خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)

نائب الرئيس السوري السابق روى في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط» أن «النظام انتقل من إسقاط صدام للدفاع عنه»

بشار الأسد بين حافظ  الأسد وعبد الحليم خدام في 1994
بشار الأسد بين حافظ الأسد وعبد الحليم خدام في 1994
TT

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)

بشار الأسد بين حافظ  الأسد وعبد الحليم خدام في 1994
بشار الأسد بين حافظ الأسد وعبد الحليم خدام في 1994

تحكي مسيرة عبد الحليم خدام وأوراقه، قسماً رئيسياً من قصة سوريا في العقود الأخيرة. خدام، الذي كان يعرف بـ«أبو جمال»، تنقل في مناصب عدة، وكان شاهداً ومشاركاً في أحداث رئيسية عصفت بسوريا ودورها في الإقليم، منذ تسلم حزب «البعث» الحكم في عام 1963، إلى حين خروجه من البلاد وإعلان انشقاقه في 2005.
خلال عقود، تنقل «أبو جمال» بين مناصب عدة. كان محافظاً لحماة لحظة الصراع مع «الإخوان المسلمين» بداية الستينات، ومحافظاً لريف دمشق لحظة سقوط القنيطرة في نهاية ذلك العقد. وكان وزيراً للخارجية، ثم نائباً للرئيس خلال المحطات الأساسية في دمشق وتمددها في لبنان، إلى حد أنه كان يسمى «حاكم لبنان».
بقي «الملف اللبناني» في عهدة خدام إلى عام 1998، عندما نقله الأسد إلى نجله الدكتور بشار، الذي عاد من لندن بعد وفاة باسل، شقيقه الأكبر، في عام 1994، الأمر الذي لم يكن مريحاً لخدام وحلفائه في لبنان.
ومع تراجع دوره السياسي في دمشق، عقد مؤتمر «البعث» في يونيو (حزيران) 2005، وتقدم خدام باستقالة من جميع المناصب السياسية والحزبية، واحتفظ بمنصبه كعضو في القيادة المركزية لـلحزب. بعدها، خرج إلى لبنان في طريقه إلى المنفى في باريس التي بقي فيها حتى وفاته العام الماضي (فاروق الشرع أصبح نائباً للرئيس في بداية 2006، قبل أن يعفى من هذا المنصب قبل سنوات). وبعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، فرضت العزلة على دمشق. وفي نهاية 2005، أعلن خدام انشقاقه، واتهم النظام السوري بـ«قتل الصديق رئيس الوزراء اللبناني». كما شكل من منفاه، مع «الإخوان المسلمين» بقيادة علي صدر الدين البيانوني، تحالف «جبهة الخلاص» لمعارضة النظام. وفي دمشق، اتهم بـ«الخيانة العظمى» وصودرت ممتلكاته.
لم يلعب خدام دوراً سياسياً بارزاً بعد انتفاضة 2011، حيث كرس وقته لكتابة مذكراته، ونشر في عام 2003 كتاباً عن آرائه السياسية وموقفه من الديمقراطية والحرية، بعنوان: «النظام العربي المعاصر».
«الشرق الأوسط» زارت أوراق خدام ووثائقه، وتبدأ اليوم بنشر فصول من مذكراته في حلقات عن مراحل أساسية من تاريخ سوريا ودورها. ولا تشكل هذه الحلقات تأريخا لهذه المراحل، بقدر ما هي رواية خدام عنها:

بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد وتسلُّم بشار الأسد مقاليد الحكم، ركّز على العلاقات مع العراق، وقامت سوريا بنشاطات عربية ودولية للدفاع عن النظام العراقي ضد الأعمال العدوانية التي كانت تمارسها الولايات المتحدة الأميركية ضد العراق، كما اتخذت مواقف قوية ضد توجهات الولايات المتحدة الأميركية في شن الحرب على العراق. وفي تلك المرحلة، استقبل بشار الأسد عدداً من القياديين العراقيين، بمن فيهم أولئك الذين كانوا الأشد عداءً للنظام في سوريا وإيران، ومنهم علي حسن المجيد وطه ياسين رمضان.
وبذلك، انتقل النظام من مرحلة العمل لإسقاط النظام العراقي، إلى مرحلة الدفاع عنه في المحافل العربية والدولية، في وقت كانت إيران، عبر حلفائها في المعارضة العراقية، تعمل على الخلاص من صدام حسين ومن نظامه.
كانت الوفود العراقية والسورية لا تنقطع عن تبادل الزيارات، والعمل على عقد اتفاقات ثنائية بين الدولتين. ولعل أبلغ ما يعبر عن تلك الحالة زيارة رئيس الوزراء السوري محمد مصطفى ميرو إلى بغداد قبل الحرب على العراق بفترة قصيرة، حيث اجتمع مع الرئيس العراقي صدام حسين، وقدّم له سيفاً دمشقيّاً، وألقى كلمة جاء فيها: «أُقدِّم لكم هذا السيف الدمشقي، مؤكداً أننا معكم، وأن العدوان على العراق هو عدوان على سوريا».
في تلك المرحلة، عُقد مؤتمر المعارضة العراقية في لندن برعاية إيرانية وأميركية، ومثّل الجانب الإيراني فيه أحد كبار مسؤولي الاستخبارات ومعه وفد مرافق، ومثّل الجانب الأميركي ثلاثة أعضاء من وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، وعمل الوفدان على إنجاح المؤتمر الذي اتخذ مجموعة من القرارات، استخدمها الأميركيون في تغطية الحرب.
مع اشتداد الحملة الأميركية على العراق، وحشد القوات في المنطقة، وعجز الولايات المتحدة الأميركية في إقناع مجلس الأمن باتخاذ قرار يغطي الحرب على العراق، أصبح واضحاً أن الحرب باتت وشيكة خلال أيام، مما أثار القلق في سوريا من امتداد الحرب إلى أراضيها، لا سيما أن الموقف السوري كان قويّاً إلى جانب العراق، كما أن حالة من الإجماع الوطني قامت آنذاك في سوريا إلى جانب العراق.
في ضوء ذلك الواقع، ذهب الرئيس بشار الأسد إلى طهران، وقد رافقته، لمناقشة الوضع مع القيادة الإيرانية والعمل على توحيد الموقف في مواجهة التطورات الجديدة المقلقة والمقبلة في المنطقة.
توجهنا إلى طهران في 16 مارس (آذار) عام 2003. وأجرينا فور وصولنا مباحثات مع الرئيس محمد خاتمي ثم «المرشد» الإيراني علي خامنئي، وهذا محضر الاجتماعين:
بعد تبادل عبارات المجاملة، بدأ الحديث الرئيس السوري، متسائلاً: «ماذا نستطيع أن نفعل قبل الحرب بوقت قصير؟ وماذا سنفعل في حال حصول الحرب، والتي ستدوم لفترة طويلة، وربما لسنوات؟ ولا أقصد أن الولايات المتحدة ستستقر، وإن استقرت وحققت الأمن، فستنتقل إلى إيران وسوريا».
أجابه خاتمي: «هذه أسئلة صحيحة وفي وقتها. نحن في إيران نفكر دوماً في هذه النقاط، ودائماً مبعوثي، وخاصة السيد (كمال) خرازي، خلال اتصالاته مع الأصدقاء، وخصوصاً السيد خدام، نأتي على ذكر ذلك».
وتابع خاتمي: «اسمحوا لي أن أشرح لكم. كان لي حول الموضوعين لقاءان: الأول مع وزير الخارجية الروسي إيغور إيفانوف، والثاني اتصال مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك. السيد شيراك هو الذي بادر، ودام الاتصال نصف ساعة. والملاحظ من كلا الرجلين أن لديهما قلقاً من أن يتم الاعتداء على العراق، لكن قلقهما كان أكبر من ذلك، وكلاهما كان يعبر عن أن الحرب واقعة قريباً».
وأضاف خاتمي: «كان ذلك يوم الثلاثاء أو الأربعاء، حيث قالا: علينا أن نسعى إلى ألا يمتد الاعتداء إلى ما وراء العراق، وكان يساور الرجلين قلق من أن مهاجمة العراق هي الخطوة الأولى. وأنا أريد أن أستنتج وأضيف هذا القلق إلى الرأي العام العالمي. فهذا القلق يُعتبر من قِبل الرأي العام العالمي إيجابيّاً لنا، وهو يتلخص في معارضة عميقة وأساسية إزاء الاتجاه الأحادي الذي تقوم به أميركا وتمارسه. ولهذا السبب طلبتُ خلال اجتماعي غير الرسمي بالقمة الإسلامية أن يقوم ممثلنا بالاتصال مع شيراك والجميع، باعتبار هذا التأييد مطلباً عالميّاً».
وتابع خاتمي: «كلا الرجلين، شيراك وإيفانوف، توصلا إلى الجزم بوقوع الحرب، وقال شيراك إننا مستعدون لاستخدام الفيتو (حق النقض في مجلس الأمن)، لكن أميركا استعدت للحرب. وموقفه أن هذا الاتجاه المعارض لأميركا يجعل الحرب، إذا حصلت، اعتداءً غير مشروع. وقال: لنا الحق بالتصرف بعد ذلك. فقد استذكر شيراك رأيي الذي أدليت به، وقلت إن الغارات الجوية قد تكبد العراق وشعبه خسائر جسيمة، ولكن لا تؤدي إلى سقوط صدام. لذلك، سيكونون مرغمين على خوض حرب ذرية. وأنا أخمِّن وأقدِّر أن الجيش العراقي والحرس سيقومان بالدفاع عن المدن».
وقال خاتمي: «الانتصار الحاسم الذي تحصل عليه أميركا: أن تقصِّر فترة الحرب وتصل للانتصار في فترة قصيرة. لكن، إذا طالت المدة ستخسر أميركا. ويكفي أن تعود إلى أميركا جثث الجنود الأميركيون حتى ينقلب الرأي العام الأميركي ضد الرئيس جورج بوش وسياسته. لذلك لا أعتقد أن أميركا ستتمكن من إنهاء هذه الحرب. لكن هناك نقطة غامضة: لا أعرف مدى استعداد العراقيين للمقاومة والصمود. أنا لا أريد أن نسمح بوقوع الحرب، لكن إن وقعت الحرب فلا بد أن لا تكون أميركا منتصرة فيها بسهولة. النقطة الثالثة إن وقعت الحرب ماذا يجب علينا أن نفعل؟».
وأضاف خاتمي: «الموضوع الآخر الذي طرحته مع شيراك: أن المعركة تؤدي إلى تشديد وزيادة موجة العنف في العالم. أميركا في أفغانستان لم تحقق هدفها بالقضاء على زعيم تنظيم (القاعدة) السابق أسامة بن لادن بل جعلته بطلاً، والآن تُنتج بطلاً آخر اسمه صدام، وستزداد موجة التطرف. وأيدني شيراك، لكنه قال إن الأميركيين ليسوا من أهل هذه المنطقة».

وقال: «قبل أن ندخل في المرحلة الثالثة، مرحلة ما بعد وقوع الحرب، أكرر سؤالاً: كيف ترون الوضع في حال وقوع الحرب بالنسبة لصمود الشعب العراقي، وبخاصة حرب المدن، لأنه إن طالت المدة ستكون الأضرار أكثر؟».
عقّب الأسد، قائلاً: «لو كان من يحارب غير الأميركيين لكان سقوط صدام أسرع، لكن الأميركيين تتحكم بهم الحماقة. قالوا إنهم سيحسمون الحرب خلال أيام أو أسابيع. لقد حصروا أنفسهم بهذا الزمن دون داعٍ».
وأضاف: «إذا سألنا العراقي: من تكره أكثر، أميركا أم صدام؟ سيكون هناك من يقول صدام، ولكن الإحساس أن الشعب العراقي سيقاتل مع صدام. لذلك، أعتقد أن مجموعة من العراقيين يهتمون بجانب، بينما آخرون في جانب آخر».
وتابع الأسد: «شيء آخر: سيقتل الأميركيون أعداداً كبيرة من العراقيين، وعندها سينسى الشعب أن هناك صدام حسين. بالنسبة للحرس الجمهوري والحزبيين المحيطين بالنظام، وأنا أتكلم هنا عن الحرس الجمهوري القريب، يوجد عدد كبير من القيادات السياسية والعسكريين يمكن تقسيمهم إلى نوعين: الأول مستفيد من النظام، والثاني مرتكب لجرائم وإعدامات. ستبدأ حماقة أميركا... هي لم تترك منفذاً لأحد من هؤلاء، فأصدرت لائحة تضم 1700 معارض يُمنع دخولهم العراق، وتكلمت عن حاكم عسكري للعراق. في الواقع ستكون هناك معركة، ولكن، بعد أيام سيكون الجميع ضد أميركا».
قال خاتمي: «كل المعارضة اليوم تقف ضد أميركا. علينا أن نحاول دفع الشيعة والسنة إلى تجاوز الخلافات».
عاد الأسد إلى الحديث، قائلاً: «نحن أكثر دولة تقف مع صدام، وهو أقل دولة تنسق معنا. إنه نظام غريب يعيش في عالم آخر. كنت أتحدث من قبل وأقول إن من المفترض أن أوسّع المشاركة الداخلية، فلدينا الآن في سوريا انتخابات بلدية. وكنا نتحدث في الطائرة عن كيفية توسيع هذه المشاركة. صدام حسين يفعل العكس. لقد قسّم العراق بالأمس إلى أربع مناطق، وسلَّم إحدى المناطق لعلي حسن المجيد الملقب بالكيماوي، وهذا سيقلب الصورة ضد صدام. نحن كسوريين وإيرانيين كيف نتعامل مع المعارضة؟ من الضروري استيعاب المعارضة في الخارج، ولكنها لا تستطيع أن يكون لها دور. نحن بحاجة لعلاقات أوسع في داخل العراق. بالنسبة لنا في سوريا، العلاقة ضعيفة بسبب عدم وجود الثقة بين نظامينا».
وأضاف الأسد: «هذا الموضوع بحاجة لدراسة تفصيلية بالاسم، لأن أي مجلس أو شخص يأتي لحكم العراق يكون هؤلاء الأشخاص. أميركا لم تقبل اقتراح دولة عربية استبدال صدام بشخص آخر هو عزت الدوري. هذا تصوّري لهذه النقطة».
علّق خاتمي، قائلاً: «نحن أيضاً لا نعرف ماذا يجري داخل العراق. أنا أقتنع بمثل هذا الشعور المتناقض تجاه صدام وأميركا، وأعتقد أنه إن طالت الحرب ورأى الشعب الخسائر واستطاع الجيش والحرس الجمهوري المقاومة، سيكون الزمن على حساب الجانب الأميركي.
وفي إطار العمل لمستقبل العراق لا بد من إبعاد أي توجه يهدد الموقف، وإبعاد الأخطار المهمة التي تتمثل في الطائفية والتناحر بين الفصائل، لأن هذا يسهّل عمل أميركا، كأن يطالب الشيعي بحصة وكذلك الكردي وغيرهما، وهذا سيكون سُمّاً لمستقبل العراق، وأنا أرى أنه لا بد من التفكير بمستقبل عراقي ديمقراطي، بحيث لا يكون العراق بيد الأميركيين حتى إذا لم يكن عدوّاً لأميركا».
وتابع خاتمي: «موقف المعارضة الآن متصف بالرعونة، في حين أن التصرف الأميركي متصف بالعنجهية. إن أكبر رهان على المعارضة الآن هو أن أميركا عاملتهم بطريقة سيئة، والكل أبدى انزعاجه من تصرفاتها، بمن فيهم (أحمد) الجلبي، القريب جدّاً من أميركا. هذا الأمر ساعد في عودة الجميع إلى رشدهم والتقليل من العمل في الاتجاه الطائفي».
وأضاف: «لتركيا دور كبير في هذه المرحلة. ورغم التزامات تركيا تجاه أميركا، فإنني ألاحظ أن الجماعة التي تحكم تميل للعمل معنا ومع العالم الإسلامي. يجب علينا أن نكون حذرين من قيام دولة كردية، ولا بد من تكريس الفكرة القائلة بأن أكراد إيران هم إيرانيون، وأكراد العراق عراقيون، وأكراد تركيا أتراك، وفي هذا المجال لا بد من طمأنة الأتراك وتبديد مخاوفهم. على كل حال، يجب التنسيق بيننا وبينكم وبين المعارضة العراقية في هذه الأمور».
عقّب الأسد: «في المعارضة حالتان: الأولى وصلت إلى مرحلة النضج ولن تتعامل مع أميركا، والثانية هرولت باتجاه أميركا عندما أشارت إليها. هؤلاء، إن وصلوا إلى الحكم لن يعملوا مع سوريا وإيران، بل سيكونون في الجانب الأميركي. لذلك، لا بد من توسيع العلاقات وخلق عناصر أخرى للتنسيق. العنصر الأكبر هو الأكراد. لديهم خوف وهم يفكرون بإقامة وطن. هذه النقطة هي الأهم. لقد بحثت هذا الأمر مع (الرئيس التركي الأسبق) عبد الله غول، ومنذ أيام ذهب وفد أمني سوري إلى تركيا. المحور الأساسي للتعاون بين سوريا وتركيا الآن هو موضوع الدولة الكردية، وهذا يجمع كل التيارات في تركيا، من العسكر وغيرهم، لأن هذا يقلق تركيا وسوريا وإيران والعراق، ويجب التنسيق بيننا في هذا الموضوع».
أخذ خاتمي الحديث فقال: «الآن تركيا مهمة جدّاً لمرحلتي ما قبل الحرب وما بعدها. تركيا تتلقى أوامرها من أميركا، وبدا ذلك بشكل واضح في مؤتمر القمة الإسلامية. يجب ألا نحصر أنفسنا في اللقاء السداسي في إسطنبول. أعتقد أننا نستطيع أن نكون قوة إقليمية في المنطقة تضم سوريا وإيران وتركيا، وذلك في مرحلة الحرب وما بعدها، لكون تركيا متضررة مثلنا. حتى نهاية أبريل (نيسان) ستظهر الأمور بالنسبة للحرب، وستتوضح صورة حكومة (رجب طيب) إردوغان الجديدة، وربما تصبح الأمور أسوأ في الساحة العراقية. أقترح عقد لقاء قمة ثلاثي، أو على مستوى الوزراء، لبحث ما يمكن تحقيقه (...) أرى أن عقد اجتماع ثلاثي على مستوى وزاري وبعده قمة، سيكون له أثر كبير، سواء وقعت الحرب أم لا، وسواء انتصرت أميركا أم لا. وعلينا التفكير بالموضوع منذ الآن. سبق لنا أن اقترحنا موضوع 5+6. أي اجتماع يضم خمسة أعضاء من مجلس الأمن وست دول مجاورة للعراق، وقد رحّب الأمين العام للأمم المتحدة بهذه الفكرة، ولكنها لم تتحقق. هل يمكن طرح الفكرة اليوم، خصوصاً بعد المواقف التي تتخذها كل من فرنسا وروسيا والصين؟».
تدخّل في الحديث كمال خرازي: «الرئيس خاتمي طرح فكرة الوفاق الوطني»، فأجابه خاتمي: «المشكلة أن هذه الفكرة لم تُعجب أحداً». فتساءل خرازي: «إن طُرحت هذه الفكرة ثانية، هل يمكن أن تبصر النور؟». أجابه الأسد: «كان الطرح هو المفاوضات بين الأطراف، فالوقت غير مناسب، لأن الطرح سيكون: مَن يأخذ أكثر؟ وسيتم التناحر بين القوميات، وسيظهر للعالم أن الموضوع داخلي وليس موضوع عدوان. نحن نريد التركيز على العدوان. الجانب الآخر الذي أراه مناسباً هو تحقيق التطور. لقد تحدثنا مع العراقيين كثيراً. هم لا يُنسقون معنا، لا في اللجنة الخماسية ولا في أي شيء آخر. وعندما نتحدث معهم عن المعارضة، يقولون نحن لا نخاف من أحد».
علَّق خاتمي: «المعارضة لا تروق لأحد». أجابه الأسد: «نستطيع إعطاءها وعوداً وهمية على الطريقة الأميركية، ومع ذلك يمكن طرح الموضوع مع وزير الخارجية العراقي. المشكلة الأولى في الحرب هي صدّام نفسه». قال خاتمي: «بالنسبة للحرب، أميركا تتعامل بقوة، وربما لديها مشاريع وخطط. هل أنتم مطمئنون إلى إمكانية قيام الجيش بعمل ما في الداخل؟ إن انتصرت أميركا بسرعة سيكون الأمر صعباً». أجابه الأسد: «الحل في المقاومة». فتابع خاتمي: «إذا وقعت الحرب؟»، فقال الأسد: «يجب الإعداد للمقاومة قبل الحرب«.
هنا علَّق خاتمي: «لا بد من وجود أهداف عدة: أولاً، لا نريد وقوع الحرب، وثانياً، إن قامت لا نريد أن تنتهي بسرعة، وثالثاً، مستقبل العراق. يجب العمل والتنسيق لتحقيق هذه الأهداف، ولا بد من التباحث حول كيفية التعامل مع المعارضة.
النقطة الأخرى هي أنه يجب معرفة ما يجري داخل العراق وكيفية التأثير فيه، وكذلك الأمر بالنسبة لمستقبل العراق. يجب أن تنصبّ جهودنا على تجنب الطائفية، ويجب أن يكون شرطُنا للعمل مع المعارضة هو التزامها بعدم إثارة المشكلات. نحن لا نفرّق بين سُنّي وشيعي. إن حدث أمر كهذا، وهذا ما يقلقني، فإن المعارضة ستسقط، وهذا يسبب خسارة».
عقّب الأسد: «للطرح الطائفي في العراق نتائج سلبية. قبل طرح أي أمر يجب أن يكون له هدف. التركيز على المعارضة يخيف الأميركيين، لكن هذا يتطلب بحث العلاقات مع العشائر. اليوم يوزع الأميركيون الأموال والهواتف على رؤساء العشائر. لا أعرف إن كان هؤلاء سيلتزمون مع أميركا، ولكنهم في الوقت الحالي سعداء بالأموال. ما هي علاقتكم بالعشائر؟».
أجابه خاتمي: «لا توجد علاقات بيننا، ولكني أعتقد أن للمعارضة اتصالات مع العشائر، ولها ارتباطات أخرى». رد الأسد: «سيكون التعامل صعباً إلى حد ما».
تدخلتُ في الحديث قائلاً: «لدي اقتراح: إن وجهتي نظر سوريا وإيران متطابقتان. لا بد من إيجاد منهجية للعمل. هناك أطراف عدة في المعارضة مخترَقة من قِبل الأميركيين. أقترح تشكيل مجموعة عمل تدرس المعارضة العراقية. هناك الكثير من أطراف المعارضة رفضت العمل تحت المظلة الأميركية، وهناك من يعتقد أن الحرب فرصة مناسبة للانقضاض على النظام».
أجاب خاتمي: «أنا لستُ معكم، لكنني أوافقكم بأن هناك بعض المخترَقين من قِبل أميركا، لكن في الوقت نفسه البعض لم يعارض». أجبته: «بعض المشاركين يقولون إنهم يعملون مع المخابرات الأميركية والبريطانية. وبالفعل، فقد حضر المؤتمر أعضاء من المخابرات المركزية الأميركية كمراقبين، كما حضره أعضاء من المخابرات الإيرانية كمراقبين أيضاً، وبالتالي لا بد من تدقيق وضع المعارضة العراقية وتصحيح أوضاع من نستطيع التأثير عليهم».
أجاب خاتمي: «لا شك أنهم فضّلوا التعامل مع أميركا، لكنّ تعامل أميركا السيئ معهم جعلهم ينظرون إلى المعارضة وكأن لها موقفاً موحَّداً ضد أميركا. ولهذا السبب تراجعت المعارضة في أربيل، وأميركا لا تقبل بهذه المعارضة إلا أناساً يقفون معها 100 في المائة. قال المبعوث الأميركي زلماي خليل زاد للمعارضة: نحن لا نقبل بالمعارضة وسنزرع حاكماً عسكرياً في العراق، وبعد الهدوء سنضع حاكماً سياسياً، وسننشئ دستوراً عراقياً، وأقصى شيء يمكننا عمله معكم هو التشاور».
وأضاف: «عندما تقوم أميركا بالعمل العسكري لن يكون للمعارضة أي نشاط. لقد خططت أميركا لتحقيق ما تريده في العراق، وجميع أطراف المعارضة كانت منزعجة منها، وقرروا في أربيل إصدار بيان معارض لأميركا، وهذا شيء جيد، وكان له أثر في تغيير اللهجة الأميركية. لذلك أنا لست معك بوجود أطراف معارضة تعمل مع أميركا وأخرى مستقلة تماماً، لكن في الوقت ذاته، أي طرف من المعارضة سيرى مصلحته مع أميركا سيقترب منها، بالإضافة إلى بعض الأطراف التي تعتمد على أميركا منذ البداية. الجانب الأميركي يصر على من يتبعون له، ولكن في الوقت ذاته أنا أؤيد وجهة نظركم بأن هناك خارج المعارضة من هم أكثر مقاومة وجديّة، ولكن يجب أن نكون واقعيين».
وتابع قائلاً: «هذا الاقتراح من الرئيس بشار بأن نجلس مع تركيا اقتراح حكيم، ولا بد من أن ننظر للمعارضة بإطار واسع لنَحول دون اتساع الخلافات، ونَحول دون وقوع المعارضة في أحضان أميركا، وسنكون سعداء جدّاً بأن يكون لنا نوع من الوجود. أنا أوافق على مجموعة العمل، فالإنسان لا يُخير دائماً بين الجيد والسيئ، ولكن يجب التمييز بين السيئ والأسوأ».
وبعد أن أنهينا اللقاء مع الرئيس خاتمي، توجّهنا للقاء المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي بدأ الحديث مُرحباً بنا، متمنياً أن تكون الزيارة مفيدة لكِلا البلدين. بعد ذلك تحدث الأسد، قائلاً: «التنسيق بين بلدينا عالٍ، وبكل تأكيد ستحقق زيارتنا النجاح، وسوف تضفي هذه الزيارة بعض (الرتوش) على التنسيق بين بلدينا. لقد عكَس نقاشنا اليوم تطابق وجهات النظر بين بلدينا. ناقشنا موضوع العراق بشكل موسّع، ويوجد تحليلات كثيرة، والرؤية سوداوية حول هذا الموضوع، والنقاط البيضاء فيه هي تحالفنا ومواقفنا وتاريخنا. لقد سقطت الأقنعة وكل شيء اتضح. أميركا عبّرت عن موقفها وقالت إنها تريد احتلال العراق وتنصيب حاكم عسكري، وقالت إنها ستحارب بعد ذلك سوريا وإيران وأي دولة لا تعجبها. نحن ندرك قوة أميركا العسكرية وإمكانات سوريا وإيران... ولكن نحن أصحاب الأرض».
أضاف الأسد: «قلنا في البداية إننا لا نريد حدوث الحرب لأنها ضارة للجميع، لكن من غير المعقول أن نجلس وننتظر مجيئها إلينا لاحقاً. لا يوجد دولة جارة للعراق تملك قرارها سوى سوريا وإيران، لكن أعتقد أن أهم شيء يمكن أن يحدث في حال حصول الحرب هو امتدادها حتى تتعب أميركا».
تحدث خامنئي قائلاً: «شكراً جزيلاً على هذا التحليل الجيد حول ما يجري في المنطقة. الحقيقة هي أننا دولتان شقيقتان، تجمعنا أمور كثيرة ومخاطر مشتركة، وهذا بحد ذاته عامل تشجيع لزيادة التعاون الكامل بيننا. تواجه المنطقة وضعاً خطراً».
 

خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة) 
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)
خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)

 



اليمن يواجه موجة غلاء وسط هشاشة اقتصادية

يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)
يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)
TT

اليمن يواجه موجة غلاء وسط هشاشة اقتصادية

يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)
يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)

لا تزال حياة اليمنيين محكومة بالضغوط المعيشية، وسط تحذيرات من موجة جديدة من الغلاء واستمرار الضغط على أسعار الغذاء والطاقة والشحن نتيجة الاضطرابات في المنطقة.

تزامن ذلك، مع تصنيف دولي للبلاد وضعها بين الأعلى عربياً في تكلفة المعيشة، مع بقاء مستويات الدخل والقوة الشرائية عند حدودها المتدنية، رغم الإشادات بالإصلاحات الاقتصادية.

التحذيرات صدرت من منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) التي قالت إن تداعيات الاضطرابات الإقليمية لن تتوقف بانتهاء الأزمة العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، ومضيق هرمز تحديداً، وإن انعكاسات الأزمة على أسعار الغذاء وقطاع النقل ستستمر لفترة أطول؛ نتيجة الاضطرابات الواسعة التي شهدتها سلاسل الإمداد العالمية لأكثر من 100 يوم.

وحسب تقرير «أونكتاد»، فإن إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف الملاحة البحرية قد يخففان الضغوط على أسواق الطاقة العالمية، إلا أن آثار الاضطراب ستظل قائمة لفترة أطول، بما يهدد الاقتصادات الهشة، وفي مقدمتها اليمن، بمزيد من تقلبات أسعار الوقود والحبوب وارتفاع تكاليف النقل، وهو ما قد ينعكس على أسعار السلع الأساسية ويزيد من معدلات الفقر وسوء التغذية.

جاءت هذه التحذيرات في وقت أظهر فيه تصنيف حديث لمنصة «نومبيو»، وهي أكبر قاعدة بيانات عالمية تعتمد على المستخدمين لمقارنة تكلفة المعيشة وجودة الحياة بين مدن ودول العالم، أن اليمن يحتل المرتبة الـ46 في مؤشر تكلفة المعيشة لعام 2026، والثانية عربياً.

وتعكس هذه النتيجة استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية، دون أن يُقابل ذلك تحسن مماثل في مستويات الأجور والمداخيل أو القوة الشرائية؛ ما يجعل الأعباء المعيشية أكثر ثقلاً على السكان.

غلاء دائم

يعدّ التناقض في اليمن مفارقة لافتة، فالمؤشر يقيس أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية مقارنة بمدينة نيويورك الأميركية بوصفها معياراً مرجعياً؛ إذ ارتفع مؤشر تكلفة المعيشة في اليمن هذا العام مقارنة بسابقه، عندما سجل 48.4 نقطة؛ ما يعكس زيادة في مستويات الأسعار خلال العام الحالي، رغم تراجعه في الترتيب العالمي.

رغم الإشادات الدولية بالإصلاحات الحكومية لا يزال اليمنيون يعانون ضيق المعيشة (أ.ف.ب)

ويقتصر المؤشر على قياس أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية ويغطي أسعار المواد الغذائية والمطاعم ووسائل النقل والخدمات الأساسية، ولا يشمل الأجور أو جودة الخدمات أو القوة الشرائية، في حين تُحتسب إيجارات السكن ضمن مؤشر مستقل.

واشتكى سكان العاصمة اليمنية المؤقتة عدن من ارتفاعات جديدة في الأسعار، ورغم أنه اقتصر على سلع محدودة، فإنه أثار مخاوف من أن يكون مؤشراً على موجة غلاء جديدة مقبلة.

جانب من مخيم لنازحين يمنيين من الحديدة (غرب) إلى محافظة أبين (جنوب) (أ.ب)

ففي حين تشهد أسواق الأسماك زيادة في أسعار «الثمد» (سمك التونة)، وهو النوع الأكثر استخداماً في الأطباق الشعبية في عدن، ارتفعت أسعار بعض الأدوية الضرورية للأمراض المزمنة إلى جانب شحها في الصيدليات.

ويقول الصيادون وبائعو الأسماك إن تأثير الأحوال الجوية المتمثلة بقدوم رياح الشمال على حركة الصيد تسبب في تراجع كميات الأسماك التي يمكن اصطيادها ونقلها إلى الأسواق في ظل الطلب الدائم عليها؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعارها.

ورغم التوقعات أن يكون هذا الارتفاع مؤقتاً، فإن ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية ضاعف المخاوف في أوساط الأهالي.

إصلاحات مطلوبة

في ضوء هذه المعطيات، تشكو عائلات المرضى وكبار السن من زيادات جديدة في أسعار أدوية ارتفاع ضغط الدم والسكر. ويذكر عبد الكريم غانم، وهو مهندس، ويعاني السكر والضغط، لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر قبل أسبوعين إلى شراء أدوية بديلة للأدوية التي أوصاه الأطباء باستخدامها بسبب ارتفاع الأسعار، قبل أن يفاجأ بارتفاع أسعار الأدوية البديلة، مع اختفاء الأدوية الأخرى من الصيدليات بشكل واسع.

ومنذ قرابة شهرين، حملت مشاورات المادة الرابعة التي أجراها صندوق النقد الدولي مع الحكومة اليمنية للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، إشارات أكثر تفاؤلاً؛ إذ أشاد الصندوق بتحسن القدرات المؤسسية، وعدّ أن الاقتصاد بدأ يسجل تعافياً تدريجياً بعد سنوات من الركود، مع تراجع وتيرة الانكماش، واستمرار جهود الإصلاح المالي والنقدي.

غير أن الصندوق ربط هذا التعافي بجملة من الشروط، أبرزها مواصلة الإصلاحات المالية، وتحسين الحوكمة، واعتماد سياسات نقدية أكثر مرونة، إلى جانب استمرار الدعم الخارجي، محذراً في الوقت نفسه من أن التوترات الإقليمية والأزمة الإنسانية ما زالتا تمثلان أبرز المخاطر التي قد تعرقل أي تحسن اقتصادي خلال الفترة المقبلة.

طفلة يمنية نازحة تتناول قطعة خبز مع الشاي (أ.ب)

ويرى الباحث الاقتصادي اليمني فؤاد المقطري، في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن التراجع المستمر في القدرة الشرائية لليمنيين يعود إلى توقف صادرات النفط التي كانت تمثل المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية، واتساع عجز الموازنة، وتراجع الاحتياطيات الخارجية، والانقسام النقدي بين عدن وصنعاء، فضلاً عن تمويل العجز بطباعة المزيد من العملة.

ويؤكد أن أي تعافٍ مستدام يتطلب استعادة مصادر الدخل الخارجي، وتوحيد السياسة النقدية، وتعزيز الاستقرار المالي، موضحاً أن التصدي لغلاء المعيشة لن يكون كافياً بزيادة الأجور فقط، بل وبضبط الأسواق، وتحفيز الإنتاج المحلي لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن السكان وزيادة إيرادات الدولة وتحسين سعر صرف العملة المحلية أمام العملات الأجنبية بالأداء الاقتصادي المتوائم مع القرار السياسي.


100 مليون دولار لدعم التغذية وسبل العيش في اليمن

تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)
تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)
TT

100 مليون دولار لدعم التغذية وسبل العيش في اليمن

تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)
تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)

حصل اليمن على منحة جديدة بقيمة 100 مليون دولار من البنك الدولي لدعم جهود الحد من سوء التغذية وتعزيز سبل كسب العيش، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات الأممية من اتساع رقعة الجوع وظهور بؤر جديدة للمجاعة، بالتزامن مع التراجع الحاد في تمويل خطة الاستجابة الإنسانية، الأمر الذي يفاقم أوضاع ملايين السكان الذين يعتمدون على المساعدات للبقاء.

وتأتي المنحة في ظل مؤشرات مقلقة بشأن الأمن الغذائي، إذ أكدت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن نحو 53 في المائة من سكان اليمن سيواجهون أزمة أو مستويات أشد من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، بينما يتحمل اليمن أعلى عبء عالمي للسكان المصنفين في المرحلة الرابعة (حالة الطوارئ)، وهي المرحلة التي يصبح فيها خطر الوفاة بسبب الجوع وسوء التغذية مرتفعاً بصورة كبيرة.

وأوضح البنك الدولي أن مجلس المديرين التنفيذيين وافق على المنحة المقدمة لليمن من المؤسسة الدولية للتنمية لتمويل مشروع «النقد مقابل التغذية وسبل كسب العيش»، الذي ستنفذه منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بالشراكة مع الصندوق الاجتماعي للتنمية.

اليمن يواجه تحديات غير مسبوقة وسط اتساع أزمة الجوع (إعلام محلي)

ويهدف المشروع إلى الحد من سوء التغذية وتعزيز قدرة الأسر الأكثر ضعفاً على مواجهة الظروف الاقتصادية، مع التركيز بصورة خاصة على الأمهات والأطفال دون سن الثانية، باعتبار الألف يوم الأولى من عمر الطفل المرحلة الأكثر أهمية في بناء صحته ونموه.

ووفق البنك الدولي، سيستفيد من المشروع نحو 1.8 مليون شخص في 15 محافظة يمنية تعد الأكثر تضرراً من سوء التغذية، على أن تمثل النساء ما لا يقل عن نصف المستفيدين، في إطار توجه يركز على حماية الفئات الأكثر هشاشة وتعزيز رأس المال البشري في البلاد.

مصادر تمويل صغيرة

لا يقتصر المشروع الدولي الجديد في اليمن على تقديم تحويلات نقدية، بل يشمل برامج لتعزيز سبل كسب العيش، من بينها إشراك نحو 55 ألف شخص في جمعيات الادخار والإقراض القروية، بما يتيح لهم الوصول إلى مصادر تمويل صغيرة تساعدهم على إنشاء أنشطة مدرة للدخل أو توسيع مشاريعهم القائمة، وتقليل اعتمادهم على المساعدات الإنسانية.

كما يتضمن المشروع مساعدة أكثر من 675 ألف يمني في الحصول على بطاقات الهوية الوطنية وشهادات الميلاد، بما يسهل وصولهم إلى الخدمات المالية والاجتماعية، ويعزز اندماجهم في الأنشطة الاقتصادية الرسمية.

مشروع دولي يستهدف 15 محافظة يمنية متضررة من سوء التغذية (إعلام محلي)

وفي جانب آخر، يستهدف المشروع الدولي الجديد في اليمن تنفيذ برنامج للعمل الرقمي متناهي الصغر يستفيد منه نحو ألفي شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً، مع تخصيص نصف الفرص على الأقل للنساء. وسيحصل المشاركون على تدريب في المهارات الرقمية والعمل عبر المنصات الإلكترونية، إضافة إلى أجهزة لوحية وخدمات إنترنت، بما يمكنهم من تنفيذ أعمال رقمية لصالح جهات في الأسواق العالمية وتحقيق مصادر دخل جديدة.

وأكد المدير الإقليمي لمصر واليمن وجيبوتي في البنك الدولي ستيفان جيمبرت أن المشروع يجمع بين الاستجابة الإنسانية العاجلة والاستثمار في بناء القدرات الاقتصادية للمجتمعات المحلية، مشيراً إلى أن الاستثمار في رأس المال البشري يمثل أحد أهم مرتكزات تعافي اليمن على المدى الطويل.

تحذيرات من تفاقم الجوع

تأتي المنحة الدولية لليمن في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تدهور الوضع الإنساني نتيجة الانخفاض غير المسبوق في التمويل الدولي. وكانت الأمم المتحدة قد حذرت خلال الأشهر الماضية من أن تقليص المساعدات الإنسانية يهدد بظهور جيوب للمجاعة في عدد من المناطق، مع اضطرار وكالات الإغاثة إلى تقليص برامجها الغذائية والصحية بسبب نقص التمويل.

ويؤكد البنك الدولي أن اليمن ما زال يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، إذ يعاني أكثر من 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينما يعيش نحو 74 في المائة من السكان تحت خط الفقر، ويعاني نحو نصف الأطفال دون سن الخامسة من التقزم، وهو أحد أخطر مؤشرات سوء التغذية المزمن.

وأشار البنك إلى أن المشروع سيستمر حتى يونيو (حزيران) 2029، ضمن محفظة عمليات نشطة في اليمن تضم 12 مشروعاً بإجمالي تمويل يبلغ 2.4 مليار دولار، إضافة إلى تمويل من الصندوق الاستئماني متعدد المانحين للصمود والتعافي وإعادة الإعمار.

مأرب في واجهة الاحتياجات

في موازاة ذلك، جددت الحكومة اليمنية دعوتها للمجتمع الدولي إلى توفير دعم عاجل لتلبية احتياجات أكثر من 1.6 مليون شخص في محافظة مأرب، التي تستضيف أكبر تجمع للنازحين داخلياً في البلاد، ويقدر عددهم بنحو 65 في المائة من إجمالي النازحين.

وأكدت الحكومة أن المحافظة تشهد مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل استمرار موجات النزوح وتراجع التمويل الإنساني، الأمر الذي يضع مئات الآلاف من الأسر أمام أوضاع معيشية بالغة الصعوبة، ويزيد من الحاجة إلى تدخلات عاجلة للحفاظ على الخدمات الأساسية وضمان استمرار برامج الغذاء والتغذية.

ويرى مراقبون أن المنحة الجديدة تمثل دفعة مهمة لدعم الفئات الأكثر ضعفاً، لكنها تبقى غير كافية لمعالجة اتساع الأزمة الإنسانية، في ظل استمرار النزاع وتدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع حجم التمويل الدولي مقارنة بالاحتياجات الفعلية، ما يجعل ملايين اليمنيين عرضة لمزيد من الجوع والفقر ما لم تتعزز الاستجابة الإنسانية خلال الفترة المقبلة.


الحدود مع مصر... مزاعم إسرائيلية متكررة تفاقم التوترات

صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
TT

الحدود مع مصر... مزاعم إسرائيلية متكررة تفاقم التوترات

صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)

لا يكاد الحديث الإسرائيلي عن ضرورة تأمين الحدود مع مصر يخبو حتى يطفو على السطح من جديد، مع مزاعم متكررة عن وجود عمليات تهريب، نفتها القاهرة مراراً، وسط توتر بالعلاقات، خصوصاً منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

أحدث هذه المزاعم جاءت على لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي قال في مقابلة مع «القناة 14» العبرية المقربة منه، مساء الثلاثاء، إن إسرائيل بحاجة إلى حماية حدودها مع مصر، وإنه أجرى مناقشات مع الجانب المصري، وأخبرهم بما يتوقع القيام به.

وأضاف أن «جزءاً من ذلك يجري تنفيذه بالفعل، التزاماً بالاتفاقيات بين مصر وإسرائيل».

ويأتي حديث نتنياهو بعد تقرير إسرائيلي مطول، نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» قبل أيام، زعم أنه «منذ عام 2020، يطرأ ارتفاع مستمر في عمليات التهريب عبر الحدود المصرية والأردنية، وقد دخلت المسيّرات الصغيرة على الخط، وهو ما أسهم في رفع كمية الأسلحة المُهرَّبة ونوعيتها».

«خطاب دعائي»

مدير «الشؤون المعنوية» الأسبق بالجيش المصري والخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، يرى في تلك المزاعم «مجرد خطاب مستهلك ورسائل للداخل قبل الانتخابات المقبلة في إسرائيل».

وأضاف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نتنياهو يعيش حالة إخفاقات على جميع المستويات، سواء في غزة أو إيران أو لبنان، ويريد بهذه البروباغندا أن يدرك نفسه سياسياً قبل سقوطه انتخابياً».

وشدّد على أن مصر «تصون حدودها، وقادرة على فرض ذلك، وناجحة في ذلك على كل المستويات».

واستطرد قائلاً: «مصر ملتزمة باتفاقية السلام، ولا تقبل بخرقها أو المساس بحدودها مهما كان»، مؤكداً أن المنطقة بحاجة إلى استقرار، وليس حملة شائعات، تهدد وتزيد من التوترات بالمنطقة.

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

ويلفت عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن حديث نتنياهو جاء مع قناة تُعَد من أبرز أذرعه الإعلامية التي تروج له انتخابياً.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن نتنياهو «يحاول أن يضخم الدعاية، ولا يراعي أن حديثه يزيد التوتر مع مصر، ويخلق مزيداً من الأزمات».

وتابع: «رئيس الوزراء الإسرائيلي يبحث عن إنقاذ نفسه ومصالحه السياسية ووجوده السياسي عبر مزاعم لا أساس لها من الصحة».

«هروب من المأزق»

وبين الحين والآخر، يخرج الجيش الإسرائيلي ببيانات رسمية، يشير فيها إلى أنه «أسقط طائرة مُسيَّرة كانت تُهرّب أسلحة من الأراضي المصرية إلى إسرائيل». وحدث ذلك أكثر مرة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قبل قرار تحويل الحدود إلى «منطقة عسكرية مغلقة».

وأكدت «الهيئة العامة للاستعلامات» في مصر وقتها أن اتهامات إسرائيل «خطاب مستهلك»، وقالت إن مصر «سئمت هذه الادعاءات التي تُستخدم لإلقاء المسؤولية على أطراف خارجية كلّما واجهت الحكومة الإسرائيلية مأزقاً سياسياً أو عسكرياً».

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، تحدث نتنياهو عن مخاوفه من حشد مصر قواتها العسكرية في سيناء، وردّت «الهيئة العامة للاستعلامات» بتأكيدها على أن انتشار القوات المسلحة «جاء بموجب تنسيق كامل مع أطراف معاهدة السلام». وأشارت الهيئة حينها إلى أن «القوات الموجودة في سيناء في الأصل تستهدف تأمين الحدود المصرية ضد كل المخاطر، بما فيها العمليات الإرهابية والتهريب».

نقطة مراقبة أمنية مصرية (رويترز)

وكانت صحيفة «إسرائيل هيوم» العبرية قد نقلت في أبريل (نيسان) 2025، عمن وصفته بأنه مسؤول أمني إسرائيلي رفيع المستوى، أن البنية التحتية العسكرية المصرية في سيناء تمثل «انتهاكاً كبيراً» للملحق الأمني في اتفاقية السلام، وأن المسألة تحظى بأولوية قصوى على طاولة وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس.

وفي فبراير (شباط) 2025، قال الجيش الإسرائيلي إنه أحبط محاولة لتهريب أسلحة عبر الحدود مع مصر. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلن الجيش المصري في إفادة رسمية أنه «أحبط محاولة لتهريب المواد المخدرة جنوب منفذ العوجة على الحدود الشمالية الشرقية مع إسرائيل».

ويؤكد الدكتور أنور أن مصر ملتزمة باتفاقية السلام، ودائماً تحافظ على الاستقرار، «لكن لا تسير وفق ما تريد إسرائيل».

وأضاف: «مصر صاحبة رؤية، وقادرة على فرض الأمن والاستقرار وحماية حدودها، وتدرك أن نتنياهو يريد مزيداً من الفوضى على الحدود؛ وهي لديها سيناريوهات مسبقة للتعامل مع أي تهديد وفق محددات أمنية وقانونية لا قبول بالخروج عنها».