غضباً شديداً، ونزع حذاءه وأخذ يضرب به على الطاولة قائلاً: «في هذا المؤتمر جواسيس للأميركيين. الآن سأكشف هؤلاء الجواسيس». صمت الجميع صمت القبور. وبعد دقائق قال خروتشوف: «أرأيتم لماذا لم أهاجم ستالين؟».
بعد خطابي، تعرضت لحملة من مؤيدي القيادة القطرية، ولم يسفر المؤتمر عن حل للأزمة. جرت اتصالات بين الأتاسي والأسد، أسفرت عن اتفاق لتشكيل حكومة جديدة يشارك فيها أعضاء من القيادة القومية للمساعدة في تبريد الأجواء والبحث عن حلول، فشكل الأتاسي الحكومة التي جمعت أعضاء من الفريقين، وتوليت فيها وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية.
لم تستطع هذه الحكومة حل الأزمات الداخلية في البلاد وحل الأزمة الحزبية، فازدادت الأمور سوءاً. قررت القيادة القطرية أن تلعب آخر أوراقها، فدعت إلى مؤتمر قومي بهدف اتخاذ قرارات تبعد الأسد عن قيادة الحزب والسلطة، وعُقد المؤتمر في منتصف نوفمبر.
وفي الجلسة الأولى اشتدت الحملة على وزير الدفاع، فاجتمعنا في مكتب اللواء ناجي جميل (الذي سلمه الأسد قيادة القوى الجوية، المنصب الذي كان يشغله)، وحضر الاجتماع كل من الأسد وجميل ومحمد حيدر وعز الدين إدريس وأنا. ناقشنا وضع المؤتمر، واقترحت كتابة خطاب يلقيه الأسد في المؤتمر، يتضمن مجموعة من المبادئ التي تثير حماسة السوريين، ومنها إطلاق الحريات، ومشاركة السوريين في السلطة، والسماح بحرية الأحزاب والإصلاح الاقتصادي. واتفقنا على هذه المبادئ، وكتبتها أنا والرفيقان حيدر وإدريس، وأرسلناها للأسد، فقرأها في الجلسة الثانية، وأدت إلى بلبلة في المؤتمر، إذ خطب بعده (يوسف) زعين ومصطفى رستم وأيدا ما جاء في الكلمة، وأُجِّلت الجلسة إلى اليوم الثاني. وفي صباح اليوم التالي غادر الأعضاء العرب، ولم تعقد جلسات المؤتمر.
اتصل بي الأسد وطلب مني أن أعرج عليه لبحث الوضع، فذهبت إلى مكتبه، وبدأ الحديث بقوله: «أنا لا أريد القيام بانقلاب عسكري. أريد إصلاح الحزب وإصلاح البلاد». واتفقنا على أن أذهب إلى الأتاسي وأناقشه في الوضع، لأؤكد له أنه لا نية للأسد بعمل عسكري. وبالفعل، توجهت إلى بيت الأتاسي، وكان عنده الدكتور مصطفى حداد، وشرحت له ما أبلغني إياه وزير الدفاع، وقلت له: «أنت أمين عام الحزب، والمطلوب منك أن تعمل على إنهاء الأزمة»، فأجابني بانفعال أن «الأزمة لا تنتهي إلا بمغادرة الأسد ومن معه من ضباط البلاد». فأجبته: «هل تعتقد بوجود إمكانية لمثل هذا القرار؟». قال: «ليس هناك حل آخر». فأجبته: «البحث عن حل أفضل من دفع الأمور لحل عسكري». وأيدني بذلك الدكتور حداد، لكن الأتاسي بقي على موقفه، فتدخل زعين، وكان شديد التوتر، وحاول تهدئة الوضع، لكن الانفعال أغلق الأبواب.
عدت إلى قيادة الجيش، وأبلغت الأسد بالأجواء، فأبدى امتعاضاً شديداً، وسألني: «ما العمل؟»، فاقترحت عليه إرسال أمناء الفروع في الحزب من العسكريين إلى الأتاسي لشرح الوضع، لأنه قد يكون معتقداً أن اللواء صلاح جديد لا يزال يملك قوة الجيش. وبالفعل، تم الاتصال مع أمناء الفروع، وجلبتهم من أماكنهم البعيدة طائرة خاصة. وبعد وصولهم ومقابلتهم الفريق الأسد، ذهبوا إلى منزل الأتاسي، فاستقبلهم، وبدأوا الحديث معه عن الأزمة، ففاجأهم بقرار طردهم من الحزب، إذ قال لهم: «باعتباري الأمين العام للحزب، أطردكم». خرجوا من عنده وأبلغوا الأسد. وفي ذلك اليوم، جرى اعتقال أعضاء القيادة القطرية، وبينهم جديد والأتاسي والباقون. وهكذا انتهت مرحلة لتبدأ مرحلة أخرى.
اجتمعنا مساءً في مكتب الفريق الأسد في الأركان، وكنا مجموعة من «البعثيين» القياديين، واتفقنا على تسمية أحمد الخطيب رئيساً للدولة، والفريق الأسد رئيساً لمجلس الوزراء، وحددنا اليوم التالي لاجتماع لتسمية الوزراء.
وفي ذلك اليوم، ذهبت مع الأسد إلى مجلس الوزراء.
وبعد تسلمه السلطة وقيامه بزيارات لجميع المحافظات، استقبِل خلالها استقبالاً لم يكن له مثيل بسبب الأوضاع القاسية التي كانت سائدة في مرحلة القيادة القطرية، والنهج المتشدد الذي سلكته في مختلف مجالات الحياة. رسَّخت تلك الزيارات لدى الأسد الشعور بأنه «محبوب الشعب»، ويستطيع أخذ القرارات التي يريد، وممارسة العمل الذي يقتنع به. لذلك شكل لجنة لوضع دستور جديد.
تم وضع هذا الدستور، وتضمن إعطاء رئيس الجمهورية صلاحيات مطلقة لم يمارسها أي رئيس ديمقراطي أو ديكتاتوري. وأُسجل بعض نصوص الدستور التي توضح طبيعة النظام وأسباب السلوك في قيادة الدولة.
فقد نصَّت المادة 91 على «ألا يكون رئيس الجمهورية مسؤولاً عن الأعمال التي يقوم بها في ممارسة مهامه، إلا في حالة الخيانة العظمى، ويكون طلب اتهامه بناء على اقتراح من ثلث أعضاء مجلس الشعب على الأقل، وقرار من مجلس الشعب بتصويت علني وبأغلبية ثلثي أعضاء المجلس، في جلسة خاصة سرية. ولا تجري محاكمته إلا أمام المحكمة الدستورية العليا». ففي هذه المادة، لا يمكن اتهام رئيس الجمهورية بالخيانة العظمى ولو كانت ظاهرة، لأن الشروط الموضوعة يستحيل عبرها الاتهام. فمن سيجرؤ على اتهام رئيس ديكتاتوري وهو في السلطة.

كما جاء في الفقرة الثانية من المادة 92: «يمارس رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية نيابة عن الشعب ضمن الحدود المنصوص عنها في هذا الدستور». أي أنه وضع نفسه في مكان الشعب السوري. وهذا يعني أن كل ما يقوم به هو تعبير عن موافقة الشعب على هذا العمل. وليس هناك في دستور أي دولة ديمقراطية أو شمولية مثل هذا التفويض، لأن التفويض يكون للسلطة التشريعية، وليس من حق رئيس الجمهورية في كل القواعد الدستورية في العالم مثل هذا التفويض (...).
ليست هناك في أي دولة تعتبر نفسها دولة ديمقراطية نصوص تعطي مثل هذه الصلاحيات لرئيس الدولة. وخلال ثلاثين عاماً من المرحلة التي حكم فيها الأسد، وضمن ما منحه الدستور من صلاحيات، ازدادت معاناة الناس، وازداد القمع، واستخدم صلاحياته الدستورية لإرهاب المواطنين وتخويفهم، وشهدت سوريا مرحلة غابت فيها الحرية وانتشر الخوف، وتحولت الدولة إلى دولة بوليسية. ومات كثير من «البعثيين» في السجون، وأبرزهم اللواء صلاح جديد، أحد أعضاء اللجنة الخماسية العسكرية التي استولت على السلطة في الثامن من مارس (آذار) 1963. وكان أميناً عاماً مساعداً للحزب، وعُرف بتشدده وسلوكه النظيف، ولم يكن يترك لأي من أقربائه التدخل في شؤون الدولة (...).
كانت مشكلة الدولة والحزب أن الأسد كان يعتقد أن كلامه هو الصحيح، وما يقوله واجب التنفيذ. كان خطابه مليئاً بالمُثل والقيم، في الوقت الذي كان فيه الواقع غير ذلك. كان سريع التأثر بأفراد عائلته، وحول «الجمهورية الديمقراطية» التي نص عليها الدستور إلى دولة ديكتاتورية، فأسقط دور الشعب ودور الحزب. ودائماً، كان يعتقد أنه يسير في الطريق الصحيح، وإذا طرح موضوعاً فإنه لا يتراجع عنه.
عرفت الرئيس حافظ منذ أواخر عهد الأربعينات، عندما كنا طلاباً، وعرفت جميع أعضاء اللجنة العسكرية، من محمد عمران إلى صلاح جديد وعبد الكريم الجندي وأحمد الأمير، وكلهم كانوا يختلفون عنه بالفكر وبالسلوك.
عرفت اللواء صلاح جديد، وكنا زملاء في الدراسة وأصدقاء، وكانت هناك علاقات صداقة بين عائلتينا. وأذكر ذلك لأضع الفارق بين الرجلين (الأسد وجديد)، وكلاهما كان له دور في استيلاء الحزب على السلطة.
كان سلوك جديد مستقيماً ونزيهاً. وأذكر في هذا المجال الحادثة الآتية: زارتني أمه في منزلي في اللاذقية، وطلبت مني أن أتحدث مع ابنها صلاح لتعيين صهره حسن مخلوف في وظيفة، لأنه جائع. وبالفعل، بعد أيام، كان لدي عمل في دمشق، فاتصلت باللواء صلاح ودعاني إلى الغداء في منزله. وبعد تناول طعام الغداء قلت له: «أحمل رسالة لك من والدتك»، وأبلغته رسالة أمه. انتفض بشدة وقال: «لا يمكن أن أسجل على نفسي أني تصرفت خارج سلوكي، وخارج ما يفرضه موقعي. فليمُت جوعاً، وهذا الأمر لن أقبل بممارسته». قلت له: «يمكن أن أتحدث مع الأستاذ عادل السعدي، مدير إحدى المؤسسات الاقتصادية في الدولة لتعيينه في مرفأ اللاذقية»، فأجابني: «لا تفعل ذلك، لأنه إذا تم تعيينه فسيقول الناس إني تدخلت. إذا عينه عادل السعدي فسأعمل على تسريحه».
كانت علاقاتي مع الأسد جيدة أحياناً، ومتوترة أحياناً أخرى، وفي مرحلة توصلنا إلى قطيعة دائمة، وكان ذلك بعد ترشيح رفيق الحريري رئيساً للحكومة اللبنانية عام 1992، وكان الترشيح بقرار من الأسد، بعد نقاش جرى بيني وبينه في اللاذقية، وتبين لنا أن مصلحة سوريا ولبنان أن يشكل الحريري الحكومة.
بعد تكليفه بتشكيل الحكومة اللبنانية، جاء الحريري إلى دمشق لمعرفة ماذا نريد، وهل لنا مرشحون في الحكومة اللبنانية، أم لا. عرضت الموضوع على الأسد، فطلب تشكيل لجنة منّي ومن حكمت الشهابي رئيس الأركان، والعميد غازي كنعان رئيس فرع الأمن العسكري في لبنان، لنجتمع مع الحريري للاتفاق معه على الأسماء. وبالفعل، عقدنا الاجتماع في منزلي، ووضعنا لائحة بعدد كبير من الأسماء لمناقشتها والاتفاق على الأشخاص.
بدأنا بالمناقشة، وكنا كلما اتفقنا على اسم أذهب إلى الهاتف وأبلغ الرئيس حافظ به، فيسألني عن مواصفاته. وأبلغته برأي كل واحد من أعضاء اللجنة، فوافق على كل الأسماء. وبين الأسماء سليمان طوني فرنجية الذي سميناه وزيراً للشؤون البلدية والقروية، فوافق عليه الأسد.
أخذ السيد رفيق الحريري الأسماء إلى بيروت، وأطلع عليها السيد نبيه بري فوافق على الأسماء، كما أطلع رئيس الجمهورية.
وفي صباح اليوم التالي لإقرار الأسماء، اتصل بي الرئيس حافظ وتحدث بلهجة منفعلة قائلاً: «أنت لا تعمل لمصلحة الدولة وإنما تعمل لمصالحك الخاصة». شعرت بكثير من الغضب، وأجبته بانفعال: «أنا لا أعمل لمصلحتي. وضعنا سليمان فرنجية وزيراً للشؤون البلدية (...) وأنا حرصت على حماية سمعتك وسمعة الدولة».
انتهت المحادثة، وبقينا أكثر من شهر لا يتحدث أحدنا إلى الآخر. وبعد تلك المدة، اتصل بي هاتفياً قائلاً: «أنت لا تشتاق لأحد؟»، فأجبته: «أنت رئيس الدولة وأنت تحدد المواعيد»، فقال: «أنا أنتظرك الساعة الثامنة مساء».
- خدام: خضنا حرب 1967 من دون ولاء للوطن ولا عسكر
> لم تكن «هزيمة يونيو (حزيران)» حدثاً عابراً في تاريخ المنطقة وفي دولها، لا سيما دول المشرق العربي. لقد أدت هذه الهزيمة إلى تغيير عميق في مسار الصراع العربي - الإسرائيلي. قيل الكثير عن هذه الحرب وعن أسبابها، وكثرت التساؤلات والاتهامات، ومن هذه التساؤلات: كيف نجحت إسرائيل في حربها مع ثلاث دول عربية، هي سوريا ومصر والأردن؟
رأيت من واجبي، وقد تابعت تلك الأحداث الخطيرة منذ الحرب العربية - الإسرائيلية في عام 1948، أن أتطرق إلى هذا الأمر، وقد توصلت إلى الأسباب التالية لهذه الهزيمة:
> أولاً: لم تتخذ الدول العربية بعد «نكبة فلسطين» إجراءات لدراسة أسباب «النكبة» وعوامل الضعف في الموقف العربي. القرار الذي تم اتخاذه هو توقيع «اتفاقية الدفاع العربي المشترك»، وهي جيدة في نصوصها، ولكنها بقيت معطلة لعدم إنشاء مؤسساتها وأدواتها، على غرار ما جرى بعد ذلك في حلف شمال الأطلسي (ناتو) في دول الغرب، وحلف وارسو في دول شرق أوروبا.
> ثانياً: الانقسامات في الساحة العربية، وتشكيل كتلتين سياسيتين: الأولى تضم المملكة العربية السعودية ومصر وسوريا، والثانية تضم العراق والأردن. وزاد الوضع حدة بعد مشاركة العراق في «الحلف المركزي» الذي تشكل من إيران وتركيا والعراق، تحت رعاية بريطانيا ومشاركتها، وكان الهدف من تشكيل «الحلف المركزي» منع التسلل السوفياتي إلى دول الشرق الأوسط.
> ثالثاً: لم تشكل الكتلة المشكلة من المملكة العربية السعودية ومصر وسوريا، هيكلاً دفاعياً.
> رابعاً: في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة ودول الغرب تحتضن إسرائيل وتقدم لها المساعدات المالية والعسكرية، كانت الدول العربية دون أي حليف يقدم لها العون العسكري الذي يمكِّنها من حماية أرضها والدفاع عن نفسها.
إن دعوة الاتحاد السوفياتي للرئيس شكري القوتلي لزيارة موسكو عام 1955 أدت إلى عقد صفقة سلاح مع سوريا، كما حدث ذلك مع مصر. لكن الدولتين لم تتخذا قراراً حاسماً بتحديد طبيعة العلاقات مع السوفيات، تمكنهما من الحصول على دعم عسكري يوازي الدعم العسكري الذي كانت تحصل عليه إسرائيل، لأن الدولتين وقفتا عند حدود الصداقة، ولم تجرؤا على الانتقال إلى مرحلة التحالف، بسبب ما يمكن أن تقوم به بعض الدول العربية والغرب من ضغوط. وهذا الأمر ليس له مبرر. فلو اتخذت الدولتان مثل هذا القرار وتفاوضتا مع الاتحاد السوفياتي، لكان من الممكن أن تحصلا على الرأي الصائب.
> خامساً: من الأسباب الأساسية الأخرى، اتخاذ الدولتين قرار تحويل الجيش من الولاء للوطن إلى الولاء للنظام. وأدى هذا القرار إلى تسريح أعداد كبيرة من الضباط في الدولتين. ففي سوريا، ارتكب «البعثيون» خطأً فادحاً في تحويل «البعث» إلى حزب شمولي ينفرد بالسلطة وبالقرار، وأدى ذلك إلى تسريح الضباط «الناصريين»، في الوقت الذي تم فيه توقيع الاتفاق الثلاثي بين مصر وسوريا والعراق، وتضمن هذا الاتفاق اتحاداً بين الدول الثلاث.
كما أقدمت اللجنة العسكرية التي أصبحت ممسكة بالقوات المسلحة على تسريح اللواء زياد الحريري وأصدقائه من الجيش السوري، كما سرحت أعداداً كبيرة من الضباط غير «البعثيين»، باتهامهم بـ«الرجعية». وهكذا، أُفرغ الجيش من الضباط الأكفاء من جهة، ومن جهة أخرى تمت دعوة الضباط المجندين الموجودين في الاحتياط إلى الخدمة العسكرية، باعتبارهم موثوقين لأنهم «بعثيون».
إلى جانب ذلك، فإن القيادة الحزبية اتبعت نهجاً متشدداً في الداخل وفي علاقاتها الخارجية، لا سيما مع الدول العربية، مما وضعها في عزلة. في تلك الظروف وقع العدوان الإسرائيلي على مصر وسوريا والأردن، بتاريخ الخامس من يونيو (حزيران) 1967.

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)

خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة) 
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)
خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)



الحكومة اليمنية تحشد أوروبياً لمواجهة الحوثيين وحماية الملاحة

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تحشد أوروبياً لمواجهة الحوثيين وحماية الملاحة

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)

كثفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية في العاصمة الألمانية برلين، لحشد دعم سياسي واقتصادي أوروبي يعزز قدرتها على مواجهة التصعيد الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة، بالتزامن مع تحذيرات من امتداد تهديد الجماعة المدعومة من إيران، إلى أمن الملاحة الدولية ومصالح التجارة العالمية، ودعوات لتصحيح ما وصفته الحكومة بالسرديات المغلوطة بشأن الأزمة اليمنية.

وأكدت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين، الدكتورة أفراح الزوبة، خلال سلسلة لقاءات واجتماعات مع مسؤولين وبرلمانيين ألمان ودبلوماسيين عرب وخبراء وممثلي مراكز أبحاث، أن استمرار التساهل الدولي مع الانتهاكات الحوثية شجع الجماعة على توسيع أنشطتها المزعزعة للاستقرار، ونقل تهديداتها من الداخل اليمني إلى الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.

وفي جلسة طاولة مستديرة نظمتها مؤسسة «كوربر» الألمانية ضمن فعالية «إفطار برلين السياسي»، استعرضت الوزيرة جذور الأزمة اليمنية منذ انقلاب الحوثيين على التوافق الوطني والحكومة الشرعية في سبتمبر (أيلول) 2014، واجتياحهم العاصمة صنعاء بقوة السلاح، وتقويض مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وصولاً إلى التصعيد العسكري الأخير ومحاولات استهداف الملاحة الدولية في مضيق باب المندب.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (أ.ف.ب)

وقالت الزوبة إن السلوك التصعيدي للجماعة يشكل تهديداً مباشراً للسلم والأمن الإقليميين والدوليين، محذرة من أن الصمت الدولي والتساهل مع انتهاكاتها يمنحانها مساحة لمواصلة تهديد حركة التجارة العالمية.

تمدد التهديد الحوثي

ضمن التحركات نفسها، حذرت الوزيرة اليمنية، خلال مشاركتها في طاولة مستديرة أخرى نظمتها مؤسسة «كونراد أديناور» الألمانية، من امتداد التهديد الحوثي إلى أمن المنطقة والملاحة الدولية، مشيرة إلى استهداف خطوط الملاحة والتنسيق مع جماعات إرهابية في القرن الأفريقي، من بينها حركة الشباب الصومالية.

وربطت الزوبة بين رفض الحوثيين جهود السلام ومحاولاتهم فرض السيطرة على مضيق باب المندب، وإطلاق عملية «فجر اليمن»، قائلة إن العملية تستهدف استعادة مؤسسات الدولة وحماية الممرات البحرية من التهديدات التي تطال الملاحة والتجارة الدولية.

حراك يمني من برلين لدعم الحكومة في مواجهة الحوثيين (سبأ)

ودعت المشاركين من المسؤولين والخبراء وأعضاء الحزب الحاكم في ألمانيا، إلى نقل صورة دقيقة عن التطورات اليمنية إلى مؤسساتهم وصناع القرار، وتصحيح السرديات المغلوطة بشأن الأزمة، بما يضمن إيصال صوت اليمنيين وتداعيات التصعيد العسكري والإنساني عليهم.

وفي هذا السياق، شددت على أن دعم الحكومة اليمنية سياسياً واقتصادياً وإنسانياً، يمثل مدخلاً أساسياً لتعزيز قدرتها على الاضطلاع بمسؤولياتها، وترسيخ الاستقرار واستعادة مؤسسات الدولة.

حصار تعز والعقاب الجماعي

احتل الوضع الإنساني في مدينة تعز جانباً رئيسياً من مباحثات الوزيرة؛ إذ سلطت الضوء على استمرار الحصار الحوثي وما يترتب عليه من منع دخول الغذاء والدواء والإمدادات الأساسية، وإغلاق منشآت صحية، وعرقلة إجلاء المرضى والجرحى عبر ممرات آمنة.

وأكدت أن هذه الممارسات تمثل عقاباً جماعياً بحق المدنيين، وتفاقم معاناة الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها النساء والأطفال، مشيرة إلى أن الحصار تسبب في وفاة عدد من المدنيين نتيجة تعذر حصولهم على الرعاية والإمدادات الطبية اللازمة.

وخلال لقائها رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الألماني، أرمين لاشيت، بحثت الزوبة تطورات الأزمة اليمنية وانعكاساتها الإقليمية، مؤكدة أن تهديد حرية الملاحة والتجارة العالمية يمثل امتداداً للسلوك الحوثي المزعزع للاستقرار منذ سيطرة الجماعة على مؤسسات الدولة.

الحكومة اليمنية تسعى لاستقطاب الدعم السياسي والإنساني الأوروبي (سبأ)

كما استعرضت الزوبة الجهود التي تبذلها الحكومة المعترف بها دولياً انطلاقاً من العاصمة المؤقتة عدن للنهوض بالمسؤوليات الخدمية والتنموية، مشددة على أن استقرار مؤسسات الدولة وتأمين مواردها الذاتية يمثلان مدخلاً رئيسياً لمعالجة الأزمة الإنسانية بصورة مستدامة.

ودعت ألمانيا والشركاء الأوروبيين إلى تقديم دعم سياسي واقتصادي عاجل للحكومة، مع التركيز على بناء القدرات الوطنية، خصوصاً قوات خفر السواحل ومراقبة الحدود البحرية، بما يعزز قدرتها على مكافحة تهريب الأسلحة والتقنيات العسكرية الإيرانية إلى الحوثيين.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني عن لاشيت أنه أعرب عن قلقه إزاء الانتهاكات الحوثية لحقوق الإنسان، لا سيما تجنيد الأطفال وتدهور الأوضاع المعيشية للمدنيين، مؤكداً أن استهداف الملاحة في البحر الأحمر يمس الأمن الاقتصادي لدول الاتحاد الأوروبي والعالم.

وشدد المسؤول الألماني على ضرورة تطوير البرلمان والحكومة في بلاده، بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، استراتيجية جديدة للتعامل مع الملف اليمني تتواكب مع التطورات المتسارعة وتحمي الأمن الإقليمي والدولي.


مخاطر وبائية تحاصر تعز ومساعدات أممية معلَّقة في الضالع

أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)
أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)
TT

مخاطر وبائية تحاصر تعز ومساعدات أممية معلَّقة في الضالع

أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)
أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)

تفاقمت التداعيات الإنسانية والصحية للحصار الحوثي المفروض على مدينة تعز اليمنية، مع دخول الهجمات العدوانية على المدينة شهرها الثاني، وسط تراجع الخدمات الأساسية وارتفاع مؤشرات انتشار الأمراض الوبائية، في وقت علَّقت فيه الأمم المتحدة إيصال المساعدات إلى مديرية قعطبة شمال محافظة الضالع، ومخيمات النازحين المجاورة، إثر سقوط صاروخ حوثي بالقرب من مناطق إيوائهم.

وفي مواجهة تدهور الأمن الغذائي، أطلق برنامج الأغذية العالمي وشركاؤه مبادرة لتوفير وجبات غذائية طارئة للأسر الأكثر احتياجاً في مدينة تعز، تعتمد على مكونات غذائية من مصادر محلية، وتستهدف في مرحلتها الأولى ألفي أسرة موزعة على ثلاث مديريات.

وتأتي المبادرة في وقت تواجه فيه المدينة، التي يفرض الحوثيون عليها حصاراً متجدداً، أزمة متفاقمة في الخدمات الأساسية، خصوصاً المياه والصحة والنظافة، مع تزايد صعوبة وصول السكان إلى الاحتياجات الضرورية.

السكان في مدينة تعز يعانون من أزمة مياه خانقة منذ بدء حصار الحوثيين (إعلام محلي)

ووفقاً لبيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، اضطر أكثر من 310 آلاف شخص إلى مغادرة منازلهم في اليمن منذ بداية أغسطس (آب)، بينهم نحو 135 ألف نازح لا يزالون داخل محافظة تعز، يمثلون أكثر من 40 في المائة من إجمالي النازحين حديثاً.

وفيما يتعلق بالاستجابة للاحتياجات الطارئة، تمكن الشركاء الإنسانيون من تقديم مساعدات إيوائية لنحو 5600 أسرة نازحة، من أصل أكثر من 51 ألف أسرة نزحت منذ أغسطس، فيما يجري التخطيط لتوزيع مستلزمات الإيواء والخيام على 4600 أسرة إضافية.

تعليق المساعدات في الضالع

في شمال محافظة الضالع، فرضت المخاوف الأمنية قيوداً جديدة على العمليات الإنسانية، بعدما سقط صاروخ أطلقه الحوثيون على بُعد نحو كيلومتر واحد من مدينة قعطبة، بالقرب من مناطق تستضيف نازحين.

وأفادت التقارير الأولية بإصابة عدد من المدنيين جراء الحادثة، مما دفع إلى تعليق إيصال المساعدات الإنسانية إلى المديرية ومخيمات النازحين المجاورة، كإجراء احترازي في ظل المخاطر التي تهدد سلامة العاملين والمستفيدين من الإغاثة.

ويأتي هذا التعليق ليضيف عقبة جديدة أمام جهود الاستجابة الإنسانية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الناجمة عن موجات النزوح والتصعيد العسكري، خصوصاً في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من الأسر الفارة من المواجهات.

مؤشرات وبائية مقلقة

في تعز، حذّر مكتب الصحة العامة والسكان من تزايد المخاطر الصحية والوبائية نتيجة استمرار الحصار وتراجع الخدمات الصحية والبيئية، مستنداً إلى مؤشرات رصدت انخفاضاً في الاستشارات الطبية وارتفاعاً في بعض الأمراض المعدية.

وأظهر تقرير إدارة الترصد الوبائي تراجع متوسط الاستشارات الطبية الأسبوعية بنسبة 27 في المائة، من 24 ألفاً إلى نحو 17.5 ألف استشارة، في مؤشر يعكس تراجع قدرة المرافق الصحية على تقديم الخدمات والوصول إلى المرضى.

تكدس القمامة يضاعف مخاطر انتشار الأمراض الوبائية في تعز (إعلام محلي)

وفي المقابل، ارتفعت حالات حمى الضنك المشتبه بها بنسبة 26 في المائة على مستوى المحافظة، فيما بلغت الزيادة 71 في المائة داخل مدينة تعز لكل ألف استشارة. كما سجلت حالات النكاف ارتفاعاً بنسبة 94 في المائة.

ورصد التقرير انخفاضاً بنسبة 50 في المائة في الحالات المشتبه بإصابتها بالحصبة والسعال الديكي والتهاب السحايا، بالتزامن مع تراجع عمليات التطعيم والاحتواء الوبائي بنسبة 40 في المائة، وهو ما يثير مخاوف من اتساع فجوات الوقاية والكشف المبكر.

أما الأمراض المنقولة بالمياه، فقد أظهرت البيانات انخفاض حالات الكوليرا المشتبه بها بنسبة 42 في المائة، مقابل ارتفاع معدل الإسهال المائي في المدينة بنسبة 22 في المائة، وسط تحذيرات من تلوث مصادر المياه وتراكم النفايات وضعف خدمات الصرف الصحي.

تراجع الاستجابة

لفت التقرير الصحي إلى تراجع أنشطة الاستجابة الوبائية، إذ انخفضت التنبيهات بنسبة 19 في المائة، والزيارات المنزلية لفرق الاستجابة بالنسبة نفسها، فيما تراجعت العينات المخبرية بنسبة 22 في المائة. وحذّر من أن انخفاض أعداد الحالات المسجلة لا يعني بالضرورة تحسن الوضع الوبائي، إذ قد يكون نتيجة تقلص الوصول إلى الخدمات الصحية وضعف أنشطة الترصد.

وتتضاعف هذه المخاطر مع نقص الوقود والمستلزمات الطبية وتوقف عمليات رفع النفايات، التي تتراوح كمياتها في المدينة بين 500 و600 طن يومياً، بما يهدد استمرار الخدمات الصحية، بما فيها تشغيل حاضنات الأطفال وأجهزة غسيل الكلى.

الحوثيون يمنعون إخراج النفايات من مدينة تعز المحاصرة وهو ما يهدد بكارثة صحية (أ.ب)

وطالب التقرير الحكومي بتوفير 1200 لتر من الديزل يومياً لصندوق النظافة، إلى جانب تكثيف حملات مكافحة البعوض وتعقيم المياه، ودعم المرافق الصحية بالوقود والمستلزمات الطبية، وتعزيز برامج التطعيم والترصد الوبائي، وتوفير فرق طبية متنقلة للوصول إلى المناطق الريفية.

وتعكس هذه المؤشرات اتساع الضغوط التي يواجهها سكان تعز، حيث يتزامن الحصار وتراجع الخدمات مع موجات النزوح ونقص الاحتياجات الأساسية، في وقت باتت فيه المخاطر الصحية والبيئية تهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية، وتضع المرافق الصحية أمام تحديات متزايدة للحفاظ على الحد الأدنى من خدماتها.


«باليستي» حوثي يقتل ويصيب مدنيين في تعز

مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
TT

«باليستي» حوثي يقتل ويصيب مدنيين في تعز

مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)

دخلت عملية «فجر اليمن» شهرها الثاني بتأكيد رئاسي على استمرارها حتى استعادة مؤسسات الدولة، بالتزامن مع صدور تقرير لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن عن استمرار الجماعة في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقّدة، في حين تسبب قصف حوثي بصاروخ باليستي في سقوط قتلى وجرحى في عملية وصفتها الحكومة اليمنية بـ«جريمة حرب».

وشهدت المواجهة العسكرية في اليمن مرحلة جديدة من التصعيد، مع اتساع رقعة المعارك بين القوات الحكومية والجماعة الحوثية في محافظات تعز ولحج ومأرب والجوف، وتزايد المخاوف على المدنيين والملاحة الدولية في البحر الأحمر.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في بيان للمجلس، الخميس، استمرار العمليات العسكرية حتى تحقيق أهدافها المعلنة، وفي مقدمتها إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية.

وقال المجلس إن القوات المسلحة نفّذت، منذ الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكثر من 40 ألف عملية استهداف عسكرية في مختلف الجبهات، أسفرت، وفق حصيلته، عن تحييد نحو 20 ألفاً من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير وإعطاب أكثر من خمسة آلاف آلية ومعدة عسكرية.

مقاتلو الجيش اليمني في أحد المواقع بمحافظة الجوف (أ.ف.ب)

وتعكس هذه الأرقام، حسب المجلس، حجم العمليات العسكرية خلال الشهر الأول، في حين تتواصل المواجهات على عدة محاور، وسط تحركات حكومية لإعادة ترتيب بعض القيادات العسكرية والأمنية.

وبينما واصلت الجماعة الحوثية أعمالها العدائية واستهدافها للمدنيين والمنشآت الحيوية المدنية داخل البلاد وخارجها، إلى جانب استخدام مقرات أممية للعمليات العسكرية، كشف تقرير أممي عن استمرارها في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقّدة.

كما أثار إعلان الحكومة اليمنية استخدام الحوثيين في الساحل الغربي مبنى تابعاً للأمم المتحدة في مديرية المخا مركزاً للعمليات العسكرية ومنصة لإطلاق الصواريخ مخاوف جديدة بشأن سلامة المنشآت الإنسانية والعاملين الأمميين.

معارك متعددة

أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع عسكرية في منطقتي الصراري بمديرية صبر الموادم وصنمات بمديرية المسراخ في محافظة تعز (جنوب غرب)، عقب هجمات شنتها بمساندة المقاومة الشعبية، تزامنت مع غارات جوية وضربات نفذتها طائرات مسيّرة استهدفت مواقع وتجمعات وآليات حوثية.

وأفادت مصادر محلية بأن الطيران الحربي شنّ، فجر الجمعة، سلسلة غارات استهدفت تمركزات وتحصينات وآليات للجماعة في مديرية حيفان ومحيط مدينة التربة، دون إعلان حصيلة رسمية للخسائر.

وشهدت مناطق عديدة في محافظة لحج مواجهات عنيفة، تركزت بصورة خاصة في جبهة منطقة الزريقة التابعة لمديرية المقاطرة، حيث أفادت مصادر عسكرية بتنفيذ الحوثيين هجوماً التفافياً على خمسة مواقع، قبل أن تتمكن القوات المدافعة مسنودة بالمقاومة من استعادة موقعَين منها، في حين تتواصل المواجهات في مديرية المضاربة وجبال كهبوب المطلة على باب المندب.

وأسفرت المواجهات في الزريقة، وفق حصيلة ميدانية أولية نقلتها مصادر قيادية، عن مقتل 11 من أفراد القوات المشتركة وإصابة 23 آخرين، ولم تُعرف أعداد الإصابات في أوساط الحوثيين، فيما استمرت الاشتباكات مع وصول تعزيزات عسكرية من الطرفَين.

وامتد التصعيد إلى محافظتي مأرب والجوف، حيث أعلنت القوات الحكومية إحراز تقدم في مرتفعات الدحيضة وجبال حويشان شرقي الجوف، والسيطرة على مواقع وتحصينات وأسلحة، ضمن عمليات تستهدف فتح الطريق باتجاه مدينة الحزم.

مقاتلو الجيش والمقاومة في تعز استعادوا مواقع مهمة من يد الحوثيين (غيتي)

وفي مأرب، تواصلت المواجهات في وادي حلحلان بمديرية رغوان، حيث أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع كانت خاضعة لسيطرة الحوثيين، والتقدم باتجاه منطقة محازيم ماس، عقب اشتباكات وهجمات متبادلة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الجانبين.

وتتزايد المخاوف من انعكاسات اتساع القدرات الصاروخية والجوية الحوثية على أمن المنطقة والممرات البحرية، خصوصاً مع استمرار التهديدات المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

تقرير أممي يكشف عن استمرار الحوثيين في الحصول على قدرات عسكرية عبر شبكات معقدة (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، كشف تقرير لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن عن استمرار الجماعة في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقدة، ومكونات تجارية ومدنية مزدوجة الاستخدام، تشمل أنظمة الملاحة والبطاريات والمحركات وأجهزة التحكم الإلكتروني المستخدمة في تصنيع وتطوير الطائرات المسيّرة والصواريخ.

وأشار التقرير إلى اعتراض شحنات ومكونات عسكرية خلال عام 2025، فضلاً عن محاولات الحصول على مواد كيميائية تدخل في تصنيع الوقود الصاروخي والمتفجرات، بينها بيركلورات الأمونيوم ونترات الصوديوم، محذراً من أن استمرار هذه الإمدادات يعزّز قدرات الجماعة بعيدة المدى ويشكل تهديداً للملاحة والتجارة الدولية.

مجزرة أخرى في الوازعية

في الساحل الغربي، أثار إعلان الحكومة اليمنية استخدام الحوثيين مبنى تابعاً للأمم المتحدة في مديرية المخا مركزاً للعمليات العسكرية ومنصة لإطلاق الصواريخ مخاوف جديدة بشأن سلامة المنشآت الإنسانية والعاملين الأمميين.

القوات الحكومية اليمنية تحرز تقدمات في تعز والجوف ولحج ضد الحوثيين (أ.ف.ب)

وقالت وزارة التخطيط والتعاون الدولي إن الجماعة تستغل الحصانة القانونية للمقرات الأممية لتغطية أنشطتها العسكرية، مطالبة الأمم المتحدة بالتحقيق في هذه الاتهامات والعمل على إخلاء المبنى من العناصر المسلحة والأسلحة. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه المزاعم.

وفي تطور ميداني آخر، سقط قتلى وجرحى إثر استهداف سوق الحضارة الشعبي في مديرية الوازعية غربي محافظة تعز، الجمعة.

وبينما أعلنت وزارة الصحة في حكومة الحوثيين، غير المعترف بها، مقتل 20 شخصاً وإصابة 15 آخرين على الأقل، حمّلت السلطات المحلية في تعز الجماعة مسؤولية الهجوم، ونفت أن يكون ناجماً عن غارات جوية لـ«التحالف»، مؤكدة، استناداً إلى إفادة غرفة العمليات، عدم تنفيذ الطيران الحربي أي عمليات في مديرية الوازعية خلال ذلك اليوم.

وقال المتحدث باسم الجيش اليمني، ماجد النزيلي، إن الحوثيين استهدفوا السوق بصاروخ باليستي، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، واصفاً الهجوم بأنه «جريمة حرب» تعكس، حسب تعبيره، استهداف الجماعة للمدنيين كلما تعرضت لخسائر ميدانية أو أخفقت في إطلاق صواريخها.

مقاتلو الجيش اليمني في تعز عقّدوا مهمة الحوثيين في حصار المدينة واقتحامها (أ.ف.ب)

واتهم النزيلي الجماعة بتعريض أمن المنطقة وحرية الملاحة وخطوط التجارة الدولية للخطر، داعياً المجتمع الدولي إلى تصنيفها منظمة إرهابية وتجفيف مصادر تمويلها وقطع إمدادات السلاح عنها، ومؤكداً استمرار القوات الحكومية في عملية «فجر اليمن».

من جهتها، حذرت السلطة المحلية من أن الهجمات الصاروخية الحوثية العشوائية، بما فيها استخدام الصواريخ الباليستية، تعرّض حياة المدنيين للخطر. وشددت على أن الأسواق والتجمعات السكانية مشمولة بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني.

ودعت السلطات إلى توثيق ملابسات الحادثة وحفظ الأدلة المادية وإخضاعها لفحص فني مستقل. كما حثت السكان على الابتعاد عن مواقع سقوط المقذوفات وعدم لمس مخلفاتها أو نقلها، وإبلاغ الجهات المختصة، مطالبة الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بإدانة استهداف المدنيين ودعم جهود التحقيق والمساءلة.

وتزامن التصعيد مع تغييرات في بعض المواقع العسكرية والأمنية، إذ أصدر الرئيس العليمي قراراً بتعيين قيادة جديدة لمحور أبين العسكري، بالتوازي مع قرارات لوزارة الداخلية شملت 11 تعييناً في قيادة وإدارات الشرطة بالمحافظة، في خطوة تأتي ضمن تحركات حكومية لإعادة ترتيب المؤسسات العسكرية والأمنية بالتزامن مع اتساع العمليات على الجبهات.