خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

روى في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط» تفاصيل تأسيس «الحرس» الإيراني لـ«حزب الله» في لبنان عام 1982

الرئيس الراحل حافظ الأسد و«المرشد» الإيراني علي خامنئي والرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي -  أ.ف.ب)
الرئيس الراحل حافظ الأسد و«المرشد» الإيراني علي خامنئي والرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي - أ.ف.ب)
TT

خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

الرئيس الراحل حافظ الأسد و«المرشد» الإيراني علي خامنئي والرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي -  أ.ف.ب)
الرئيس الراحل حافظ الأسد و«المرشد» الإيراني علي خامنئي والرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي - أ.ف.ب)

يكشف نائب الرئيس السوري الراحل، عبد الحليم خدام، اليوم، في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط»، تفاصيل العلاقات بين سوريا وإيران فور انتصار «الثورة» في طهران، وكيفية تأسيس «الحرس» الإيراني «حزب الله» في لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي في عام 1982.
يقول خدام إن موسى الصدر، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، كان له الدور الرئيسي في تأسيس العلاقات بين دمشق وعدد من الشخصيات الإيرانية المعارضة للشاه التي تسلمت الحكم بعد انتصار «الثورة»، وكان بينهم إبراهيم يزدي الذي وجه لخدام دعوة لزيارة طهران في أغسطس (آب) 1979 لإجراء محادثات مع «المرشد» الخميني وكبار المسؤولين بهدف تأسيس العلاقة بين البلدين.
ويروي خدام: «في اليوم الثالث للزيارة، رافقني إبراهيم يزدي إلى قم لمقابلة الخميني. وبذلك، كنت أول مسؤول سوري، بل المسؤول السوري الوحيد الذي اجتمع به»، حيث إنه «تحدث حديثاً قصيراً، لكنه كان حازماً واضحاً، وأكد أن (الثورة) حققت انتصارها... وطلب مني نقل شكره للرئيس حافظ الأسد، وتحياته له، وحرصه على العلاقات المتينة مع سوريا». ويضيف: «بعد عودتي إلى دمشق، عرضت مجريات الزيارة على الرئيس حافظ، وعلى قيادة الحزب. وكانت وجهة نظري أن كل الظروف متوفرة للتعاون مع النظام الجديد في إيران، على الرغم من التناقض بين طبيعة نظامنا وطبيعة النظام في إيران».
وعن تأسيس «حزب الله»، يقول خدام: «كان الدخول الإيراني الأوسع الفاعل إلى لبنان خلال الاجتياح الإسرائيلي للأراضي اللبنانية في مطلع يونيو (حزيران) عام 1982، إذ اتخذت آنذاك القيادة الإيرانية قراراً بإرسال لواء من (الحرس الثوري) إلى سوريا، وذلك بالاتفاق معنا. وبالفعل، فقد وصل لواء (الحرس) الإيراني بعد أيام قليلة من بدء القتال، وتوجه القسم الأكبر منه إلى لبنان، إلى منطقة بعلبك - الهرمل... لتشكيل (حزب الله)، وتنظيم عملية المقاومة الإسلامية ودعمها وتدريبها».
كانت البدايات الأولى للعلاقات بين سوريا وقيادة «الثورة» في إيران عبر المعارضة الإيرانية لنظام الشاه التي أقمنا مع بعض فصائلها علاقات جيدة. وكان للسيد موسى الصدر، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، الدور الرئيسي في تلك العلاقات، عبر «حزب تحرير إيران» الذي كان من أبرز قياداته السادة: مهدي بازركان، والدكتور إبراهيم يزدي، وصادق طبطبائي، وصادق قطب زاده، ومصطفى شمران. وبعد نجاح «الثورة»، أصبح مهدي بازركان رئيساً للوزراء في إيران، وصادق طبطبائي نائباً لرئيس الوزراء، وإبراهيم يزدي وزيراً للخارجية، وخَلَفَه بعد استقالته صادق قطب زاده، وتولى مصطفى شمران وزارة الدفاع.
استقبلنا نجاح «الثورة»، بقيادة الخميني، بسرور كبير وتفاؤل عميق، في وقت كانت ترزح فيه المنطقة تحت ضغط الانقسامات العربية والاعتداءات الإسرائيلية. وبادر الرئيس حافظ الأسد بإرسال رسالة تهنئة حارة إلى الخميني، أكد فيها حرص سوريا على التعاون الشامل مع إيران، كما عبر عن ارتياح الشعب السوري لنجاح الثورة.
وفي مطلع أغسطس (آب) عام 1979، تلقيت دعوة من وزير خارجية إيران، إبراهيم يزدي. وقد وصلت إلى طهران في 15 أغسطس (آب)، وكان في استقبالي يزدي وطبطبائي، وعدد من المسؤولين الإيرانيين.
استقبلتُ في المساء السيد طبطبائي الذي كان يتميز بوعيه السياسي، بالإضافة إلى ثقافته الواسعة، والجمع بين الالتزام الديني والعقل المتحرر، وهو ابن شقيقة السيد موسى الصدر، وكان من القادة الأكثر حماسة للعلاقات مع سوريا. وما لفت نظري أنني عندما كنت في جناحي في الفندق وفتحت التلفزيون، فاجأتني العبارة التالية التي كانت تتكرر من وقت إلى آخر، ونصها: «علموا أبناءكم العربية...»... وقد أثر ذلك في نفسي تأثيراً كبيراً.
وفي ساعة مبكرة من صباح اليوم التالي، نحو الثالثة فجراً، دخل أحد مرافقي إلى غرفة نومي وأيقظني، وأبلغني أن الشيخ محمد منتظري (نجل حسين علي منتظري)، ومعه مجموعة، يريدون اللقاء بي. استغربت أن تكون الزيارة في هذا الوقت، ودون طلب موعد، فطلبت من المرافق إدخالهم إلى غرفة الاستقبال بينما أرتدي ثيابي.
كان منتظري شاباً متحمساً لـ«الثورة»، وبدأ حديثه بالحملة على حزب «البعث»، وعلى «البعثيين»، وأخذ يكيل التهم لبعض «البعثيين» القياديين في العراق، ثم استرسل في شرح أهداف «الثورة» التي ستغير العالم، وكان عليّ أن أسمع لأني أدركت أن الحوار معه غير مُجدٍ. وبعد نحو ساعتين، طلب أن نُصلي صلاة الفجر، وكان له ما أراد، وغادر مع شروق الشمس.
وفي الساعة الحادية عشرة، توجهت للقاء الدكتور مهدي بازركان، رئيس مجلس الوزراء، وكان حاضراً (إبراهيم) يزدي وزير الخارجية، و(صادق) طبطبائي نائب رئيس الوزراء. وتحدث بازركان عن أهداف الثورة، وعن الإجماع الشعبي لتأييدها، وكان يتحدث بثقة وحرارة، ثم تناول الحديث العلاقات السورية - الإيرانية، فأكد أن «الثورة» في إيران ستعمل على بناء علاقات قوية مع سوريا الشقيقة.
أخذتُ الحديث وهنأتهم بنجاح «الثورة» باسم القيادة السورية، كما تحدثت عن الآمال الكبرى التي نعلقها على نجاحها في نقل إيران من مرحلة إلى مرحلة جديدة، يتكامل فيها التعاون العربي - الإيراني. وحدثني بازركان عن رؤيتهم للقضية الفلسطينية، وتصميمهم على تبني هذه القضية، بصفتها قضية المسلمين الأولى. وتحدثتُ عن الأهداف المشتركة في مقاومة الحركة الصهيونية وإسرائيل، وفي مواجهة الإمبريالية الأميركية والأطماع الأجنبية، وكانت وجهات نظرنا متفقة تماماً.
ومن الجدير بالذكر أن السادة بازركان رئيس الحكومة، وطبطبائي نائب رئيس مجلس الوزراء، ويزدي وزير الخارجية، وشمران وحسن حبيبي وصادق قطب زاده، كانوا من «حزب تحرير إيران» الذي كان يرأسه السيد مهدي بازركان، وكان السيد موسى الصدر الأب الروحي لذلك الحزب.
شارك يزدي وطبطبائي في الحديث، وكانت أحاديثهم بالاتجاه نفسه، وركز الجميع على أهمية تنمية العلاقات بين «الثورة» في إيران وسوريا، وأن يكون التعاون وثيقاً ضد إسرائيل والإمبريالية الأميركية.
وكنت في الساعة الثامنة صباحاً قد توجهتُ إلى وزارة الخارجية لإجراء محادثات مع يزدي. وعندما دخلنا قاعة الاجتماعات، فوجئت بوجود عدد من موظفي الوزارة، وعبرت عن ارتياح الشعب السوري والقيادة في سوريا لنجاح «الثورة» في إيران التي تعد تحولاً عميقاً في مسار الأحداث في المنطقة، وركزت على أهمية التعاون بين سوريا و«الثورة» في إيران، كما ركزت على الأهداف المشتركة فيما بين الجانبين.
وتحدث يزدي عن «الثورة»، وعن أهدافها الرئيسية، ووضع في المقدمة تحرير فلسطين، ومواجهة الاستكبار العالمي، وأكد أن التعاون بين «الثورة» وسوريا ستكون له نتائج مثمرة بالنسبة للشعبين وللمسلمين.
اتفقنا على تنمية العلاقات، واستمرار التشاور بين الدولتين، والتعاون في جميع المجالات، وتنسيق الجهود والمواقف تِجاه مجمل القضايا التي تهمنا. وفي اليوم الثاني، شاركت بصلاة الجمعة في جامعة طهران بمناسبة يوم القدس، وكانت الصلاة والاحتفال بالمناسبة لافتين للنظر، من حيث حجم المشاركين الذين تجاوزوا بضع مئات من الألوف، والهتافات للقدس والموت لإسرائيل.
كان مشهداً رائعاً أن ترى مئات الألوف يؤدون صلاة الجماعة، ويهتفون من أعماقهم لفلسطين. في تلك المناسبة، ألقيت خطاباً عبرت فيه عن موقفنا من القضية الفلسطينية عامة، ومن القدس بصورة خاصة، ووجهت التحية لـ«الثورة» في إيران، ولقائدها الخميني، وتمنيت النجاح للثورة لتحقيق أهدافها.
وفي اليوم الثالث للزيارة، رافقني إبراهيم يزدي إلى قم لمقابلة الخميني. وبذلك، كنت أول مسؤول سوري يقابله، بل المسؤول السوري الوحيد الذي اجتمع به.
وصلنا ظهراً، وتوجهنا إلى منزل قائد «الثورة» في حي شعبي، ودخلنا منزلاً بسيطاً في ذلك الحي. وفي مدخل المنزل، غرفة صغيرة فيها مكتب وطاولة يجلس عليها شيخ. وبعد أن سلمنا عليه، دخلنا إلى غرفة ثانية صغيرة، طولها لا يتجاوز المترين ونصف المتر، وعرضها كذلك، وعلى أرضها بساط عادي. وكان الخميني جالساً، فنهض لاستقبالنا. كان الرجل يجلس على الأرض، وكذلك فعلنا. كان يستمع إلى محدثيه من العرب باللغة العربية، ويجيبهم باللغة الفارسية.
وبعد تبادل التحيات، رحب بي، وقدمت له التهاني باسم سوريا، والرئيس حافظ الأسد، بنجاح «الثورة» بقيادته، وعبرت عن الآمال الكبرى التي نعلقها على نجاح «الثورة»، لا سيما في مواجهة العدوان الصهيوني، كما نقلت له تحيات الرئيس حافظ الأسد، وأكدت له أن الشعب السوري حريص على أوثق العلاقات مع إيران، ونحن نقدر حجم التطور الهائل الذي ستطلقه الثورة في الوقت الذي نواجه فيه العدوان الصهيوني والضغوط الأميركية.
تحدث الخميني حديثاً قصيراً، لكنه كان حازماً واضحاً، وأكد أن «الثورة» حققت انتصارها على الطاغوت والظلم اعتماداً على الشعب، وأن «الثورة» ستكون مع المظلومين والمحرومين، وأنها ستقف إلى جانب الشعب الفلسطيني، وستواجه قوى الاستكبار العالمي، وأن المسلمين سينتصرون على الظلم والعدوان والقهر. وطلب مني نقل شكره للرئيس حافظ الأسد، وتحياته له، وحرصه على العلاقات المتينة مع سوريا.
كانت المقابلة قصيرة رمزية، لكنها كانت بالغة الأهمية، من حيث معرفتي تصميم الرجل الذي لمسته في كل عبارة كان ينطق بها. كان واثقاً بالنفس، واثقاً بالنصر النهائي لثورته.
لم يكن النظام الجديد نظاماً شمولياً بمعنى الكلمة. ففيه من الشمولية مركزية القرار عند قائد «الثورة». ولم يكن نظاماً ديمقراطياً، وفيه من الديمقراطية حق الاختلاف في الرأي. كان الجميع يتكلم بحُرية، ولكن في إطار أهداف الثورة. يختلفون في التفسير، ولكنهم موحدون في الموقف.

بعد عودتي إلى دمشق، عرضت مجريات الزيارة على الرئيس حافظ، وعلى قيادة الحزب، وكانت وجهة نظري أن كل الظروف متوفرة للتعاون مع النظام الجديد في إيران، على الرغم من التناقض بين طبيعة نظامنا وطبيعة النظام الإسلامي في إيران، ذلك أن لكل مرحلة ظروفها ومتطلباتها، وما يصلح في مرحلة قد لا يصلح في مرحلة أخرى.
في تلك المرحلة، كانت الخلافات عميقة بين القيادتين السورية والمصرية بسبب توقيع معاهدة الصلح مع إسرائيل، كما كانت العلاقات السورية - العراقية في أسوأ حالاتها، بالإضافة إلى توتر الوضع في لبنان، مع الجبهة اللبنانية من جهة، ومع منظمة التحرير الفلسطينية من جهة ثانية، ومع إسرائيل من جهة ثالثة.
في تلك المرحلة، أخذنا خيارين أساسيين كان لهما دور كبير في تحديد مسار السياسة السورية: الأول توقيع معاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفياتي، والخيار الثاني إقامة تحالف مع إيران. لقد وفر خيار التوقيع على معاهدة الصداقة مع السوفيات دعماً سوفياتياً عسكرياً وسياسياً يحد من إمكانية تعرض سوريا لعدوان إسرائيلي بسبب الالتزامات السوفياتية بموجب المعاهدة. وعلى الرغم من أن إيران كانت في حالة حرب مع العراق، كانت ثقتنا كبيرة بأن إيران تُشكل حليفاً قوياً لنا، وفي هذا التحالف مصلحة وطنية (...)
كانت اللقاءات تجري بنشاط بين القيادتين في البلدين، سواء في دمشق أو في طهران، لمناقشة كل الأوضاع والتطورات، وتحديد المواقف منها.
ومع قيام هذا التحالف، لم تتوقف بعض أطراف الدول العربية عن الضغط على سوريا من أجل المصالحة مع العراق، وتجميد العلاقات مع إيران، غير أن تلك الضغوط لم تنجح في تحقيق أي اختراق جدي، على الرغم من اللقاءات المتعددة التي جرت بين مسؤولين سوريين وعراقيين، بما فيها لقاءات بين الرئيس حافظ الأسد ونظيره صَدام حسين.
كان الجانب السوري متمسكاً بالتحالف مع إيران، مدركاً أن سقوط هذا التحالف سيزيد من الضغوط عليه من جهة، ومن جهة ثانية ستتسع ساحة الصراع المسلح بين إيران والدول العربية، ما كان يمكن أن يدفع دولاً أجنبية للتدخل، وهذا أمر كان بالغ الخطورة بالنسبة لنا (...)
وكانت الوفود بين العاصمتين تنشط، ولم يمضِ شهر واحد دون استقبال وفد إيراني في دمشق أو وفد سوري في طهران. وفي كل لقاء، كان يجري نقاش معمق للأوضاع الراهنة، ووسائل العمل المشترك، والعمل السياسي في مختلف الساحات.
تحولت قضية الحرب العراقية - الإيرانية بين عامي 1980 و1988 إلى قضية ذات اهتمام كبير لدى النظام في سوريا، كما تحولت قضية الصراع العربي - الإسرائيلي إلى قضية عقائدية في إيران، كما أن الحرص على عدم توسع الحرب، وعدم استفزاز دول الخليج، كان قاسماً مشتركاً في سياستي البلدين، على الرغم من حدوث إشكالات مقلقة بين وقت وآخر.
في المجال العسكري، ساعدت الحكومة السورية إيران بإقناع الاتحاد السوفياتي بالإيعاز إلى دول أوروبا الشرقية لبيع أسلحة إلى إيران. وبالفعل، فقد تم ذلك عبر سوريا، فكانت العقود توقع باسم سوريا، وتدفع إيران قيمة الأسلحة التي تورد إلى مرفأ اللاذقية، ومنه بالطائرات إلى طهران. والدول التي تعاقدت على الأسلحة كانت بلغاريا وتشيكوسلوفاكيا بصورة خاصة. أما فيما يتعلق بالأسلحة السورية، فلم تقدم دمشق لطهران من أسلحة الجيش السوري أي شيء.
كان أكثر ما يُقلق الرئيس حافظ الأسد الخوف على النظام. وكان خوفه متقدماً على القضايا الأخرى في تلك المرحلة، بما في ذلك القضايا ذات الصلة بالوحدة الوطنية.
من خلال هذا الخوف، تأتي أهمية لبنان في عقل الرئيس حافظ الأسد. فلبنان يمكن أن يكون ساحة يستخدمها أعداء سوريا، كما يمكن أن يكون ساحة يستخدمها النظام ضد أعدائه، وفي تعزيز النظام وسياساته.
لم يكن في ذهنه ضم لبنان إلى سوريا، أو عدم الاعتراف بشرعية الدولة اللبنانية، وإنما كان الأمر يتعلق بالإمساك بلبنان، وتوجيه سياساته الخارجية، وإغلاق النوافذ أمام إسرائيل وأمام خصوم سوريا وخصوم نظامها لاستخدام لبنان (...). كانت ثقته عميقة بالسيد موسى الصدر. وبعد غيابه، انتقلت الثقة إلى نبيه بري، وأصبح السيد نبيه بري موضع الثقة، على الرغم من أن بعض القادة، أمثال السيد حسين الحسيني، كانوا يحملون راية السياسة السورية في لبنان.
أصبح بري السياسي الأبرز في طائفته، وحظي بدعم كامل سياسياً وعسكرياً، وأصبحت حركة «أمل» هي الميليشيا المسلحة الأكثر التصاقاً مع النظام في سوريا، وساعدناها في نزاعاتها مع «حركة المرابطون»، ومع «الحزب التقدمي الاشتراكي»، ومع الفلسطينيين، ثم مع «حزب الله».
لعبت حركة «أمل» دورين رئيسيين في إطار السياسة السورية: الأول في مواجهة قوى الجيش اللبناني والقوات اللبنانية، وإسقاط اتفاقية السابع عشر من مايو (أيار)، وساعد بدوره السيد وليد جنبلاط في الضغط العسكري على «القوات اللبنانية» في منطقتي الشوف وعاليه، ما دفع الرئيس اللبناني أمين الجميل إلى القبول بتسوية أُسقطت فيها اتفاقية 17 مايو (أيار) 1983. أما الدور الثاني فقد كان في الجنوب، وكان لحركة «أمل» دور رئيسي في مقاومة الاحتلال.
لم يكن لإيران نفوذ في لبنان أو وجود سياسي أو عسكري قبل عام 1980. كان الوجود الإيراني رمزياً، يتمثل بمجموعة من المعارضة الإيرانية تعمل في ظل السيد موسى الصدر، ومن بين هؤلاء السيد مصطفى شمران الذي أصبح وزيراً للدفاع بعد انتصار «الثورة» في إيران.
كان الدخول الإيراني الأوسع الفاعل إلى لبنان خلال الاجتياح الإسرائيلي للأراضي اللبنانية في مطلع يونيو (حزيران) عام 1982، إذ اتخذت آنذاك القيادة الإيرانية قراراً بإرسال لواء من «الحرس الثوري» إلى سوريا، وذلك بالاتفاق معنا. وبالفعل، فقد وصل لواء «الحرس» الإيراني بعد أيام قليلة من بدء القتال، وتوجه القسم الأكبر منه إلى لبنان، إلى منطقة بعلبك - الهرمل.
هكذا، بدأت مسيرة النفوذ الإيراني في لبنان. وكان من مهام «الحرس الثوري» القيام بـ«تشكيل (حزب الله)، وتنظيم عملية المقاومة الإسلامية ودعمها وتدريبها. وكان التوجه الإيراني عدم انزلاق الحزب في الحياة السياسية اللبنانية، والانصراف إلى المقاومة وتوسيعها وزيادة فاعليتها».
كانت المقاومة في الجنوب مُشَكَّلة من قوى مختلفة، لبنانية وفلسطينية، ولكن بعد الاجتياح أصبحت حركة «أمل» هي القوة الرئيسية للمقاومة. وبدخول «حزب الله» إلى ساحة المقاومة، كان الحزب ينمو ويتسع عدد عناصره على حساب حركة «أمل» التي كانت قيادتها غارقة في العمل السياسي.
ومع تمكن «حزب الله» من الإمساك بمنطقة البقاع الشرقي، وانضمام عناصر قيادية من حركة «أمل» لـ«حزب الله»، خطا الحزب خطوات أخرى باتجاه الضاحية الجنوبية في بيروت، وباتجاه الجنوب، وأصبح بفضل الدعم والمساندة الإيرانية قوة رئيسية منافِسة لحركة «أمل» في الساحة الشيعية. وقد أدى ذلك إلى قتال عنيف بين الحركة والحزب، ولم يتوقف إلا بعد ممارسة ضغوط قوية، سورية وإيرانية، وإجراء مصالحة بين الطرفين.
كان الموقف السوري، عملياً، يتعاطف مع حركة «أمل»، وكان الرئيس حافظ الأسد وحده يُبدي التعاطف مع «حزب الله»، ويعطي التوجيهات لقيادة الجيش والأجهزة الأمنية بمساعدته. وقد بنى موقفه على أن الحزب أصبح قوة المقاومة الرئيسية بعد تراجع حركة «أمل» والأحزاب الوطنية. وبالتالي، يجب الاعتماد عليه في مقاومة إسرائيل واستنزافها. كان معظم الضباط السوريين في لبنان يتعاطفون مع «أمل»، ولا يميلون إلى «حزب الله» بصفته حزباً إسلامياً، وهم -أي الضباط السوريون- ما زالوا تحت وطأة الحوادث الدامية التي وقعت في سوريا بين الدولة و«الإخوان المسلمين».
لم يكن الرئيس حافظ الأسد قلقاً من النفوذ الإيراني، كما لم يكن في ذهنه أن إيران تبني قاعدة عسكرية وسياسية في لبنان تهدف لخدمة استراتيجيتها، وأن لديها طموحاً في التوسع الإقليمي، وهي حليفة نتعاون معها في مواجهة النظام العراقي.
كانت حسابات الرئيس حافظ الأسد أن إيران في كل الظروف مضطرة لأن تكون حليفة لسوريا، وهي معادية لإسرائيل، وعلاقاتها متوترة مع الدول التي تجاورها، بسبب الحرب مع العراق من جهة، أو بسبب الخوف منها من جهة ثانية. لم يكن يُقلقه التمدد الإيراني في لبنان، ودائماً كان في ذهنه صَدام حسين من جهة، ولبنان من جهة ثانية، وفي المسألتين إيران هي الحليف، سواء في مواجهة إسرائيل أو في الاعتماد على الطائفة الشيعية التي أصبحت في معظمها موالية لإيران، وموالاتها لسوريا تتعزز أو تتراجع في ضوء العلاقات بين الدولتين.

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)

خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة) 
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)
خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».