خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)

روى في مذكرات تنشرها أن صدام «استعرض عضلاته» على الحدود بعد قرار الأسد إرسال قواته باتجاه بيروت

صورة أرشيفية للرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في أحد الاجتماعات (الشرق الأوسط)
صورة أرشيفية للرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في أحد الاجتماعات (الشرق الأوسط)
TT

خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)

صورة أرشيفية للرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في أحد الاجتماعات (الشرق الأوسط)
صورة أرشيفية للرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في أحد الاجتماعات (الشرق الأوسط)

يروي نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام، اليوم، في الحلقة الثامنة من مذكراته التي تنشرها «الشرق الأوسط»، اللحظات الحاسمة في التدخل العسكري في لبنان في 1976، والاتصالات التي جرت بين سوريا والدول العربية خلال ذلك لتشكيل قوة الردع العربية، ودور القوات السورية فيها.
ويقول خدام: «أمام إصرار القيادة الفلسطينية والأحزاب اللبنانية المتحالفة على استمرار القتال، ورفض فك الحصار عن زحلة والقرى المسيحية في الشمال اللبناني، وأمام كل ما يمكن أن ينجم من أضرار تصيب الشعب اللبناني وسوريا والعرب، أصبح التدخل العسكري السوري مُلحاً لوقف هذه الحرب القذرة، فتحركت قواتنا واجتازت الحدود اللبنانية في الأول من يونيو (حزيران) عام 1976، في يوم وصول ألكسي كوسيغين، رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي، إلى دمشق».
ويخصص خدام قسماً كبيراً للصراع مع رئيس اللجنة التنفيذية لـ«منظمة التحرير الفلسطينية»، ياسر عرفات (أبو عمار)، في الميدان وفي الأروقة الدبلوماسية، خصوصاً ذلك الاجتماع الذي تزامن مع دخول القوات السورية إلى لبنان، ويقول: «في الأول من يونيو (حزيران) عام 1976، عقد مكتب التنسيق لحركة عدم الانحياز اجتماعاً له في مدينة الجزائر، بحضور عرفات الذي ألقى خطاباً مسرحياً، وتحدث عن مؤامرة أميركية - فرنسية - إسرائيلية ضد الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية في لبنان، وأنه يخشى أن تنفذ بأيدي عربية»، في إشارة إلى سوريا. ويضيف خدام أنه رد على عرفات بصوتٍ عالٍ كي يسمعه الجميع، قائلاً: «كذبت يا ياسر، كعادتك، وأسأت إلى سوريا، وإلى القضية الفلسطينية؛ إنك تمزق لبنان وتمزق الفلسطينيين وتخدم إسرائيل».
خلال مناقشات تعديل الدستور اللبناني لانتخاب رئيس جديد، كان المفهوم من الاتفاق أن يتقدم الرئيس سليمان فرنجية باستقالته، ليمارس الرئيس الجديد إلياس سركيس صلاحياته، ويعمل على إنهاء الحرب وتحقيق المصالحة. ورغم الانتخاب، ظل التوتر قائماً، واستمر إطلاق النار، وتصاعدت حملة الحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط، كما استمرت القيادة الفلسطينية في اللعب بالنار، والتحريض لمنع الوصول إلى وقف جدي للقتال، والبدء بالحوار الوطني لإنهاء الأزمة، وفق الوثيقة الدستورية.
وفي مايو (أيار) من عام 1976، استقبلت كريم بقرادوني حاملاً رسالة من الرئيس سركيس، وأبلغني: «جئت أحمل رسالة من الرئيس سركيس؛ إنه يرى أن أول اتصال له يجب أن يكون مع سوريا لشرح تصوره. يعتقد (سركيس) أن الخطوة الأولى التي ينبغي عليه أن يخطوها هي الحوار السياسي مع الأطراف المتنازعة. وهذا يتم على مرحلتين: الأولى، الطلب من الفرقاء إنهاء القتال. الثانية، عقد مائدة مستديرة يكون هو فيها الحكم الإيجابي».
وأضاف بقرادوني أن الوضع في بيروت «جامد لعدم استطاعة عرفات الحسم، وقد وضع سركيس خطة للعمل، وهو يعتقد أن أمله في النجاح السياسي ضئيل، لكنه رغم ذلك مضطر للقيام بهذا العمل لمصلحة لبنان والمبادرة السورية، وسيجري اتصالات مع جميع الأطراف، وسيبدأ بجنبلاط. وأما نحن في (حزب الكتائب)، فأطلقنا يده دون أي شروط. وهو يرى أن المبادرة السورية يجب أن تستمر مهما كانت نتائج الوفاق السياسي، ويطلب منكم مساعدته لإنجاح الحل السياسي. كما أن سركيس سيجتمع بفرنجية ليتفقا على كيفية الاستلام والتسليم. ونظراً للخوف من إعلان فرنجية استقالته، ومن عدم توفر النصاب لقسم الرئيس سركيس في المجلس النيابي، فتقع البلاد في حالة الفراغ الدستوري، وهذا ما تريده قيادة عرفات وبعض الأطراف اللبنانية، لذلك يجب ترتيب جلسة في المجلس النيابي تعلن فيها الاستقالة، ويجري قسم الرئيس الجديد».
وأردف بقرادوني أنه اقترح «تقديم استقالة الرئيس فرنجية إلى المجلس النيابي، على أن تكون سارية المفعول اعتباراً من أداء الرئيس سركيس اليمين»، فأجبته: «لا يجوز ذلك دستورياً، ولا يجوز أن تكون الاستقالة معلقة، لذلك من الأفضل أن يضع فرنجية استقالته أمام سركيس، ويدعى مجلس النواب إلى جلسة تتلى فيها الاستقالة، ويؤدي الرئيس سركيس القسم الدستوري».
ورغم الجهود المبذولة لتهدئة الوضع، تمهيداً لانتقال الرئاسة من فرنجية إلى سركيس، فإن الجو السياسي بات أكثر سخونة بعد تحالف كل من ريمون إده وكمال جنبلاط وصائب سلام، بالإضافة إلى قوى الأحزاب الوطنية والتقدمية، وإلى ما كان يبذله عرفات وجماعته من جهود لاستمرار توتر الجو، وبالتالي استمرار القتال.
واشتد الضغط العسكري للقوى الفلسطينية وحلفائها اللبنانيين في جبل لبنان وفي بيروت، وتمت مهاجمة بعض القوى المسيحية في الجنوب. كما اشتد الحصار حول مدينة زحلة وقرى مسيحية في عكار، منها القبيات وعندقت. وأصبح لبنان مهدداً باتساع دائرة المذابح الطائفية، ما يوفر أفضل الفرص لإسرائيل للتدخل، وإيجاد حليف لها في الساحة اللبنانية.
ومع تصاعد القتال، قدم جنبلاط اقتراحات، بينها: «وقف النار وقفاً جدياً من غير انسحاب المقاتلين من مواقعهم، والدخول في مفاوضات الطاولة المستديرة دون شروط مسبقة، وانسحاب الجيش السوري تدريجياً، وتحديد جدول أعمال الطاولة المستديرة على النحو التالي: الإصلاح السياسي، وتناول تعديل بعض مواد الدستور والنظام السياسي، وشكل الحكم المقبل ونسبة تمثيل القوى السياسية فيه، وإعادة ترتيب المؤسسات ترتيباً وطنياً، لا طائفياً».
كان واضحاً أن لجنبلاط رؤية لبناء نظام جديد في لبنان، ليتحرر اللبنانيون من النظام الطائفي، ما يشكل ضمانة لبعض شرائح المجتمع اللبناني، وينهي الهيمنة المارونية على قيادة البلاد. وأمام إصرار القيادة الفلسطينية والأحزاب اللبنانية المتحالفة معها على استمرار القتال، ورفض فك الحصار عن زحلة والقرى المسيحية في الشمال، وأمام كل ما يمكن أن ينجم من أضرار تصيب الشعب اللبناني وسوريا والعرب، أصبح ملحاً أن يحصل تدخل عسكري سوري لوقف هذه الحرب القذرة، فتحركت قواتنا إلى الحدود اللبنانية، واجتازت هذه الحدود في الأول من يونيو (حزيران) عام 1976، في يوم وصول ألكسي كوسيغين، رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي، إلى دمشق.
وفي الأول من يونيو (حزيران) عام 1976، عقد مكتب التنسيق لحركة عدم الانحياز اجتماعاً له في مدينة الجزائر، بحضور عرفات الذي ألقى خطاباً مسرحياً، وهذا أبرز ما جاء في ذلك الخطاب: «هناك مؤامرة أميركية - فرنسية - إسرائيلية ضد الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية في لبنان، ويُخشى أن تنفذ بأيدٍ عربية. ستقوم فرنسا باحتلال مناطق الانعزاليين المسيحيين، وتقوم قوى عربية باحتلال المناطق الوطنية لتحجيم الثورة وضربها وضرب ميليشيات الحركة الوطنية».
وبعد انتهاء كلمته، طلبت الكلام، وكان عبد العزيز بوتفليقة، وزير خارجية الجزائر، رئيساً للجلسة، فتجنب إعطائي الكلمة، إدراكاً منه لأني سأرد بقسوة على عرفات. وكعادته، فقد أدرك عرفات أن إتاحة الفرصة لي للرد عليه ستكشف أكاذيبه، فقام بحركة مسرحية في القاعة للسلام على الوفود. وعندما وصل إلي بقيت جالساً، فوقف أمامي قائلاً: «ما بك يا أبا جمال؟». أجبته بصوتٍ عالٍ كي يسمع الجميع: «كذبت يا ياسر، كعادتك، وأسأت إلى سوريا وإلى القضية الفلسطينية؛ إنك تمزق لبنان وتمزق الفلسطينيين، وتخدم إسرائيل. طريقك يا ياسر لن يكون باتجاه العرب، ولكن باتجاه إسرائيل». رد عرفات، قائلاً: «أنتم دخلتم لبنان وتضربوننا»، فأجبته: «سنضرب كل من يحاول التقسيم، وسنحاسب كل من يسفك الدماء؛ لبنان ليس فلسطين. ستدفع ثمناً غالياً لقاء تآمرك على لبنان وفلسطين وسوريا». ترك بوتفليقة مقعده، واتجه نحونا، وحاول تهدئتي، فرفضت مصافحة عرفات.
ونحو الساعة الواحدة ظهراً، حضر إلى جناحي وسطاء، بينهم وزير خارجية ليبيا علي تريكي، واقترحوا تناول الغداء مع عرفات. اشترطت أن يسحب الخطاب، وتعاد صياغته. وفعلاً، كتبنا الصياغة الجديدة، وأرسلناها إلى مقر اللجنة، وسُحِب الخطاب، ومن ثم تناولنا الغداء معاً، حيث تحدثت عن أخطاء «منظمة التحرير»، وما ألحقه قادتها من أضرار بالقضية الفلسطينية وبلبنان، وعن مناوراتهم والكذب الذي كان صفة رئيسية في حديثهم. وكان عرفات «منضبطاً» مؤدباً، فأدركت أن سبب هذا الأدب تقدم قواتنا في الأراضي اللبنانية. وقد ألح عليّ للاتصال بالرئيس لوقف تقدم القوات. وفعلاً، أرسلت برقية إلى دمشق بفحوى ما جرى (...)
دعا التحالف الفلسطيني مع بعض القوى اللبنانية إلى إضراب عام احتجاجاً على دخول القوات السورية إلى لبنان في الثاني من يونيو (حزيران) عام 1976، ومارست الميليشيات الفلسطينية وميليشيات الأحزاب الحليفة لها («الحزب الشيوعي» و«منظمة العمل الشيوعي» و«الحزب السوري القومي» و«المرابطون» وتنظيمات أخرى فرضها عرفات من «فتح») ضغوطاً على أصحاب المتاجر والمحلات للإغلاق تحت طائلة التصفية أو تدمير المتجر، فدفع الخوف الأهالي إلى الإغلاق، وليس إلى الإضراب.
ومن الطبيعي القول إن الإضراب شمل فقط مناطق سيطرة القوى الفلسطينية وحلفائها. أما المناطق الأخرى، فكانت في وضع مختلف، ذلك أن دخول القوات السورية الذي تم بناء على طلب الرئيس فرنجية رفع الحصار عن المناطق المسيحية المهددة، وأبعد عنها الخوف.
وفي الثالث من يونيو (حزيران)، عقدت الحركة الوطنية اللبنانية اجتماعاً برئاسة جنبلاط، وأصدرت بياناً تضمن «اعتبار النجاح الكاسح للإضراب العام الذي شمل كل المناطق اللبنانية دليلاً على موقف الجماهير الرافض للاحتلال العسكري السوري، ولكل تدخل خارجي، وبداية لحملة سياسية شعبية واسعة، داخلية وخارجية، تتصدى للاحتلال، ونفرض الإرادة الوطنية اللبنانية والفلسطينية في وجه قوى التدخل»، كما أعلن «تأييد المبادرة الصادرة عن قائد جيش لبنان العربي بمقاومة الاحتلال، وتأكيد التلاحم بين الحركة الوطنية وجيش لبنان العربي في هذا الموقف الوطني الشجاع»، و«إقرار مذكرة سيجري تقديمها إلى الرئيس المنتخب حول الاحتلال السوري».
وفي الوقت نفسه، وجه قائد جيش لبنان العربي، الملازم أحمد الخطيب، المنشق عن الجيش اللبناني، نداءً للتصدي للجيش السوري.
ورغم هذا الضجيج الإعلامي، فإن مسلحي الفصائل الفلسطينية المرتبطة بعرفات وحلفائهم من الأحزاب اللبنانية كانوا يفرون أمام تقدم قواتنا. وكعادته، أخذ عرفات يصرخ ويستغيث ويحرض، ودعا إلى اجتماع للجامعة العربية، وتحدد الاجتماع في التاسع من يونيو (حزيران).

وفي صباح 9 يونيو (حزيران)، توجهت إلى القاهرة، وكان في استقبالي في المطار مأمون الأتاسي، القائم بأعمال سفارتنا. وبعد أن توقفت الطائرة، صعد إلي وأبلغني أن الاجتماع عقد البارحة، أي في 8 يونيو (حزيران)، وتم تشكيل وفد (للذهاب إلى دمشق)، برئاسة وزير خارجية البحرين محمد بن مبارك بن حمد آل خليفة رئيس الدورة، ووزيري خارجية الجزائر (بوتفليقة) وليبيا (علي التريكي) والأمين العام للجامعة (محمود رياض). طلبتُ من الطيارين إعداد خطة إقلاع فوراً إلى دمشق للقاء الرئيس الأسد، وطلبتُ من الأتاسي الاتصال بدمشق، لإبلاغها عدم استقبال الوفد قبل وصولي.
قبل ذلك، أبلغني الأتاسي نص قرار الاجتماع الوزاري، وضم بنوداً عدة، بينها: «الطلب من جميع الأطراف وقف القتال فوراً»، و«تأليف قوات أمن عربية رمزية، تحت إشراف الأمين العام للجامعة، للحفاظ على الأمن والاستقرار في لبنان، وأن يتم تحريك هذه القوات فوراً لمباشرة عملها، وتحل محل القوات السورية، وتنتهي مهمة الأمن العربي بناء على طلب فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية المنتخب»، وإيفاد بعثة وزارية لدمشق، و«دعوة جميع الأطراف اللبنانية إلى إجراء المصالحة الوطنية الشاملة، بإشراف الرئيس المنتخب، حفاظاً على وحدة الشعب الشقيق، ووحدة ترابه الوطني، وعلى سيادته وأمنه واستقراره»، و«التأكيد على الالتزام العربي بدعم الثورة الفلسطينية، وحمايتها من جميع الأخطار، وتوفير جميع أسباب القوة الفاعلة لها».
وعلمت من الأتاسي أن مشروع القرار قدمه عرفات الذي شن هجوماً على سوريا، وكان خلال الاجتماع يبكي ويقول: «الآن، الطائرات السورية تقصف بيروت، الطائرات السورية تقصف المخيمات، القوات السورية تدمر القرى اللبنانية».
عدت فوراً إلى دمشق، وأبقى مدير مطار دمشق طائرة الوزراء العرب في الجو إلى ما بعد وصولي، فاتصلت بالأسد، وشرحت له ما تم قبل استقبال الوزراء، فرفض (الأسد) مناقشة أي موضوع قبل إعادة عقد مجلس الجامعة، وحضوري والاستماع إلى وجهة نظر سوريا.
اتفقنا على عقد اجتماع في اليوم التالي، أي في 10 يونيو (حزيران). وبالفعل، توجهت إلى مقر الجامعة العربية في القاهرة، ودخلت القاعة، وكان الجو متوتراً، وجماعة عرفات منتشرين والمسدسات تتدلى من أجنابهم. توجه نحوي الشيخ صباح الأحمد، وزير خارجية الكويت، وطلب مني الانتباه لأن الفلسطينيين متوترون، ويخشى أن يصيبني ما أصاب رئيس وزراء الأردن وصفي التل الذي اغتاله فلسطينيون في القاهرة، فأجبته: «أنا لست وصفي التل، وسوريا ليست الأردن؛ لا تقلقوا من هذه المسرحيات. نحن نعرف الإخوان جيداً، هم يريدون إخافتكم لكسب تأييدكم، وهم يعرفون أن مثل هذا اللعب لا يمشي معنا، ويعرفون حجم الثمن، لذلك لا تقلق».
تقدمت خطوات في القاعة، وفوجئت أن بعض الوزراء أداروا ظهورهم وتحاشوا اللقاء بي، وتحاشوا السلام. وعند دخولي، ارتفع صوت عرفات: «أين أبو جمال الحبيب؟ أين أبو جمال الحبيب؟». واتجه نحوي يقبلني على طريقته، فصفق المجتمعون. قبل ساعات، كان يصرخ ويبكي ويشتم القيادة السورية، والآن يتوجه إلى وزير خارجية سوريا بالعناق والقبل.
قلت في الجلسة: «يا ياسر، جئت من دمشق ومعي منديلان لأمسح بهما دموعي من المجازر التي وقعت ضدكم، والتي كنت تتحدث عنها مع الإخوان في الجلسات السابقة. مكانك يا ياسر ليس هنا، وإنما على مسرح الريحاني (في بيروت) لأنك ممثل»، فقاطعني: «أنا أمثل الشعب الفلسطيني». أجبته: «أنت ممثل على خشبة مسرح، وأنت عدو للشعب الفلسطيني. يا ياسر، أنصحك ألا تبصق في الصحن الذي تأكل منه لأنك ستعود وتلعق بصقتك، أساليبك ستدمر القضية الفلسطينية».
ثم التفتُّ إلى الوزراء (...) وطلبت إعادة النظر بالقرار قبل حضوري، بحيث تحذف أي إشارة إلى القوات السورية، ويجري التأكيد على أن عمل هذه القوات يأتي في إطار السيادة اللبنانية. وبعد المناقشة، استجاب المجلس إلى طلبي.
كانت قواتنا قد حققت تقدماً واسعاً، إذ وصلت إلى صوفر، وأصبحت على أبواب بحمدون. تحركت ليبيا، ووصل عبد السلام جلود من ليبيا، يرافقه عبد الكريم بن محمود الوزير الجزائري، واجتمعا إلى الأسد في 12 يونيو (حزيران)، وتم الاتفاق على عدد من النقاط، بينها: «مشاركة سوريا بقوة السلام العربية»، و«الانسحاب من صوفر إلى ضهر البيدر، وكذلك من بيروت والجنوب»، و«الانسحاب الشامل بعد البدء بالحل السياسي».
وفي الساعة الثانية عشرة ليلاً، اتصل بي الأسد، وأطلعني على نقاط الاتفاق، فاعترضت عليها وقلت: «الانسحاب من صوفر إلى ضهر البيدر سيعطي الطرف الفلسطيني مزايا عسكرية يستخدمها في مرحلة تالية لمهاجمة جبل لبنان، واستنزاف قواتنا في البقاع. يجب الانسحاب من بيروت وصيدا، حيث كانت لنا قوات فيها منذ عام 1975، عندما دخلت لحماية بيروت الغربية والضاحية بعد سقوط النبعة والكرنتينا والمسلخ بيد قوات الكتائب. ويجب تدعيم قواتنا في الشمال والبقاع وفي صوفر لأنها نقطة ضغط على جنبلاط».
طلب الأسد الاجتماع مع قائد القوى الجوية ناجي جميل، ورئيس الأركان حكمت الشهابي، لمناقشة الموضوع. وفي 13 يونيو (حزيران)، اجتمعنا في مكتب الشهابي، واتفقنا على رفع رأينا للرئيس الأسد، الذي جاء فيه: «إن سوريا تؤيد العمل على إنجاح مبادرة الجامعة العربية، وتنفيذ القرارات المتخذة، وأن يتم تشكيل القوات العربية المشار إليها بقرارات مجلس الجامعة، وأن تقوم القوات السورية بالانسحاب من بيروت وصيدا، وفور تشكيل القوات العربية تساهم سوريا بهذه القوات بالحجم الذي يتم تحديده من قبل قيادة قوة السلام العربية. تنسحب القوات السورية من لبنان بموجب خطة تضعها الجامعة العربية، بالاتفاق مع السلطات الشرعية في لبنان».
أبلغت الرئيس هذه النقاط بالهاتف، فطلَبَنا للاجتماع، ثم تم الاتفاق على إبلاغ جلود وبن محمود بأننا «نوافق على الاشتراك في قوة السلام العربية، ومستعدون لسحب قواتنا مباشرة من بيروت وصيدا، ومستعدون لسحب قواتنا مباشرة وفوراً من صوفر، وأن انسحاب القوات السورية نهائياً من لبنان مرهون بالحل السياسي».
وبعد ظهر 13 يونيو (حزيران)، توجهت إلى مقر إقامة جلود وبن محمود، حيث كانا مجتمعين مع محمد غنيم من «فتح»، وأحمد جبريل (زعيم الجبهة الشعبية - القيادة العامة حالياً)، وكان جلود منفعلاً يقول: «أنتم لا تريدون حل الأمور، يجب أن تنسجموا، أنتم مخربون، أنتم لا تريدون الحل، وأنا لن أذهب إلى بيروت»، فقلت لجلود: «فعلاً، الإخوان لا يريدون الحل، وبياناتهم تدل على ذلك. عرفات يقول لبعض الوزراء العرب مساعدتكم لسوريا تعني ذبح الفلسطينيين؛ أمر مؤلم أن يقع مثل هذا الانحراف القاتل للقضية الفلسطينية». فحاول جبريل وغنيم الدفاع، فرفضت النقاش معهما.
وفي هذه الأثناء، حضر الرفيق محمد حيدر، وأقنع جلود بالتوجه معاً إلى لبنان للقاء القيادات الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، وعرض النقاط التي اتفقنا عليها مع جلود. وبعد قليل، اتصل عرفات من القاهرة بجلود الذي أبلغه نقاط الاتفاق، فوافق عليها عرفات، وقال إنه سيرسل برقية بالموافقة عليها.
واضح من مجمل المناقشات مع الجانب الفلسطيني أن قيادته لا ترغب في الوصول إلى حل نهائي للمشكلة في لبنان، لا سيما إذا كان هذا الحل سيؤدي إلى استعادة الدولة اللبنانية سلطاتها، لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى اضطرار «منظمة التحرير» وفصائلها للالتزام باتفاقية القاهرة، واحترام سيادة الدولة اللبنانية (...)
ومن أخطر الأخطار التي ارتكبتها قيادات الفصائل الفلسطينية انشغالها في الأمور الداخلية لبعض الأقطار العربية (...) والتورط بالخلافات العربية (...) ومن ذلك استخدام الخلاف بين سوريا والعراق، واستخدام تكوين القيادة العراقية وتوريطها بحشد قوات على الحدود السورية. وقد تعرضتُ لهذا الموضوع خلال بحث علاقاتنا مع العراق.
في تلك الأيام، فعلاً توجهت بعض القوات العراقية إلى الحدود السورية للضغط على سوريا. لكن هذه اللعبة كانت فاشلة بائسة، بالإضافة إلى أنها تعكس تخلف القيادة العراقية وسطحية قراراتها. كما كانت تعكس غباء القيادة الفلسطينية، وانخراطها وتورطها في زج «منظمة التحرير» في مواقع وظروف ألحقت أضراراً كبيرة بالقضية الفلسطينية.
في هذه المناسبة، اتصل بي زيد الرفاعي رئيس وزراء الأردن، في 13 يونيو (حزيران)، وأبلغني أن حشد القوات العراقية على الحدود السورية هو عبارة عن عرض عضلات وتحرك تلفزيوني لتخفيف الضغط في لبنان، ومحاولة تشجيع حركة داخلية في سوريا، وأنه ليست هناك نية لاجتياز الحدود، وأن معلوماته من مصادر أجنبية. شكرت الرفاعي على اتصاله، وأكدت له: «لا قلق لدينا، وإننا نريد تجنب المواجهة بين الجيشين السوري والعراقي، تجنباً لأضرار كبيرة ستصيب البلدين والأمة، لكن إذا تورط الإخوان فإن الرد سيكون قاسياً».
بعد صدور قرار مجلس الجامعة في 10 يونيو (حزيران)، تحرك الأمين العام للجامعة محمود رياض، وزار بيروت، وعاد إلى دمشق في 15 يونيو (حزيران)، واستقبلته في الساعة الثامنة مساءً، وتحدث رياض عن زيارته لسليمان فرنجية رئيس الجمهورية اللبنانية.
وقال إن حصيلة الاجتماع كانت الاتفاق على أن يعطي التصريح التالي: «نتيجة الاجتماع حول قرار الجامعة العربية في 10 يونيو (حزيران)، وبعد الإيضاحات (...) وافق فخامته على هذا القرار، باعتباره مبادرة عربية جماعية. كما أبدى تمسكه بالمبادرة السورية، لما في المبادرتين من أمل في وقف الاقتتال وإحلال السلام».
سألته: «ما أهم النقاط التي دار حولها البحث معهم؟»، فأجابني: «يريدون أن تكمل سوريا مهمتها، ويرون -بل يتصورون- أن أهم أمر هو سحب السلاح من أيدي الفلسطينيين، وبالتالي يمكن سحبه من أيدي جميع المقاتلين، وتسليمه إلى القوة العربية، حتى أن (كميل) شمعون تساءل: لمَ لا تبقى سوريا لِوَحدها ممثلة للجامعة العربية في تنفيذ قرارها؟ وقد أجبته بأن سوريا وافقت على القرار كما صدر، ونحن لا نريد أن نحملها وحدها هذا العبء. وانطباعهم أن الفلسطينيين يرون في القرار انسحاب سوريا نهائياً من مبادرتهم، وهم لا يريدون ذلك أبداً».
تابع رياض: «سألتهم بصراحة: هل هم موافقون على قرار الجامعة أو على المبادرة العربية؟ فكان جوابهم عدم الاعتراض على القرار من حيث المبدأ، لكن لديهم بعض الملاحظات: عن قوة الأمن مثلاً، وافقوا على أن تكون قوة ردع... وأبدوا تحفظاً بالنسبة لاشتراك قوات عربية من بعض الدول العربية، وهي ليبيا والجزائر والعراق واليمن الجنوبي وفلسطين. وقد أجبتهم بأني مفوض من ليبيا بالتصرف، أما الجزائر فلا بد من الاتصال بمسؤوليها». وأضاف أن اللبنانيين «يرون استمرار سوريا في مبادرتها، وفي عدم انسحاب قواتها حتى تنفيذ المقاومة الفلسطينية اتفاق القاهرة تنفيذاً تاماً. فرنجية قال إن ثقته كاملة بالرئيس الأسد وسوريا، وإن أي شيء يراه الأسد سيوافق عليه. وقد أجبته بأننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً إلا عن طريق سوريا، وأنني سأتشاور مع الأسد. وسألته: إذا افترضنا أن سوريا ستسحب قواتها لتضع مكانها قوات عربية في بعض المناطق، كأن تنسحب من صيدا مثلاً وتضع محلها قوات ليبية، فما هو موقفكم؟ أجابني بأنه يترك هذا الأمر للرئيس الأسد يقرره».
قلت: «لا نرى ضرورة لوضع قوات أمن في صيدا لأن المهمة الأساسية لقوات الأمن هي تثبيت الأمن بين المسلمين والمسيحيين، وكذلك بين مختلف الفئات، ولا بد من وجود سلطة لإقرار الأمن ومنع الجرائم التي ينتظر أن تقع بعد وقف إطلاق النار نتيجة لاضطراب الأمن، إذ إن من أبرز مهام هذه القوات تحقيق الاستقرار والأمن». كما سألت: «بشأن حجم القوات، ماذا بحثتم؟ علماً بأنه ليس شرطاً أن يكون حجم القوات متساوياً من الدول المشتركة بها»، فرد رياض: «في نظري أن العمود الفقري هو القوات السورية، أما باقي القوات فيمكن أن تعطى مهام محدودة».
قال الأمين العام: «الموضوع المهم الآن هو التنظيم، لأنني اعتبر أن الأطراف جميعاً وافقت على المبدأ. فعرفات وافق في المجلس، وكان يمثل جميع فئات منظمة التحرير، والجانب المسيحي وافق الآن، وحتى الرئيس المنتخب سركيس والرئيس فرنجية أكدا أنهما متفقان تماماً».
واقترح الأمين العام «التفكير بفتح طريق دمشق - بيروت كي تمر به القوات العربية (...)»، فأجبت: «سأبحث جميع هذه الأمور مساء اليوم مع الرئيس، ويمكننا أن نعقد غداً اجتماعاً يضم الإخوة العسكريين بهدف وضع تصورات كاملة لميكانيكية العمل».
واستقبلت في الساعة الحادية عشرة مساء العقيد أنطوان دحداح، مدير الأمن العام اللبناني، وطرحت عليه موضوع الانسحاب من بيروت، حيث كانت تتمركز كتيبة من الوحدات الخاصة في منطقة المطار، بالإضافة إلى إجراء الاتصال الجغرافي بين قواتنا والمناطق المسيحية، فأجاب بأن الانسحاب من بيروت كارثة، وأن وضعهم الدفاعي جيد، لكن لا يستطيعون القيام بهجوم؛ الجيش «فارط»، ولكن الأحزاب هي التي تقاتل، وأنهم اشتروا ذخائر وأسلحة جديدة وهاون 160، ويرفضون التدخل العربي، ويريدون استمرار مبادرة سوريا وعملها.
ومن الجدير بالذكر أن الحكومات الأوروبية، لا سيما فرنسا، لم تكن متفهمة لسياستنا في لبنان، رغم أن دخولنا الأراضي اللبنانية قد أوقف مجازر دامية، وشكل وقفاً للضغط على الجانب الماروني الذي تربطه بفرنسا علاقات قوية. وخلال زيارة الأسد إلى باريس في 17 يونيو (حزيران)، كان لبنان الموضوع الرئيسي في المحادثات مع الرئيس (فاليري) جيسكار ديستان.

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)
خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)

خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
TT

اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)

على جدرانٍ حاويات حديدة داخل سجنٍ غير معلن، كُتبت حكايات لا تُروى حفرها معتقلون بأظافر الخوف وطول الانتظار: «ارحموني... يكفي ظلم»، «فرجك يا رب»، «أمي»، «أنا مظلوم والله شاهدٌ عليّ».

لم تكن هذه الكلمات زينة حائط، بل شهادات إنسانية معلّقة بين اليأس والرجاء، تركها سجناء سجن الضبة غير الشرعي، الذي أدارته القوات الإماراتية سنوات، لتكشف وجهاً خفياً لمعاناة ظلت طويلاً خلف الأسوار.

أكد الإرياني أن الدولة لم تفوّض أي طرف خارجياً كان أو محلياً بإنشاء مراكز احتجاز (الشرق الأوسط)

«الشرق الأوسط» زارت السجن الواقع في ميناء الضبة النفطي بمدينة المكلا (شرق البلاد)، ضمن وفدٍ صحافي وحقوقي، واطّلعت ميدانياً على وجود عدة سجون غير قانونية أنشأتها الإمارات على مدى سنوات، من دون أي تنسيق مع السلطات اليمنية، في مشهدٍ يكشف اتساع شبكة احتجاز خارج إطار القانون، وما رافقها من انتهاكات ظلت طيّ الكتمان.

وبحسب معمر الإرياني وزير الإعلام والسياحة والثقافة اليمني، فإن هذه السجون «لا تندرج ضمن أي منظومة قانونية أو أمنية تابعة للدولة»، موضحاً أنها «معتقلات خارج إطار سلطة الدولة والقانون والدستور اليمني».

وزير الإعلام والثقافة والسياحي اليمني معمر الإرياني من موقع الضبة بالمكلا (الشرق الأوسط)

وأشار الإرياني، في حديثه أمام 12 معتقلاً سرياً في موقع الضبة، إلى أن «هذا المكان يجسّد ممارسات جرت خارج مؤسسات الدولة الشرعية، ومن دون أي رقابة قانونية أو إدارية»، مؤكداً أن «الدولة لم تفوّض أي طرف، خارجياً كان أو محلياً، بإنشاء مراكز احتجاز أو تعذيب خارج إطار القانون».

ووصف الوزير هذه الممارسات بأنها «تمثّل انتهاكاً صريحاً للدستور اليمني الذي يحصر صلاحيات الاعتقال والتحقيق والاحتجاز في مؤسسات الدولة القانونية والأمنية»، مؤكداً أنها «تشكل أيضاً خرقاً للقانون الدولي والقانون الإنساني».

ووثّقت عدسة «الشرق الأوسط» مشاهد صادمة داخل الموقع، حيث تبيّن أن عدداً من السجون عبارة عن حاويات حديدية مغلقة، متفاوتة الأحجام، في حين لا تتجاوز مساحة بعض الزنازين متراً واحداً في خمسين سنتيمتراً. وعلى جدران تلك الحاويات، ازدحمت كتابات المعتقلين التي اختزلت تفاصيل حياتهم اليومية ومعاناتهم خلف القضبان.

كتابات السجناء ركزت على إبراز كلمة (مظلوم) شعوراً منهم بأن هذه السجون غير شرعية (الشرق الأوسط)

وبدا أن بعض المحتجزين حرصوا على تدوين عدد الأيام التي قضوها في الاعتقال ضمن جداول مرتبة، كأنهم يعدّون الزمن يوماً بيوم، بينما لجأ آخرون إلى كتابة أدعية يتضرعون فيها إلى الله بالتعجيل بالفرج. وفي إحدى الزوايا، لم يجد أحدهم سوى كلمة واحدة يختصر بها ألمه وحنينه: «أمي».

كما بدت على جدران الزنازين آثار دماء وعلامات سياط، في مشاهد تعكس ما تعرّض له المحتجزون داخل تلك الغرف الضيقة. وبين الخوف والأمل، كتب أحدهم بيدٍ مرتجفة: «شهر و10 أيام... وبعدها الفرج»، بينما ترك آخر صرخته محفورة على الجدار: «أنا مظلوم والله شاهد عليَّ... ارحموني يكفي ظلم».

بالعودة للوزير معمر الإرياني أكد أن «ما تقوم به الدولة اليوم هو استعادة سيادة القانون، وليس تصفية حسابات سياسية»، موضحاً أن «فتح هذه المواقع أمام الإعلام المحلي والدولي يأتي في إطار الشفافية، ورسالة واضحة بأن الدولة لا تخشى الحقيقة، بل تسعى إلى توثيقها ومعالجتها قانونياً».

أحدهم كتب كلمة «أمي» في تعبير عاطفي عن شوقه لعائلته في أثناء وجوده في السجن (الشرق الأوسط)

وأضاف الإرياني: «نحن لا نطلب تغطية سياسية، بل دعماً لمسار دولة القانون. لا نقدّم رؤية سياسية، وإنما نعرض مواقع ووقائع ومسؤوليات قانونية».

وفي سياق متصل، كشف مصدر عسكري يمني لـ«الشرق الأوسط» أن معسكر الضبة الواقع في أعلى الجبل، المعروف سابقاً بمعسكر الدفاع الجوي، جرى تسليمه بالكامل إلى قوات الدعم الأمني بقيادة أبو علي الحضرمي.

وأوضح المصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، أن «مجرد توجيه اتهام إلى أي شخص، من دون الاستناد إلى أدلة، كان كفيلاً بزجّه في السجن»، لافتاً إلى أن «من يخرج من تلك المعتقلات لا يعود إلى حالته الطبيعية، بل يكون شخصاً مختلفاً تماماً عمّا كان عليه».

وأضاف المصدر أن «الأمر الأكثر خطورة تمثّل في إطلاق سراح بعض السجناء الذين ثبت تورطهم في عدة جرائم، حيث فوجئنا بتحول بعضهم إلى عملاء مزدوجين بعد الإفراج عنهم من الجانب الإماراتي»، مشيراً إلى أن من بين هؤلاء «عناصر ينتمون إلى تنظيم (القاعدة)».


دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)

أكد دبلوماسي سوري أن تعامل بلاده مع ملف الشمال والشرق جاء انطلاقاً من مبدأ راسخ لا يقبل المساومة يتمثل في وحدة أراضيها وسيادتها، واحتكارها الشرعي لاستخدام السلاح، ومسؤوليتها الكاملة عن حماية المواطنين ومكافحة الإرهاب، بالتوازي مع التزامها الدائم بالحلول السياسية والحوار الوطني خياراً أول لمعالجة جميع القضايا الداخلية.

وقال محسن مهباش، رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض، إن الحكومة اختارت منذ البداية مسار التهدئة والتفاهم مع «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، ووقّعت عدة اتفاقيات واضحة نصّت على وقف إطلاق النار، وعودة مؤسسات الدولة، وتسليم الموارد والمعابر، ودمج المقاتلين ضمن الجيش. وأردف أن هذه الاتفاقيات قوبلت بالمماطلة والنقض المتكرر من قِبل قيادة «قسد»، رغم التزام الدولة الكامل ببنودها، الأمر الذي فاقم حالة عدم الاستقرار وهدَّد أمن المدنيين.

وأضاف الدبلوماسي السوري، في تصريحات صحافية، أنه «في ظل التصعيد الميداني الذي أقدمت عليه (قسد)، بما في ذلك حشدها العسكري شرق حلب، واستهدافها المدن بالمسيّرات، ورفضها الاستجابة للإنذارات الرسمية؛ اضطرت الدولة، وبعد استنفاد جميع السبل السياسية لممارسة حقها السيادي في الدفاع عن أراضيها وأمن شعبها، عبر عملية عسكرية محدودة هدفت حصراً إلى حماية الاستقرار، ومنع تمدد الفوضى والإرهاب، مع الالتزام الكامل بحماية المدنيين، وعدم تهجير أي مكوّن سوري».

وشدَّد على أن ملف سجناء تنظيم «داعش» جرى توظيفه بشكل خطير من قِبل «قسد» بصفته ورقة ابتزاز سياسي وأمني، وصل إلى حد إطلاق سراح عناصر إرهابية، في انتهاك صارخ لمسؤوليات مكافحة الإرهاب، مؤكداً جاهزية الدولة السورية الكاملة لتسلّم هذا الملف، وتأمين مراكز الاحتجاز وفق المعايير الدولية، مُحمّلة «قسد» المسؤولية الكاملة عن أي خرق أمني أو تهديد ناتج عن هذه الممارسات.

وجدّد مهباش تأكيد أن الدولة السورية كانت ولا تزال في مواجهة مباشرة مع «داعش» منذ أكثر من عقد، وخبرتها في مكافحة الإرهاب ميدانية وحقيقية، وليست إدارة أزمات أو تفاهمات ظرفية، مشدداً على أن الجيش العربي السوري هو الضامن الوحيد لوحدة البلاد وأمنها، وسوريا ستواصل بسط سيادتها على كامل أراضيها، وحماية جميع مواطنيها دون تمييز، بما يرسخ الأمن الوطني والإقليمي والدولي على حد سواء.

وأشار إلى أنه جرى الاتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع و«قسد» على مهلة أربعة أيام أمام الأخيرة لوضع آلية دمج عملية، وعدم دخول القوات الحكومية مراكز الحسكة والقامشلي أو القرى الكردية، مع اعتماد أمن محلي، ودمج قوات «قسد» عسكرياً وأمنياً ومدنياً ضمن مؤسسات الدولة، وترشيح ممثلين عنها لمناصب رسمية، بالإضافة لتنفيذ المرسوم رقم 13 لضمان حقوق الكرد، وبدء تنفيذ التفاهم في الساعة الثامنة مساءً، منوهاً بأن ذلك جاء «انطلاقاً من حرص الدولة على وحدة البلاد، وكانت استجابة الحكومة لا مثيل لها».


السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)

يلتقي الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في مدينة دافوس السويسرية، بعد «إشارات ودية» متبادلة بين الجانبين بالفترة الأخيرة.

وأعلنت الرئاسة المصرية، الثلاثاء، أن السيسي وترمب سيعقدان جلسة محادثات على هامش أعمال «منتدى دافوس»، للتباحث بشأن آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب «بحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة، بما يخدم مصالح البلدين، ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي».

وتوجه الرئيس المصري، الثلاثاء، إلى مدينة دافوس، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يُعقد في الفترة من 19 حتى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «روح الحوار».

وسيتضمن جدول مشاركة الرئيس المصري، بـ«منتدى دافوس»، لقاءً مع نظيره الأميركي، للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفق الرئاسة المصرية.

ويعد هذا اللقاء الثاني لمحادثات مباشرة تجمع السيسي وترمب، منذ عودة الرئيس الأميركي للبيت الأبيض قبل عام، وذلك بعد المحادثات التي جمعتهما في مدينة شرم الشيخ المصرية، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على هامش «قمة السلام» بشأن وقف الحرب في غزة.

ويأتي لقاء القمة المرتقب بين الرئيسين المصري والأميركي، بعد إشارات ودية متبادلة في الفترة الأخيرة، حيث بعث ترمب برسالة تقدير إلى السيسي أخيراً، على جهوده الناجحة في الوساطة بين حركة «حماس» وإسرائيل، للوصول لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتضمنت الرسالة رغبة من جانب ترمب لإطلاق وساطة أميركية بين مصر وإثيوبيا «من أجل التوصل إلى حل لأزمة السد الإثيوبي، بما يحقق تسوية عادلة ونهائية لمسألة تقسيم مياه النيل».

وفي المقابل، أشاد الرئيس المصري، برسالة نظيره الأميركي، وقال في تدوينة عبر حسابه الرسمي السبت: «أثمن رسالة الرئيس دونالد ترمب، وجهوده المقدرة في ترسيخ دعائم السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، وما تضمنته من تقدير لدور مصر المحوري في دعم الأمن والاستقرار بالمنطقة»، كما ثمّن السيسي «اهتمام ترمب بمحورية قضية نهر النيل لمصر».

محادثات السيسي وترمب في شرم الشيخ بشهر أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، أن لقاء السيسي وترمب في «دافوس»، «يأتي في توقيت مهم وضروري، ويعكس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين»، وقال إن «المحادثات تتزامن مع بدء تنفيذ المرحلة الثانية من (اتفاق غزة)»، مشيراً إلى أن «هذه المرحلة تعوّل عليها القاهرة، على أساس أن نجاحها، سيفتح الباب للتعامل الإيجابي مع القضية الفلسطينية، وإيجاد حلول عادلة لها».

وهناك تقدير أميركي متواصل للدور الذي تقوم به مصر للتهدئة في الإقليم، وفق تقدير هريدي، مشيراً إلى أن «واشنطن خلال العامين الماضيين، سواء وقت إدارة جو بايدن، أو مع إدارة ترمب الحالية، تدرك مركزية الدور المصري في التعامل مع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وفي تسوية الأزمات الإقليمية».

وفي عدة مناسبات، أطلق ترمب تصريحات ودية تجاه السيسي ومصر التي وصفها بأنها «دولة تسيطر على أمورها جيداً»، واستثناها من زيادة الجمارك التي فرضها على دول أخرى، كما تحدثت تقارير كثيرة موثوقة عن ضغطه على إسرائيل لتمرير صفقة الغاز الأخيرة معها.

وتجاوب ترمب مع رفض مصر تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، دون أن يتخذ موقفاً عدائياً ضد القاهرة، حيث لبى دعوة السيسي للمشاركة في قمة «شرم الشيخ للسلام»، للتوقيع على اتفاق لإنهاء الحرب في غزة.

ويرى السفير حسين هريدي، أن «الولايات المتحدة تعول على السياسة المصرية للتسوية في المنطقة»، مشيراً إلى أن «مصر لا تدعم أي ميليشيا مسلحة تعمل في دول بالمنطقة»، كما أن التحركات المصرية للتهدئة «تمتد إلى منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي أيضاً».

وفي أكثر من مناسبة، تؤكد مصر على استراتيجية علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتحصل القاهرة على مساعدات عسكرية أميركية بقيمة 1.3 مليار دولار، منذ توقيع اتفاق السلام بينها وبين إسرائيل، وأعلنت الخارجية الأميركية، في سبتمبر (أيلول) 2024، عن «موافقة واشنطن على تقديم قيمة المساعدات كاملة» إلى القاهرة.

وهذا هو اللقاء الثاني الذي يجمع السيسي وترمب خلال ثلاثة أشهر، وفق أستاذ السياسات الدولية، أشرف سنجر، الذي قال إن «لقاء (دافوس)، سيكون مهماً للتأكيد على أهمية تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة».

ويرى سنجر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الترتيبات الأمنية والإقليمية التي تقوم بها واشنطن، من الصعب أن تديرها بمفردها، بسبب تعقد المشاكل الإقليمية وتعدد أطرافها»، مشيراً إلى أن «التعاطي مع تلك المشكلات يتطلب تنسيقاً مع أطراف فاعلة في المنطقة مثل مصر».