خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

روى عبر مذكراته في «الشرق الأوسط» أنه نصح الحريري بمغادرة لبنان سريعاً والاستقالة من الخارج

رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والرئيس إميل لحود في أكتوبر 2004 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والرئيس إميل لحود في أكتوبر 2004 (أ.ف.ب)
TT

خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والرئيس إميل لحود في أكتوبر 2004 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والرئيس إميل لحود في أكتوبر 2004 (أ.ف.ب)

يكشف نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام في حلقة اليوم، من مذكراته، تفاصيل قرار الرئيس بشار الأسد التمديد للرئيس اللبناني إميل لحود والاتصالات التي جرت وقتذاك مع رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري لإقناعه بالموافقة على التمديد.
ويقول خدام إن موضوع التمديد للحود كان في 2004. «يشغل الرأي العام اللبناني المنقسم، بين أكثرية ساحقة معارضة للتمديد وأقلية مؤيدة، إضافة إلى رفض دولي شامل لمسألة التمديد، عزّزه لقاء بين الرئيسين، الأميركي جورج بوش والفرنسي جاك شيراك، في يونيو (حزيران) من عام 2004، بمناسبة ذكرى الإنزال الأميركي على شاطئ النورماندي لتحرير فرنسا من النازية، حيث أكدا رفضهما القاطع لموضوع التمديد للرئيس لحود، وندّدا بالتدخل السوري في الشؤون اللبنانية».
ويشير إلى أنه مع اتساع «حملة المعارضة للتمديد لبنانياً وعربياً ودولياً، وترافق كل ذلك بدعوات لوقف التدخل السوري في لبنان وانسحاب القوات السورية»، كان واضحاً أمامه أن «أي موقف غير عقلاني من النظام في سوريا، سيؤدي إلى أضرار كبرى تلحق بالبلاد». ويضيف خدام: «كنت أحاول في كل لقاءاتي مع الدكتور بشار الأسد إقناعه بخطورة التمديد».
ويتحدث خدام بالتفصيل عن لقاءاته مع الرئيس الأسد لإقناعه بعدم التمديد ثم الطلب من لحود تقديم استقالته ورعاية سوريا لحوار وطني لبناني. ويتوقف عند لقاء الأسد والحريري في 22 سبتمبر (أيلول) 2004، حيث أكد الأسد للحريري حرص سوريا عليه، فأثنى على تعاونه مع سوريا، ولا سيما قبوله بالتمديد، و«لن أقبل أي كلام يأتيني من أي جهة عنك، وسأرميه في سلة المهملات»، وأكد أنه سيلتقي بالرئيس الحريري مرة في الشهر على الأقل، وأنه سيدعم الحكومة التي سيشكّلها، وليس لديه مرشّح سوى سليمان فرنجية.
ويضيف أن الحريري خرج «مرتاحاً» من اللقاء، لكن المفاجأة كانت أن وزير الخارجية السوري السابق فاروق الشرع، قال في اجتماع حزبي إن تشكيل الحريري للحكومة «غير وارد، لأنه متآمر على سوريا مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك». وهنا نص الحلقة الثانية من مذكرات خدام:
كان موضوع التمديد للعماد إميل لحود يشغل الرأي العام اللبناني المنقسم، بين أكثرية ساحقة معارضة للتمديد وبين أقلية مؤيدة له، إضافة إلى رفض دولي شامل لمسألة التمديد، عزّزه لقاء بين الرئيسين، الأميركي جورج بوش والفرنسي جاك شيراك، في يونيو (حزيران) من عام 2004. بمناسبة ذكرى الإنزال الأميركي على شاطئ النورماندي لتحرير فرنسا من النازية، حيث أكدا رفضهما القاطع لموضوع التمديد للرئيس لحود، وندّدا بالتدخل السوري في الشؤون اللبنانية.
اتسعت حملة المعارضة للتمديد لبنانياً وعربياً ودولياً، وترافق كل ذلك بدعوات لوقف التدخل السوري في لبنان وانسحاب القوات السورية.
وكان واضحاً أمامي أن أي موقف غير عقلاني من النظام في سوريا، سيؤدي إلى أضرار كبرى تلحق بالبلاد. لذلك، كنت أحاول في كل لقاءاتي مع الدكتور بشار الأسد إقناعه بخطورة التمديد، لا سيما بعد الضغوط الكبرى التي مارسها على رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري، إذ استدعاه في شهر يوليو (تموز)، بحضور اللواء غازي كنعان والعميد رستم غزالة والعقيد محمد خلوف، وقد أدت قسوة الكلام إلى ارتفاع ضغط الحريري وإصابته بنزيف في أنفه.
في صباح ذلك اليوم، كان لي موعد مع الدكتور بشار. وعندما ذهبت إليه، كان منفعلاً ومتوتراً، وقال: «كان لدي رفيق الحريري، واستقبلته الساعة السابعة والنصف صباحاً، وقلت له كلاماً واضحاً وصريحاً وبحضور الضباط، وأبلغته أنه من غير المسموح له العمل على مجيء رئيس للجمهورية، فأنا الذي أختار، ومن يخالفني سأكسر عظمه».
فوجئت بالحديث، وقلت له: «ماذا فعلت؟، أنت تتحدث مع رئيس وزراء لبنان الذي يمثّل المسلمين في لبنان. هل حسبت صدى كلامك إذا انتشر؟ وهل حسبت نتائج مثل هذا الكلام؟ لقد عملنا خلال سنوات طويلة ليكون لرئيس الحكومة ولرئيس المجلس النيابي دور أساسي، وأنت تعمل من أجل إميل لحود على إضعاف هذا الدور. ليس لك مصلحة في ذلك. وكيف تخاطب رئيس وزراء بحضور هؤلاء الضباط؟ ما مصلحتك ومصلحة البلد بتحجيم رئيس الوزراء أو رئيس المجلس النيابي؟». هنا هدأ، وقال: «وجّه دعوة للرئيس الحريري لزيارتك، واعمل على مسح ما ترتّب من لقائي». أجبته: «سأفعل ذلك».
بالفعل، اتصلتُ بالرئيس الحريري هاتفياً، وعاتبته على أنه جاء إلى دمشق ولم يتصل بي. وقلت: «انتظرك أن تأتي إلى دمشق خلال أيام»، فأجابني: «كانت ظروفي سيئة جداً، لذلك لم أتصل بك، وبعد تلك الزيارة لن أزور دمشق».
تناقشت معه طويلاً، وبنهاية النقاش اقتنع بأن يزورني في بلودان (قرب دمشق). وبالفعل، استقبلته يوم الخميس، وحدّثني عما حصل معه، وكان مجروحاً، وقال: «لا أنسى لقائي مع بشار الأسد ما دمت حياً». تدخّلت مقاطعاً إياه: «أنت رجل سياسي، ولا يجب أن تأخذ الأمور بهذا الشكل، والرجل عندما حدّثك كان منفعلاً، وقد اجتمعت به يوم لقائك، وحدّثني وتناقشنا في الموضوع، وشعرتُ أنه متألم من انفعاله». قلت له: «خذ الأمر برويّة». وفعلاً، حاولت بهذا الحديث التخفيف من حدة التوترات بينه وبين الدكتور بشار الأسد.
في 18 أغسطس (آب) عام 2004، اجتمعتُ بالرئيس الأسد لأودّعه بمناسبة سفري إلى فرنسا لإجراء فحوصاتي الطبية السنوية، وخلال ذلك اللقاء ناقشنا موضوع التمديد للعماد لحود، وسألته: «إلى أين وصل هذا الأمر؟»، فأجابني: «قررتُ عدم التمديد. لا أحد في العالم موافق عليه، والدول العربية غير موافقة، وغالبية اللبنانيين معترضون، وأبلغتُ الرئيس لحود أن لا نية لدينا في التمديد له، والرجل عرف موقفنا بشكل واضح».
علّقت على كلامه، قائلاً: «أتمنى ألا يحاول أحد دفعك إلى تغيير موقفك. أنت لا تستطيع أن تتحمّل عواقب التمديد، وسوريا لا تستطيع أن تتحمل ما يمكن أن يحدث بسبب التمديد»، فأجابني: «لقد كنتُ حازماً مع الرئيس لحود في هذا الأمر». ودّعته وانصرفت.
بعد بضعة أيام، وأثناء وجودي في فرنسا، اتصل بي الرئيس الحريري وأبلغني أن الدكتور بشار غيّر رأيه فيما يتعلق بالتمديد، واستدعاه إلى دمشق، وكانت المقابلة قصيرة، وكان الأسد متوتّراً، وأبلغه أنه قرر دعم التمديد للعماد لحود، كما قال له: «عليك أن تحدد موقفك: هل أنت مع سوريا أو ضدها؟»، اذهب وفكّر في الموضوع وأبلغني قرارك بالموافقة أو الرفض». وتابع الرئيس الحريري في اتصاله معي: «أريد نصيحتك». فسألته: «هل اجتمعت إلى وليد جنبلاط؟ وماذا كان رأيه؟»، فأجابني: «اجتمعت به ونصحني بالموافقة على التمديد ثم الاستقالة بعد ذلك». فقلت له: «أنت لا تستطيع أن تتحمل نتائج الرفض، نصيحة وليد لك صحيحة. من الأفضل أن توافق، وبعدها تغادر لبنان وتعلن استقالتك من الخارج».
أبلغ الرئيس الحريري العميد رستم الغزالي بموافقته، وغادر إلى جزيرة سردينيا للقاء عائلته هناك. وبعد أيام اتصل بي، وكنت لا أزال في فرنسا، وسألني: «إذا عدت إلى لبنان، هل هناك خطر على حياتي؟»، فأجبته: «لقد وافقتَ على كل ما طلبه منك الدكتور بشار الأسد، ولا يزال بحاجة لك، لأن تعديل الدستور لم يتم بعد. ولكن، كما نصحتُك، بعد الانتهاء من الإجراءات غادر لبنان مباشرة وأعلن استقالتك».
في تلك الفترة، نشطت الدول الأوروبية لعقد اجتماع لمجلس الأمن واتخاذ قرارات حول لبنان والوجود السوري فيه، واتفقت تلك الدول على صيغة للمشروع، ورتّبت الوضع في مجلس الأمن. وقد تم تحديد موعد لعقد جلسة مجلس الأمن في تلك الظروف.
طلب الأسد من وزير الخارجية فاروق الشرع الاتصال بوزير خارجية إسبانيا ميغيل أنخيل موراتيونوس، وطلب منه مساعدة سوريا مع الدول الغربية لإلغاء جلسة مجلس الأمن، وأن سوريا ستعمل على إلغاء التمديد للرئيس لحود وإجراء انتخابات رئاسية جديدة.
اتصل الشرع بنظيره الإسباني وعرض عليه الموضوع، فطلب الوزير الإسباني من الشرع أن يطلب من رئيسه الاتصال برئيس وزراء إسبانيا خوسيه لويس ثاباتيرو. وبالفعل، اتصل الأسد به، متمنياً عليه المساعدة في إلغاء جلسة مجلس الأمن، وأبلغه أن سوريا جاهزة للعمل على إجراء انتخابات رئاسية جديدة والتخلي عن التمديد للحود.
بذل رئيس وزراء إسبانيا جهوداً كبيرة مع الرئيس الأميركي جورج بوش، ورئيس وزراء بريطانيا توني بلير، والرئيس الفرنسي جاك شيراك. وبعد خمس ساعات من الاتصالات، تمت الموافقة على إلغاء جلسة مجلس الأمن إذا نفّذ الجانب السوري التزامه.
اتصل موراتينوس بالشرع، وأبلغه موافقة الدول الغربية على الاقتراح السوري، وتمنى عليه أن يتصل الجانب السوري برئيس المجلس النيابي نبيه بري لإلغاء جلسة المجلس النيابي المخصصة لتعديل الدستور. فأجابه الوزير الشرع: «لبنان دولة مستقلة، ولا علاقة لنا بالأمر. اتصل أنت بالرئيس نبيه بري».
فوجئ الوزير الإسباني بهذا الجواب، ومع ذلك اتصل مواتينوس بالرئيس نبيه بري، وعرض عليه ما جرى، وكان جواب بري: «إن لبنان دولة مستقلة ذات سيادة، ولا علاقة لسوريا بهذا الموضوع».
وفي 2 سبتمبر (أيلول)، اجتمع مجلس الأمن وأصدر القرار 1559. الذي تضمّن قراراً يدعو سوريا إلى سحب قواتها من لبنان، وعدم التدخّل في شؤونه الداخلية. كما تضمّن دعوة لبنان إلى إجراء انتخابات رئاسية دون تدخّل خارجي. وأكد القرار على استقلال وسيادة لبنان وإنهاء التنظيمات المسلّحة غير الحكومية. وصدر القرار وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهكذا أصبح النظام في سوريا تحت رقابة مجلس الأمن.
أسئلة كثيرة طرحت نفسها آنذاك: لماذا غيّر الدكتور بشار الأسد قراره باتجاه دعم التمديد للعماد لحود؟ ثم، لماذا غيّر قراره باتجاه عدم التمديد للحود وتوسّط إسبانيا، وبعد خمس ساعات غيّر قراره وعاد إلى تبنّي التمديد للعماد لحود؟ هل الأمر ناجم عن ضغوط من قبل قريبين منه كان لهم حجم كبير من المصالح في لبنان؟ أم أنه ناجم عن أمور ذات صلة بأجهزة الأمن في لبنان، الشريكة في النظام الأمني؟ أم أن الموضوع مجرد انفعالات شخصية ناجمة عن حالات من الخوف والتردُّد تحكّمت بقراره؟

عدت من فرنسا في الخامس من سبتمبر (أيلول) 2004. وفي اليوم التالي، استقبلني الرئيس الأسد، وبعد حديث قصير عن فحوصاتي الطبية، تحدث عن لقائه مع عضو الكونغرس الأميركي داريل عيسى، الذي أبدى استعداده لبذل الجهود لتحسين العلاقات السورية - الأميركية، ثم تحدث عن لقائه مع مارتن إنديك، المستشار الأمني السابق للرئيس الأميركي بيل كلينتون، الذي انتقد بشدة سياسة الرئيس جورج بوش.
فعلّقتُ قائلاً: «ليس للاثنين دور في صنع السياسة الأميركية»، ثم تابع: «سيأتينا وفد أميركي كبير برئاسة وليم بيرنز، مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط». وأضاف: «الولايات المتحدة الأميركية لا يهمها لبنان، وإنما العراق». فعقّبت على كلامه، أن هذا الوفد «سيطلب من سوريا وقف التدخل في العراق وتسليم جماعة صدام حسين وإعادة الأموال العراقية إلى حكومة بغداد».
سألني: «هل كنت تتابع الأخبار؟»، فأجبته: «نعم، وقناعتي وقراءتي للوضع أن سوريا كانت على طرف دائرة الخطر، فأصبحت الآن في قلبها. وقد فوجئت عندما أبلغني الرئيس رفيق الحريري باتصالك معه، وأنك أبلغته قرارك بالتمديد للعماد لحود، علماً بأنك أكدت لي رفضك للتمديد». أجابني: «جاءتنا معلومات بأن الولايات المتحدة وفرنسا اتفقتا على إخراج سوريا من لبنان، وأن الحريري لعب دوراً كبيراً في هذا الاتفاق». أجبته: «أستغرب ذلك. هل يُعقل أن يكون للحريري دور في تحديد سياسة الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا في الشرق الأوسط؟ لقد أبلغني الحريري بعد اتصالك به أنه رغم عدم قناعته بعدم التمديد فإنه سيوافق، ولا يريد أن يتخذ موقفاً يؤدي إلى هزيمة سوريا في لبنان. الموقف الأميركي متوقّع لأسباب تتعلق بالعراق من جهة، وبالصراع العربي - الإسرائيلي من جهة ثانية، أما فرنسا فقد كانت دائماً تساند سوريا، غير أنك تذكر مشكلة عقد الغاز وما جرى خلال زيارتي الأخيرة لفرنسا ومحاولة الرئيس شيراك احتواء المشكلة، وذلك بدعوتي لزيارة فرنسا، لكنك رفضت، وقد تم إبلاغ سفيرتنا في باريس، صبا ناصر، أن الرئيس الأسد هو الذي منع نائب الرئيس عبد الحليم خدام من قبول دعوة الرئيس شيراك. إن الموقف الفرنسي تغيّر بعد استبعاد الشركة الفرنسية وإعطاء العقد لشركة كندية، أحد مالكيها شركة نفط أميركية كبرى».
سألني الأسد: «أيهما أفضل: التركيز على العلاقات الأميركية - السورية أم العلاقات السورية - الأوروبية؟»، فأجبته: «الولايات المتحدة الأميركية هي القوة الأكثر تأثيراً في العالم، ومن الناحية النظرية فإن التركيز على العلاقات معها أفضل، ولكن العقبة الكبرى هي موقع إسرائيل في السياسة الأميركية. أما بالنسبة لأوروبا فإن تأثيرها محدود، ولكن العمل معها أكثر سهولة من العمل مع الأميركيين».
قال الأسد: «طلبتُ من الشرع القيام بزيارات إلى دول أوروبية عدة، وشرح وجهة نظرنا، وأن يطلب من وزير الخارجية الإسباني المساعدة في ترتيب الزيارات»، فأجبته: «إسبانيا لا تستطيع أن تنفصل في سياستها عن الاتحاد الأوروبي، والسفير الإسباني في الأمم المتحدة كان يرأس مجلس الأمن عندما أقر القرار 1559. ونصيحتي عدم القيام بهذه الزيارة والزيارات الأخرى، لأن أوروبا في حالة احتقان ضدنا».
وهنا قلت له: «كيف يمكن لهذا الطاقم أن يشرح وجهة نظرنا في حين يصرّح كل من الشرع ووزير الإعلام أحمد الحسن وبشرى كنفاني مديرة الإعلام في وزارة الخارجية بعد صدور القرار 1559 أنه يشكل انتصاراً لسوريا؟».
سألني الأسد: «متى كان ذلك؟»، فأجبته: «بعد صدور القرار 1559. والمواطن يصدّق مَن؟ هل يصدّق هؤلاء أم يصدق حلفاء سوريا في لبنان الذين اعتبروا القرار 1559 تآمراً على سوريا وعلى لبنان؟». في الواقع، لقد فوجئ الدكتور بشار بتلك التصريحات وأبدى امتعاضه.
انتقلنا إلى الحديث عن انعكاسات ذلك القرار، ووجهة نظري حول كيفية التعامل مع الموضوع، فأجبته: «الأمر السليم تقديم الرئيس لحود استقالته وانتخاب رئيس جديد. لكن، قد يكون في هذا الأمر صعوبة لك وللرئيس لحود، وتتسارع بعدها التطورات. ولذلك، فالحل الآخر الذي يقلل الخسائر يتطلب تقديم تنازلات للمصالحة مع الجانب المسيحي والحوار مع البطريرك صفير ومع قرنة شهوان، بدعوتهم كمجموعة أشخاص، ومن هؤلاء بطرس حرب وفارس سعيد ونسيب لحود، إضافة إلى توجيه رسالة تطمين للرئيس أمين الجميل الموجود في فرنسا». وقلت: «يجب أن تتولى شخصياً عملية الحوار».
سألني الأسد: «الآخرون ممكن دعوتهم، كيف يكون الحوار مع البطريرك؟»، فأجبته: «أقترح دعوة الرئيس نبيه بري والرئيس رفيق الحريري والسيد حسن نصر الله والسيد وليد جنبلاط بعد المصالحة معه، ونفوّضهم الحوار مع الجانب المسيحي وفي مقدمتهم البطريرك صفير، على أن يوافق الجانب الإسلامي على تشكيل حكومة اتحاد وطني بالتساوي بين الجانبين، وتكون لها مهمة واحدة هي وضع قانون انتخابات يرضى عنه الجانب المسيحي، ويلي ذلك إجراء الانتخابات في البلاد، وعندئذٍ يأتي مجلس لا يستطيع أحد أن يطعن بشرعيته».
وقلت: «معلوماتي أن الجانب المسيحي لا يسعى إلى تدمير العلاقات مع سوريا، وإنما إلى علاقات متوازنة تؤدي إلى إنهاء الممارسات التي تقوم بها أجهزة الأمن السورية في لبنان. تعامل الأجهزة مع اللبنانيين أكثر سوءاً من تعامل الأجنبي الذي حكم لبنان في الماضي. عندما يجرؤ رئيس فرع الأمن على توجيه الشتائم إلى المجلس النيابي ورئيس الحكومة، وكلاهما صديق لسوريا، فتصور تعامله مع الآخرين». قال: «الجانب المسيحي يريد قانون انتخابات على أساس القضاء، وأنا موافق على ذلك». تابعتُ حديثي: «السير في هذا الطريق يضمن مصالح سوريا، كما يساعد في إقامة علاقات حقيقية مع جميع الأطراف اللبنانية».
تطرق الحديث إلى وضع جنبلاط، فانتقده الدكتور بشار بشدة بسبب موقفه من التمديد للعماد لحود. وكان ردي على انتقاده أن «جنبلاط كان أجرأ من غيره في التعبير عن موقفه، ولو تُرك النواب لخيارهم لما تم تعديل الدستور. يجب ألا ننسى تاريخ جنبلاط ووقوفه معنا، وليس لسوريا مصلحة في خسارته»، فوافق على إبداء المرونة معه، كما وافق على استقباله.
خرجتُ من اللقاء متوقّعاً أن الدكتور بشار سيخطو خطوات فاعلة باتجاه المصالحة.
استقبلتُ في مساء الثلاثاء في 21 سبتمبر (أيلول) 2004 رفيق الحريري، وكان متوتراً بسبب جلسة مجلس الوزراء اللبناني، حيث لم يلتزم الرئيس لحود بالاتفاق على إقرار عدد من المواضيع التي سبق الاتفاق عليها، ومنها استملاك أراضي في بيروت لبناء المدارس. وبعد استعراض مراحل التعاون بينه وبين الحكم في سوريا، تحدث عن موافقته على قرار تعديل الدستور رغم عدم قناعته، وأن التعديل كان مرفوضاً شعبياً وعربياً ودولياً، وأكد أنه لا إمكانية للتعاون مع لحود، وليس من مصلحة سوريا أن يشكّل الحكومة لأن الوضع سيء، وسيزداد سوءاً، وقال إنه سيبقى مع سوريا داخل لبنان وخارجه، وهو ابن صيدا المسلم والعربي، ولا يمكن أن يخطو أي خطوة تؤذي سوريا أو تكسر شوكتها في لبنان. وشكا بمرارة من ممارسات أجهزة الأمن السوري واللبناني، وأكد أن الرفض الشعبي هو بسبب تلك الممارسات.
بعد أن أنهى عرض موقفه، أخذتُ الحديث، وقلت: «أنا معك بعدم تشكيل الحكومة إذا استمرت الظروف السابقة من الممارسات على الحكومة، كما على غرار الحكومات السابقة». سألته: «كيف يمكن تجاوز الوضع في لبنان؟»، فأبدى تشاؤماً من الوضع العام في البلد وعدم الثقة بالرئيس لحود. سألته: «إذا توافرت الشروط، ألا يَسهُل تجاوز الوضع؟»، فأجاب: «ممكن، لكن بصعوبة». سألته: «كيف؟»، فأجاب: «لا بد من حكومة تتمتع بمصداقية أمام الناس وأن يكون لها برنامج، وأن يوضع قانون انتخاب جديد، وأن تتوقف الممارسات الخاطئة، وأن يطبّق اتفاق الطائف».
أجبته: «أتفق معك تماماً. أولاً، لا بد من الحوار مع المعارضة المسيحية وعلى رأسها البطريرك صفير، ولا بد من تشكيل حكومة اتحاد وطني تضم ممثلين عن المعارضة المسيحية، أمثال بطرس حرب ونسيب لحود وفارس سعيد، ويترك للمعارضة اختيار ممثليها، ومهمة هذه الحكومة وضع قانون انتخابات عادل والإشراف على إجراء الانتخابات».
وهنا سألت الحريري: «كيف تتصور قانون الانتخابات؟». أجاب: «المعارضة المسيحية تريد الدائرة الصغيرة وجنبلاط يحبّذ ذلك». فعقّبت: «إن الدائرة الصغيرة تأتي بالتطرف، والدستور تبنّى المحافظة كدائرة انتخابية». أجابني: «هذا صحيح، لكن لا بد من وجود صيغة توفّق بين مطلب المعارضة المسيحية وبين الدستور».
اتفقنا على التمسّك بما ورد في الطائف، مع إعادة النظر بالتقسيمات الإدارية. ونظراً لأن الشمال والجنوب والبقاع قُسِّما إلى محافظتين، يمكن تقسيم محافظة جبل لبنان إلى محافظتين: الأولى، تضم المتن الشمالي وكسروان وجبيل، والثانية تضم المتن الجنوبي وعاليه والشوف. أما بيروت فتبقى محافظة واحدة.
أكد الحريري على ضرورة تمثيل جنبلاط والمعارضة المسيحية، كما أكد صعوبة تشكيل حكومة في غياب هذه المشاركة. وافقته في وجهة نظره أن هذه الحكومة ستكون حكومة انتقالية مؤقتة بسبب قرب الانتخابات التي ستجري بعد أشهر، وبعدها ستأتي حكومة في ضوء نتائج الانتخابات، بالإضافة إلى ذلك، فإن حكومة وحدة وطنية تعطي مصداقية للانتخابات.
ومن الأمور التي أكد عليها الحريري، مسألة تجاوز رئيس الجمهورية للدستور واتفاق الطائف، بإصراره على ترؤس جلسات مجلس الوزراء، فوافقته على عدم جواز ذلك، وأبلغته أني سأعرض على الرئيس الأسد مناقشاتنا، وتركته وذهبت إلى غرفة ثانية، وعرضت تفاصيل المناقشات، وناقشنا إيجابياتها، وكان رد الرئيس الأسد على النحو التالي:
«أولاً، الموافقة على حكومة الوحدة الوطنية ومشاركة المعارضة المسيحية وجنبلاط.
ثانياً، أيد وجهة نظرنا حول التمسك بالطائف، لا سيما بالنسبة لقانون الانتخابات.
ثالثاً، أكد عدم جواز ترؤس رئيس الجمهورية إلا في الحالات الوارد ذكرها في اتفاق الطائف وفي الدستور، أي عند مناقشة قضايا كبرى تتعلق بالبلاد».
سألني الرئيس الأسد: «هل الرئيس الحريري ملتزم بذلك؟». أجبته: «نعم».
وفيما يتعلق بجلسة مجلس الوزراء الأخيرة، أبدى الدكتور بشار استياءه من تصرفات الرئيس لحود، وأبلغني أنه أرسل له رسالة بهذا الخصوص.
في يوم 22 سبتمبر (أيلول) 2004، استقبل الدكتور بشار في دمشق الحريري، وجرت مناقشة كل المواضيع المشار إليها، وتمت الموافقة عليها. وأكد الأسد للحريري حرص سوريا عليه، فأثنى على تعاونه مع سوريا، ولا سيما قبوله بالتمديد للرئيس لحود. وهنا كرر الرئيس الحريري ما كان قاله لي حول موقفه من سوريا. قال الأسد: «لن أقبل أي كلام يأتيني من أي جهة عنك، وسأرميه في سلة المهملات»، وأكد أنه سيلتقي بالرئيس الحريري مرة في الشهر على الأقل، وأنه سيدعم الحكومة التي سيشكّلها، وليس لديه مرشّح سوى سليمان فرنجية.
خرج الرئيس الحريري مرتاحاً من اللقاء، وعند عودته إلي كان واضحاً عليه ارتياحه من مقابلة الأسد، وكان مختلفاً في حديثه وتعبيراته عما كان عليه قبل ذلك اللقاء.
بعد أيام من تكليف الرئيس الحريري بتشكيل الحكومة، عقدت «الجبهة الوطنية التقدّمية» (ائتلاف يضم الأحزاب المرخصة بقيادة «البعث») في سوريا، اجتماعاً قدّم خلاله وزير الخارجية فاروق الشرع عرضاً سياسياً حول الوضع في المنطقة وفي لبنان. سأله أحد أعضاء «الجبهة» إذا كان الحريري سيشكل الحكومة، فأجابه: «هذا الأمر غير وارد، وأنه متآمر على سوريا مع الرئيس جاك شيراك الذي يقبض أموالاً من رفيق الحريري».
فوجئ معظم أعضاء الجبهة بهذا الحديث، لا سيما أنه منذ أيام كان الرئيس الحريري مع الرئيس السوري. وأعلمني أحد أعضاء «الجبهة» بهذا الحديث، وكان مستغرباً من كلام وزير الخارجية. اتصلت بالرئيس الأسد وسألته: «هل أنت أعطيت توجيهاً للشرع ليقول إن الحريري لن يشكل الحكومة وأنه يدفع أموالاً للرئيس جاك شيراك، وأنت تعلم أن هذا الكلام سيصل إلى الفرنسيين وسيزيد الوضع تعقيداً؟».
أجابني الرئيس بشار: «لم أعطِ توجيهاً، ومن طلب منه أن يتحدث عن لبنان؟ وما هي علاقته بلبنان؟ هذا الإنسان لا يفهم». وتحدّث بعبارات أكثر قسوة، وطلب مني الاتصال بالحريري وإبلاغه باسمه أنه لا رئيس وزراء في لبنان غيره، وأن أي كلام يصل إليه غير ذلك غير صحيح ونحن متمسكون به.
 

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)
خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



نجاة قائد عسكري رفيع من تفجير في عدن


حمدي شكري الصبيحي له دور بارز في تثبيت الأمن بمناطق سيطرة قواته لا سيما في لحج (إكس)
حمدي شكري الصبيحي له دور بارز في تثبيت الأمن بمناطق سيطرة قواته لا سيما في لحج (إكس)
TT

نجاة قائد عسكري رفيع من تفجير في عدن


حمدي شكري الصبيحي له دور بارز في تثبيت الأمن بمناطق سيطرة قواته لا سيما في لحج (إكس)
حمدي شكري الصبيحي له دور بارز في تثبيت الأمن بمناطق سيطرة قواته لا سيما في لحج (إكس)

شهدت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، أمس، انفجار سيارة مفخخة استهدفت موكباً للعميد حمدي شكري الصبيحي، قائد الفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وأحد أبرز القادة الذين أسهمت قواته في فرض الأمن في عدن. وتفيد المعلومات بأن العميد الصبيحي نجا من التفجير الذي وقع خلال مرور الموكب العسكري في منطقة جعولة التابعة لمديرية دار سعد، وهي من المناطق الحيوية التي تشهد حركة مرورية نشطة.

وجاء التفجير غداة كشف السلطات المحلية في مدينة المكلا، كبرى مدن حضرموت، عن سجون سرية ومتفجرات تستخدم في الاغتيالات كانت في عهدة مجموعات من «المجلس الانتقالي الجنوبي» تديرها الإمارات قبل خروج الأخيرة من اليمن منذ نحو ثلاثة أسابيع.

وأعادت الحادثة إلى الواجهة المخاوف الأمنية، في وقت يسعى فيه تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية إلى إعادة الاستقرار للمحافظات الجنوبية وتوحيد القوات العسكرية والأمنية بعد حلّ ما كان يسمى «المجلس الانتقالي».


هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
TT

هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)

في الوقت الذي جدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأكيده على أن بلاده مولت بناء «سد النهضة» الإثيوبي على نهر النيل ووصفه بأنه «أمر فظيع يمنع تدفق المياه عن مصر ويتعين عليه حل الأزمة بشأنه»، رأت مصادر مصرية وإثيوبية مطلعة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» أن احتمالات نجاح ترمب في كسر جمود مفاوضات السد تظل ضعيفة، مع وجود عدة عوامل متشابكة في هذه الأزمة.

وخلال مؤتمر صحافي، الثلاثاء، جدد ترمب حديثه عن أنه «أوقف قتالاً» بين مصر وإثيوبيا كأحد إنجازاته في وقف الحروب حول العالم، كما أبدى تعجبه من تمويل بلاده لـ«سد النهضة»، مشيراً إلى أن «مصر ليس لديها ما يكفي من المياه»، وأنها تحتاج لمياه النيل في عديد من الاستخدامات.

ويأتي حديث ترمب بعد ثلاثة أيام من إرساله خطاباً إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، مؤكداً فيه استعداد واشنطن للتدخل واستئناف المفاوضات حول «سد النهضة» وحل الأزمة بشكل نهائي، وهو ما رحب به السيسي.

أستاذ العلوم السياسية ورئيس وحدة أبحاث أفريقيا في مجلس الوزراء المصري، رأفت محمود، قال إن تصريح ترمب جاء نتيجة الرسالة المصرية التي وصلته من مستشاره للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، بعدما التقى السيسي الشهر الماضي وناقشا عدة ملفات، منها ما يتعلق بالسودان وأرض الصومال، وأيضاً ملف سد النهضة والهواجس المصرية، «وبالتالي ترمب التقط الرسالة وأخذها فرصة لينشط الوساطة الأميركية في سبيل صفقة ما تخص المنطقة».

وأضاف محمود قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هذه بمثابة محاولة محتملة من ترمب لإعادة ضبط المشهد السياسي المحيط بالأزمة، ورغبة واضحة في استعادة دور الوسيط الأميركي المؤثر».

وتابع: «في الإجمال، الخطاب الأميركي يجعل أديس أبابا تواجه أحد خيارين: إما الانخراط الجاد في مسار تفاوضي منظم، أو مواجهة ضغوط سياسية قد تؤثر على صورتها الدولية. ووفقاً للسلوك الإثيوبي في المفاوضات السابقة، فإن تمسك أديس أبابا بالنهج الذي اتبعته ورغبتها في السيطرة على مجرى نهر النيل النابع من أراضيها دون الالتزام باتفاقية ملزمة تدير تدفق المياه من سد النهضة هو العامل المرجح حالياً، خصوصاً مع ارتباط ملف سد النهضة بحسابات الداخل الإثيوبي والتي تشبعت خلال الفترة الماضية بأن هذا الملف يعد مشروعاً قومياً ضمن سيادة إثيوبيا».

وتابع: «هناك عدد من التغيرات السياسية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر حدثت مؤخراً استدعت التدخل الأميركي في هذا الملف، خاصة فيما يتعلق بأرض الصومال واعتراف إسرائيل بها، وهو ما أثار غضباً دولياً بالمنطقة. وهناك أيضاً ملف السودان وملف اليمن، وهذه الملفات حدث فيها تشابك بين عدد من القوى في الإقليم وبما قد يؤثر على المصالح الأميركية».

واستطرد: «لكن نجاح التدخل الأميركي مرهون بالقدرة على تحويل التصريح إلى أدوات فعل، وقدرة ترمب على إدارة صفقة ترضي كافة الأطراف، ومنها إثيوبيا التي ترغب في الوصول إلى البحر الأحمر؛ وهو أمر تظل احتمالات نجاحه ضعيفة في الوقت الحالي».

وكان ترمب قد خرج بتصريح مثير للجدل في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، عبر منصته «تروث سوشيال»، قال فيه إن الولايات المتحدة «موَّلت بشكل غبي سد النهضة، الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، وأثار أزمة دبلوماسية حادة مع مصر». لكن أديس أبابا نفت ذلك بشدة، مؤكدة أن السد «بُني بأموال الشعب الإثيوبي».

وفي الرابع من يوليو (تموز)، كرَّر ترمب الحديث نفسه خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، في البيت الأبيض قائلاً: «الولايات المتحدة موَّلت السد، وسيكون هناك حل سريع للأزمة». ومساء الثامن من يوليو، قال للمرة الثالثة في خطاب أمام أعضاء مجلس الشيوخ في واشنطن إنه «سيعمل على الأزمة بين مصر وإثيوبيا على المدى الطويل».

الرئيس المصري خلال مصافحة رئيس الوزراء الإثيوبي في عام 2019 (الرئاسة المصرية)

مستشار وزارة المياه والطاقة الإثيوبية، محمد العروسي، قال إنه «في ظل حساسية اللحظة وتعقيد المشهد السياسي المحيط بملف سد النهضة، من المهم التفريق بهدوء بين التصريحات السياسية ذات الطابع الخطابي والتحولات الفعلية في موازين التفاوض».

وتابع قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن تبني الرئيس الأميركي لوجهة نظر مصر أو التعبير عن تفهمه لمخاوفها «لا يعني بالضرورة وجود استراتيجية أميركية متكاملة لاستهداف المصالح الإثيوبية، لكن التجربة العملية مع الوساطة الأميركية في هذا الملف تجعلنا حذرين بطبيعتنا من باب القراءة الواقعية للتاريخ القريب، وليس من باب العداء لواشنطن».

ويرى العروسي، وهو عضو بالبرلمان الإثيوبي ورئيس «مجموعة الصداقة البرلمانية لدول غرب آسيا»، أن الوساطة الأميركية في محطتها السابقة «لم تكن محايدة بالكامل»، وأنه لا يمكن تجاهل أن ترمب نفسه «سبق أن أدلى بتصريحات خطيرة تحدث فيها صراحة عن احتمال قيام مصر بتفجير السد».

ومضى قائلاً: «كما أن تصريحاته الأخيرة التي تُفهم على أنها انحياز كامل لرواية طرف واحد تعزز القناعة بأن أي دور أميركي محتمل سيبقى محكوماً باعتبارات سياسية داخلية وتحالفات تقليدية أكثر من كونه سعياً نزيهاً لحل عادل ومتوازن».

وتابع: «من هذا المنطلق فإن حالة الفرح السريع والتهافت على فكرة الوساطة الأميركية لمجرد صدور تصريح إيجابي من واشنطن تبدو أقرب إلى قراءة عاطفية»؛ محذراً من تحويل التصريحات السياسية إلى «أوهام»، وهو «ما قد يعمق الجمود بدل أن ينهيه».

واستضافت واشنطن عام 2020، خلال ولاية ترمب الأولى، جولة مفاوضات بمشاركة البنك الدولي، لكنها لم تصل إلى اتفاق نهائي بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق الذي جرى التوصل إليه وقتها، حيث اتهمت إثيوبيا الولايات المتحدة بـ«الانحياز».


محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)

أثار اجتماع بين المغرب وإثيوبيا بشأن تعاون عسكري بينهما تساؤلات حول موقف مصر، خصوصاً وأنها على خلاف مع أديس أبابا بسبب تهديد الأمن المائي جراء «سد النهضة».

وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، الأربعاء، قال مصدر مصري مطلع إن ذلك التعاون العسكري المغربي - الإثيوبي، الذي لم تعلق عليه القاهرة رسمياً بعد، «لا يقلق القاهرة، وسيكون هناك حديث عبر الدبلوماسية الهادئة مع الرباط بشأنه».

ويتفق معه خبير عسكري كان مسؤولاً بارزاً سابقاً بالجيش المصري، مؤكداً أن ذلك التعاون «ليس مقلقاً للقاهرة»، لكنه تعجب من إبرام تعاون مغربي مع إثيوبيا التي يصفها بأنها «باتت عدواً للقاهرة وتقف ضد حقوقها المائية».

سد النهضة الإثيوبي (صفحة رئيس وزراء إثيوبيا على فيسبوك)

غير أنّ برلمانياً إثيوبياً نفى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن يكون هذا التعاون مع المغرب «موجهاً للقاهرة أو يحمل رسائل تهديد أو نية للمواجهة»، مشيراً إلى أن «أديس أبابا تركز على نهضة بلادها وتنميتها، ولا تنوي أي مناكفات عسكرية تجاه أحد».

اجتماع مثير للجدل

كانت صحيفة «هسبريس» المغربية قد أفادت، منتصف يناير (كانون الثاني) الحالي، بأن اللجنة العسكرية المشتركة المغربية الإثيوبية عقدت اجتماعها الأول في أديس أبابا، وأن الاجتماع تناول «دراسة مخطط عمل في مجال التعاون العسكري والدفاعي بين البلدين».

ونصت اتفاقية التعاون العسكري، الموقعة في يونيو (حزيران) 2025 في الرباط، على إنشاء هذه اللجنة العسكرية المشتركة، بالإضافة للتعاون في مجالات التكوين والتدريب، والبحث العلمي، والطب العسكري، وفق المصدر ذاته.

وفي اليوم التالي، أفادت وكالة الأنباء الإثيوبية، بأن أديس أبابا والرباط عقدتا أول اجتماع للجنة الدفاع المشتركة على الإطلاق، بهدف تعزيز التعاون الثنائي عبر مختلف المجالات العسكرية.

وشملت المناقشات «دفع التعاون العسكري بين البلدين بطرق تضمن المنفعة المتبادلة لمؤسساتهما الدفاعية، والتعاون في التعليم والتدريب، والصناعات الدفاعية، ونقل التكنولوجيا، ومجالات أخرى من المشاركة العسكرية»، وفق الوكالة.

وأكد المدير العام للعلاقات الخارجية والتعاون العسكري في قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، تشومي جيميتشو، آنذاك أن العلاقات بين إثيوبيا والمغرب تتعزز باطراد عبر قطاعات متعددة، وأن الصداقة طويلة الأمد بين البلدين تعكس التضامن الأفريقي والالتزام المشترك بالعمل معاً من أجل المصالح المشتركة.

وذكر أيضاً أن اجتماع اللجنة المشتركة «يمثل علامة فارقة تاريخية في العلاقات الإثيوبية - المغربية، ويفتح مرحلة جديدة للتنفيذ العملي لمجالات التعاون المتفق عليها».

ونقلت وكالة الأنباء الإثيوبية عن العميد عبد القهار عثمان، مدير مديرية التموين في القوات المسلحة المغربية، وصفه الاتفاق الذي تم التوصل إليه خلال الاجتماع بأنه «تطور مهم في العلاقات العسكرية»، وتأكيده أن «المغرب عازم على زيادة رفع مستوى التعاون الدفاعي مع إثيوبيا».

«الدبلوماسية الهادئة»

وتعليقاً على ذلك، قال مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن ذلك التعاون المغربي - الإثيوبي «بحاجة لتوضيح، لكنه بشكل عام ليس مقلقاً، خصوصاً وعلاقات القاهرة مع الرباط جيدة جداً».

وهو يعتقد أن «الدبلوماسية الهادئة» ستكون مسار التعامل مع الرباط، وأنه سيكون هناك حديث في هذا الأمر «ليس في إطار إلقاء اللوم، ولكن معرفة طبيعة الموضوع، ومناقشة الشواغل المصرية بشأنه».

وتزامن ذلك الاجتماع المغربي - الإثيوبي مع توجيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، منتصف يناير الحالي، رسالة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عارضاً التوسط في أزمة مياه النيل وملف سد النهضة الإثيوبي الذي قال أكثر من مرة إن إدارته منعت حرباً بين القاهرة وأديس أبابا بشأنه، دون مزيد من التفاصيل.

ويعتقد المصدر المصري المطلع أن إثيوبيا تحاول إرسال رسائل لمصر، وستزداد بعد إعلان ترمب الوساطة، وسط تجاوب مصري وسوداني وعدم تعليق من أديس أبابا.

في المقابل، يرى البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد أن التعاون مع المغرب ليس تعاوناً عسكرياً فحسب، بل يشمل التجارة والدبلوماسية، ويحمل رسائل مفادها تقوية العلاقات مع دول المنطقة، وليس أي تهديد لأحد.

وشدّد في حديث لـ«الشرق الأوسط» على أن مصر بلد شريك لبلاده «لم يتقاتلا ولن يتقاتلا، خصوصاً وأن أديس أبابا تهتم بالنهوض والازدهار، وليس لديها أي نية للقتال مع مصر أو غيرها».

غير أن الخبير الاستراتيجي العسكري المصري اللواء سمير فرج رفض تلك التبريرات الإثيوبية، ووصف أديس أبابا، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بأنها «عدوة لحقوق مصر المائية»؛ لافتاً إلى أن مصر «لا يقلقها هذا التعاون».

إلا أنه تساءل: «كيف لدولة بالجامعة العربية أن تتعاون مع أخرى تهدد مصالح مصر؟».

ولا يعتقد فرج أن الرسائل الإثيوبية من تلك الاجتماعات تحمل أي تأثير على مصر سواء كان أمنياً أو عسكرياً، متوقعاً ألا تثير مصر هذا الأمر مع الرباط فوراً، لكن ذلك ربما يحدث في أي لقاءات مستقبلية بين البلدين «حيث ستبدي موقفاً دون أي تأثير يذكر على العلاقات المصرية - المغربية».