خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

روى في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط» تفاصيل تأسيس «الحرس» الإيراني لـ«حزب الله» في لبنان عام 1982

الرئيس الراحل حافظ الأسد و«المرشد» الإيراني علي خامنئي والرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي -  أ.ف.ب)
الرئيس الراحل حافظ الأسد و«المرشد» الإيراني علي خامنئي والرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي - أ.ف.ب)
TT

خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

الرئيس الراحل حافظ الأسد و«المرشد» الإيراني علي خامنئي والرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي -  أ.ف.ب)
الرئيس الراحل حافظ الأسد و«المرشد» الإيراني علي خامنئي والرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي - أ.ف.ب)

يكشف نائب الرئيس السوري الراحل، عبد الحليم خدام، اليوم، في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط»، تفاصيل العلاقات بين سوريا وإيران فور انتصار «الثورة» في طهران، وكيفية تأسيس «الحرس» الإيراني «حزب الله» في لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي في عام 1982.
يقول خدام إن موسى الصدر، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، كان له الدور الرئيسي في تأسيس العلاقات بين دمشق وعدد من الشخصيات الإيرانية المعارضة للشاه التي تسلمت الحكم بعد انتصار «الثورة»، وكان بينهم إبراهيم يزدي الذي وجه لخدام دعوة لزيارة طهران في أغسطس (آب) 1979 لإجراء محادثات مع «المرشد» الخميني وكبار المسؤولين بهدف تأسيس العلاقة بين البلدين.
ويروي خدام: «في اليوم الثالث للزيارة، رافقني إبراهيم يزدي إلى قم لمقابلة الخميني. وبذلك، كنت أول مسؤول سوري، بل المسؤول السوري الوحيد الذي اجتمع به»، حيث إنه «تحدث حديثاً قصيراً، لكنه كان حازماً واضحاً، وأكد أن (الثورة) حققت انتصارها... وطلب مني نقل شكره للرئيس حافظ الأسد، وتحياته له، وحرصه على العلاقات المتينة مع سوريا». ويضيف: «بعد عودتي إلى دمشق، عرضت مجريات الزيارة على الرئيس حافظ، وعلى قيادة الحزب. وكانت وجهة نظري أن كل الظروف متوفرة للتعاون مع النظام الجديد في إيران، على الرغم من التناقض بين طبيعة نظامنا وطبيعة النظام في إيران».
وعن تأسيس «حزب الله»، يقول خدام: «كان الدخول الإيراني الأوسع الفاعل إلى لبنان خلال الاجتياح الإسرائيلي للأراضي اللبنانية في مطلع يونيو (حزيران) عام 1982، إذ اتخذت آنذاك القيادة الإيرانية قراراً بإرسال لواء من (الحرس الثوري) إلى سوريا، وذلك بالاتفاق معنا. وبالفعل، فقد وصل لواء (الحرس) الإيراني بعد أيام قليلة من بدء القتال، وتوجه القسم الأكبر منه إلى لبنان، إلى منطقة بعلبك - الهرمل... لتشكيل (حزب الله)، وتنظيم عملية المقاومة الإسلامية ودعمها وتدريبها».
كانت البدايات الأولى للعلاقات بين سوريا وقيادة «الثورة» في إيران عبر المعارضة الإيرانية لنظام الشاه التي أقمنا مع بعض فصائلها علاقات جيدة. وكان للسيد موسى الصدر، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، الدور الرئيسي في تلك العلاقات، عبر «حزب تحرير إيران» الذي كان من أبرز قياداته السادة: مهدي بازركان، والدكتور إبراهيم يزدي، وصادق طبطبائي، وصادق قطب زاده، ومصطفى شمران. وبعد نجاح «الثورة»، أصبح مهدي بازركان رئيساً للوزراء في إيران، وصادق طبطبائي نائباً لرئيس الوزراء، وإبراهيم يزدي وزيراً للخارجية، وخَلَفَه بعد استقالته صادق قطب زاده، وتولى مصطفى شمران وزارة الدفاع.
استقبلنا نجاح «الثورة»، بقيادة الخميني، بسرور كبير وتفاؤل عميق، في وقت كانت ترزح فيه المنطقة تحت ضغط الانقسامات العربية والاعتداءات الإسرائيلية. وبادر الرئيس حافظ الأسد بإرسال رسالة تهنئة حارة إلى الخميني، أكد فيها حرص سوريا على التعاون الشامل مع إيران، كما عبر عن ارتياح الشعب السوري لنجاح الثورة.
وفي مطلع أغسطس (آب) عام 1979، تلقيت دعوة من وزير خارجية إيران، إبراهيم يزدي. وقد وصلت إلى طهران في 15 أغسطس (آب)، وكان في استقبالي يزدي وطبطبائي، وعدد من المسؤولين الإيرانيين.
استقبلتُ في المساء السيد طبطبائي الذي كان يتميز بوعيه السياسي، بالإضافة إلى ثقافته الواسعة، والجمع بين الالتزام الديني والعقل المتحرر، وهو ابن شقيقة السيد موسى الصدر، وكان من القادة الأكثر حماسة للعلاقات مع سوريا. وما لفت نظري أنني عندما كنت في جناحي في الفندق وفتحت التلفزيون، فاجأتني العبارة التالية التي كانت تتكرر من وقت إلى آخر، ونصها: «علموا أبناءكم العربية...»... وقد أثر ذلك في نفسي تأثيراً كبيراً.
وفي ساعة مبكرة من صباح اليوم التالي، نحو الثالثة فجراً، دخل أحد مرافقي إلى غرفة نومي وأيقظني، وأبلغني أن الشيخ محمد منتظري (نجل حسين علي منتظري)، ومعه مجموعة، يريدون اللقاء بي. استغربت أن تكون الزيارة في هذا الوقت، ودون طلب موعد، فطلبت من المرافق إدخالهم إلى غرفة الاستقبال بينما أرتدي ثيابي.
كان منتظري شاباً متحمساً لـ«الثورة»، وبدأ حديثه بالحملة على حزب «البعث»، وعلى «البعثيين»، وأخذ يكيل التهم لبعض «البعثيين» القياديين في العراق، ثم استرسل في شرح أهداف «الثورة» التي ستغير العالم، وكان عليّ أن أسمع لأني أدركت أن الحوار معه غير مُجدٍ. وبعد نحو ساعتين، طلب أن نُصلي صلاة الفجر، وكان له ما أراد، وغادر مع شروق الشمس.
وفي الساعة الحادية عشرة، توجهت للقاء الدكتور مهدي بازركان، رئيس مجلس الوزراء، وكان حاضراً (إبراهيم) يزدي وزير الخارجية، و(صادق) طبطبائي نائب رئيس الوزراء. وتحدث بازركان عن أهداف الثورة، وعن الإجماع الشعبي لتأييدها، وكان يتحدث بثقة وحرارة، ثم تناول الحديث العلاقات السورية - الإيرانية، فأكد أن «الثورة» في إيران ستعمل على بناء علاقات قوية مع سوريا الشقيقة.
أخذتُ الحديث وهنأتهم بنجاح «الثورة» باسم القيادة السورية، كما تحدثت عن الآمال الكبرى التي نعلقها على نجاحها في نقل إيران من مرحلة إلى مرحلة جديدة، يتكامل فيها التعاون العربي - الإيراني. وحدثني بازركان عن رؤيتهم للقضية الفلسطينية، وتصميمهم على تبني هذه القضية، بصفتها قضية المسلمين الأولى. وتحدثتُ عن الأهداف المشتركة في مقاومة الحركة الصهيونية وإسرائيل، وفي مواجهة الإمبريالية الأميركية والأطماع الأجنبية، وكانت وجهات نظرنا متفقة تماماً.
ومن الجدير بالذكر أن السادة بازركان رئيس الحكومة، وطبطبائي نائب رئيس مجلس الوزراء، ويزدي وزير الخارجية، وشمران وحسن حبيبي وصادق قطب زاده، كانوا من «حزب تحرير إيران» الذي كان يرأسه السيد مهدي بازركان، وكان السيد موسى الصدر الأب الروحي لذلك الحزب.
شارك يزدي وطبطبائي في الحديث، وكانت أحاديثهم بالاتجاه نفسه، وركز الجميع على أهمية تنمية العلاقات بين «الثورة» في إيران وسوريا، وأن يكون التعاون وثيقاً ضد إسرائيل والإمبريالية الأميركية.
وكنت في الساعة الثامنة صباحاً قد توجهتُ إلى وزارة الخارجية لإجراء محادثات مع يزدي. وعندما دخلنا قاعة الاجتماعات، فوجئت بوجود عدد من موظفي الوزارة، وعبرت عن ارتياح الشعب السوري والقيادة في سوريا لنجاح «الثورة» في إيران التي تعد تحولاً عميقاً في مسار الأحداث في المنطقة، وركزت على أهمية التعاون بين سوريا و«الثورة» في إيران، كما ركزت على الأهداف المشتركة فيما بين الجانبين.
وتحدث يزدي عن «الثورة»، وعن أهدافها الرئيسية، ووضع في المقدمة تحرير فلسطين، ومواجهة الاستكبار العالمي، وأكد أن التعاون بين «الثورة» وسوريا ستكون له نتائج مثمرة بالنسبة للشعبين وللمسلمين.
اتفقنا على تنمية العلاقات، واستمرار التشاور بين الدولتين، والتعاون في جميع المجالات، وتنسيق الجهود والمواقف تِجاه مجمل القضايا التي تهمنا. وفي اليوم الثاني، شاركت بصلاة الجمعة في جامعة طهران بمناسبة يوم القدس، وكانت الصلاة والاحتفال بالمناسبة لافتين للنظر، من حيث حجم المشاركين الذين تجاوزوا بضع مئات من الألوف، والهتافات للقدس والموت لإسرائيل.
كان مشهداً رائعاً أن ترى مئات الألوف يؤدون صلاة الجماعة، ويهتفون من أعماقهم لفلسطين. في تلك المناسبة، ألقيت خطاباً عبرت فيه عن موقفنا من القضية الفلسطينية عامة، ومن القدس بصورة خاصة، ووجهت التحية لـ«الثورة» في إيران، ولقائدها الخميني، وتمنيت النجاح للثورة لتحقيق أهدافها.
وفي اليوم الثالث للزيارة، رافقني إبراهيم يزدي إلى قم لمقابلة الخميني. وبذلك، كنت أول مسؤول سوري يقابله، بل المسؤول السوري الوحيد الذي اجتمع به.
وصلنا ظهراً، وتوجهنا إلى منزل قائد «الثورة» في حي شعبي، ودخلنا منزلاً بسيطاً في ذلك الحي. وفي مدخل المنزل، غرفة صغيرة فيها مكتب وطاولة يجلس عليها شيخ. وبعد أن سلمنا عليه، دخلنا إلى غرفة ثانية صغيرة، طولها لا يتجاوز المترين ونصف المتر، وعرضها كذلك، وعلى أرضها بساط عادي. وكان الخميني جالساً، فنهض لاستقبالنا. كان الرجل يجلس على الأرض، وكذلك فعلنا. كان يستمع إلى محدثيه من العرب باللغة العربية، ويجيبهم باللغة الفارسية.
وبعد تبادل التحيات، رحب بي، وقدمت له التهاني باسم سوريا، والرئيس حافظ الأسد، بنجاح «الثورة» بقيادته، وعبرت عن الآمال الكبرى التي نعلقها على نجاح «الثورة»، لا سيما في مواجهة العدوان الصهيوني، كما نقلت له تحيات الرئيس حافظ الأسد، وأكدت له أن الشعب السوري حريص على أوثق العلاقات مع إيران، ونحن نقدر حجم التطور الهائل الذي ستطلقه الثورة في الوقت الذي نواجه فيه العدوان الصهيوني والضغوط الأميركية.
تحدث الخميني حديثاً قصيراً، لكنه كان حازماً واضحاً، وأكد أن «الثورة» حققت انتصارها على الطاغوت والظلم اعتماداً على الشعب، وأن «الثورة» ستكون مع المظلومين والمحرومين، وأنها ستقف إلى جانب الشعب الفلسطيني، وستواجه قوى الاستكبار العالمي، وأن المسلمين سينتصرون على الظلم والعدوان والقهر. وطلب مني نقل شكره للرئيس حافظ الأسد، وتحياته له، وحرصه على العلاقات المتينة مع سوريا.
كانت المقابلة قصيرة رمزية، لكنها كانت بالغة الأهمية، من حيث معرفتي تصميم الرجل الذي لمسته في كل عبارة كان ينطق بها. كان واثقاً بالنفس، واثقاً بالنصر النهائي لثورته.
لم يكن النظام الجديد نظاماً شمولياً بمعنى الكلمة. ففيه من الشمولية مركزية القرار عند قائد «الثورة». ولم يكن نظاماً ديمقراطياً، وفيه من الديمقراطية حق الاختلاف في الرأي. كان الجميع يتكلم بحُرية، ولكن في إطار أهداف الثورة. يختلفون في التفسير، ولكنهم موحدون في الموقف.

بعد عودتي إلى دمشق، عرضت مجريات الزيارة على الرئيس حافظ، وعلى قيادة الحزب، وكانت وجهة نظري أن كل الظروف متوفرة للتعاون مع النظام الجديد في إيران، على الرغم من التناقض بين طبيعة نظامنا وطبيعة النظام الإسلامي في إيران، ذلك أن لكل مرحلة ظروفها ومتطلباتها، وما يصلح في مرحلة قد لا يصلح في مرحلة أخرى.
في تلك المرحلة، كانت الخلافات عميقة بين القيادتين السورية والمصرية بسبب توقيع معاهدة الصلح مع إسرائيل، كما كانت العلاقات السورية - العراقية في أسوأ حالاتها، بالإضافة إلى توتر الوضع في لبنان، مع الجبهة اللبنانية من جهة، ومع منظمة التحرير الفلسطينية من جهة ثانية، ومع إسرائيل من جهة ثالثة.
في تلك المرحلة، أخذنا خيارين أساسيين كان لهما دور كبير في تحديد مسار السياسة السورية: الأول توقيع معاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفياتي، والخيار الثاني إقامة تحالف مع إيران. لقد وفر خيار التوقيع على معاهدة الصداقة مع السوفيات دعماً سوفياتياً عسكرياً وسياسياً يحد من إمكانية تعرض سوريا لعدوان إسرائيلي بسبب الالتزامات السوفياتية بموجب المعاهدة. وعلى الرغم من أن إيران كانت في حالة حرب مع العراق، كانت ثقتنا كبيرة بأن إيران تُشكل حليفاً قوياً لنا، وفي هذا التحالف مصلحة وطنية (...)
كانت اللقاءات تجري بنشاط بين القيادتين في البلدين، سواء في دمشق أو في طهران، لمناقشة كل الأوضاع والتطورات، وتحديد المواقف منها.
ومع قيام هذا التحالف، لم تتوقف بعض أطراف الدول العربية عن الضغط على سوريا من أجل المصالحة مع العراق، وتجميد العلاقات مع إيران، غير أن تلك الضغوط لم تنجح في تحقيق أي اختراق جدي، على الرغم من اللقاءات المتعددة التي جرت بين مسؤولين سوريين وعراقيين، بما فيها لقاءات بين الرئيس حافظ الأسد ونظيره صَدام حسين.
كان الجانب السوري متمسكاً بالتحالف مع إيران، مدركاً أن سقوط هذا التحالف سيزيد من الضغوط عليه من جهة، ومن جهة ثانية ستتسع ساحة الصراع المسلح بين إيران والدول العربية، ما كان يمكن أن يدفع دولاً أجنبية للتدخل، وهذا أمر كان بالغ الخطورة بالنسبة لنا (...)
وكانت الوفود بين العاصمتين تنشط، ولم يمضِ شهر واحد دون استقبال وفد إيراني في دمشق أو وفد سوري في طهران. وفي كل لقاء، كان يجري نقاش معمق للأوضاع الراهنة، ووسائل العمل المشترك، والعمل السياسي في مختلف الساحات.
تحولت قضية الحرب العراقية - الإيرانية بين عامي 1980 و1988 إلى قضية ذات اهتمام كبير لدى النظام في سوريا، كما تحولت قضية الصراع العربي - الإسرائيلي إلى قضية عقائدية في إيران، كما أن الحرص على عدم توسع الحرب، وعدم استفزاز دول الخليج، كان قاسماً مشتركاً في سياستي البلدين، على الرغم من حدوث إشكالات مقلقة بين وقت وآخر.
في المجال العسكري، ساعدت الحكومة السورية إيران بإقناع الاتحاد السوفياتي بالإيعاز إلى دول أوروبا الشرقية لبيع أسلحة إلى إيران. وبالفعل، فقد تم ذلك عبر سوريا، فكانت العقود توقع باسم سوريا، وتدفع إيران قيمة الأسلحة التي تورد إلى مرفأ اللاذقية، ومنه بالطائرات إلى طهران. والدول التي تعاقدت على الأسلحة كانت بلغاريا وتشيكوسلوفاكيا بصورة خاصة. أما فيما يتعلق بالأسلحة السورية، فلم تقدم دمشق لطهران من أسلحة الجيش السوري أي شيء.
كان أكثر ما يُقلق الرئيس حافظ الأسد الخوف على النظام. وكان خوفه متقدماً على القضايا الأخرى في تلك المرحلة، بما في ذلك القضايا ذات الصلة بالوحدة الوطنية.
من خلال هذا الخوف، تأتي أهمية لبنان في عقل الرئيس حافظ الأسد. فلبنان يمكن أن يكون ساحة يستخدمها أعداء سوريا، كما يمكن أن يكون ساحة يستخدمها النظام ضد أعدائه، وفي تعزيز النظام وسياساته.
لم يكن في ذهنه ضم لبنان إلى سوريا، أو عدم الاعتراف بشرعية الدولة اللبنانية، وإنما كان الأمر يتعلق بالإمساك بلبنان، وتوجيه سياساته الخارجية، وإغلاق النوافذ أمام إسرائيل وأمام خصوم سوريا وخصوم نظامها لاستخدام لبنان (...). كانت ثقته عميقة بالسيد موسى الصدر. وبعد غيابه، انتقلت الثقة إلى نبيه بري، وأصبح السيد نبيه بري موضع الثقة، على الرغم من أن بعض القادة، أمثال السيد حسين الحسيني، كانوا يحملون راية السياسة السورية في لبنان.
أصبح بري السياسي الأبرز في طائفته، وحظي بدعم كامل سياسياً وعسكرياً، وأصبحت حركة «أمل» هي الميليشيا المسلحة الأكثر التصاقاً مع النظام في سوريا، وساعدناها في نزاعاتها مع «حركة المرابطون»، ومع «الحزب التقدمي الاشتراكي»، ومع الفلسطينيين، ثم مع «حزب الله».
لعبت حركة «أمل» دورين رئيسيين في إطار السياسة السورية: الأول في مواجهة قوى الجيش اللبناني والقوات اللبنانية، وإسقاط اتفاقية السابع عشر من مايو (أيار)، وساعد بدوره السيد وليد جنبلاط في الضغط العسكري على «القوات اللبنانية» في منطقتي الشوف وعاليه، ما دفع الرئيس اللبناني أمين الجميل إلى القبول بتسوية أُسقطت فيها اتفاقية 17 مايو (أيار) 1983. أما الدور الثاني فقد كان في الجنوب، وكان لحركة «أمل» دور رئيسي في مقاومة الاحتلال.
لم يكن لإيران نفوذ في لبنان أو وجود سياسي أو عسكري قبل عام 1980. كان الوجود الإيراني رمزياً، يتمثل بمجموعة من المعارضة الإيرانية تعمل في ظل السيد موسى الصدر، ومن بين هؤلاء السيد مصطفى شمران الذي أصبح وزيراً للدفاع بعد انتصار «الثورة» في إيران.
كان الدخول الإيراني الأوسع الفاعل إلى لبنان خلال الاجتياح الإسرائيلي للأراضي اللبنانية في مطلع يونيو (حزيران) عام 1982، إذ اتخذت آنذاك القيادة الإيرانية قراراً بإرسال لواء من «الحرس الثوري» إلى سوريا، وذلك بالاتفاق معنا. وبالفعل، فقد وصل لواء «الحرس» الإيراني بعد أيام قليلة من بدء القتال، وتوجه القسم الأكبر منه إلى لبنان، إلى منطقة بعلبك - الهرمل.
هكذا، بدأت مسيرة النفوذ الإيراني في لبنان. وكان من مهام «الحرس الثوري» القيام بـ«تشكيل (حزب الله)، وتنظيم عملية المقاومة الإسلامية ودعمها وتدريبها. وكان التوجه الإيراني عدم انزلاق الحزب في الحياة السياسية اللبنانية، والانصراف إلى المقاومة وتوسيعها وزيادة فاعليتها».
كانت المقاومة في الجنوب مُشَكَّلة من قوى مختلفة، لبنانية وفلسطينية، ولكن بعد الاجتياح أصبحت حركة «أمل» هي القوة الرئيسية للمقاومة. وبدخول «حزب الله» إلى ساحة المقاومة، كان الحزب ينمو ويتسع عدد عناصره على حساب حركة «أمل» التي كانت قيادتها غارقة في العمل السياسي.
ومع تمكن «حزب الله» من الإمساك بمنطقة البقاع الشرقي، وانضمام عناصر قيادية من حركة «أمل» لـ«حزب الله»، خطا الحزب خطوات أخرى باتجاه الضاحية الجنوبية في بيروت، وباتجاه الجنوب، وأصبح بفضل الدعم والمساندة الإيرانية قوة رئيسية منافِسة لحركة «أمل» في الساحة الشيعية. وقد أدى ذلك إلى قتال عنيف بين الحركة والحزب، ولم يتوقف إلا بعد ممارسة ضغوط قوية، سورية وإيرانية، وإجراء مصالحة بين الطرفين.
كان الموقف السوري، عملياً، يتعاطف مع حركة «أمل»، وكان الرئيس حافظ الأسد وحده يُبدي التعاطف مع «حزب الله»، ويعطي التوجيهات لقيادة الجيش والأجهزة الأمنية بمساعدته. وقد بنى موقفه على أن الحزب أصبح قوة المقاومة الرئيسية بعد تراجع حركة «أمل» والأحزاب الوطنية. وبالتالي، يجب الاعتماد عليه في مقاومة إسرائيل واستنزافها. كان معظم الضباط السوريين في لبنان يتعاطفون مع «أمل»، ولا يميلون إلى «حزب الله» بصفته حزباً إسلامياً، وهم -أي الضباط السوريون- ما زالوا تحت وطأة الحوادث الدامية التي وقعت في سوريا بين الدولة و«الإخوان المسلمين».
لم يكن الرئيس حافظ الأسد قلقاً من النفوذ الإيراني، كما لم يكن في ذهنه أن إيران تبني قاعدة عسكرية وسياسية في لبنان تهدف لخدمة استراتيجيتها، وأن لديها طموحاً في التوسع الإقليمي، وهي حليفة نتعاون معها في مواجهة النظام العراقي.
كانت حسابات الرئيس حافظ الأسد أن إيران في كل الظروف مضطرة لأن تكون حليفة لسوريا، وهي معادية لإسرائيل، وعلاقاتها متوترة مع الدول التي تجاورها، بسبب الحرب مع العراق من جهة، أو بسبب الخوف منها من جهة ثانية. لم يكن يُقلقه التمدد الإيراني في لبنان، ودائماً كان في ذهنه صَدام حسين من جهة، ولبنان من جهة ثانية، وفي المسألتين إيران هي الحليف، سواء في مواجهة إسرائيل أو في الاعتماد على الطائفة الشيعية التي أصبحت في معظمها موالية لإيران، وموالاتها لسوريا تتعزز أو تتراجع في ضوء العلاقات بين الدولتين.

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)

خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة) 
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)
خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



«الزينبيات» يطرقن أبواب صنعاء لاستقطاب المجندين

الحوثيون يواصلون حملتهم لتجنيد الأطفال في الأحياء والمدارس (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون حملتهم لتجنيد الأطفال في الأحياء والمدارس (إعلام محلي)
TT

«الزينبيات» يطرقن أبواب صنعاء لاستقطاب المجندين

الحوثيون يواصلون حملتهم لتجنيد الأطفال في الأحياء والمدارس (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون حملتهم لتجنيد الأطفال في الأحياء والمدارس (إعلام محلي)

على وقع الخسائر البشرية التي تتكبدها الجماعة الحوثية في جبهات القتال، كثّفت الجماعة خلال الأيام الأخيرة أنشطة جهازها النسائي المعروف باسم «الزينبيات» في أحياء العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وضواحيها، مستهدفة النساء والأطفال بحملات تعبئة واستقطاب، تجمع بين الترغيب والضغط والتهديد، وفق مصادر محلية وشهادات سكان تحدثوا إلى «الشرق الأوسط».

وقالت المصادر إن الجماعة بدأت تنظيم دورات ومحاضرات يومية ذات طابع فكري وطائفي، تستهدف الأمهات وربات البيوت في مديريات معين وبني الحارث والتحرير، إلى جانب أحياء في صنعاء القديمة.

وأضافت أن عناصر من «الزينبيات» تنقّلن خلال اليومين الماضيين بين عشرات المنازل في المناطق المستهدفة، لدعوة النساء إلى حضور الدورات، بالتزامن مع محاولات لإقناع الأمهات بدفع أبنائهن إلى الالتحاق بالأنشطة والمعسكرات التابعة للجماعة.

وفي حي السنينة بمديرية معين، أفادت المصادر بأن الجماعة أخضعت أكثر من 20 امرأة لدورات تعبوية مكثفة بإشراف الجهاز النسائي الأمني والعسكري، المعروف باسم «الزينبيات»، في إطار حملة استقطاب تستهدف النساء والأسر في مناطق سيطرتها.

وكشفت المصادر عن توجيه تهديدات إلى نساء رفضن حضور تلك الدورات، تضمنت التلويح باتخاذ إجراءات بحق أسرهن، في محاولة لإجبارهن على المشاركة.

الحوثيون يدفعون العائلات للفخر بأبنائها بوصفهم مقاتلين أو ضحايا (غيتي)

وأوضحت أن الجماعة دفعت عدداً من المشرفين والمشرفات الثقافيين التابعين لها لإلقاء محاضرات أمام النساء، في محاولة للتأثير على مواقفهن ودفعهن إلى إقناع أبنائهن بالانخراط في أنشطة الجماعة.

وفي حيي جدر والقاع بمديريتي بني الحارث والتحرير، أفادت المصادر بممارسة ضغوط على عشرات النساء، خصوصاً الأمهات وربات البيوت، عقب التحاقهن بالدورات التعبوية، بهدف دفعهن إلى إلحاق أبنائهن بأنشطة ذات طابع عسكري.

ووفق المصادر، اتخذت الضغوط أشكالاً متعددة، بينها استغلال الظروف الاقتصادية والاجتماعية للأسر، إلى جانب الترغيب والتهديد والضغط المباشر لحث الأهالي على الموافقة على مشاركة أبنائهم في تلك الأنشطة.

وأضافت أن الأسر المستهدفة تخشى من تحول الدورات والأنشطة التعبوية إلى مرحلة تُمهد لاستقطاب الأطفال واليافعين وتجنيدهم، ثم نقلهم إلى معسكرات التدريب أو مناطق القتال.

ضغوط في صنعاء القديمة

في أحياء صنعاء القديمة (المدينة التاريخية)، قالت مصادر محلية وسكان إن الجماعة كثّفت أنشطتها التعبوية بين الأسر، مستهدفة الأطفال واليافعين من خلال فعاليات ودورات ذات طابع فكري وعسكري.

واشتكت أمهات وربات بيوت شاركن في برامج حوثية، لـ«الشرق الأوسط»، من إلزامهن، من جانب قياديات في الجماعة، بالحضور وتلقي دروس تروّج لأفكارها، قبل ممارسة ضغوط عليهن لإلحاق أبنائهن بأنشطة وتدريبات ذات طابع عسكري.

برامج حوثية لتعبئة اليمنيات بمناطق سيطرة الجماعة (إكس)

وأكدت «أم سليمان»، وهو اسم ترميزي لربة منزل تقطن في حارة الأبهر، أن حضورها تلك الدورات لم يكن طوعياً في كثير من الأحيان، مشيرة إلى أن القائمات عليها كن يحثثن المشاركات بصورة متكررة على إقناع أبنائهن بالالتحاق بالمعسكرات التابعة للجماعة.

وقالت إن الضغوط لم تتوقف عند حضور الدروس، بل امتدت إلى محاولة التأثير على الأمهات لدفع أبنائهن نحو تلك الأنشطة، وسط مخاوف لدى أسر كثيرة من تحوُّل الدورات التعبوية إلى بوابة لتجنيد الأطفال واليافعين والزج بهم في مناطق القتال.

وأضافت أن الأسر المستهدفة وجدت نفسها أمام ضغوط اجتماعية ومادية متزايدة، في وقت تخشى فيه من استدراج أبنائها إلى مسارات التعبئة والتجنيد القسري.

مخاوف حقوقية

وتأتي هذه الإفادات في سياق مخاوف حقوقية متكررة بشأن استغلال الأطفال في النزاع اليمني، ولا سيما تعرضهم للتعبئة والتجنيد والزج بهم في أعمال مرتبطة بالقتال، وهي ممارسات تحظرها قواعد القانون الدولي الإنساني، الذي يوفر للأطفال حماية خاصة أثناء النزاعات المسلحة.

الانقلابيون في اليمن يجبرون النساء على المشاركة بفعاليات تعبوية (إكس)

وفي تقرير حقوقي، قالت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» إنها وثّقت 36 ألفاً و179 واقعة انتهاك وجريمة بحق الأطفال في مختلف المحافظات اليمنية، نسبت مسؤوليتها إلى جماعة الحوثيين، خلال الفترة من 1 يناير (كانون الثاني) 2017 حتى 8 سبتمبر (أيلول) 2026.

وتتسق هذه المعطيات مع تحذيرات أممية متكررة بشأن استمرار تجنيد واستخدام الأطفال في اليمن، ودعوات الأمم المتحدة إلى إنهاء هذه الممارسات، ومنع إشراك الأطفال في الأعمال المرتبطة بالنزاع.


الهجمات الحوثية تشل 80 % من قطاع الصحة في غرب تعز

تعطل 80 % من المرافق الصحية في المناطق التي دخلها الحوثيون (إعلام محلي)
تعطل 80 % من المرافق الصحية في المناطق التي دخلها الحوثيون (إعلام محلي)
TT

الهجمات الحوثية تشل 80 % من قطاع الصحة في غرب تعز

تعطل 80 % من المرافق الصحية في المناطق التي دخلها الحوثيون (إعلام محلي)
تعطل 80 % من المرافق الصحية في المناطق التي دخلها الحوثيون (إعلام محلي)

حذَّرت وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية من تدهور حاد في الوضع الصحي بمحافظة تعز، مع تصاعد الهجمات الحوثية التي ألحقت أضراراً بمنشآت صحية ومناطق سكنية، وأجبرت مزيداً من السكان على النزوح، في وقت تتراجع فيه قدرة المرافق الطبية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وقالت الوزارة، في بيان، إن نطاق الهجمات لم يعد مقتصراً على المناطق الساحلية؛ بل امتد إلى مدينة تعز وأحيائها السكنية، ومديريات الشمايتين وجبل حبشي والمعافر وصبر الموادم ومقبنة وموزع، إلى جانب المديريات الساحلية.

وأوضحت أن القصف بالصواريخ الباليستية وقذائف «الهاون» والمدفعية، بالتزامن مع القيود المفروضة على الحركة، وتدهور الوضع الأمني، والنزوح، وتعطل الإمدادات الأساسية، يضاعف الضغوط على نظام صحي يعاني أصلاً من الهشاشة، ويحد من قدرة السلطات المحلية على توفير الخدمات الطبية للسكان.

وذكرت الوزارة أن مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين، تعرضت في 29 سبتمبر (أيلول) لهجوم بصاروخ باليستي أصاب مبنى مستشفى الأمومة والطفولة قيد الإنشاء، متسبباً في أضرار مادية.

الحوثيون نقلوا المواجهات إلى وسط التجمعات السكانية في ريف تعز (إعلام محلي)

كما تعرضت أحياء النور والثلاثين في مدينة تعز، إلى جانب منطقتَي صلاح ووادي القاضي شرقي المدينة، لقصف بـ«الهاون» والمدفعية يومَي 29 و30 سبتمبر. وقالت الوزارة إن القصف أدى إلى مقتل طفل يبلغ 15 عاماً وإصابة امرأة، فضلاً عن إلحاق أضرار بعدد من المنازل ومسجد.

وأشارت إلى أن القصف طال كذلك قرية بني بكاري ومنطقة الشقب في جبل حبشي وصبر الموادم، في 29 سبتمبر. وفي الخامس من الشهر نفسه، أصاب صاروخ حوثي طريق هيجة العبد جنوب تعز، ما أدى -وفق البيان- إلى مقتل 4 مدنيين على الأقل وإصابة 9.

وأضافت أن هجمات أخرى وقعت يومي 3 و4 سبتمبر في مناطق مقبنة وموزع وجبل حبشي، ووصلت إلى مناطق تؤوي نازحين، من بينها مخيم الرحبة، ما دفع مئات الأسر النازحة إلى الفرار مجدداً بحثاً عن مناطق أكثر أمناً.

آلاف الأطفال شردتهم الهجمات الحوثية من الساحل الغربي وتعز (أ.ب)

وفي ظل تصاعد أعداد المصابين، قالت الوزارة إن وحدة العناية المركزة في مستشفى الثورة بمدينة تعز امتلأت بالمصابين من جبهات القتال والضحايا المدنيين، بينما تعرضت منشآت صحية أخرى لأضرار مباشرة أو اضطرت إلى تعليق خدماتها.

ونقلت الوزارة عن منظمة الصحة العالمية، أن 9 مرافق صحية في محافظات تعز ولحج والحديدة تعرضت للتضرر أو الإغلاق أو الهجوم خلال التصعيد الحالي.

مرافق خارج الخدمة

وفي مديرية الشمايتين وجبل حبشي، أفادت الوزارة بأن المرافق الصحية الـ11 التي كانت تعمل في المناطق المتضررة توقفت جميعها عن تقديم خدماتها. كما تعرضت مدينة التربة التي تمثل محور الإحالة الطبية للمديريات الجنوبية لقصف بالصواريخ الباليستية.

أما في المديريات الساحلية الخمس في تعز (المخا، وذباب، والوازعية، ومقبنة، وموزع) فلا يعمل -حسب الوزارة- سوى نحو 20 في المائة من المرافق الصحية، وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية والكوادر.

وأضاف البيان أن 3 مرافق صحية رئيسية في تلك المناطق تعرضت للنهب والتخريب، ما أدى إلى إغلاق اثنين منها وتوقف الثالث جزئياً. كما أُغلقت 18 منشأة أخرى بسبب القيود المفروضة على خدمات التطعيم والحصول على مستلزمات تنظيم الأسرة، إلى جانب نفاد المخزونات الطبية وتدهور ظروف العمل.

وحذَّرت الوزارة من أن أكثر من 45 مرفقاً صحياً إضافياً بات معرضاً للإغلاق أو تعليق العمل، نتيجة استنفاد مخزونات الأدوية واللقاحات ومستلزمات تنظيم الأسرة والتغذية العلاجية، فضلاً عن القيود التي تعيق حركة الكوادر والإمدادات الطبية.

شريان الإمداد

ونبهت الوزارة إلى أن إغلاق طريق هيجة العبد، الذي وصفته بأنه شريان الإمداد الآمن الوحيد الذي يربط تعز بعدن ولحج، قد تكون له تداعيات صحية واسعة على المحافظة.

وقالت إن الطريق يمثل المسار الرئيسي لوصول الأدوية واللقاحات والأكسجين الطبي ومشتقات الدم والكواشف المخبرية، والوقود اللازم لتشغيل المستشفيات، وسلسلة تبريد اللقاحات، إلى تعز.

كما يعتمد عليه مرضى السرطان والفشل الكلوي وأمراض القلب والمصابون بإصابات خطيرة، للوصول إلى المستشفيات المتخصصة في عدن.

وحسب الوزارة، فإن إغلاق الطريق سيعرقل أيضاً وصول النساء الحوامل إلى خدمات الطوارئ والتوليد، ويرفع مخاطر سوء تغذية الأطفال، وانتشار أمراض مثل الكوليرا والحصبة وحمى الضنك، في ظل هشاشة شبكات المياه والصرف الصحي.

ضغط على المرافق الصحية في عدن بسبب موجة النزوح الواسعة إلى المدينة (أ.ب)

وخارج مناطق المواجهات المباشرة، أفادت الوزارة بأن ما لا يقل عن 14 مرفقاً صحياً بحاجة إلى دعم عاجل، بينما اضطرت 3 مرافق فعلاً إلى تعليق بعض خدماتها. وتواجه مرافق أخرى ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع الطلب على الرعاية الصحية مع استمرار القتال وازدياد أعداد النازحين.

وقالت الوزارة إن استمرار تراجع الإمدادات، بالتزامن مع ارتفاع الطلب على الخدمات الأساسية، يهدد قدرة المرافق الصحية على مواصلة العمل، محذِّرة من أن توقف خدمات التحصين والتغذية والرعاية الوقائية قد يترك آثاراً صحية طويلة الأمد على السكان، ولا سيما الأطفال والفئات الأكثر ضعفاً.

وذكرت أن منظمة الصحة العالمية وثَّقت منذ بدء التصعيد في السادس من أغسطس (آب)، مقتل 674 شخصاً وإصابة نحو 3 آلاف آخرين في أنحاء اليمن، بينما تحققت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من مقتل 15 طفلاً وإصابة 14 آخرين خلال الشهر الماضي.

ودعت وزارة الصحة إلى حماية المنشآت والعاملين في القطاع الصحي، وضمان وصول الإمدادات والخدمات الطبية إلى السكان دون عوائق، محذرة من أن استمرار التدهور الأمني والقيود المفروضة على الحركة قد يدفع النظام الصحي في تعز إلى مزيد من التراجع، ويحد من قدرته على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للسكان والنازحين.


مدينة تعز تصدّ هجمات حوثية عنيفة في جبهتها الغربية

مقاتلة تابعة للقوات المسلحة اليمنية (إعلام عسكري)
مقاتلة تابعة للقوات المسلحة اليمنية (إعلام عسكري)
TT

مدينة تعز تصدّ هجمات حوثية عنيفة في جبهتها الغربية

مقاتلة تابعة للقوات المسلحة اليمنية (إعلام عسكري)
مقاتلة تابعة للقوات المسلحة اليمنية (إعلام عسكري)

كسرت القوات الحكومية اليمنية خلال الساعات الماضية موجة حوثية جديدة من الهجمات المتزامنة استهدفت الجبهة الغربية من مدينة تعز، وأجبرت المهاجمين على التراجع، بالتزامن مع تصعيد واسع في عمليات الاستهداف الجوية والمدفعية التي طالت مواقع الجماعة وتعزيزاتها وخطوط إمدادها في مختلف جبهات المحافظة.

وجاءت هذه الهجمات بالتزامن مع استمرار المعارك في الأرياف الغربية والجنوبية الغربية والجنوبية الشرقية من محافظة تعز، حيث تضغط الجماعة الحوثية منذ أكثر من أسبوعين سعياً لخنق المدينة من جهة الجنوب عبر السيطرة على أريافها وعزلها عن المناطق اليمنية المحررة باتجاه لحج وعدن، إلى جانب سعيها لتأمين مكاسبها في مناطق الساحل الغربي وباب المندب من خلال السيطرة على المرتفعات.

وتفيد إحصاءات الجيش اليمني بأن خسائر الجماعة الحوثية خلال أسبوع تقترب من خمسة آلاف قتيل وجريح، بسبب الضربات الجوية والبرية الاستنزافية التي تتعرض لها على يد القوات الحكومية.

الجيش اليمني تصدى لهجمات حوثية في الجبهة الغربية من مدينة تعز (إعلام محلي)

وحسب مصادر ميدانية، دارت المواجهات لساعات في مناطق جبل هان وحذران ومدارات والمطار القديم والصياحي غربي مدينة تعز، حيث حاول الحوثيون التقدم عبر أنساق متعددة وتحت غطاء ناري كثيف، إلا أن القوات الحكومية قالت إنها أحبطت الهجمات من دون أن تسمح بإحداث اختراق ميداني في خطوطها الدفاعية.

وتزامنت هذه المواجهات مع عمليات استهداف واسعة أعلنت القوات الحكومية تنفيذها ضد تحركات الحوثيين في تعز ومحافظات أخرى، في مؤشر على انتقال المعركة من التعامل مع الهجمات على خطوط التماس إلى ضرب التعزيزات قبل وصولها إلى الجبهات.

وأفادت مصادر عسكرية بأن الحوثيين دفعوا خلال هجمات ليلية بمجموعات قتالية على أكثر من محور في الجبهة الغربية ومحيط المدينة (تعز)، مستفيدين من الغطاء الناري الكثيف لمحاولة اختبار مواقع القوات الحكومية وفتح ثغرات تسمح بتوسيع نطاق الهجوم.

وتركزت المواجهات بصورة خاصة في جبل هان وحذران والمطار القديم والصياحي ومدارات، وهي مناطق تكتسب أهمية بسبب قرب بعضها من الأحياء السكنية ومن خطوط الحركة المؤدية إلى مدينة تعز.

عنصر أمن يمني في مدينة تعز التي تتعرض لهجمات حوثية عنيفة (أ.ف.ب)

وأعلنت القوات الحكومية أن وحداتها تمكنت من صد الهجمات الحوثية، وأوقعت في صفوف المهاجمين عشرات القتلى والجرحى، بينما لم تتمكن الجماعة من تحقيق تقدم ميداني يُذكر.

يأتي ذلك بعد يوم من مواجهات واسعة في عدد من جبهات المحافظة، بينها بني بكاري وحمير والأقروض والكدحة وجبل هان وسامع، حيث قالت القوات الحكومية إنها تصدت لمحاولات تسلل وهجمات حوثية متزامنة، وقتلت نحو 100 عنصر حوثي وأصابت العشرات مع أسر آخرين.

التعزيزات تحت النار

على وقع هذه التطورات وسَّع الجيش اليمني من نطاق الاستهداف لقوات الجماعة الحوثية وتعزيزاتها، وقال المتحدث باسم القوات المسلحة العقيد الركن ماجد النزيلي إن القوات نفَّذت 71 عملية استهداف دقيقة ضد تجمعات وتحشيدات وتعزيزات حوثية في مناطق الأقروض وسامع والأحكوم والأكبوش وجبل راسن وجبل جرداد وبني عمر وبني بكاري والكعاوش والأثاور.

وأضاف أن عمليات الاستهداف أدت، وفق الرواية العسكرية الحكومية، إلى تدمير عدد من وسائل النقل والإسناد وإخراج عناصر حوثية من المعركة.

وفي جبهة الوازعية، قال النزيلي إن الطيران استهدف عربات أسلحة وإمداد كانت في طريقها إلى جبل راسن، مؤكداً أن القوات الحكومية ستتعامل مع التعزيزات الحوثية بوصفها أهدافاً قبل وصولها إلى خطوط التماس.

إحدى المقابر التي شيَّدها الحوثيون في صنعاء لدفن قتلاهم (إ.ب.أ)

كما أعلن النزيلي تنفيذ 474 عملية استهداف خلال 24 ساعة باستخدام الطيران الحربي والمسيّر والمدفعية والصواريخ والراجمات، وقال إن العمليات شملت جبهات تمتد من جنوب حرض والساحل وكتاف إلى الجوف ومأرب والبيضاء ولحج وصنعاء وصعدة، مع تركيز مكثف على تعز.

وحسب المتحدث العسكري اليمني، أسفرت هذه العمليات عن مقتل وإصابة 1540 من عناصر الحوثيين، معظمهم في جبهات تعز، إضافةً إلى تدمير أو إعطاب 216 وسيلة وقدرة عسكرية.

كانت القوات الحكومية قد أعلنت خلال اليوم السابق مقتل أكثر من 100 حوثي وإصابة عشرات آخرين في مواجهات على عدة محاور في تعز، بما في ذلك حمير وبني بكاري والأقروض وسامع وبني عمر.

وقال النزيلي إن القوات الجوية استهدفت عربات أسلحة وإمداد متجهة إلى جبل راسن، بينما أعلنت القوات الحكومية في وقت سابق استهداف مواقع وتحركات وتعزيزات ومراكز قيادة وسيطرة وقدرات عسكرية في مناطق مختلفة خاضعة للحوثيين بينها صنعاء وصعدة وحجة.

تهديد للمدنيين

وبينما دارت المواجهات الأعنف في أرياف تعز خلال الأيام الماضية، وصل أثر المعركة إلى قلب مدينة تعز، وأفادت مصادر محلية بإصابة ستة مدنيين، بينهم طفلان وامرأة، جراء قصف مدفعي حوثي استهدف أحياء سكنية في منطقتي المطار القديم ووادي القاضي، كما أدى القصف إلى تضرر منازل وإثارة حالة من الخوف بين السكان.

وفي حادث منفصل، أُصيب الطفل عمرو خالد الريمي برصاص قناص حوثي في جولة عصيفرة شمال المدينة، ونُقل إلى أحد مستشفيات تعز لتلقي العلاج، وفق مصادر محلية نقلتها وكالة الأنباء اليمنية «سبأ».

تأتي هذه الوقائع في مدينة يعيش سكانها على مسافة قريبة من خطوط القتال، بينما أدت موجة القتال الأخيرة إلى زيادة حركة النزوح وتعقيد الوصول إلى الطرق والخدمات.

وفي أحدث موقف أممي، أعرب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ، عن قلق بالغ إزاء التطورات في تعز، وقال إن حدة القتال تصاعدت بصورة كبيرة، محذراً من المخاطر التي تمثلها العمليات العسكرية على السكان المدنيين.

وأشار غروندبرغ إلى تقارير عن سقوط ضحايا وتضرر بنية تحتية وإغلاق طرق تعوق قدرة السكان على مغادرة مناطق القتال، لافتاً إلى أن المحافظة تستضيف أعداداً كبيرة من اليمنيين الذين نزحوا حديثاً من مناطق أخرى.

كما دعا إلى حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ومن دون عوائق، وجدد دعوته للحوثيين إلى وقف هجومهم العسكري على المحافظة.

كانت الأمم المتحدة قد حذرت في وقت سابق من التداعيات الإنسانية للتصعيد في تعز ولحج ومأرب، مشيرةً إلى نزوح عشرات الآلاف منذ تجدد القتال، وإلى ضغوط متزايدة على المستشفيات والمواد الطبية وخدمات الإغاثة.