خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)

روى في مذكرات تنشرها أن صدام «استعرض عضلاته» على الحدود بعد قرار الأسد إرسال قواته باتجاه بيروت

صورة أرشيفية للرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في أحد الاجتماعات (الشرق الأوسط)
صورة أرشيفية للرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في أحد الاجتماعات (الشرق الأوسط)
TT

خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)

صورة أرشيفية للرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في أحد الاجتماعات (الشرق الأوسط)
صورة أرشيفية للرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في أحد الاجتماعات (الشرق الأوسط)

يروي نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام، اليوم، في الحلقة الثامنة من مذكراته التي تنشرها «الشرق الأوسط»، اللحظات الحاسمة في التدخل العسكري في لبنان في 1976، والاتصالات التي جرت بين سوريا والدول العربية خلال ذلك لتشكيل قوة الردع العربية، ودور القوات السورية فيها.
ويقول خدام: «أمام إصرار القيادة الفلسطينية والأحزاب اللبنانية المتحالفة على استمرار القتال، ورفض فك الحصار عن زحلة والقرى المسيحية في الشمال اللبناني، وأمام كل ما يمكن أن ينجم من أضرار تصيب الشعب اللبناني وسوريا والعرب، أصبح التدخل العسكري السوري مُلحاً لوقف هذه الحرب القذرة، فتحركت قواتنا واجتازت الحدود اللبنانية في الأول من يونيو (حزيران) عام 1976، في يوم وصول ألكسي كوسيغين، رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي، إلى دمشق».
ويخصص خدام قسماً كبيراً للصراع مع رئيس اللجنة التنفيذية لـ«منظمة التحرير الفلسطينية»، ياسر عرفات (أبو عمار)، في الميدان وفي الأروقة الدبلوماسية، خصوصاً ذلك الاجتماع الذي تزامن مع دخول القوات السورية إلى لبنان، ويقول: «في الأول من يونيو (حزيران) عام 1976، عقد مكتب التنسيق لحركة عدم الانحياز اجتماعاً له في مدينة الجزائر، بحضور عرفات الذي ألقى خطاباً مسرحياً، وتحدث عن مؤامرة أميركية - فرنسية - إسرائيلية ضد الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية في لبنان، وأنه يخشى أن تنفذ بأيدي عربية»، في إشارة إلى سوريا. ويضيف خدام أنه رد على عرفات بصوتٍ عالٍ كي يسمعه الجميع، قائلاً: «كذبت يا ياسر، كعادتك، وأسأت إلى سوريا، وإلى القضية الفلسطينية؛ إنك تمزق لبنان وتمزق الفلسطينيين وتخدم إسرائيل».
خلال مناقشات تعديل الدستور اللبناني لانتخاب رئيس جديد، كان المفهوم من الاتفاق أن يتقدم الرئيس سليمان فرنجية باستقالته، ليمارس الرئيس الجديد إلياس سركيس صلاحياته، ويعمل على إنهاء الحرب وتحقيق المصالحة. ورغم الانتخاب، ظل التوتر قائماً، واستمر إطلاق النار، وتصاعدت حملة الحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط، كما استمرت القيادة الفلسطينية في اللعب بالنار، والتحريض لمنع الوصول إلى وقف جدي للقتال، والبدء بالحوار الوطني لإنهاء الأزمة، وفق الوثيقة الدستورية.
وفي مايو (أيار) من عام 1976، استقبلت كريم بقرادوني حاملاً رسالة من الرئيس سركيس، وأبلغني: «جئت أحمل رسالة من الرئيس سركيس؛ إنه يرى أن أول اتصال له يجب أن يكون مع سوريا لشرح تصوره. يعتقد (سركيس) أن الخطوة الأولى التي ينبغي عليه أن يخطوها هي الحوار السياسي مع الأطراف المتنازعة. وهذا يتم على مرحلتين: الأولى، الطلب من الفرقاء إنهاء القتال. الثانية، عقد مائدة مستديرة يكون هو فيها الحكم الإيجابي».
وأضاف بقرادوني أن الوضع في بيروت «جامد لعدم استطاعة عرفات الحسم، وقد وضع سركيس خطة للعمل، وهو يعتقد أن أمله في النجاح السياسي ضئيل، لكنه رغم ذلك مضطر للقيام بهذا العمل لمصلحة لبنان والمبادرة السورية، وسيجري اتصالات مع جميع الأطراف، وسيبدأ بجنبلاط. وأما نحن في (حزب الكتائب)، فأطلقنا يده دون أي شروط. وهو يرى أن المبادرة السورية يجب أن تستمر مهما كانت نتائج الوفاق السياسي، ويطلب منكم مساعدته لإنجاح الحل السياسي. كما أن سركيس سيجتمع بفرنجية ليتفقا على كيفية الاستلام والتسليم. ونظراً للخوف من إعلان فرنجية استقالته، ومن عدم توفر النصاب لقسم الرئيس سركيس في المجلس النيابي، فتقع البلاد في حالة الفراغ الدستوري، وهذا ما تريده قيادة عرفات وبعض الأطراف اللبنانية، لذلك يجب ترتيب جلسة في المجلس النيابي تعلن فيها الاستقالة، ويجري قسم الرئيس الجديد».
وأردف بقرادوني أنه اقترح «تقديم استقالة الرئيس فرنجية إلى المجلس النيابي، على أن تكون سارية المفعول اعتباراً من أداء الرئيس سركيس اليمين»، فأجبته: «لا يجوز ذلك دستورياً، ولا يجوز أن تكون الاستقالة معلقة، لذلك من الأفضل أن يضع فرنجية استقالته أمام سركيس، ويدعى مجلس النواب إلى جلسة تتلى فيها الاستقالة، ويؤدي الرئيس سركيس القسم الدستوري».
ورغم الجهود المبذولة لتهدئة الوضع، تمهيداً لانتقال الرئاسة من فرنجية إلى سركيس، فإن الجو السياسي بات أكثر سخونة بعد تحالف كل من ريمون إده وكمال جنبلاط وصائب سلام، بالإضافة إلى قوى الأحزاب الوطنية والتقدمية، وإلى ما كان يبذله عرفات وجماعته من جهود لاستمرار توتر الجو، وبالتالي استمرار القتال.
واشتد الضغط العسكري للقوى الفلسطينية وحلفائها اللبنانيين في جبل لبنان وفي بيروت، وتمت مهاجمة بعض القوى المسيحية في الجنوب. كما اشتد الحصار حول مدينة زحلة وقرى مسيحية في عكار، منها القبيات وعندقت. وأصبح لبنان مهدداً باتساع دائرة المذابح الطائفية، ما يوفر أفضل الفرص لإسرائيل للتدخل، وإيجاد حليف لها في الساحة اللبنانية.
ومع تصاعد القتال، قدم جنبلاط اقتراحات، بينها: «وقف النار وقفاً جدياً من غير انسحاب المقاتلين من مواقعهم، والدخول في مفاوضات الطاولة المستديرة دون شروط مسبقة، وانسحاب الجيش السوري تدريجياً، وتحديد جدول أعمال الطاولة المستديرة على النحو التالي: الإصلاح السياسي، وتناول تعديل بعض مواد الدستور والنظام السياسي، وشكل الحكم المقبل ونسبة تمثيل القوى السياسية فيه، وإعادة ترتيب المؤسسات ترتيباً وطنياً، لا طائفياً».
كان واضحاً أن لجنبلاط رؤية لبناء نظام جديد في لبنان، ليتحرر اللبنانيون من النظام الطائفي، ما يشكل ضمانة لبعض شرائح المجتمع اللبناني، وينهي الهيمنة المارونية على قيادة البلاد. وأمام إصرار القيادة الفلسطينية والأحزاب اللبنانية المتحالفة معها على استمرار القتال، ورفض فك الحصار عن زحلة والقرى المسيحية في الشمال، وأمام كل ما يمكن أن ينجم من أضرار تصيب الشعب اللبناني وسوريا والعرب، أصبح ملحاً أن يحصل تدخل عسكري سوري لوقف هذه الحرب القذرة، فتحركت قواتنا إلى الحدود اللبنانية، واجتازت هذه الحدود في الأول من يونيو (حزيران) عام 1976، في يوم وصول ألكسي كوسيغين، رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي، إلى دمشق.
وفي الأول من يونيو (حزيران) عام 1976، عقد مكتب التنسيق لحركة عدم الانحياز اجتماعاً له في مدينة الجزائر، بحضور عرفات الذي ألقى خطاباً مسرحياً، وهذا أبرز ما جاء في ذلك الخطاب: «هناك مؤامرة أميركية - فرنسية - إسرائيلية ضد الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية في لبنان، ويُخشى أن تنفذ بأيدٍ عربية. ستقوم فرنسا باحتلال مناطق الانعزاليين المسيحيين، وتقوم قوى عربية باحتلال المناطق الوطنية لتحجيم الثورة وضربها وضرب ميليشيات الحركة الوطنية».
وبعد انتهاء كلمته، طلبت الكلام، وكان عبد العزيز بوتفليقة، وزير خارجية الجزائر، رئيساً للجلسة، فتجنب إعطائي الكلمة، إدراكاً منه لأني سأرد بقسوة على عرفات. وكعادته، فقد أدرك عرفات أن إتاحة الفرصة لي للرد عليه ستكشف أكاذيبه، فقام بحركة مسرحية في القاعة للسلام على الوفود. وعندما وصل إلي بقيت جالساً، فوقف أمامي قائلاً: «ما بك يا أبا جمال؟». أجبته بصوتٍ عالٍ كي يسمع الجميع: «كذبت يا ياسر، كعادتك، وأسأت إلى سوريا وإلى القضية الفلسطينية؛ إنك تمزق لبنان وتمزق الفلسطينيين، وتخدم إسرائيل. طريقك يا ياسر لن يكون باتجاه العرب، ولكن باتجاه إسرائيل». رد عرفات، قائلاً: «أنتم دخلتم لبنان وتضربوننا»، فأجبته: «سنضرب كل من يحاول التقسيم، وسنحاسب كل من يسفك الدماء؛ لبنان ليس فلسطين. ستدفع ثمناً غالياً لقاء تآمرك على لبنان وفلسطين وسوريا». ترك بوتفليقة مقعده، واتجه نحونا، وحاول تهدئتي، فرفضت مصافحة عرفات.
ونحو الساعة الواحدة ظهراً، حضر إلى جناحي وسطاء، بينهم وزير خارجية ليبيا علي تريكي، واقترحوا تناول الغداء مع عرفات. اشترطت أن يسحب الخطاب، وتعاد صياغته. وفعلاً، كتبنا الصياغة الجديدة، وأرسلناها إلى مقر اللجنة، وسُحِب الخطاب، ومن ثم تناولنا الغداء معاً، حيث تحدثت عن أخطاء «منظمة التحرير»، وما ألحقه قادتها من أضرار بالقضية الفلسطينية وبلبنان، وعن مناوراتهم والكذب الذي كان صفة رئيسية في حديثهم. وكان عرفات «منضبطاً» مؤدباً، فأدركت أن سبب هذا الأدب تقدم قواتنا في الأراضي اللبنانية. وقد ألح عليّ للاتصال بالرئيس لوقف تقدم القوات. وفعلاً، أرسلت برقية إلى دمشق بفحوى ما جرى (...)
دعا التحالف الفلسطيني مع بعض القوى اللبنانية إلى إضراب عام احتجاجاً على دخول القوات السورية إلى لبنان في الثاني من يونيو (حزيران) عام 1976، ومارست الميليشيات الفلسطينية وميليشيات الأحزاب الحليفة لها («الحزب الشيوعي» و«منظمة العمل الشيوعي» و«الحزب السوري القومي» و«المرابطون» وتنظيمات أخرى فرضها عرفات من «فتح») ضغوطاً على أصحاب المتاجر والمحلات للإغلاق تحت طائلة التصفية أو تدمير المتجر، فدفع الخوف الأهالي إلى الإغلاق، وليس إلى الإضراب.
ومن الطبيعي القول إن الإضراب شمل فقط مناطق سيطرة القوى الفلسطينية وحلفائها. أما المناطق الأخرى، فكانت في وضع مختلف، ذلك أن دخول القوات السورية الذي تم بناء على طلب الرئيس فرنجية رفع الحصار عن المناطق المسيحية المهددة، وأبعد عنها الخوف.
وفي الثالث من يونيو (حزيران)، عقدت الحركة الوطنية اللبنانية اجتماعاً برئاسة جنبلاط، وأصدرت بياناً تضمن «اعتبار النجاح الكاسح للإضراب العام الذي شمل كل المناطق اللبنانية دليلاً على موقف الجماهير الرافض للاحتلال العسكري السوري، ولكل تدخل خارجي، وبداية لحملة سياسية شعبية واسعة، داخلية وخارجية، تتصدى للاحتلال، ونفرض الإرادة الوطنية اللبنانية والفلسطينية في وجه قوى التدخل»، كما أعلن «تأييد المبادرة الصادرة عن قائد جيش لبنان العربي بمقاومة الاحتلال، وتأكيد التلاحم بين الحركة الوطنية وجيش لبنان العربي في هذا الموقف الوطني الشجاع»، و«إقرار مذكرة سيجري تقديمها إلى الرئيس المنتخب حول الاحتلال السوري».
وفي الوقت نفسه، وجه قائد جيش لبنان العربي، الملازم أحمد الخطيب، المنشق عن الجيش اللبناني، نداءً للتصدي للجيش السوري.
ورغم هذا الضجيج الإعلامي، فإن مسلحي الفصائل الفلسطينية المرتبطة بعرفات وحلفائهم من الأحزاب اللبنانية كانوا يفرون أمام تقدم قواتنا. وكعادته، أخذ عرفات يصرخ ويستغيث ويحرض، ودعا إلى اجتماع للجامعة العربية، وتحدد الاجتماع في التاسع من يونيو (حزيران).

وفي صباح 9 يونيو (حزيران)، توجهت إلى القاهرة، وكان في استقبالي في المطار مأمون الأتاسي، القائم بأعمال سفارتنا. وبعد أن توقفت الطائرة، صعد إلي وأبلغني أن الاجتماع عقد البارحة، أي في 8 يونيو (حزيران)، وتم تشكيل وفد (للذهاب إلى دمشق)، برئاسة وزير خارجية البحرين محمد بن مبارك بن حمد آل خليفة رئيس الدورة، ووزيري خارجية الجزائر (بوتفليقة) وليبيا (علي التريكي) والأمين العام للجامعة (محمود رياض). طلبتُ من الطيارين إعداد خطة إقلاع فوراً إلى دمشق للقاء الرئيس الأسد، وطلبتُ من الأتاسي الاتصال بدمشق، لإبلاغها عدم استقبال الوفد قبل وصولي.
قبل ذلك، أبلغني الأتاسي نص قرار الاجتماع الوزاري، وضم بنوداً عدة، بينها: «الطلب من جميع الأطراف وقف القتال فوراً»، و«تأليف قوات أمن عربية رمزية، تحت إشراف الأمين العام للجامعة، للحفاظ على الأمن والاستقرار في لبنان، وأن يتم تحريك هذه القوات فوراً لمباشرة عملها، وتحل محل القوات السورية، وتنتهي مهمة الأمن العربي بناء على طلب فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية المنتخب»، وإيفاد بعثة وزارية لدمشق، و«دعوة جميع الأطراف اللبنانية إلى إجراء المصالحة الوطنية الشاملة، بإشراف الرئيس المنتخب، حفاظاً على وحدة الشعب الشقيق، ووحدة ترابه الوطني، وعلى سيادته وأمنه واستقراره»، و«التأكيد على الالتزام العربي بدعم الثورة الفلسطينية، وحمايتها من جميع الأخطار، وتوفير جميع أسباب القوة الفاعلة لها».
وعلمت من الأتاسي أن مشروع القرار قدمه عرفات الذي شن هجوماً على سوريا، وكان خلال الاجتماع يبكي ويقول: «الآن، الطائرات السورية تقصف بيروت، الطائرات السورية تقصف المخيمات، القوات السورية تدمر القرى اللبنانية».
عدت فوراً إلى دمشق، وأبقى مدير مطار دمشق طائرة الوزراء العرب في الجو إلى ما بعد وصولي، فاتصلت بالأسد، وشرحت له ما تم قبل استقبال الوزراء، فرفض (الأسد) مناقشة أي موضوع قبل إعادة عقد مجلس الجامعة، وحضوري والاستماع إلى وجهة نظر سوريا.
اتفقنا على عقد اجتماع في اليوم التالي، أي في 10 يونيو (حزيران). وبالفعل، توجهت إلى مقر الجامعة العربية في القاهرة، ودخلت القاعة، وكان الجو متوتراً، وجماعة عرفات منتشرين والمسدسات تتدلى من أجنابهم. توجه نحوي الشيخ صباح الأحمد، وزير خارجية الكويت، وطلب مني الانتباه لأن الفلسطينيين متوترون، ويخشى أن يصيبني ما أصاب رئيس وزراء الأردن وصفي التل الذي اغتاله فلسطينيون في القاهرة، فأجبته: «أنا لست وصفي التل، وسوريا ليست الأردن؛ لا تقلقوا من هذه المسرحيات. نحن نعرف الإخوان جيداً، هم يريدون إخافتكم لكسب تأييدكم، وهم يعرفون أن مثل هذا اللعب لا يمشي معنا، ويعرفون حجم الثمن، لذلك لا تقلق».
تقدمت خطوات في القاعة، وفوجئت أن بعض الوزراء أداروا ظهورهم وتحاشوا اللقاء بي، وتحاشوا السلام. وعند دخولي، ارتفع صوت عرفات: «أين أبو جمال الحبيب؟ أين أبو جمال الحبيب؟». واتجه نحوي يقبلني على طريقته، فصفق المجتمعون. قبل ساعات، كان يصرخ ويبكي ويشتم القيادة السورية، والآن يتوجه إلى وزير خارجية سوريا بالعناق والقبل.
قلت في الجلسة: «يا ياسر، جئت من دمشق ومعي منديلان لأمسح بهما دموعي من المجازر التي وقعت ضدكم، والتي كنت تتحدث عنها مع الإخوان في الجلسات السابقة. مكانك يا ياسر ليس هنا، وإنما على مسرح الريحاني (في بيروت) لأنك ممثل»، فقاطعني: «أنا أمثل الشعب الفلسطيني». أجبته: «أنت ممثل على خشبة مسرح، وأنت عدو للشعب الفلسطيني. يا ياسر، أنصحك ألا تبصق في الصحن الذي تأكل منه لأنك ستعود وتلعق بصقتك، أساليبك ستدمر القضية الفلسطينية».
ثم التفتُّ إلى الوزراء (...) وطلبت إعادة النظر بالقرار قبل حضوري، بحيث تحذف أي إشارة إلى القوات السورية، ويجري التأكيد على أن عمل هذه القوات يأتي في إطار السيادة اللبنانية. وبعد المناقشة، استجاب المجلس إلى طلبي.
كانت قواتنا قد حققت تقدماً واسعاً، إذ وصلت إلى صوفر، وأصبحت على أبواب بحمدون. تحركت ليبيا، ووصل عبد السلام جلود من ليبيا، يرافقه عبد الكريم بن محمود الوزير الجزائري، واجتمعا إلى الأسد في 12 يونيو (حزيران)، وتم الاتفاق على عدد من النقاط، بينها: «مشاركة سوريا بقوة السلام العربية»، و«الانسحاب من صوفر إلى ضهر البيدر، وكذلك من بيروت والجنوب»، و«الانسحاب الشامل بعد البدء بالحل السياسي».
وفي الساعة الثانية عشرة ليلاً، اتصل بي الأسد، وأطلعني على نقاط الاتفاق، فاعترضت عليها وقلت: «الانسحاب من صوفر إلى ضهر البيدر سيعطي الطرف الفلسطيني مزايا عسكرية يستخدمها في مرحلة تالية لمهاجمة جبل لبنان، واستنزاف قواتنا في البقاع. يجب الانسحاب من بيروت وصيدا، حيث كانت لنا قوات فيها منذ عام 1975، عندما دخلت لحماية بيروت الغربية والضاحية بعد سقوط النبعة والكرنتينا والمسلخ بيد قوات الكتائب. ويجب تدعيم قواتنا في الشمال والبقاع وفي صوفر لأنها نقطة ضغط على جنبلاط».
طلب الأسد الاجتماع مع قائد القوى الجوية ناجي جميل، ورئيس الأركان حكمت الشهابي، لمناقشة الموضوع. وفي 13 يونيو (حزيران)، اجتمعنا في مكتب الشهابي، واتفقنا على رفع رأينا للرئيس الأسد، الذي جاء فيه: «إن سوريا تؤيد العمل على إنجاح مبادرة الجامعة العربية، وتنفيذ القرارات المتخذة، وأن يتم تشكيل القوات العربية المشار إليها بقرارات مجلس الجامعة، وأن تقوم القوات السورية بالانسحاب من بيروت وصيدا، وفور تشكيل القوات العربية تساهم سوريا بهذه القوات بالحجم الذي يتم تحديده من قبل قيادة قوة السلام العربية. تنسحب القوات السورية من لبنان بموجب خطة تضعها الجامعة العربية، بالاتفاق مع السلطات الشرعية في لبنان».
أبلغت الرئيس هذه النقاط بالهاتف، فطلَبَنا للاجتماع، ثم تم الاتفاق على إبلاغ جلود وبن محمود بأننا «نوافق على الاشتراك في قوة السلام العربية، ومستعدون لسحب قواتنا مباشرة من بيروت وصيدا، ومستعدون لسحب قواتنا مباشرة وفوراً من صوفر، وأن انسحاب القوات السورية نهائياً من لبنان مرهون بالحل السياسي».
وبعد ظهر 13 يونيو (حزيران)، توجهت إلى مقر إقامة جلود وبن محمود، حيث كانا مجتمعين مع محمد غنيم من «فتح»، وأحمد جبريل (زعيم الجبهة الشعبية - القيادة العامة حالياً)، وكان جلود منفعلاً يقول: «أنتم لا تريدون حل الأمور، يجب أن تنسجموا، أنتم مخربون، أنتم لا تريدون الحل، وأنا لن أذهب إلى بيروت»، فقلت لجلود: «فعلاً، الإخوان لا يريدون الحل، وبياناتهم تدل على ذلك. عرفات يقول لبعض الوزراء العرب مساعدتكم لسوريا تعني ذبح الفلسطينيين؛ أمر مؤلم أن يقع مثل هذا الانحراف القاتل للقضية الفلسطينية». فحاول جبريل وغنيم الدفاع، فرفضت النقاش معهما.
وفي هذه الأثناء، حضر الرفيق محمد حيدر، وأقنع جلود بالتوجه معاً إلى لبنان للقاء القيادات الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، وعرض النقاط التي اتفقنا عليها مع جلود. وبعد قليل، اتصل عرفات من القاهرة بجلود الذي أبلغه نقاط الاتفاق، فوافق عليها عرفات، وقال إنه سيرسل برقية بالموافقة عليها.
واضح من مجمل المناقشات مع الجانب الفلسطيني أن قيادته لا ترغب في الوصول إلى حل نهائي للمشكلة في لبنان، لا سيما إذا كان هذا الحل سيؤدي إلى استعادة الدولة اللبنانية سلطاتها، لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى اضطرار «منظمة التحرير» وفصائلها للالتزام باتفاقية القاهرة، واحترام سيادة الدولة اللبنانية (...)
ومن أخطر الأخطار التي ارتكبتها قيادات الفصائل الفلسطينية انشغالها في الأمور الداخلية لبعض الأقطار العربية (...) والتورط بالخلافات العربية (...) ومن ذلك استخدام الخلاف بين سوريا والعراق، واستخدام تكوين القيادة العراقية وتوريطها بحشد قوات على الحدود السورية. وقد تعرضتُ لهذا الموضوع خلال بحث علاقاتنا مع العراق.
في تلك الأيام، فعلاً توجهت بعض القوات العراقية إلى الحدود السورية للضغط على سوريا. لكن هذه اللعبة كانت فاشلة بائسة، بالإضافة إلى أنها تعكس تخلف القيادة العراقية وسطحية قراراتها. كما كانت تعكس غباء القيادة الفلسطينية، وانخراطها وتورطها في زج «منظمة التحرير» في مواقع وظروف ألحقت أضراراً كبيرة بالقضية الفلسطينية.
في هذه المناسبة، اتصل بي زيد الرفاعي رئيس وزراء الأردن، في 13 يونيو (حزيران)، وأبلغني أن حشد القوات العراقية على الحدود السورية هو عبارة عن عرض عضلات وتحرك تلفزيوني لتخفيف الضغط في لبنان، ومحاولة تشجيع حركة داخلية في سوريا، وأنه ليست هناك نية لاجتياز الحدود، وأن معلوماته من مصادر أجنبية. شكرت الرفاعي على اتصاله، وأكدت له: «لا قلق لدينا، وإننا نريد تجنب المواجهة بين الجيشين السوري والعراقي، تجنباً لأضرار كبيرة ستصيب البلدين والأمة، لكن إذا تورط الإخوان فإن الرد سيكون قاسياً».
بعد صدور قرار مجلس الجامعة في 10 يونيو (حزيران)، تحرك الأمين العام للجامعة محمود رياض، وزار بيروت، وعاد إلى دمشق في 15 يونيو (حزيران)، واستقبلته في الساعة الثامنة مساءً، وتحدث رياض عن زيارته لسليمان فرنجية رئيس الجمهورية اللبنانية.
وقال إن حصيلة الاجتماع كانت الاتفاق على أن يعطي التصريح التالي: «نتيجة الاجتماع حول قرار الجامعة العربية في 10 يونيو (حزيران)، وبعد الإيضاحات (...) وافق فخامته على هذا القرار، باعتباره مبادرة عربية جماعية. كما أبدى تمسكه بالمبادرة السورية، لما في المبادرتين من أمل في وقف الاقتتال وإحلال السلام».
سألته: «ما أهم النقاط التي دار حولها البحث معهم؟»، فأجابني: «يريدون أن تكمل سوريا مهمتها، ويرون -بل يتصورون- أن أهم أمر هو سحب السلاح من أيدي الفلسطينيين، وبالتالي يمكن سحبه من أيدي جميع المقاتلين، وتسليمه إلى القوة العربية، حتى أن (كميل) شمعون تساءل: لمَ لا تبقى سوريا لِوَحدها ممثلة للجامعة العربية في تنفيذ قرارها؟ وقد أجبته بأن سوريا وافقت على القرار كما صدر، ونحن لا نريد أن نحملها وحدها هذا العبء. وانطباعهم أن الفلسطينيين يرون في القرار انسحاب سوريا نهائياً من مبادرتهم، وهم لا يريدون ذلك أبداً».
تابع رياض: «سألتهم بصراحة: هل هم موافقون على قرار الجامعة أو على المبادرة العربية؟ فكان جوابهم عدم الاعتراض على القرار من حيث المبدأ، لكن لديهم بعض الملاحظات: عن قوة الأمن مثلاً، وافقوا على أن تكون قوة ردع... وأبدوا تحفظاً بالنسبة لاشتراك قوات عربية من بعض الدول العربية، وهي ليبيا والجزائر والعراق واليمن الجنوبي وفلسطين. وقد أجبتهم بأني مفوض من ليبيا بالتصرف، أما الجزائر فلا بد من الاتصال بمسؤوليها». وأضاف أن اللبنانيين «يرون استمرار سوريا في مبادرتها، وفي عدم انسحاب قواتها حتى تنفيذ المقاومة الفلسطينية اتفاق القاهرة تنفيذاً تاماً. فرنجية قال إن ثقته كاملة بالرئيس الأسد وسوريا، وإن أي شيء يراه الأسد سيوافق عليه. وقد أجبته بأننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً إلا عن طريق سوريا، وأنني سأتشاور مع الأسد. وسألته: إذا افترضنا أن سوريا ستسحب قواتها لتضع مكانها قوات عربية في بعض المناطق، كأن تنسحب من صيدا مثلاً وتضع محلها قوات ليبية، فما هو موقفكم؟ أجابني بأنه يترك هذا الأمر للرئيس الأسد يقرره».
قلت: «لا نرى ضرورة لوضع قوات أمن في صيدا لأن المهمة الأساسية لقوات الأمن هي تثبيت الأمن بين المسلمين والمسيحيين، وكذلك بين مختلف الفئات، ولا بد من وجود سلطة لإقرار الأمن ومنع الجرائم التي ينتظر أن تقع بعد وقف إطلاق النار نتيجة لاضطراب الأمن، إذ إن من أبرز مهام هذه القوات تحقيق الاستقرار والأمن». كما سألت: «بشأن حجم القوات، ماذا بحثتم؟ علماً بأنه ليس شرطاً أن يكون حجم القوات متساوياً من الدول المشتركة بها»، فرد رياض: «في نظري أن العمود الفقري هو القوات السورية، أما باقي القوات فيمكن أن تعطى مهام محدودة».
قال الأمين العام: «الموضوع المهم الآن هو التنظيم، لأنني اعتبر أن الأطراف جميعاً وافقت على المبدأ. فعرفات وافق في المجلس، وكان يمثل جميع فئات منظمة التحرير، والجانب المسيحي وافق الآن، وحتى الرئيس المنتخب سركيس والرئيس فرنجية أكدا أنهما متفقان تماماً».
واقترح الأمين العام «التفكير بفتح طريق دمشق - بيروت كي تمر به القوات العربية (...)»، فأجبت: «سأبحث جميع هذه الأمور مساء اليوم مع الرئيس، ويمكننا أن نعقد غداً اجتماعاً يضم الإخوة العسكريين بهدف وضع تصورات كاملة لميكانيكية العمل».
واستقبلت في الساعة الحادية عشرة مساء العقيد أنطوان دحداح، مدير الأمن العام اللبناني، وطرحت عليه موضوع الانسحاب من بيروت، حيث كانت تتمركز كتيبة من الوحدات الخاصة في منطقة المطار، بالإضافة إلى إجراء الاتصال الجغرافي بين قواتنا والمناطق المسيحية، فأجاب بأن الانسحاب من بيروت كارثة، وأن وضعهم الدفاعي جيد، لكن لا يستطيعون القيام بهجوم؛ الجيش «فارط»، ولكن الأحزاب هي التي تقاتل، وأنهم اشتروا ذخائر وأسلحة جديدة وهاون 160، ويرفضون التدخل العربي، ويريدون استمرار مبادرة سوريا وعملها.
ومن الجدير بالذكر أن الحكومات الأوروبية، لا سيما فرنسا، لم تكن متفهمة لسياستنا في لبنان، رغم أن دخولنا الأراضي اللبنانية قد أوقف مجازر دامية، وشكل وقفاً للضغط على الجانب الماروني الذي تربطه بفرنسا علاقات قوية. وخلال زيارة الأسد إلى باريس في 17 يونيو (حزيران)، كان لبنان الموضوع الرئيسي في المحادثات مع الرئيس (فاليري) جيسكار ديستان.

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)
خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)

خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



الحكومة اليمنية توسع حشد المجتمع لإسناد الجبهات

قوات عسكرية تابعة للحكومة اليمنية الشرعية في الساحل الغربي على البحر الأحمر (أ.ف.ب)
قوات عسكرية تابعة للحكومة اليمنية الشرعية في الساحل الغربي على البحر الأحمر (أ.ف.ب)
TT

الحكومة اليمنية توسع حشد المجتمع لإسناد الجبهات

قوات عسكرية تابعة للحكومة اليمنية الشرعية في الساحل الغربي على البحر الأحمر (أ.ف.ب)
قوات عسكرية تابعة للحكومة اليمنية الشرعية في الساحل الغربي على البحر الأحمر (أ.ف.ب)

وسَّعت الحكومة اليمنية، نطاق الإسناد المجتمعي للقوات المسلحة والجبهات، عبر حشد مختلف فئات المجتمع والمحافظات للمشارَكة في دعم المقاتلين وتوفير الاحتياجات الأساسية للجبهات، في وقت تصف فيه القيادة اليمنية المواجهة مع جماعة الحوثي بأنها «معركة مصيرية».

وقال نايف البكري، وزير الشباب والرياضة، رئيس لجنة الإسناد الشعبي والدعم الحكومي للقوات المسلحة، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن لجنة الإسناد المجتمعي تعمل بناءً على توجيهات الدكتور رشاد محمد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، وأعضاء المجلس ورئيس الوزراء، بهدف تنظيم وتفعيل الدعم الشعبي للقوات المسلحة والمقاتلين في مختلف الجبهات، والذي يشمل توفير الغذاء والمشتقات النفطية والوقود والمواد الأساسية التي يحتاج إليها المقاتلون للبقاء في مواقعهم، إلى جانب مساهمة المجتمع في تقديم الدعم المعنوي والمادي.

لجنة متعددة

أوضح البكري، أن لجنة الإسناد المجتمعي تضم ممثلين عن عدد من الوزارات، بينها الداخلية والدفاع والشؤون الاجتماعية والنقل والصحة والصناعة، وتعمل على ترسيخ وتنظيم الجهد المجتمعي وتنسيق عمليات الدعم، إضافة لوجود لجنة أوسع تضم ممثلين عن أكثر من 15 محافظة، بهدف توحيد الجهود الشعبية وتعزيز حالة الإسناد.

أوضح البكري أن مسؤولية التجنيد والإجراءات العسكرية تتبع اللجنة العسكرية العليا (الشرق الأوسط)

ولفت رئيس لجنة الإسناد، إلى أن عملياتهم لا تقتصر على المحافظات الواقعة في مناطق المواجهة، إذ تعمل المحافظات المستقرة أمنياً على تقديم الدعم وإرسال القوافل إلى الجبهات، لافتاً إلى أن محافظات عدة تستعد حالياً لتسيير قوافل إغاثية إلى مناطق المواجهة، كما أن محافظة سقطرى ستشارك كذلك في جهود الإسناد.

ويشير البكري إلى أن الإسناد المجتمعي يشمل كذلك الجانب الصحي، من خلال التبرع بالدم ودعم بنوك الدم في المحافظات، إلى جانب مشاركة التجار والبنوك التجارية والمستثمرين والغرف التجارية والمنتديات والقوى السياسية، كما أن مختلف الفئات الاجتماعية أصبحت جزءاً من منظومة الإسناد، مؤكداً أن اللجنة تستهدف حشد المجتمع بكل مكوناته لدعم الجبهات.

أولوية الجبهات

حول الجبهات ذات الأولوية تحدَّث الوزير عن تعز، والحديدة، ولحج، والضالع، ومأرب، والجوف وشبوة، إضافة إلى جبهات أخرى في المحافظات الواقعة ضمن نطاق المواجهات.

وقال إن تعز تخوض وفق وصفه «معركة فاصلة» بينما تشهد جبهات الحديدة والخوخة ولحج وكهبوب ويافع مواجهات، إلى جانب جبهات الضالع ومأرب والجوف. ووصف مأرب بأنها تخوض «معركة الكرامة»، في حين أشار إلى تحقيق تقدم وانتصارات في بعض جبهات الجوف.

وأضاف أن جبهات كرش وغيرها في لحج وشبوة تحظى كذلك بأولوية في عمليات الإسناد، مؤكداً أن «كل جبهات الوطن مهمة»، إلا أن طبيعة المواجهات تفرض تركيز الدعم على الجبهات الأكثر احتياجاً.

الشباب... واللجنة

وحول ما إذا كانت لجنة الإسناد ستتولى تهيئة الشباب للانخراط في الجبهات، أوضح البكري أن مسؤولية التجنيد والإجراءات العسكرية تتبع اللجنة العسكرية العليا، إلى جانب الجهات العسكرية المختصة، موضحاً أن المحافظين واللجان الأمنية وقيادات القوات العسكرية يعملون على استيعاب الشباب الراغبين في الانخراط في القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية.

وقال، إن عدداً كبيراً من الشباب انخرط بالفعل في صفوف الجيش والتشكيلات العسكرية للدفاع عن محافظاتهم ومدن البلاد كافة، مشدداً على أن المعركة واجب وطني، تتطلب دعم الجميع الذي تحرك بالفعل بمختلف فئاته لدعم الجبهات.

وعدَّ الوزير، أن جماعة الحوثي المدعومة من إيران تمثل، وفق قوله، تهديداً لليمن وللاستقرار الإقليمي، خصوصاً في ظلِّ ما وصفها بـ«محاولاتها المساس بأمن الملاحة والمياه الإقليمية»، مشيراً إلى أن السعودية تمثل الداعم الأول لليمن، والذي يشمل الملفات الاقتصادية والسياسية والعسكرية كافة، إضافة إلى الدعم الإغاثي والتنموي.

الوضع الميداني

يتفاءل البكري بتحقيق القوات المسلحة اليمنية، وفق قوله، تقدماً في كثير من المواقع، منها المواجهات في تعز وكهبوب وشبوة، مع التَّقدُّم في الجوف، إلى جانب صمود القوات في عدد من الجبهات الأخرى، مشيراً إلى مشاركة ألوية العمالقة، ودرع الوطن والمقاومة والقبائل في العمليات، وذكّر بأن هذه التشكيلات تعمل في إطار مواجهة واحدة ضد الحوثيين.

كما تحدث عن تنفيذ القوات الجوية ضربات في عدد من الجبهات، وقال إنها أسهمت في تقليص قدرات الحوثيين ووقف بعض هجماتهم، إضافة إلى استهداف عدد من قيادات الجماعة.

وتضع لجنة الإسناد المجتمعي، بحسب البكري، هذا التحرك في إطار أوسع يقوم على نقل المواجهة من كونها مسؤولية عسكرية محضة إلى حالة من التعبئة المجتمعية، بحيث تصبح المحافظات والمجتمع بمختلف فئاته جزءاً من منظومة الدعم، في مواجهة جماعة يقول إنها تمثل تهديداً لليمن وأمن المنطقة.

وعن قدرة المجتمع على توفير الاحتياجات في ظلِّ الظروف الاقتصادية التي تعيشها البلاد، قال المسؤول اليمني إن هذه «معركة مصيرية»، وإن الحكومة والمجتمع سيبذلان كل الإمكانات المتاحة، مشيراً إلى الدعم السعودي وما يقوم به «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن».

في الوقت نفسه، يؤمن الوزير بأنَّ الشعب اليمني «أصيل وكريم»، وأن التجار والمستثمرين وكل مَن يستطيع تقديم الدعم لن يبخل في هذه الظروف.


دبلوماسي أميركي: العقوبات تضرب شبكات إيران المغذية للحوثيين

العقوبات الأميركية تضرب شبكات إيران المغذية للحوثيين (إ.ب.أ)
العقوبات الأميركية تضرب شبكات إيران المغذية للحوثيين (إ.ب.أ)
TT

دبلوماسي أميركي: العقوبات تضرب شبكات إيران المغذية للحوثيين

العقوبات الأميركية تضرب شبكات إيران المغذية للحوثيين (إ.ب.أ)
العقوبات الأميركية تضرب شبكات إيران المغذية للحوثيين (إ.ب.أ)

أكد مسؤول أميركي أن الولايات المتحدة تعمل مع السعودية على تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لوقف التدفقات غير المشروعة لمكونات الأسلحة وأنظمة التوجيه المتطورة للطائرات المسيّرة إلى الحوثيين، لافتاً إلى استهداف العقوبات الأخيرة على طهران تجفيف مصادر التمويل التي تمكّن إيران من دعم الجماعة، وتعطيل شبكات التهريب الممتدة عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

نيل هوب القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن (السفارة الأميركية)

وقال نيل هوب، القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن، في رده على سؤال من «الشرق الأوسط»، إن الولايات المتحدة ستبحث مع السعودية ودول أخرى «كيف يمكن العمل معاً لوقف التدفقات غير المشروعة لمكونات الأسلحة وأنظمة التوجيه المتطورة للطائرات المسيّرة وغيرها من المعدات»، مشيراً إلى أن واشنطن تعمل بالتوازي مع شركائها الإقليميين والقوات الدولية ودول القرن الأفريقي لاعتراض مزيد من هذه الشحنات.

وأوضح هوب، في لقاء مع عدد محدود من الصحافيين بالرياض الثلاثاء، أن العقوبات الأميركية الجديدة على طهران تأتي ضمن ما وصفها بـ«عملية العزل الاقتصادي»، وتهدف إلى إخراج إيران من النظام المالي العالمي، وملاحقة الجهات التي تسهّل تجارتها النفطية أو معاملاتها المالية، وصولاً إلى تقليص الأموال المتاحة لدعم الحوثيين.

وأضاف: «كلما نجحنا في قطع مصادر التمويل الإيرانية، تراجعت الأموال التي يمكن توجيهها إلى الحوثيين».

«صفر تسرّب»

ووفق القائم بالأعمال الأميركي، فإن التحرك يشمل فرض عقوبات أولية وثانوية على جميع أشكال التجارة بالنفط الخام الإيراني والمنتجات النفطية المكررة، إلى جانب ملاحقة الجهات التي تسهّل المعاملات المالية الإيرانية عبر البنوك وشركات الصرافة والمناطق التجارية أو أي وسطاء آخرين.

ووصف هوب النهج الأميركي بأنه يقوم على مبدأ «صفر تسرّب»، موضحاً أن واشنطن لن تحصر ضغطها على طهران في قطاع واحد، بل ستتحرك في مجالات عدة في الوقت نفسه.

وقال إن الولايات المتحدة تستعد لاتخاذ «خطوات تصعيدية» ضد جميع الجهات التي تسهّل الأنشطة المالية الإيرانية، باستخدام كامل الأدوات والصلاحيات المتاحة لها، محذراً بأن أي جهة أجنبية تنتهك العقوبات ستواجه إجراءات قد تحرمها من الوصول إلى النظام المالي الأميركي.

وأضاف أن الجهات التي تستخدم معاملات مقيّمة بالدولار في مخالفة العقوبات قد تتعرض أصولها المقيّمة بالعملة الأميركية للتجميد.

سفن إيرانية في البحر الأحمر

ولفت هوب إلى أن العقوبات تشمل أيضاً الخدمات وأعمال الصيانة والتخزين المقدمة إلى «خطوط الشحن التابعة لجمهورية إيران الإسلامية» المعروفة اختصاراً بـ«IRISL».

أكد هوب أن العقوبات تطول شركة إيرانية في البحر الأحمر نفذت عمليات سيبرانية واستخباراتية للحوثيين (أ.ف.ب)

واتهم الشركة الإيرانية بامتلاك سفن عملت في البحر الأحمر ونفذت في السابق عمليات سيبرانية واستخباراتية لمصلحة الحوثيين، فضلاً عن نقل مكونات للصواريخ والطائرات المسيّرة، والمشاركة في نقل النفط عبر ما يعرف بـ«أسطول الظل».

وقال إن الإجراءات الأميركية تستهدف كذلك الالتفاف الإيراني على القيود المفروضة على صادرات النفط والمنتجات المكررة، موضحاً أن طهران استخدمت قنوات خلفية و«أسطول الظل»، وشبكات موجودة في دول خليجية وأوروبية وأميركية لاتينية، إلى جانب تعاملات مرتبطة بالصين وروسيا.

البنوك وشركات الطيران

وأشار هوب إلى وجود عقوبات أولية وثانوية صارمة على شركتي «إيران إير» و«ماهان إير»، وغيرهما من شركات الطيران الإيرانية المدرجة في قوائم العقوبات، مبيناً أن الإجراءات تطول الجهات التي تزود طائرات الشركتين بالوقود أو تقدم إليها خدمات فنية.

وأكد أن الشركات التي تواصل تقديم هذه الخدمات، بما في ذلك جهات تعمل داخل دول خليجية، قد تصبح عرضة للعقوبات الأميركية.

طائرة من طراز «إيرباص A340 - 600» تابعة لشركة «ماهان إير» الإيرانية (أرشيفية - رويترز)

كما تحدث عن تحركات تتعلق بفروع بنوك إيرانية، وفي مقدمتها «بنك ملي» و«بنك صادرات»، قائلاً إن واشنطن تجري «محادثات مباشرة وحازمة» مع السلطات في كل من الإمارات والكويت لضمان إلغاء تراخيص المؤسسات المالية الإيرانية الخاضعة للعقوبات ووقف تدفقاتها المالية.

شبكات القرن الأفريقي

في سياق متصل، أقر هوب بأن وقف شبكات التهريب الإيرانية يتطلب عملاً أكبر مع دول القرن الأفريقي، موضحاً أن بعض هذه الدول «تعاني محدودية القدرات، بينما لا تتوافر لدى بعضها الآخر إرادة كافية لمنع أنشطة التسهيل والتهريب».

وأضاف: «ما زال أمامنا كثير من العمل، خصوصاً مع الصومال وإريتريا»، مشيراً إلى تعاون واشنطن مع السلطات الصومالية والقوات الأميركية والدولية العاملة في المنطقة لاعتراض عمليات نقل الأسلحة والمكونات المتطورة إلى الحوثيين.

قوات عسكرية تابعة للحكومة اليمنية الشرعية في الساحل الغربي على البحر الأحمر (أ.ف.ب)

وأشار إلى وجود تقارير إعلامية مفصلة عن صلات بين الحوثيين وجماعات مسلحة وإرهابية في القرن الأفريقي، إلى جانب علاقات بجماعات القرصنة الصومالية تُستخدم في نقل مواد ومعدات.

كما تحدث عن تقارير توثق صلات بين الحوثيين وحركة «الشباب» الصومالية، موضحاً أن هذه العلاقات رصدتها مؤسسات إعلامية تابعت أنشطة التهريب والتحركات الميدانية في المنطقة.

تحركات تجاه العراق

وفي رده على سؤال بشأن الدعم الذي يتلقاه الحوثيون من جهات عراقية، قال القائم بالأعمال الأميركي إن السعودية والولايات المتحدة تعملان بصورة مكثفة مع القيادة العراقية والمسؤولين في بغداد، لدفعهم نحو اتخاذ موقف حازم ضد التسهيلات المقدمة إلى إيران والحوثيين.

وأبدى هوب قدراً من التفاؤل إزاء تعامل القيادة العراقية الجديدة مع هذا الملف، قائلاً إنها أظهرت إرادة سياسية أكبر وبدأت اتخاذ إجراءات تعكس هذه الإرادة، وإن كانت الخطوات المنفذة حتى الآن لا تزال غير كافية.

وأضاف: «ألمس اليوم قدراً من الجدية لدى السلطات العراقية لم أكن أراه قبل 5 سنوات»، عادّاً أن التحدي بات مرتبطاً بمحدودية القدرات أكثر من غياب الإرادة السياسية، ومعرباً عن ثقته بإمكان إحراز تقدم في هذا الجانب.


الأمم المتحدة تحذِّر من تفاقم مأساة النزوح في اليمن

فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
TT

الأمم المتحدة تحذِّر من تفاقم مأساة النزوح في اليمن

فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)

أظهرت بيانات حكومية يمنية أن أكثر من 158 ألف شخص فرُّوا من المناطق التي دخلتها جماعة الحوثيين في الساحل الغربي، بينما حذَّرت المنظمة الدولية للهجرة من استمرار ارتفاع أعداد النازحين، مع فرار العائلات من العنف، داعية المجتمع الدولي إلى زيادة الدعم للنازحين والمجتمعات المضيفة التي تتقاسم معهم مواردها المحدودة.

ووفقاً للوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين، ارتفع عدد الفارين من مناطق الساحل الغربي والمسجلين في 8 محافظات إلى 158109 أشخاص، يمثلون 23550 أسرة، نتيجة استمرار العمليات العسكرية والقصف والاشتباكات وتدهور الأوضاع الأمنية.

وتشير البيانات الحكومية، حتى 20 سبتمبر (أيلول)، إلى أن محافظة تعز تصدَّرت المحافظات المستضيفة، باستقبال 11867 أسرة، تضم 83123 شخصاً موزعين على 15 مديرية، تلتها محافظة لحج بـ5472 أسرة (38304 أشخاص) في 9 مديريات، أبرزها المضاربة ورأس العارة وتبن والمسيمير.

وفي العاصمة اليمنية المؤقتة عدن؛ بلغ عدد الأسر النازحة المسجلة 3114 أسرة، تضم 15003 أشخاص موزعين على مديريات المحافظة، بينما سجلت محافظة الحديدة 1471 أسرة، تضم 10297 شخصاً في مديريتي حيس والخوخة.

عشرات الآلاف من اليمنيين النازحين يعيشون تحت الأشجار (إعلام محلي)

ورصدت الوحدة الحكومية حركة نزوح جديدة من مديريتي حيس والخوخة جنوب الحديدة باتجاه عدن، وقالت إنها تتابع هذه الحركة، في وقت استقبلت فيه محافظة أبين 1420 أسرة، تضم 9940 شخصاً في مخيمَي خنفر وزنجبار.

وتوزعت بقية الأسر النازحة -وفق البيانات الحكومية- على حضرموت بواقع 110 أسر، والمهرة 70 أسرة، وشبوة 26 أسرة.

وأكدت الوحدة أن معظم الأسر اضطرت إلى ترك منازلها وممتلكاتها بصورة مفاجئة، الأمر الذي فاقم معاناتها الإنسانية وزاد هشاشتها الاقتصادية، مشيرة إلى أن الاحتياجات الأكثر إلحاحاً تشمل المأوى ومواد الإيواء الطارئة والسلال الغذائية والمساعدات النقدية متعددة الأغراض، إلى جانب مياه الشرب والخدمات الصحية ومستلزمات النظافة.

أرقام أممية

من جهتها، حذَّرت المنظمة الدولية للهجرة من استمرار ارتفاع أعداد النازحين في اليمن، ودعت المجتمع الدولي إلى دعم الفارين من العنف والمجتمعات المضيفة التي تتقاسم معهم «ما تملكه من موارد شحيحة».

وأظهرت أحدث بيانات المنظمة أن 129438 شخصاً، أي ما يعادل 21573 أسرة، نزحوا في 7 محافظات منذ بدء موجة النزوح المرتبطة بالقتال، مع تسجيل زيادة قدرها 11352 شخصاً خلال 3 أيام فقط، مقارنة بـ118086 نازحاً في 18 سبتمبر.

وقال عثمان بلبيسي، المدير الإقليمي للمنظمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن كثيراً من النازحين اضطروا إلى النزوح أكثر من مرة بحثاً عن الأمان، محذراً من أن الأعداد «في ازدياد مستمر».

الغالبية العظمى من النازحين اليمنيين يفتقدون أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وتستضيف تعز العدد الأكبر من النازحين المسجلين لدى المنظمة، بواقع 73494 شخصاً، تليها لحج بـ33828، وعدن بـ8946، والحديدة بـ8244، إضافة إلى أبين وحضرموت ومأرب.

وقال بلبيسي إن هذه العائلات فقدت منازلها ومصادر دخلها، وتصل إلى بلدات تعاني أصلاً أوضاعاً صعبة، مضيفاً أن المجتمعات المضيفة «لا تستطيع القيام بذلك بمفردها»، في إشارة إلى الحاجة المتزايدة للدعم الإنساني.

وبالتزامن مع النزوح الداخلي، أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن 3106 أشخاص عبروا البحر الأحمر من اليمن إلى جيبوتي حتى مساء الأحد الماضي، مشيرة إلى أنها تقدم مساعدات عاجلة لعدد من الوافدين، ومجددة دعوتها إلى توفير مزيد من الدعم في ظل استمرار حركة الفرار.