خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)

نائب الرئيس السوري السابق روى في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط» أن «النظام انتقل من إسقاط صدام للدفاع عنه»

بشار الأسد بين حافظ  الأسد وعبد الحليم خدام في 1994
بشار الأسد بين حافظ الأسد وعبد الحليم خدام في 1994
TT

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)

بشار الأسد بين حافظ  الأسد وعبد الحليم خدام في 1994
بشار الأسد بين حافظ الأسد وعبد الحليم خدام في 1994

تحكي مسيرة عبد الحليم خدام وأوراقه، قسماً رئيسياً من قصة سوريا في العقود الأخيرة. خدام، الذي كان يعرف بـ«أبو جمال»، تنقل في مناصب عدة، وكان شاهداً ومشاركاً في أحداث رئيسية عصفت بسوريا ودورها في الإقليم، منذ تسلم حزب «البعث» الحكم في عام 1963، إلى حين خروجه من البلاد وإعلان انشقاقه في 2005.
خلال عقود، تنقل «أبو جمال» بين مناصب عدة. كان محافظاً لحماة لحظة الصراع مع «الإخوان المسلمين» بداية الستينات، ومحافظاً لريف دمشق لحظة سقوط القنيطرة في نهاية ذلك العقد. وكان وزيراً للخارجية، ثم نائباً للرئيس خلال المحطات الأساسية في دمشق وتمددها في لبنان، إلى حد أنه كان يسمى «حاكم لبنان».
بقي «الملف اللبناني» في عهدة خدام إلى عام 1998، عندما نقله الأسد إلى نجله الدكتور بشار، الذي عاد من لندن بعد وفاة باسل، شقيقه الأكبر، في عام 1994، الأمر الذي لم يكن مريحاً لخدام وحلفائه في لبنان.
ومع تراجع دوره السياسي في دمشق، عقد مؤتمر «البعث» في يونيو (حزيران) 2005، وتقدم خدام باستقالة من جميع المناصب السياسية والحزبية، واحتفظ بمنصبه كعضو في القيادة المركزية لـلحزب. بعدها، خرج إلى لبنان في طريقه إلى المنفى في باريس التي بقي فيها حتى وفاته العام الماضي (فاروق الشرع أصبح نائباً للرئيس في بداية 2006، قبل أن يعفى من هذا المنصب قبل سنوات). وبعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، فرضت العزلة على دمشق. وفي نهاية 2005، أعلن خدام انشقاقه، واتهم النظام السوري بـ«قتل الصديق رئيس الوزراء اللبناني». كما شكل من منفاه، مع «الإخوان المسلمين» بقيادة علي صدر الدين البيانوني، تحالف «جبهة الخلاص» لمعارضة النظام. وفي دمشق، اتهم بـ«الخيانة العظمى» وصودرت ممتلكاته.
لم يلعب خدام دوراً سياسياً بارزاً بعد انتفاضة 2011، حيث كرس وقته لكتابة مذكراته، ونشر في عام 2003 كتاباً عن آرائه السياسية وموقفه من الديمقراطية والحرية، بعنوان: «النظام العربي المعاصر».
«الشرق الأوسط» زارت أوراق خدام ووثائقه، وتبدأ اليوم بنشر فصول من مذكراته في حلقات عن مراحل أساسية من تاريخ سوريا ودورها. ولا تشكل هذه الحلقات تأريخا لهذه المراحل، بقدر ما هي رواية خدام عنها:

بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد وتسلُّم بشار الأسد مقاليد الحكم، ركّز على العلاقات مع العراق، وقامت سوريا بنشاطات عربية ودولية للدفاع عن النظام العراقي ضد الأعمال العدوانية التي كانت تمارسها الولايات المتحدة الأميركية ضد العراق، كما اتخذت مواقف قوية ضد توجهات الولايات المتحدة الأميركية في شن الحرب على العراق. وفي تلك المرحلة، استقبل بشار الأسد عدداً من القياديين العراقيين، بمن فيهم أولئك الذين كانوا الأشد عداءً للنظام في سوريا وإيران، ومنهم علي حسن المجيد وطه ياسين رمضان.
وبذلك، انتقل النظام من مرحلة العمل لإسقاط النظام العراقي، إلى مرحلة الدفاع عنه في المحافل العربية والدولية، في وقت كانت إيران، عبر حلفائها في المعارضة العراقية، تعمل على الخلاص من صدام حسين ومن نظامه.
كانت الوفود العراقية والسورية لا تنقطع عن تبادل الزيارات، والعمل على عقد اتفاقات ثنائية بين الدولتين. ولعل أبلغ ما يعبر عن تلك الحالة زيارة رئيس الوزراء السوري محمد مصطفى ميرو إلى بغداد قبل الحرب على العراق بفترة قصيرة، حيث اجتمع مع الرئيس العراقي صدام حسين، وقدّم له سيفاً دمشقيّاً، وألقى كلمة جاء فيها: «أُقدِّم لكم هذا السيف الدمشقي، مؤكداً أننا معكم، وأن العدوان على العراق هو عدوان على سوريا».
في تلك المرحلة، عُقد مؤتمر المعارضة العراقية في لندن برعاية إيرانية وأميركية، ومثّل الجانب الإيراني فيه أحد كبار مسؤولي الاستخبارات ومعه وفد مرافق، ومثّل الجانب الأميركي ثلاثة أعضاء من وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، وعمل الوفدان على إنجاح المؤتمر الذي اتخذ مجموعة من القرارات، استخدمها الأميركيون في تغطية الحرب.
مع اشتداد الحملة الأميركية على العراق، وحشد القوات في المنطقة، وعجز الولايات المتحدة الأميركية في إقناع مجلس الأمن باتخاذ قرار يغطي الحرب على العراق، أصبح واضحاً أن الحرب باتت وشيكة خلال أيام، مما أثار القلق في سوريا من امتداد الحرب إلى أراضيها، لا سيما أن الموقف السوري كان قويّاً إلى جانب العراق، كما أن حالة من الإجماع الوطني قامت آنذاك في سوريا إلى جانب العراق.
في ضوء ذلك الواقع، ذهب الرئيس بشار الأسد إلى طهران، وقد رافقته، لمناقشة الوضع مع القيادة الإيرانية والعمل على توحيد الموقف في مواجهة التطورات الجديدة المقلقة والمقبلة في المنطقة.
توجهنا إلى طهران في 16 مارس (آذار) عام 2003. وأجرينا فور وصولنا مباحثات مع الرئيس محمد خاتمي ثم «المرشد» الإيراني علي خامنئي، وهذا محضر الاجتماعين:
بعد تبادل عبارات المجاملة، بدأ الحديث الرئيس السوري، متسائلاً: «ماذا نستطيع أن نفعل قبل الحرب بوقت قصير؟ وماذا سنفعل في حال حصول الحرب، والتي ستدوم لفترة طويلة، وربما لسنوات؟ ولا أقصد أن الولايات المتحدة ستستقر، وإن استقرت وحققت الأمن، فستنتقل إلى إيران وسوريا».
أجابه خاتمي: «هذه أسئلة صحيحة وفي وقتها. نحن في إيران نفكر دوماً في هذه النقاط، ودائماً مبعوثي، وخاصة السيد (كمال) خرازي، خلال اتصالاته مع الأصدقاء، وخصوصاً السيد خدام، نأتي على ذكر ذلك».
وتابع خاتمي: «اسمحوا لي أن أشرح لكم. كان لي حول الموضوعين لقاءان: الأول مع وزير الخارجية الروسي إيغور إيفانوف، والثاني اتصال مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك. السيد شيراك هو الذي بادر، ودام الاتصال نصف ساعة. والملاحظ من كلا الرجلين أن لديهما قلقاً من أن يتم الاعتداء على العراق، لكن قلقهما كان أكبر من ذلك، وكلاهما كان يعبر عن أن الحرب واقعة قريباً».
وأضاف خاتمي: «كان ذلك يوم الثلاثاء أو الأربعاء، حيث قالا: علينا أن نسعى إلى ألا يمتد الاعتداء إلى ما وراء العراق، وكان يساور الرجلين قلق من أن مهاجمة العراق هي الخطوة الأولى. وأنا أريد أن أستنتج وأضيف هذا القلق إلى الرأي العام العالمي. فهذا القلق يُعتبر من قِبل الرأي العام العالمي إيجابيّاً لنا، وهو يتلخص في معارضة عميقة وأساسية إزاء الاتجاه الأحادي الذي تقوم به أميركا وتمارسه. ولهذا السبب طلبتُ خلال اجتماعي غير الرسمي بالقمة الإسلامية أن يقوم ممثلنا بالاتصال مع شيراك والجميع، باعتبار هذا التأييد مطلباً عالميّاً».
وتابع خاتمي: «كلا الرجلين، شيراك وإيفانوف، توصلا إلى الجزم بوقوع الحرب، وقال شيراك إننا مستعدون لاستخدام الفيتو (حق النقض في مجلس الأمن)، لكن أميركا استعدت للحرب. وموقفه أن هذا الاتجاه المعارض لأميركا يجعل الحرب، إذا حصلت، اعتداءً غير مشروع. وقال: لنا الحق بالتصرف بعد ذلك. فقد استذكر شيراك رأيي الذي أدليت به، وقلت إن الغارات الجوية قد تكبد العراق وشعبه خسائر جسيمة، ولكن لا تؤدي إلى سقوط صدام. لذلك، سيكونون مرغمين على خوض حرب ذرية. وأنا أخمِّن وأقدِّر أن الجيش العراقي والحرس سيقومان بالدفاع عن المدن».
وقال خاتمي: «الانتصار الحاسم الذي تحصل عليه أميركا: أن تقصِّر فترة الحرب وتصل للانتصار في فترة قصيرة. لكن، إذا طالت المدة ستخسر أميركا. ويكفي أن تعود إلى أميركا جثث الجنود الأميركيون حتى ينقلب الرأي العام الأميركي ضد الرئيس جورج بوش وسياسته. لذلك لا أعتقد أن أميركا ستتمكن من إنهاء هذه الحرب. لكن هناك نقطة غامضة: لا أعرف مدى استعداد العراقيين للمقاومة والصمود. أنا لا أريد أن نسمح بوقوع الحرب، لكن إن وقعت الحرب فلا بد أن لا تكون أميركا منتصرة فيها بسهولة. النقطة الثالثة إن وقعت الحرب ماذا يجب علينا أن نفعل؟».
وأضاف خاتمي: «الموضوع الآخر الذي طرحته مع شيراك: أن المعركة تؤدي إلى تشديد وزيادة موجة العنف في العالم. أميركا في أفغانستان لم تحقق هدفها بالقضاء على زعيم تنظيم (القاعدة) السابق أسامة بن لادن بل جعلته بطلاً، والآن تُنتج بطلاً آخر اسمه صدام، وستزداد موجة التطرف. وأيدني شيراك، لكنه قال إن الأميركيين ليسوا من أهل هذه المنطقة».

وقال: «قبل أن ندخل في المرحلة الثالثة، مرحلة ما بعد وقوع الحرب، أكرر سؤالاً: كيف ترون الوضع في حال وقوع الحرب بالنسبة لصمود الشعب العراقي، وبخاصة حرب المدن، لأنه إن طالت المدة ستكون الأضرار أكثر؟».
عقّب الأسد، قائلاً: «لو كان من يحارب غير الأميركيين لكان سقوط صدام أسرع، لكن الأميركيين تتحكم بهم الحماقة. قالوا إنهم سيحسمون الحرب خلال أيام أو أسابيع. لقد حصروا أنفسهم بهذا الزمن دون داعٍ».
وأضاف: «إذا سألنا العراقي: من تكره أكثر، أميركا أم صدام؟ سيكون هناك من يقول صدام، ولكن الإحساس أن الشعب العراقي سيقاتل مع صدام. لذلك، أعتقد أن مجموعة من العراقيين يهتمون بجانب، بينما آخرون في جانب آخر».
وتابع الأسد: «شيء آخر: سيقتل الأميركيون أعداداً كبيرة من العراقيين، وعندها سينسى الشعب أن هناك صدام حسين. بالنسبة للحرس الجمهوري والحزبيين المحيطين بالنظام، وأنا أتكلم هنا عن الحرس الجمهوري القريب، يوجد عدد كبير من القيادات السياسية والعسكريين يمكن تقسيمهم إلى نوعين: الأول مستفيد من النظام، والثاني مرتكب لجرائم وإعدامات. ستبدأ حماقة أميركا... هي لم تترك منفذاً لأحد من هؤلاء، فأصدرت لائحة تضم 1700 معارض يُمنع دخولهم العراق، وتكلمت عن حاكم عسكري للعراق. في الواقع ستكون هناك معركة، ولكن، بعد أيام سيكون الجميع ضد أميركا».
قال خاتمي: «كل المعارضة اليوم تقف ضد أميركا. علينا أن نحاول دفع الشيعة والسنة إلى تجاوز الخلافات».
عاد الأسد إلى الحديث، قائلاً: «نحن أكثر دولة تقف مع صدام، وهو أقل دولة تنسق معنا. إنه نظام غريب يعيش في عالم آخر. كنت أتحدث من قبل وأقول إن من المفترض أن أوسّع المشاركة الداخلية، فلدينا الآن في سوريا انتخابات بلدية. وكنا نتحدث في الطائرة عن كيفية توسيع هذه المشاركة. صدام حسين يفعل العكس. لقد قسّم العراق بالأمس إلى أربع مناطق، وسلَّم إحدى المناطق لعلي حسن المجيد الملقب بالكيماوي، وهذا سيقلب الصورة ضد صدام. نحن كسوريين وإيرانيين كيف نتعامل مع المعارضة؟ من الضروري استيعاب المعارضة في الخارج، ولكنها لا تستطيع أن يكون لها دور. نحن بحاجة لعلاقات أوسع في داخل العراق. بالنسبة لنا في سوريا، العلاقة ضعيفة بسبب عدم وجود الثقة بين نظامينا».
وأضاف الأسد: «هذا الموضوع بحاجة لدراسة تفصيلية بالاسم، لأن أي مجلس أو شخص يأتي لحكم العراق يكون هؤلاء الأشخاص. أميركا لم تقبل اقتراح دولة عربية استبدال صدام بشخص آخر هو عزت الدوري. هذا تصوّري لهذه النقطة».
علّق خاتمي، قائلاً: «نحن أيضاً لا نعرف ماذا يجري داخل العراق. أنا أقتنع بمثل هذا الشعور المتناقض تجاه صدام وأميركا، وأعتقد أنه إن طالت الحرب ورأى الشعب الخسائر واستطاع الجيش والحرس الجمهوري المقاومة، سيكون الزمن على حساب الجانب الأميركي.
وفي إطار العمل لمستقبل العراق لا بد من إبعاد أي توجه يهدد الموقف، وإبعاد الأخطار المهمة التي تتمثل في الطائفية والتناحر بين الفصائل، لأن هذا يسهّل عمل أميركا، كأن يطالب الشيعي بحصة وكذلك الكردي وغيرهما، وهذا سيكون سُمّاً لمستقبل العراق، وأنا أرى أنه لا بد من التفكير بمستقبل عراقي ديمقراطي، بحيث لا يكون العراق بيد الأميركيين حتى إذا لم يكن عدوّاً لأميركا».
وتابع خاتمي: «موقف المعارضة الآن متصف بالرعونة، في حين أن التصرف الأميركي متصف بالعنجهية. إن أكبر رهان على المعارضة الآن هو أن أميركا عاملتهم بطريقة سيئة، والكل أبدى انزعاجه من تصرفاتها، بمن فيهم (أحمد) الجلبي، القريب جدّاً من أميركا. هذا الأمر ساعد في عودة الجميع إلى رشدهم والتقليل من العمل في الاتجاه الطائفي».
وأضاف: «لتركيا دور كبير في هذه المرحلة. ورغم التزامات تركيا تجاه أميركا، فإنني ألاحظ أن الجماعة التي تحكم تميل للعمل معنا ومع العالم الإسلامي. يجب علينا أن نكون حذرين من قيام دولة كردية، ولا بد من تكريس الفكرة القائلة بأن أكراد إيران هم إيرانيون، وأكراد العراق عراقيون، وأكراد تركيا أتراك، وفي هذا المجال لا بد من طمأنة الأتراك وتبديد مخاوفهم. على كل حال، يجب التنسيق بيننا وبينكم وبين المعارضة العراقية في هذه الأمور».
عقّب الأسد: «في المعارضة حالتان: الأولى وصلت إلى مرحلة النضج ولن تتعامل مع أميركا، والثانية هرولت باتجاه أميركا عندما أشارت إليها. هؤلاء، إن وصلوا إلى الحكم لن يعملوا مع سوريا وإيران، بل سيكونون في الجانب الأميركي. لذلك، لا بد من توسيع العلاقات وخلق عناصر أخرى للتنسيق. العنصر الأكبر هو الأكراد. لديهم خوف وهم يفكرون بإقامة وطن. هذه النقطة هي الأهم. لقد بحثت هذا الأمر مع (الرئيس التركي الأسبق) عبد الله غول، ومنذ أيام ذهب وفد أمني سوري إلى تركيا. المحور الأساسي للتعاون بين سوريا وتركيا الآن هو موضوع الدولة الكردية، وهذا يجمع كل التيارات في تركيا، من العسكر وغيرهم، لأن هذا يقلق تركيا وسوريا وإيران والعراق، ويجب التنسيق بيننا في هذا الموضوع».
أخذ خاتمي الحديث فقال: «الآن تركيا مهمة جدّاً لمرحلتي ما قبل الحرب وما بعدها. تركيا تتلقى أوامرها من أميركا، وبدا ذلك بشكل واضح في مؤتمر القمة الإسلامية. يجب ألا نحصر أنفسنا في اللقاء السداسي في إسطنبول. أعتقد أننا نستطيع أن نكون قوة إقليمية في المنطقة تضم سوريا وإيران وتركيا، وذلك في مرحلة الحرب وما بعدها، لكون تركيا متضررة مثلنا. حتى نهاية أبريل (نيسان) ستظهر الأمور بالنسبة للحرب، وستتوضح صورة حكومة (رجب طيب) إردوغان الجديدة، وربما تصبح الأمور أسوأ في الساحة العراقية. أقترح عقد لقاء قمة ثلاثي، أو على مستوى الوزراء، لبحث ما يمكن تحقيقه (...) أرى أن عقد اجتماع ثلاثي على مستوى وزاري وبعده قمة، سيكون له أثر كبير، سواء وقعت الحرب أم لا، وسواء انتصرت أميركا أم لا. وعلينا التفكير بالموضوع منذ الآن. سبق لنا أن اقترحنا موضوع 5+6. أي اجتماع يضم خمسة أعضاء من مجلس الأمن وست دول مجاورة للعراق، وقد رحّب الأمين العام للأمم المتحدة بهذه الفكرة، ولكنها لم تتحقق. هل يمكن طرح الفكرة اليوم، خصوصاً بعد المواقف التي تتخذها كل من فرنسا وروسيا والصين؟».
تدخّل في الحديث كمال خرازي: «الرئيس خاتمي طرح فكرة الوفاق الوطني»، فأجابه خاتمي: «المشكلة أن هذه الفكرة لم تُعجب أحداً». فتساءل خرازي: «إن طُرحت هذه الفكرة ثانية، هل يمكن أن تبصر النور؟». أجابه الأسد: «كان الطرح هو المفاوضات بين الأطراف، فالوقت غير مناسب، لأن الطرح سيكون: مَن يأخذ أكثر؟ وسيتم التناحر بين القوميات، وسيظهر للعالم أن الموضوع داخلي وليس موضوع عدوان. نحن نريد التركيز على العدوان. الجانب الآخر الذي أراه مناسباً هو تحقيق التطور. لقد تحدثنا مع العراقيين كثيراً. هم لا يُنسقون معنا، لا في اللجنة الخماسية ولا في أي شيء آخر. وعندما نتحدث معهم عن المعارضة، يقولون نحن لا نخاف من أحد».
علَّق خاتمي: «المعارضة لا تروق لأحد». أجابه الأسد: «نستطيع إعطاءها وعوداً وهمية على الطريقة الأميركية، ومع ذلك يمكن طرح الموضوع مع وزير الخارجية العراقي. المشكلة الأولى في الحرب هي صدّام نفسه». قال خاتمي: «بالنسبة للحرب، أميركا تتعامل بقوة، وربما لديها مشاريع وخطط. هل أنتم مطمئنون إلى إمكانية قيام الجيش بعمل ما في الداخل؟ إن انتصرت أميركا بسرعة سيكون الأمر صعباً». أجابه الأسد: «الحل في المقاومة». فتابع خاتمي: «إذا وقعت الحرب؟»، فقال الأسد: «يجب الإعداد للمقاومة قبل الحرب«.
هنا علَّق خاتمي: «لا بد من وجود أهداف عدة: أولاً، لا نريد وقوع الحرب، وثانياً، إن قامت لا نريد أن تنتهي بسرعة، وثالثاً، مستقبل العراق. يجب العمل والتنسيق لتحقيق هذه الأهداف، ولا بد من التباحث حول كيفية التعامل مع المعارضة.
النقطة الأخرى هي أنه يجب معرفة ما يجري داخل العراق وكيفية التأثير فيه، وكذلك الأمر بالنسبة لمستقبل العراق. يجب أن تنصبّ جهودنا على تجنب الطائفية، ويجب أن يكون شرطُنا للعمل مع المعارضة هو التزامها بعدم إثارة المشكلات. نحن لا نفرّق بين سُنّي وشيعي. إن حدث أمر كهذا، وهذا ما يقلقني، فإن المعارضة ستسقط، وهذا يسبب خسارة».
عقّب الأسد: «للطرح الطائفي في العراق نتائج سلبية. قبل طرح أي أمر يجب أن يكون له هدف. التركيز على المعارضة يخيف الأميركيين، لكن هذا يتطلب بحث العلاقات مع العشائر. اليوم يوزع الأميركيون الأموال والهواتف على رؤساء العشائر. لا أعرف إن كان هؤلاء سيلتزمون مع أميركا، ولكنهم في الوقت الحالي سعداء بالأموال. ما هي علاقتكم بالعشائر؟».
أجابه خاتمي: «لا توجد علاقات بيننا، ولكني أعتقد أن للمعارضة اتصالات مع العشائر، ولها ارتباطات أخرى». رد الأسد: «سيكون التعامل صعباً إلى حد ما».
تدخلتُ في الحديث قائلاً: «لدي اقتراح: إن وجهتي نظر سوريا وإيران متطابقتان. لا بد من إيجاد منهجية للعمل. هناك أطراف عدة في المعارضة مخترَقة من قِبل الأميركيين. أقترح تشكيل مجموعة عمل تدرس المعارضة العراقية. هناك الكثير من أطراف المعارضة رفضت العمل تحت المظلة الأميركية، وهناك من يعتقد أن الحرب فرصة مناسبة للانقضاض على النظام».
أجاب خاتمي: «أنا لستُ معكم، لكنني أوافقكم بأن هناك بعض المخترَقين من قِبل أميركا، لكن في الوقت نفسه البعض لم يعارض». أجبته: «بعض المشاركين يقولون إنهم يعملون مع المخابرات الأميركية والبريطانية. وبالفعل، فقد حضر المؤتمر أعضاء من المخابرات المركزية الأميركية كمراقبين، كما حضره أعضاء من المخابرات الإيرانية كمراقبين أيضاً، وبالتالي لا بد من تدقيق وضع المعارضة العراقية وتصحيح أوضاع من نستطيع التأثير عليهم».
أجاب خاتمي: «لا شك أنهم فضّلوا التعامل مع أميركا، لكنّ تعامل أميركا السيئ معهم جعلهم ينظرون إلى المعارضة وكأن لها موقفاً موحَّداً ضد أميركا. ولهذا السبب تراجعت المعارضة في أربيل، وأميركا لا تقبل بهذه المعارضة إلا أناساً يقفون معها 100 في المائة. قال المبعوث الأميركي زلماي خليل زاد للمعارضة: نحن لا نقبل بالمعارضة وسنزرع حاكماً عسكرياً في العراق، وبعد الهدوء سنضع حاكماً سياسياً، وسننشئ دستوراً عراقياً، وأقصى شيء يمكننا عمله معكم هو التشاور».
وأضاف: «عندما تقوم أميركا بالعمل العسكري لن يكون للمعارضة أي نشاط. لقد خططت أميركا لتحقيق ما تريده في العراق، وجميع أطراف المعارضة كانت منزعجة منها، وقرروا في أربيل إصدار بيان معارض لأميركا، وهذا شيء جيد، وكان له أثر في تغيير اللهجة الأميركية. لذلك أنا لست معك بوجود أطراف معارضة تعمل مع أميركا وأخرى مستقلة تماماً، لكن في الوقت ذاته، أي طرف من المعارضة سيرى مصلحته مع أميركا سيقترب منها، بالإضافة إلى بعض الأطراف التي تعتمد على أميركا منذ البداية. الجانب الأميركي يصر على من يتبعون له، ولكن في الوقت ذاته أنا أؤيد وجهة نظركم بأن هناك خارج المعارضة من هم أكثر مقاومة وجديّة، ولكن يجب أن نكون واقعيين».
وتابع قائلاً: «هذا الاقتراح من الرئيس بشار بأن نجلس مع تركيا اقتراح حكيم، ولا بد من أن ننظر للمعارضة بإطار واسع لنَحول دون اتساع الخلافات، ونَحول دون وقوع المعارضة في أحضان أميركا، وسنكون سعداء جدّاً بأن يكون لنا نوع من الوجود. أنا أوافق على مجموعة العمل، فالإنسان لا يُخير دائماً بين الجيد والسيئ، ولكن يجب التمييز بين السيئ والأسوأ».
وبعد أن أنهينا اللقاء مع الرئيس خاتمي، توجّهنا للقاء المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي بدأ الحديث مُرحباً بنا، متمنياً أن تكون الزيارة مفيدة لكِلا البلدين. بعد ذلك تحدث الأسد، قائلاً: «التنسيق بين بلدينا عالٍ، وبكل تأكيد ستحقق زيارتنا النجاح، وسوف تضفي هذه الزيارة بعض (الرتوش) على التنسيق بين بلدينا. لقد عكَس نقاشنا اليوم تطابق وجهات النظر بين بلدينا. ناقشنا موضوع العراق بشكل موسّع، ويوجد تحليلات كثيرة، والرؤية سوداوية حول هذا الموضوع، والنقاط البيضاء فيه هي تحالفنا ومواقفنا وتاريخنا. لقد سقطت الأقنعة وكل شيء اتضح. أميركا عبّرت عن موقفها وقالت إنها تريد احتلال العراق وتنصيب حاكم عسكري، وقالت إنها ستحارب بعد ذلك سوريا وإيران وأي دولة لا تعجبها. نحن ندرك قوة أميركا العسكرية وإمكانات سوريا وإيران... ولكن نحن أصحاب الأرض».
أضاف الأسد: «قلنا في البداية إننا لا نريد حدوث الحرب لأنها ضارة للجميع، لكن من غير المعقول أن نجلس وننتظر مجيئها إلينا لاحقاً. لا يوجد دولة جارة للعراق تملك قرارها سوى سوريا وإيران، لكن أعتقد أن أهم شيء يمكن أن يحدث في حال حصول الحرب هو امتدادها حتى تتعب أميركا».
تحدث خامنئي قائلاً: «شكراً جزيلاً على هذا التحليل الجيد حول ما يجري في المنطقة. الحقيقة هي أننا دولتان شقيقتان، تجمعنا أمور كثيرة ومخاطر مشتركة، وهذا بحد ذاته عامل تشجيع لزيادة التعاون الكامل بيننا. تواجه المنطقة وضعاً خطراً».
 

خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة) 
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)
خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)

 



سخط من الداخل الحوثي يربك تماسك الجماعة

مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
TT

سخط من الداخل الحوثي يربك تماسك الجماعة

مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)

لم تعد الانتقادات الموجهة إلى الجماعة الحوثية حكراً على خصومها؛ إذ بدأت خلال السنوات الماضية أصوات من داخل بيئتها الموالية توجه انتقادات لاذعة إلى طريقة إدارتها لمناطق سيطرتها، متهمةً قياداتها بالجباية، والفساد، والاستحواذ على مؤسسات الدولة، وتغليب مصالح الجماعة وأجنحتها على مصالح المواطنين.

وفي أحدث هذه المواقف، هاجم محمد المقالح -القيادي السابق فيما كانت تُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا» التي أدارت انقلاب الجماعة- جماعة الحوثي واصفاً إياها بأنها «سلطة طاردة للحياة»، وقال إنها دفعت برؤوس الأموال والمثقفين والفنانين والسياسيين والنشطاء والإعلاميين إلى مغادرة البلاد.

وقال المقالح، في تغريدة على منصة «إكس»، إن صنعاء شهدت خلال سنوات سيطرة الحوثيين نزيفاً وهجرة جماعية لرؤوس الأموال، وشرائح واسعة من النخب، إلى جانب مغادرة قنوات، ومراسلين إعلاميين، فيما يعيش من تبقى، وفق وصفه، حالة من الانكفاء على الذات، ومعاناة يومية تعكس تدهور الأوضاع المعيشية.

مقر أمني حوثي تابع لما يُسمى جهاز «الأمن الوقائي» في صنعاء (الشرق الأوسط)

ولم يكتفِ المقالح بتوصيف التداعيات الاقتصادية، والاجتماعية، بل ربط الانقسامات داخل سلطة الحوثيين بما وصفه بقضية «الولاية»، معتبراً أنها استنزفت الجماعة، وأصبحت سبباً رئيساً في انقسامها.

وقال إن سلطة الحوثيين باتت «منقسمة على نفسها»، معتبراً أن السبب الجذري لذلك هو قضية الولاية التي قال إنها «تستهلكها، وستُهلكها حتماً».

وتحمل تصريحات المقالح دلالة سياسية لافتة، خصوصاً أنها صادرة عن شخصية عرفت المشهد الحوثي من الداخل، وسبق أن كانت جزءاً من بنيته السياسية، ما يمنح الانتقادات وزناً أكبر من تلك التي تصدر عن خصوم الجماعة التقليديين.

انشقاق من أمني

في مؤشر آخر على اتساع دائرة السخط، أعلن قبل أيام ضابط في جهاز الأمن المركزي التابع للحوثيين انشقاقه عن الجماعة، بعد أن حظي باهتمام واسع إثر ظهوره في تسجيل مصور اشتكى فيه من الجوع، وتدهور الظروف المعيشية التي يعاني منها أفراد الأمن.

واشتهر النقيب أبو مرتاح الصيادي بعد ظهوره في تسجيل مصور قال فيه إنه «جائع»، قبل أن تتحول العبارة إلى مادة للتداول الواسع، باعتبارها تعبيراً عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة في مناطق سيطرة الحوثيين.

وفي تسجيل مصور جديد، قال الصيادي: «الحمد لله الذي أخرجني من بين الظالمين، والمجرمين. لقد نجوت بمعجزة».

مسن يمني يبيع الثوم على رصيف أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضح أنه خدم لسنوات في قوات الأمن المركزي، وأقر بدوره السابق في دعم الحوثيين، قائلاً إنه حشد الناس لفعاليات الجماعة، وشارك في عمليات أمنية، وجمع أموالاً من المدنيين، بينهم مالكو سيارات، لدعم أنشطتها، معرباً عن أسفه لذلك.

وقال إن انخراطه في التجنيد وتعبئة الناس كان من أكبر أخطائه، وزعم أن مسؤولين حوثيين أجبروه على الاعتذار بعد انتشار مقطع «أنا جائع».

وأضاف أن انتشار التسجيل أثار قلقاً لدى قيادات الجماعة، التي أمرت قوات الأمن في صنعاء بالبقاء في حالة تأهب خشية اندلاع احتجاجات شعبية.

كما اتهم الصيادي مسؤولين ومشرفين حوثيين بالاستيلاء على منازل وممتلكات مواطنين، وانتقد أوضاع السجون الخاضعة لسيطرة الجماعة، قائلاً إن بعض المحتجزين يقبعون فيها منذ أشهر بسبب خلافات بسيطة.

ويأتي ظهور الصيادي وانشقاقه في وقت تواجه فيه الجماعة ضغوطاً عسكرية متزايدة على جبهات القتال، وبالتزامن مع تصاعد الانتقادات الداخلية للأوضاع الاقتصادية، والمعيشية في مناطق سيطرتها، بما يضيف بُعداً أمنياً إلى حالة السخط التي بدأت تظهر من داخل بيئتها.

اتهامات بالظلم والتمييز

في مسار موازٍ، صعّد الأكاديمي في جامعة عمران، والموالي سابقاً لجماعة الحوثيين، عبد السلام الكبسي، انتقاداته لسلطة الجماعة، وحكومتها، متهماً إياها بتحميل أبرياء مسؤولية أفعال لم يرتكبوها.

وقال الكبسي، في منشور على «فيسبوك»، إن «الظلم الأعظم» يتمثل في إلقاء اللائمة على شخص مع معرفة أنه غير مسؤول عما حدث، وتحميله مسؤولية أمر «لم يعمله، أو يعلمه».

ولا تأتي هذه الانتقادات بمعزل عن مواقف سابقة للكبسي؛ إذ سبق له أن هاجم الأوضاع الاقتصادية والإدارية في مناطق سيطرة الحوثيين، وانتقد ما وصفه بـ«دولة الجبايات»، محذراً من الأعباء المالية المتزايدة التي يتحملها المواطنون في ظل انقطاع الرواتب، وتراجع الخدمات، وتفاقم الأوضاع المعيشية.

يمنيون في صنعاء يتناولون وجبة «السلتة» الشعبية في أحد المطاعم (رويترز)

كما انتقد الخطاب السياسي للجماعة، ورفض اختزال اليمن في مشروعها السياسي، أو تقديمها باعتبارها الممثل الوحيد للبلاد.

وامتدت خلافاته مع سلطة الحوثيين إلى ملفات أخرى، بينها قضايا الأراضي، والممتلكات، حيث وجه انتقادات لما اعتبره استغلالاً للنفوذ، ومحاولات للاستحواذ على ممتلكات المواطنين.

أما القيادي الحوثي عبد السلام جحاف، الذي يشغل منصب عضو مجلس شورى الجماعة، فقد اتخذ انتقاده منحى أكثر مباشرة، بعد ظهوره في تسجيل مرئي تحدث فيه بنبرة غاضبة عن ممارسات قال إنه تعرض لها من داخل المنظومة الحوثية التي ينتمي إليها.

ووجه جحاف انتقادات حادة إلى قيادات نافذة في الجماعة، متهماً إياها بشن حملات تشويه وتحريض ضده، والتضييق عليه، وتهديده، في تصعيد علني ينقل الخلافات من الغرف المغلقة إلى المجال العام.

عناصر حوثيون خلال فعالية تعبوية في صنعاء دعا لها زعيمهم (رويترز)

وقال جحاف إنه لن يصمت أمام ما يتعرض له، حتى لو كلفه ذلك حياته، في موقف يعكس مستوى الاحتقان داخل الجماعة، خصوصاً أن الرجل عُرف خلال السنوات الماضية كأحد المدافعين عنها، والمهاجمين لخصومها.

ولا يُعد هذا أول خلاف لجحاف مع قيادات حوثية؛ إذ سبق أن انتقد قيادات من محافظة صعدة، معقل الجماعة، واتهمها بتهميش أبناء محافظة ريمة، والتعامل معهم باعتبارهم مواطنين من «الدرجة الخامسة».


الحكومة اليمنية تراجع أداء مطارات المناطق المحررة

وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تراجع أداء مطارات المناطق المحررة

وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)

بدأت وزارة النقل اليمنية إجراء تقييم شامل لأداء المطارات في المناطق المحررة، في مختلف الجوانب الفنية والإدارية، وتحديد الاحتياجات والمشكلات واقتراح الحلول، ضمن توجه لتحسين أدائها ورفع كفاءتها، في وقت لا يزال فيه مركز المراقبة الجوية الرئيسي تحت سيطرة الجماعة الحوثية.

وخُصص الاجتماع التقييمي الأول لقطاعات الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، الذي عُقد في مدينة عدن العاصمة المؤقتة للبلاد، لمناقشة قطاع المطارات وسلامة الطيران، ومستوى الأداء والاحتياجات، وأبرز التحديات التي تواجه قطاع النقل الجوي، وفي مقدمتها المطارات ومركز المراقبة الجوية.

ووفق المصادر الحكومية، وجَّه وزير النقل محسن العمري قيادة قطاعي المطارات وسلامة الطيران في الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، ومديري المطارات في المناطق المحررة، برفع تقارير شاملة وشفافة تتضمن تقييماً دقيقاً لأوضاع المطارات في مختلف الجوانب الفنية والإدارية، وتحديد أبرز الإشكالات والاحتياجات والمقترحات والحلول، إلى جانب وضع آلية واضحة للتعامل مع الجهات المنتدبة والعاملة داخل المطارات.

مطار عدن الدولي أحد أبرز المطارات الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية (إعلام حكومي)

كما وجَّه الوزير برفع مستوى التنسيق وإخضاع جميع الجهات العاملة داخل المطارات للإشراف المباشر من إداراتها، وفقاً للقانون والنظام، مع رفع أي مخالفات إلى قيادة الوزارة لاتخاذ الإجراءات المناسبة حيالها.

تطوير ورفع كفاءة الكوادر

تأتي هذه التحركات ضمن توجه حكومي لتقييم مختلف قطاعات الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، لا سيما قطاع المطارات، والوقوف على مستوى أدائها واحتياجاتها، بما يعزز كفاءة منظومة النقل الجوي ويرفع مستوى الخدمات المقدمة للمسافرين.

ونبَّه الوزير العمري إلى أن وزارته تقف أمام مسؤولية وطنية كبيرة في تنظيم قطاعات النقل الجوي والبري والبحري، مشدداً على ضرورة الالتزام بالقوانين واللوائح والنظم النافذة، ومعالجة الاختلالات الإدارية والفنية، وترسيخ الثقافة القانونية في مختلف مرافق الوزارة والهيئات التابعة لها.

مساعٍ يمنية لرفع كفاءة المطارات وتحسين جودة الخدمات للمسافرين (إعلام حكومي)

وطالب الوزير اليمني القائمين على قطاع الطيران المدني بالارتقاء بمستوى المطارات، وتوفير الحد الأدنى من الأجهزة والمعدات الملاحية والفنية اللازمة، والعمل على تطوير البنية التحتية للمطارات بما يتوافق مع معايير منظمة الطيران المدني الدولي والأنظمة والمعايير الدولية.

كما وجَّه بوضع خطة متكاملة للتدريب والتأهيل للعام الحالي، وإدراج الاحتياجات ضمن الموازنة العامة، لضمان رفع كفاءة الكوادر العاملة في قطاعات الهيئة والمطارات.

واطلع المشاركون في الاجتماع على حصيلة النقاشات التي أُجريت مع القيادة السياسية بشأن عدد من القضايا المتعلقة بقطاعات النقل، أبرزها مكافحة التهريب، وتنظيم عمل الجهات المنتدبة، وضمان تطبيق القوانين واللوائح والنظم المنظمة للعمل في المنافذ والمرافق التابعة لوزارة النقل.

وأكد الوزير مجدداً ضرورة الالتزام بالاختصاصات والصلاحيات المحددة بموجب قانون الطيران المدني واللوائح ذات الصلة، والعمل وفق الأطر القانونية والمؤسسية.

إعادة ضبط الإيرادات

بشأن إيرادات الهيئة العامة للطيران المدني، نبَّه الوزير العمري إلى أنها إيرادات عامة للدولة ينبغي الحفاظ عليها وعدم استنزافها أو التصرف فيها خارج الأطر القانونية.

وقال إن مسؤولية تطوير وتحسين أداء المطارات والقطاعات التابعة للهيئة مسؤولية مشتركة، وتتطلب العمل ضمن فريق واحد والتنسيق المستمر، وتجاوز الممارسات والاختلالات التي نشأت خلال سنوات الحرب، وتصحيحها بما يتوافق مع القوانين والأنظمة النافذة.

كما ناقش المجتمعون القضايا المتعلقة بقطاعات الهيئة العامة للطيران المدني واحتياجاتها الفنية والتدريبية والتجهيزية، إضافة إلى أنشطة بعض القطاعات التابعة للهيئة، ومنها مركز المراقبة الجوية، ومستوى تنفيذ التوجيهات الصادرة من وزارة النقل، بما يخدم تنظيم العمل وتحسين الأداء والوصول إلى أفضل مستوى من الكفاءة والانضباط.

ويعاني قطاع الطيران المدني في اليمن من تداعيات الحرب والانقسام المؤسسي الذي طال مختلف قطاعات الدولة؛ ما أدى إلى تعقيدات في إدارة حركة الطيران والمجال الجوي.

وتدير الحكومة المعترف بها دولياً المطارات الواقعة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وفي مقدمها مطار عدن الدولي، ومطارا الريان وسيئون في محافظة حضرموت، ومطار المخا الدولي على ساحل البحر الأحمر، ومطار سقطرى الدولي، ومطار المهرة، في حين يدير الحوثيون مطار صنعاء، ويتحكمون بمركز المراقبة الجوية الرئيسي.

وتأتي مراجعة وزارة النقل لأداء المطارات ووضعها في وقت تسعى فيه الحكومة إلى إعادة تنظيم مؤسسات النقل والمنافذ، وتعزيز الرقابة على الموارد والإجراءات التشغيلية، مع التركيز على رفع جاهزية المطارات وتحسين مستوى السلامة والخدمات ومكافحة التهريب.


انحسار الدعم الخارجي يهدد الخدمات الصحية اليمنية

الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
TT

انحسار الدعم الخارجي يهدد الخدمات الصحية اليمنية

الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)

في بلد أنهكته أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، لم يعد تراجع التمويل الخارجي للقطاع الصحي مجرد أزمة مالية تواجه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بل بات تهديداً مباشراً لاستمرار خدمات يعتمد عليها ملايين السكان، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الصحية وتتقلص الموارد بسبب استمرار الحوثيين في منع تصدير النفط والغاز.

وحذّر وزير الصحة اليمني، قاسم بحيبح، من التداعيات المتفاقمة للانحسار الحاد في الدعم الخارجي، داعياً إلى خطة انتقالية تقلل الاعتماد على المساعدات الدولية وتحمي الخدمات الصحية الأساسية من صدمة التمويل.

وقال بحيبح، خلال اجتماع موسع في العاصمة المؤقتة عدن، إن القطاع الصحي يمر بمرحلة «دقيقة»، وإن انخفاض التمويل الخارجي يفرض إعادة النظر في طريقة إدارة الموارد وتحديد الأولويات، والعمل على بناء نموذج أكثر قدرة على الاستمرار.

ويأتي تحذير الوزير في وقت تناقش فيه السلطات الصحية مشروعاً جديداً يموله البنك الدولي في مجالات الصحة والتغذية والمياه والإصحاح البيئي، في محاولة لتعزيز الخدمات في المناطق المستهدفة والحفاظ على قدرة المرافق الصحية على العمل.

لكنه شدد على أن استمرار الدعم الدولي، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن بناء قدرة محلية على تمويل الخدمات الصحية.

فجوة التمويل

تعني أي فجوة جديدة في تمويل القطاع الصحي، واقعياً، مزيداً من الضغط على المستشفيات والمراكز الصحية والكوادر الطبية، وقد تعني بالنسبة لكثير من الأسر اليمنية رحلة أطول بحثاً عن العلاج، أو دفع تكاليف لا تستطيع تحملها، أو ببساطة تأجيل العلاج حتى تتفاقم الحالة.

وقال بحيبح إن المطلوب هو التعامل مع حجم التحدي «كما هو»، والعمل وفق الموارد المتاحة، من دون أن يعني ذلك الاستسلام للظروف أو التراجع عن مسؤولية الدولة تجاه المواطنين.

وزارة الصحة اليمنية تبحث الحد من الاعتماد على التمويل الخارجي (إعلام حكومي)

ورأى أن الانخفاض الكبير في التمويل الخارجي يفرض على الوزارة والسلطات الصحية إعادة ترتيب الأولويات ووضع خطة لـ«الخروج السلس» من الاعتماد الكبير على التمويل الدولي، بما يمنع حدوث صدمة مفاجئة في الخدمات.

ويدق هذا التوجه ناقوس الخطر من تقليص الخدمات الصحية، في بلد لا تزال 40 في المائة من منشآته الصحية خارج الخدمة بسبب الحرب التي أشعلها الحوثيون، مع تدهور كبير في الوضع الاقتصادي واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية.

الاعتماد على الذات

الاجتماع، وفق المصادر الرسمية، ناقش مكونات مشروع البنك الدولي الجديد وأولوياته، إلى جانب مراجعة تجربة المشروع السابق الممول من البنك ضمن مشروع رأس المال البشري، وما قدمه من دعم وتدخلات للقطاع الصحي.

ويهدف المشروع الجديد إلى دعم مجالات الصحة والتغذية والمياه والإصحاح البيئي، وتعزيز قدرة المرافق الصحية المستهدفة على مواصلة تقديم خدماتها.

تراجع الدعم الدولي يضع القطاع الصحي اليمني أمام ضغوط متزايدة (إعلام حكومي)

غير أن حجم التحدي يتجاوز مشروعاً واحداً، إذ تسعى السلطات الصحية إلى التعامل مع مشكلة أكثر عمقاً تتمثل في كيفية الحفاظ على الخدمات عندما تتراجع المساعدات الخارجية التي ساعدت طوال سنوات الحرب في سد جزء من الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات المحلية.

وقال بحيبح إن المرحلة المقبلة تتطلب حماية الخدمات التي تمس حياة المواطنين مباشرة، وتوجيه الموارد المحدودة إلى المناطق والفئات الأكثر احتياجاً، بدلاً من تشتيتها على تدخلات لا تملك الجهات الصحية القدرة على تمويلها بصورة مستدامة.

ودعا الوزير اليمني إلى تعزيز كفاءة الإنفاق والحوكمة والإدارة، وتطوير الشراكات، وتشجيع المبادرات المحلية والمجتمعية، مع الحفاظ على الشراكات القائمة مع المنظمات والمانحين وتوجيهها نحو الأولويات الوطنية.

وقال إن «الاعتماد على الذات أصبح ضرورة وليس خياراً»، داعياً مسؤولي الصحة إلى عدم انتظار الحلول من الخارج والعمل على إيجاد بدائل محلية قابلة للتنفيذ.

الدعم الدولي أوصل الخدمات الصحية إلى مناطق نائية في اليمن (إعلام حكومي)

كما طرح تعزيز المساهمة المجتمعية كأحد البدائل الممكنة، لكنه شدد على أن مشاركة المجتمع يجب ألا تتحول إلى بديل عن مسؤولية الدولة، وإنما إلى رافد منظم وشفاف للخدمات الصحية.

وخلص اجتماع وزارة الصحة إلى وضع توجهات لتعزيز تنفيذ مشروع البنك الدولي ورفع جاهزية المرافق الصحية، بالتوازي مع البحث عن حلول طويلة الأمد لأزمة التمويل.

لكن التحدي الأكبر، وفق توجهات الوزارة، لم يعد فقط كيف يحصل القطاع الصحي على تمويل جديد، بل كيف يمنع انهيار الخدمات عندما ينحسر التمويل الخارجي؛ وهي معادلة سيكون المواطن اليمني، في نهاية المطاف، أول من يدفع ثمنها.