خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)

روى في مذكرات تنشرها أن صدام «استعرض عضلاته» على الحدود بعد قرار الأسد إرسال قواته باتجاه بيروت

صورة أرشيفية للرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في أحد الاجتماعات (الشرق الأوسط)
صورة أرشيفية للرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في أحد الاجتماعات (الشرق الأوسط)
TT

خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)

صورة أرشيفية للرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في أحد الاجتماعات (الشرق الأوسط)
صورة أرشيفية للرئيس الراحل حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في أحد الاجتماعات (الشرق الأوسط)

يروي نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام، اليوم، في الحلقة الثامنة من مذكراته التي تنشرها «الشرق الأوسط»، اللحظات الحاسمة في التدخل العسكري في لبنان في 1976، والاتصالات التي جرت بين سوريا والدول العربية خلال ذلك لتشكيل قوة الردع العربية، ودور القوات السورية فيها.
ويقول خدام: «أمام إصرار القيادة الفلسطينية والأحزاب اللبنانية المتحالفة على استمرار القتال، ورفض فك الحصار عن زحلة والقرى المسيحية في الشمال اللبناني، وأمام كل ما يمكن أن ينجم من أضرار تصيب الشعب اللبناني وسوريا والعرب، أصبح التدخل العسكري السوري مُلحاً لوقف هذه الحرب القذرة، فتحركت قواتنا واجتازت الحدود اللبنانية في الأول من يونيو (حزيران) عام 1976، في يوم وصول ألكسي كوسيغين، رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي، إلى دمشق».
ويخصص خدام قسماً كبيراً للصراع مع رئيس اللجنة التنفيذية لـ«منظمة التحرير الفلسطينية»، ياسر عرفات (أبو عمار)، في الميدان وفي الأروقة الدبلوماسية، خصوصاً ذلك الاجتماع الذي تزامن مع دخول القوات السورية إلى لبنان، ويقول: «في الأول من يونيو (حزيران) عام 1976، عقد مكتب التنسيق لحركة عدم الانحياز اجتماعاً له في مدينة الجزائر، بحضور عرفات الذي ألقى خطاباً مسرحياً، وتحدث عن مؤامرة أميركية - فرنسية - إسرائيلية ضد الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية في لبنان، وأنه يخشى أن تنفذ بأيدي عربية»، في إشارة إلى سوريا. ويضيف خدام أنه رد على عرفات بصوتٍ عالٍ كي يسمعه الجميع، قائلاً: «كذبت يا ياسر، كعادتك، وأسأت إلى سوريا، وإلى القضية الفلسطينية؛ إنك تمزق لبنان وتمزق الفلسطينيين وتخدم إسرائيل».
خلال مناقشات تعديل الدستور اللبناني لانتخاب رئيس جديد، كان المفهوم من الاتفاق أن يتقدم الرئيس سليمان فرنجية باستقالته، ليمارس الرئيس الجديد إلياس سركيس صلاحياته، ويعمل على إنهاء الحرب وتحقيق المصالحة. ورغم الانتخاب، ظل التوتر قائماً، واستمر إطلاق النار، وتصاعدت حملة الحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط، كما استمرت القيادة الفلسطينية في اللعب بالنار، والتحريض لمنع الوصول إلى وقف جدي للقتال، والبدء بالحوار الوطني لإنهاء الأزمة، وفق الوثيقة الدستورية.
وفي مايو (أيار) من عام 1976، استقبلت كريم بقرادوني حاملاً رسالة من الرئيس سركيس، وأبلغني: «جئت أحمل رسالة من الرئيس سركيس؛ إنه يرى أن أول اتصال له يجب أن يكون مع سوريا لشرح تصوره. يعتقد (سركيس) أن الخطوة الأولى التي ينبغي عليه أن يخطوها هي الحوار السياسي مع الأطراف المتنازعة. وهذا يتم على مرحلتين: الأولى، الطلب من الفرقاء إنهاء القتال. الثانية، عقد مائدة مستديرة يكون هو فيها الحكم الإيجابي».
وأضاف بقرادوني أن الوضع في بيروت «جامد لعدم استطاعة عرفات الحسم، وقد وضع سركيس خطة للعمل، وهو يعتقد أن أمله في النجاح السياسي ضئيل، لكنه رغم ذلك مضطر للقيام بهذا العمل لمصلحة لبنان والمبادرة السورية، وسيجري اتصالات مع جميع الأطراف، وسيبدأ بجنبلاط. وأما نحن في (حزب الكتائب)، فأطلقنا يده دون أي شروط. وهو يرى أن المبادرة السورية يجب أن تستمر مهما كانت نتائج الوفاق السياسي، ويطلب منكم مساعدته لإنجاح الحل السياسي. كما أن سركيس سيجتمع بفرنجية ليتفقا على كيفية الاستلام والتسليم. ونظراً للخوف من إعلان فرنجية استقالته، ومن عدم توفر النصاب لقسم الرئيس سركيس في المجلس النيابي، فتقع البلاد في حالة الفراغ الدستوري، وهذا ما تريده قيادة عرفات وبعض الأطراف اللبنانية، لذلك يجب ترتيب جلسة في المجلس النيابي تعلن فيها الاستقالة، ويجري قسم الرئيس الجديد».
وأردف بقرادوني أنه اقترح «تقديم استقالة الرئيس فرنجية إلى المجلس النيابي، على أن تكون سارية المفعول اعتباراً من أداء الرئيس سركيس اليمين»، فأجبته: «لا يجوز ذلك دستورياً، ولا يجوز أن تكون الاستقالة معلقة، لذلك من الأفضل أن يضع فرنجية استقالته أمام سركيس، ويدعى مجلس النواب إلى جلسة تتلى فيها الاستقالة، ويؤدي الرئيس سركيس القسم الدستوري».
ورغم الجهود المبذولة لتهدئة الوضع، تمهيداً لانتقال الرئاسة من فرنجية إلى سركيس، فإن الجو السياسي بات أكثر سخونة بعد تحالف كل من ريمون إده وكمال جنبلاط وصائب سلام، بالإضافة إلى قوى الأحزاب الوطنية والتقدمية، وإلى ما كان يبذله عرفات وجماعته من جهود لاستمرار توتر الجو، وبالتالي استمرار القتال.
واشتد الضغط العسكري للقوى الفلسطينية وحلفائها اللبنانيين في جبل لبنان وفي بيروت، وتمت مهاجمة بعض القوى المسيحية في الجنوب. كما اشتد الحصار حول مدينة زحلة وقرى مسيحية في عكار، منها القبيات وعندقت. وأصبح لبنان مهدداً باتساع دائرة المذابح الطائفية، ما يوفر أفضل الفرص لإسرائيل للتدخل، وإيجاد حليف لها في الساحة اللبنانية.
ومع تصاعد القتال، قدم جنبلاط اقتراحات، بينها: «وقف النار وقفاً جدياً من غير انسحاب المقاتلين من مواقعهم، والدخول في مفاوضات الطاولة المستديرة دون شروط مسبقة، وانسحاب الجيش السوري تدريجياً، وتحديد جدول أعمال الطاولة المستديرة على النحو التالي: الإصلاح السياسي، وتناول تعديل بعض مواد الدستور والنظام السياسي، وشكل الحكم المقبل ونسبة تمثيل القوى السياسية فيه، وإعادة ترتيب المؤسسات ترتيباً وطنياً، لا طائفياً».
كان واضحاً أن لجنبلاط رؤية لبناء نظام جديد في لبنان، ليتحرر اللبنانيون من النظام الطائفي، ما يشكل ضمانة لبعض شرائح المجتمع اللبناني، وينهي الهيمنة المارونية على قيادة البلاد. وأمام إصرار القيادة الفلسطينية والأحزاب اللبنانية المتحالفة معها على استمرار القتال، ورفض فك الحصار عن زحلة والقرى المسيحية في الشمال، وأمام كل ما يمكن أن ينجم من أضرار تصيب الشعب اللبناني وسوريا والعرب، أصبح ملحاً أن يحصل تدخل عسكري سوري لوقف هذه الحرب القذرة، فتحركت قواتنا إلى الحدود اللبنانية، واجتازت هذه الحدود في الأول من يونيو (حزيران) عام 1976، في يوم وصول ألكسي كوسيغين، رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي، إلى دمشق.
وفي الأول من يونيو (حزيران) عام 1976، عقد مكتب التنسيق لحركة عدم الانحياز اجتماعاً له في مدينة الجزائر، بحضور عرفات الذي ألقى خطاباً مسرحياً، وهذا أبرز ما جاء في ذلك الخطاب: «هناك مؤامرة أميركية - فرنسية - إسرائيلية ضد الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية في لبنان، ويُخشى أن تنفذ بأيدٍ عربية. ستقوم فرنسا باحتلال مناطق الانعزاليين المسيحيين، وتقوم قوى عربية باحتلال المناطق الوطنية لتحجيم الثورة وضربها وضرب ميليشيات الحركة الوطنية».
وبعد انتهاء كلمته، طلبت الكلام، وكان عبد العزيز بوتفليقة، وزير خارجية الجزائر، رئيساً للجلسة، فتجنب إعطائي الكلمة، إدراكاً منه لأني سأرد بقسوة على عرفات. وكعادته، فقد أدرك عرفات أن إتاحة الفرصة لي للرد عليه ستكشف أكاذيبه، فقام بحركة مسرحية في القاعة للسلام على الوفود. وعندما وصل إلي بقيت جالساً، فوقف أمامي قائلاً: «ما بك يا أبا جمال؟». أجبته بصوتٍ عالٍ كي يسمع الجميع: «كذبت يا ياسر، كعادتك، وأسأت إلى سوريا وإلى القضية الفلسطينية؛ إنك تمزق لبنان وتمزق الفلسطينيين، وتخدم إسرائيل. طريقك يا ياسر لن يكون باتجاه العرب، ولكن باتجاه إسرائيل». رد عرفات، قائلاً: «أنتم دخلتم لبنان وتضربوننا»، فأجبته: «سنضرب كل من يحاول التقسيم، وسنحاسب كل من يسفك الدماء؛ لبنان ليس فلسطين. ستدفع ثمناً غالياً لقاء تآمرك على لبنان وفلسطين وسوريا». ترك بوتفليقة مقعده، واتجه نحونا، وحاول تهدئتي، فرفضت مصافحة عرفات.
ونحو الساعة الواحدة ظهراً، حضر إلى جناحي وسطاء، بينهم وزير خارجية ليبيا علي تريكي، واقترحوا تناول الغداء مع عرفات. اشترطت أن يسحب الخطاب، وتعاد صياغته. وفعلاً، كتبنا الصياغة الجديدة، وأرسلناها إلى مقر اللجنة، وسُحِب الخطاب، ومن ثم تناولنا الغداء معاً، حيث تحدثت عن أخطاء «منظمة التحرير»، وما ألحقه قادتها من أضرار بالقضية الفلسطينية وبلبنان، وعن مناوراتهم والكذب الذي كان صفة رئيسية في حديثهم. وكان عرفات «منضبطاً» مؤدباً، فأدركت أن سبب هذا الأدب تقدم قواتنا في الأراضي اللبنانية. وقد ألح عليّ للاتصال بالرئيس لوقف تقدم القوات. وفعلاً، أرسلت برقية إلى دمشق بفحوى ما جرى (...)
دعا التحالف الفلسطيني مع بعض القوى اللبنانية إلى إضراب عام احتجاجاً على دخول القوات السورية إلى لبنان في الثاني من يونيو (حزيران) عام 1976، ومارست الميليشيات الفلسطينية وميليشيات الأحزاب الحليفة لها («الحزب الشيوعي» و«منظمة العمل الشيوعي» و«الحزب السوري القومي» و«المرابطون» وتنظيمات أخرى فرضها عرفات من «فتح») ضغوطاً على أصحاب المتاجر والمحلات للإغلاق تحت طائلة التصفية أو تدمير المتجر، فدفع الخوف الأهالي إلى الإغلاق، وليس إلى الإضراب.
ومن الطبيعي القول إن الإضراب شمل فقط مناطق سيطرة القوى الفلسطينية وحلفائها. أما المناطق الأخرى، فكانت في وضع مختلف، ذلك أن دخول القوات السورية الذي تم بناء على طلب الرئيس فرنجية رفع الحصار عن المناطق المسيحية المهددة، وأبعد عنها الخوف.
وفي الثالث من يونيو (حزيران)، عقدت الحركة الوطنية اللبنانية اجتماعاً برئاسة جنبلاط، وأصدرت بياناً تضمن «اعتبار النجاح الكاسح للإضراب العام الذي شمل كل المناطق اللبنانية دليلاً على موقف الجماهير الرافض للاحتلال العسكري السوري، ولكل تدخل خارجي، وبداية لحملة سياسية شعبية واسعة، داخلية وخارجية، تتصدى للاحتلال، ونفرض الإرادة الوطنية اللبنانية والفلسطينية في وجه قوى التدخل»، كما أعلن «تأييد المبادرة الصادرة عن قائد جيش لبنان العربي بمقاومة الاحتلال، وتأكيد التلاحم بين الحركة الوطنية وجيش لبنان العربي في هذا الموقف الوطني الشجاع»، و«إقرار مذكرة سيجري تقديمها إلى الرئيس المنتخب حول الاحتلال السوري».
وفي الوقت نفسه، وجه قائد جيش لبنان العربي، الملازم أحمد الخطيب، المنشق عن الجيش اللبناني، نداءً للتصدي للجيش السوري.
ورغم هذا الضجيج الإعلامي، فإن مسلحي الفصائل الفلسطينية المرتبطة بعرفات وحلفائهم من الأحزاب اللبنانية كانوا يفرون أمام تقدم قواتنا. وكعادته، أخذ عرفات يصرخ ويستغيث ويحرض، ودعا إلى اجتماع للجامعة العربية، وتحدد الاجتماع في التاسع من يونيو (حزيران).

وفي صباح 9 يونيو (حزيران)، توجهت إلى القاهرة، وكان في استقبالي في المطار مأمون الأتاسي، القائم بأعمال سفارتنا. وبعد أن توقفت الطائرة، صعد إلي وأبلغني أن الاجتماع عقد البارحة، أي في 8 يونيو (حزيران)، وتم تشكيل وفد (للذهاب إلى دمشق)، برئاسة وزير خارجية البحرين محمد بن مبارك بن حمد آل خليفة رئيس الدورة، ووزيري خارجية الجزائر (بوتفليقة) وليبيا (علي التريكي) والأمين العام للجامعة (محمود رياض). طلبتُ من الطيارين إعداد خطة إقلاع فوراً إلى دمشق للقاء الرئيس الأسد، وطلبتُ من الأتاسي الاتصال بدمشق، لإبلاغها عدم استقبال الوفد قبل وصولي.
قبل ذلك، أبلغني الأتاسي نص قرار الاجتماع الوزاري، وضم بنوداً عدة، بينها: «الطلب من جميع الأطراف وقف القتال فوراً»، و«تأليف قوات أمن عربية رمزية، تحت إشراف الأمين العام للجامعة، للحفاظ على الأمن والاستقرار في لبنان، وأن يتم تحريك هذه القوات فوراً لمباشرة عملها، وتحل محل القوات السورية، وتنتهي مهمة الأمن العربي بناء على طلب فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية المنتخب»، وإيفاد بعثة وزارية لدمشق، و«دعوة جميع الأطراف اللبنانية إلى إجراء المصالحة الوطنية الشاملة، بإشراف الرئيس المنتخب، حفاظاً على وحدة الشعب الشقيق، ووحدة ترابه الوطني، وعلى سيادته وأمنه واستقراره»، و«التأكيد على الالتزام العربي بدعم الثورة الفلسطينية، وحمايتها من جميع الأخطار، وتوفير جميع أسباب القوة الفاعلة لها».
وعلمت من الأتاسي أن مشروع القرار قدمه عرفات الذي شن هجوماً على سوريا، وكان خلال الاجتماع يبكي ويقول: «الآن، الطائرات السورية تقصف بيروت، الطائرات السورية تقصف المخيمات، القوات السورية تدمر القرى اللبنانية».
عدت فوراً إلى دمشق، وأبقى مدير مطار دمشق طائرة الوزراء العرب في الجو إلى ما بعد وصولي، فاتصلت بالأسد، وشرحت له ما تم قبل استقبال الوزراء، فرفض (الأسد) مناقشة أي موضوع قبل إعادة عقد مجلس الجامعة، وحضوري والاستماع إلى وجهة نظر سوريا.
اتفقنا على عقد اجتماع في اليوم التالي، أي في 10 يونيو (حزيران). وبالفعل، توجهت إلى مقر الجامعة العربية في القاهرة، ودخلت القاعة، وكان الجو متوتراً، وجماعة عرفات منتشرين والمسدسات تتدلى من أجنابهم. توجه نحوي الشيخ صباح الأحمد، وزير خارجية الكويت، وطلب مني الانتباه لأن الفلسطينيين متوترون، ويخشى أن يصيبني ما أصاب رئيس وزراء الأردن وصفي التل الذي اغتاله فلسطينيون في القاهرة، فأجبته: «أنا لست وصفي التل، وسوريا ليست الأردن؛ لا تقلقوا من هذه المسرحيات. نحن نعرف الإخوان جيداً، هم يريدون إخافتكم لكسب تأييدكم، وهم يعرفون أن مثل هذا اللعب لا يمشي معنا، ويعرفون حجم الثمن، لذلك لا تقلق».
تقدمت خطوات في القاعة، وفوجئت أن بعض الوزراء أداروا ظهورهم وتحاشوا اللقاء بي، وتحاشوا السلام. وعند دخولي، ارتفع صوت عرفات: «أين أبو جمال الحبيب؟ أين أبو جمال الحبيب؟». واتجه نحوي يقبلني على طريقته، فصفق المجتمعون. قبل ساعات، كان يصرخ ويبكي ويشتم القيادة السورية، والآن يتوجه إلى وزير خارجية سوريا بالعناق والقبل.
قلت في الجلسة: «يا ياسر، جئت من دمشق ومعي منديلان لأمسح بهما دموعي من المجازر التي وقعت ضدكم، والتي كنت تتحدث عنها مع الإخوان في الجلسات السابقة. مكانك يا ياسر ليس هنا، وإنما على مسرح الريحاني (في بيروت) لأنك ممثل»، فقاطعني: «أنا أمثل الشعب الفلسطيني». أجبته: «أنت ممثل على خشبة مسرح، وأنت عدو للشعب الفلسطيني. يا ياسر، أنصحك ألا تبصق في الصحن الذي تأكل منه لأنك ستعود وتلعق بصقتك، أساليبك ستدمر القضية الفلسطينية».
ثم التفتُّ إلى الوزراء (...) وطلبت إعادة النظر بالقرار قبل حضوري، بحيث تحذف أي إشارة إلى القوات السورية، ويجري التأكيد على أن عمل هذه القوات يأتي في إطار السيادة اللبنانية. وبعد المناقشة، استجاب المجلس إلى طلبي.
كانت قواتنا قد حققت تقدماً واسعاً، إذ وصلت إلى صوفر، وأصبحت على أبواب بحمدون. تحركت ليبيا، ووصل عبد السلام جلود من ليبيا، يرافقه عبد الكريم بن محمود الوزير الجزائري، واجتمعا إلى الأسد في 12 يونيو (حزيران)، وتم الاتفاق على عدد من النقاط، بينها: «مشاركة سوريا بقوة السلام العربية»، و«الانسحاب من صوفر إلى ضهر البيدر، وكذلك من بيروت والجنوب»، و«الانسحاب الشامل بعد البدء بالحل السياسي».
وفي الساعة الثانية عشرة ليلاً، اتصل بي الأسد، وأطلعني على نقاط الاتفاق، فاعترضت عليها وقلت: «الانسحاب من صوفر إلى ضهر البيدر سيعطي الطرف الفلسطيني مزايا عسكرية يستخدمها في مرحلة تالية لمهاجمة جبل لبنان، واستنزاف قواتنا في البقاع. يجب الانسحاب من بيروت وصيدا، حيث كانت لنا قوات فيها منذ عام 1975، عندما دخلت لحماية بيروت الغربية والضاحية بعد سقوط النبعة والكرنتينا والمسلخ بيد قوات الكتائب. ويجب تدعيم قواتنا في الشمال والبقاع وفي صوفر لأنها نقطة ضغط على جنبلاط».
طلب الأسد الاجتماع مع قائد القوى الجوية ناجي جميل، ورئيس الأركان حكمت الشهابي، لمناقشة الموضوع. وفي 13 يونيو (حزيران)، اجتمعنا في مكتب الشهابي، واتفقنا على رفع رأينا للرئيس الأسد، الذي جاء فيه: «إن سوريا تؤيد العمل على إنجاح مبادرة الجامعة العربية، وتنفيذ القرارات المتخذة، وأن يتم تشكيل القوات العربية المشار إليها بقرارات مجلس الجامعة، وأن تقوم القوات السورية بالانسحاب من بيروت وصيدا، وفور تشكيل القوات العربية تساهم سوريا بهذه القوات بالحجم الذي يتم تحديده من قبل قيادة قوة السلام العربية. تنسحب القوات السورية من لبنان بموجب خطة تضعها الجامعة العربية، بالاتفاق مع السلطات الشرعية في لبنان».
أبلغت الرئيس هذه النقاط بالهاتف، فطلَبَنا للاجتماع، ثم تم الاتفاق على إبلاغ جلود وبن محمود بأننا «نوافق على الاشتراك في قوة السلام العربية، ومستعدون لسحب قواتنا مباشرة من بيروت وصيدا، ومستعدون لسحب قواتنا مباشرة وفوراً من صوفر، وأن انسحاب القوات السورية نهائياً من لبنان مرهون بالحل السياسي».
وبعد ظهر 13 يونيو (حزيران)، توجهت إلى مقر إقامة جلود وبن محمود، حيث كانا مجتمعين مع محمد غنيم من «فتح»، وأحمد جبريل (زعيم الجبهة الشعبية - القيادة العامة حالياً)، وكان جلود منفعلاً يقول: «أنتم لا تريدون حل الأمور، يجب أن تنسجموا، أنتم مخربون، أنتم لا تريدون الحل، وأنا لن أذهب إلى بيروت»، فقلت لجلود: «فعلاً، الإخوان لا يريدون الحل، وبياناتهم تدل على ذلك. عرفات يقول لبعض الوزراء العرب مساعدتكم لسوريا تعني ذبح الفلسطينيين؛ أمر مؤلم أن يقع مثل هذا الانحراف القاتل للقضية الفلسطينية». فحاول جبريل وغنيم الدفاع، فرفضت النقاش معهما.
وفي هذه الأثناء، حضر الرفيق محمد حيدر، وأقنع جلود بالتوجه معاً إلى لبنان للقاء القيادات الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، وعرض النقاط التي اتفقنا عليها مع جلود. وبعد قليل، اتصل عرفات من القاهرة بجلود الذي أبلغه نقاط الاتفاق، فوافق عليها عرفات، وقال إنه سيرسل برقية بالموافقة عليها.
واضح من مجمل المناقشات مع الجانب الفلسطيني أن قيادته لا ترغب في الوصول إلى حل نهائي للمشكلة في لبنان، لا سيما إذا كان هذا الحل سيؤدي إلى استعادة الدولة اللبنانية سلطاتها، لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى اضطرار «منظمة التحرير» وفصائلها للالتزام باتفاقية القاهرة، واحترام سيادة الدولة اللبنانية (...)
ومن أخطر الأخطار التي ارتكبتها قيادات الفصائل الفلسطينية انشغالها في الأمور الداخلية لبعض الأقطار العربية (...) والتورط بالخلافات العربية (...) ومن ذلك استخدام الخلاف بين سوريا والعراق، واستخدام تكوين القيادة العراقية وتوريطها بحشد قوات على الحدود السورية. وقد تعرضتُ لهذا الموضوع خلال بحث علاقاتنا مع العراق.
في تلك الأيام، فعلاً توجهت بعض القوات العراقية إلى الحدود السورية للضغط على سوريا. لكن هذه اللعبة كانت فاشلة بائسة، بالإضافة إلى أنها تعكس تخلف القيادة العراقية وسطحية قراراتها. كما كانت تعكس غباء القيادة الفلسطينية، وانخراطها وتورطها في زج «منظمة التحرير» في مواقع وظروف ألحقت أضراراً كبيرة بالقضية الفلسطينية.
في هذه المناسبة، اتصل بي زيد الرفاعي رئيس وزراء الأردن، في 13 يونيو (حزيران)، وأبلغني أن حشد القوات العراقية على الحدود السورية هو عبارة عن عرض عضلات وتحرك تلفزيوني لتخفيف الضغط في لبنان، ومحاولة تشجيع حركة داخلية في سوريا، وأنه ليست هناك نية لاجتياز الحدود، وأن معلوماته من مصادر أجنبية. شكرت الرفاعي على اتصاله، وأكدت له: «لا قلق لدينا، وإننا نريد تجنب المواجهة بين الجيشين السوري والعراقي، تجنباً لأضرار كبيرة ستصيب البلدين والأمة، لكن إذا تورط الإخوان فإن الرد سيكون قاسياً».
بعد صدور قرار مجلس الجامعة في 10 يونيو (حزيران)، تحرك الأمين العام للجامعة محمود رياض، وزار بيروت، وعاد إلى دمشق في 15 يونيو (حزيران)، واستقبلته في الساعة الثامنة مساءً، وتحدث رياض عن زيارته لسليمان فرنجية رئيس الجمهورية اللبنانية.
وقال إن حصيلة الاجتماع كانت الاتفاق على أن يعطي التصريح التالي: «نتيجة الاجتماع حول قرار الجامعة العربية في 10 يونيو (حزيران)، وبعد الإيضاحات (...) وافق فخامته على هذا القرار، باعتباره مبادرة عربية جماعية. كما أبدى تمسكه بالمبادرة السورية، لما في المبادرتين من أمل في وقف الاقتتال وإحلال السلام».
سألته: «ما أهم النقاط التي دار حولها البحث معهم؟»، فأجابني: «يريدون أن تكمل سوريا مهمتها، ويرون -بل يتصورون- أن أهم أمر هو سحب السلاح من أيدي الفلسطينيين، وبالتالي يمكن سحبه من أيدي جميع المقاتلين، وتسليمه إلى القوة العربية، حتى أن (كميل) شمعون تساءل: لمَ لا تبقى سوريا لِوَحدها ممثلة للجامعة العربية في تنفيذ قرارها؟ وقد أجبته بأن سوريا وافقت على القرار كما صدر، ونحن لا نريد أن نحملها وحدها هذا العبء. وانطباعهم أن الفلسطينيين يرون في القرار انسحاب سوريا نهائياً من مبادرتهم، وهم لا يريدون ذلك أبداً».
تابع رياض: «سألتهم بصراحة: هل هم موافقون على قرار الجامعة أو على المبادرة العربية؟ فكان جوابهم عدم الاعتراض على القرار من حيث المبدأ، لكن لديهم بعض الملاحظات: عن قوة الأمن مثلاً، وافقوا على أن تكون قوة ردع... وأبدوا تحفظاً بالنسبة لاشتراك قوات عربية من بعض الدول العربية، وهي ليبيا والجزائر والعراق واليمن الجنوبي وفلسطين. وقد أجبتهم بأني مفوض من ليبيا بالتصرف، أما الجزائر فلا بد من الاتصال بمسؤوليها». وأضاف أن اللبنانيين «يرون استمرار سوريا في مبادرتها، وفي عدم انسحاب قواتها حتى تنفيذ المقاومة الفلسطينية اتفاق القاهرة تنفيذاً تاماً. فرنجية قال إن ثقته كاملة بالرئيس الأسد وسوريا، وإن أي شيء يراه الأسد سيوافق عليه. وقد أجبته بأننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً إلا عن طريق سوريا، وأنني سأتشاور مع الأسد. وسألته: إذا افترضنا أن سوريا ستسحب قواتها لتضع مكانها قوات عربية في بعض المناطق، كأن تنسحب من صيدا مثلاً وتضع محلها قوات ليبية، فما هو موقفكم؟ أجابني بأنه يترك هذا الأمر للرئيس الأسد يقرره».
قلت: «لا نرى ضرورة لوضع قوات أمن في صيدا لأن المهمة الأساسية لقوات الأمن هي تثبيت الأمن بين المسلمين والمسيحيين، وكذلك بين مختلف الفئات، ولا بد من وجود سلطة لإقرار الأمن ومنع الجرائم التي ينتظر أن تقع بعد وقف إطلاق النار نتيجة لاضطراب الأمن، إذ إن من أبرز مهام هذه القوات تحقيق الاستقرار والأمن». كما سألت: «بشأن حجم القوات، ماذا بحثتم؟ علماً بأنه ليس شرطاً أن يكون حجم القوات متساوياً من الدول المشتركة بها»، فرد رياض: «في نظري أن العمود الفقري هو القوات السورية، أما باقي القوات فيمكن أن تعطى مهام محدودة».
قال الأمين العام: «الموضوع المهم الآن هو التنظيم، لأنني اعتبر أن الأطراف جميعاً وافقت على المبدأ. فعرفات وافق في المجلس، وكان يمثل جميع فئات منظمة التحرير، والجانب المسيحي وافق الآن، وحتى الرئيس المنتخب سركيس والرئيس فرنجية أكدا أنهما متفقان تماماً».
واقترح الأمين العام «التفكير بفتح طريق دمشق - بيروت كي تمر به القوات العربية (...)»، فأجبت: «سأبحث جميع هذه الأمور مساء اليوم مع الرئيس، ويمكننا أن نعقد غداً اجتماعاً يضم الإخوة العسكريين بهدف وضع تصورات كاملة لميكانيكية العمل».
واستقبلت في الساعة الحادية عشرة مساء العقيد أنطوان دحداح، مدير الأمن العام اللبناني، وطرحت عليه موضوع الانسحاب من بيروت، حيث كانت تتمركز كتيبة من الوحدات الخاصة في منطقة المطار، بالإضافة إلى إجراء الاتصال الجغرافي بين قواتنا والمناطق المسيحية، فأجاب بأن الانسحاب من بيروت كارثة، وأن وضعهم الدفاعي جيد، لكن لا يستطيعون القيام بهجوم؛ الجيش «فارط»، ولكن الأحزاب هي التي تقاتل، وأنهم اشتروا ذخائر وأسلحة جديدة وهاون 160، ويرفضون التدخل العربي، ويريدون استمرار مبادرة سوريا وعملها.
ومن الجدير بالذكر أن الحكومات الأوروبية، لا سيما فرنسا، لم تكن متفهمة لسياستنا في لبنان، رغم أن دخولنا الأراضي اللبنانية قد أوقف مجازر دامية، وشكل وقفاً للضغط على الجانب الماروني الذي تربطه بفرنسا علاقات قوية. وخلال زيارة الأسد إلى باريس في 17 يونيو (حزيران)، كان لبنان الموضوع الرئيسي في المحادثات مع الرئيس (فاليري) جيسكار ديستان.

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)
خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)

خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)

اتخذت الرئاسة الصومالية خطوةً جديدةً تجاه «حركة الشباب» المتشددة، بإعلانها العفو عن «الشباب المضلَّل» الذي انخرط في صفوف الحركة، وذلك حال تخليهم عن الفكر المتطرف.

تلك الخطوة يراها خبير صومالي متخصص في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعزز فرص تضييق الخناق على «حركة الشباب» شريطة أن تتوفر شروط عدة منها الدمج وإعادة التأهيل.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية، الاثنين، بأن رئيس البلاد حسن شيخ محمود «قرر إصدار عفو عن الشبان الذين تم تضليلهم بالفكر المتطرف في صفوف ميليشيات الخوارج (مصطلح يطلق محلياً على حركة الشباب) في حال تخليهم عن الفكر المتطرف»، مضيفاً أن الدولة ستوفر لهم حياة جديدة وفرصاً لبناء مستقبلهم، ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع.

يأتي ذلك بينما يشن الجيش الوطني عملية عسكرية مخططة تستهدف «فلول ميليشيات الخوارج التي تتحصن في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى، في إطار الجهود المتواصلة الهادفة إلى القضاء على الإرهاب»، حسب ما نقلته الوكالة الأحد.

استهداف مسلحين تابعين لـ«حركة الشباب» في إقليم هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

ويستضيف الصومال بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار، المعروفة باسم «أوصوم»، التي بدأت عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

ويرى الباحث في الشأن الصومالي عبد الولي جامع بري أن العفو الذي أعلنه شيخ محمود «يمكن قراءته من ثلاث زوايا: أمنية، واجتماعية، واستراتيجية. وهو أداة مهمة، لكن نجاحه ليس مضموناً ما لم يُدعم بسياسات مكملة».

وأضاف أن العفو في حد ذاته خطوة إيجابية «لفتح باب العودة، خاصة وأن كثيراً من الشباب انضموا تحت التضليل أو الإكراه، وأن إيجاد مخرج آمن يشجع المنشقين على ترك التنظيم، فضلاً عن كونها رسالة إنسانية وسياسية تُظهر أن الدولة تفرّق بين القيادات المتشددة والشباب المغرر بهم، وتعزز صورة الحكومة كجهة حاضنة لا انتقامية».

يأتي ذلك وسط تصاعد عمليات «حركة الشباب»، حيث قال «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف» إن «نذير الخطر الإرهابي يتصاعد على امتداد الحدود الصومالية - الكينية خلال شهر رمضان، في ظل استراتيجية دموية تنتهجها (حركة الشباب) لترهيب المدنيين وتنفيذ ضربات عابرة للحدود».

وأوضح المرصد في بيان، الاثنين، أن «هذا التصعيد الميداني بدأ ليلة السبت الماضي، حين نفذت عناصر الحركة الإرهابية إعدامات رمياً بالرصاص بحق 10 مدنيين في منطقتي بوالي بجوبا الوسطى وكونيا بارو بشبيلي السفلى جنوب الصومال»، لافتاً إلى أن الحركة تضاعف نشاطها في هذا التوقيت لاستغلال الشعور الديني العام في رمضان.

ويرى بري أن الحركة تستغل الأجواء الدينية، «لذا فإن قرار العفو وحده لا يكفي إذا لم يُربط ببرامج إعادة تأهيل حقيقية، لكي ينجح في محاصرة (حركة الشباب) عبر استمرار النصيحة الدينية والفكرية والدمج الاقتصادي ومتابعة أمنية ذكية».

Your Premium trial has ended


الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.