خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

روى عبر مذكراته في «الشرق الأوسط» أنه نصح الحريري بمغادرة لبنان سريعاً والاستقالة من الخارج

رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والرئيس إميل لحود في أكتوبر 2004 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والرئيس إميل لحود في أكتوبر 2004 (أ.ف.ب)
TT

خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والرئيس إميل لحود في أكتوبر 2004 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والرئيس إميل لحود في أكتوبر 2004 (أ.ف.ب)

يكشف نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام في حلقة اليوم، من مذكراته، تفاصيل قرار الرئيس بشار الأسد التمديد للرئيس اللبناني إميل لحود والاتصالات التي جرت وقتذاك مع رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري لإقناعه بالموافقة على التمديد.
ويقول خدام إن موضوع التمديد للحود كان في 2004. «يشغل الرأي العام اللبناني المنقسم، بين أكثرية ساحقة معارضة للتمديد وأقلية مؤيدة، إضافة إلى رفض دولي شامل لمسألة التمديد، عزّزه لقاء بين الرئيسين، الأميركي جورج بوش والفرنسي جاك شيراك، في يونيو (حزيران) من عام 2004، بمناسبة ذكرى الإنزال الأميركي على شاطئ النورماندي لتحرير فرنسا من النازية، حيث أكدا رفضهما القاطع لموضوع التمديد للرئيس لحود، وندّدا بالتدخل السوري في الشؤون اللبنانية».
ويشير إلى أنه مع اتساع «حملة المعارضة للتمديد لبنانياً وعربياً ودولياً، وترافق كل ذلك بدعوات لوقف التدخل السوري في لبنان وانسحاب القوات السورية»، كان واضحاً أمامه أن «أي موقف غير عقلاني من النظام في سوريا، سيؤدي إلى أضرار كبرى تلحق بالبلاد». ويضيف خدام: «كنت أحاول في كل لقاءاتي مع الدكتور بشار الأسد إقناعه بخطورة التمديد».
ويتحدث خدام بالتفصيل عن لقاءاته مع الرئيس الأسد لإقناعه بعدم التمديد ثم الطلب من لحود تقديم استقالته ورعاية سوريا لحوار وطني لبناني. ويتوقف عند لقاء الأسد والحريري في 22 سبتمبر (أيلول) 2004، حيث أكد الأسد للحريري حرص سوريا عليه، فأثنى على تعاونه مع سوريا، ولا سيما قبوله بالتمديد، و«لن أقبل أي كلام يأتيني من أي جهة عنك، وسأرميه في سلة المهملات»، وأكد أنه سيلتقي بالرئيس الحريري مرة في الشهر على الأقل، وأنه سيدعم الحكومة التي سيشكّلها، وليس لديه مرشّح سوى سليمان فرنجية.
ويضيف أن الحريري خرج «مرتاحاً» من اللقاء، لكن المفاجأة كانت أن وزير الخارجية السوري السابق فاروق الشرع، قال في اجتماع حزبي إن تشكيل الحريري للحكومة «غير وارد، لأنه متآمر على سوريا مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك». وهنا نص الحلقة الثانية من مذكرات خدام:
كان موضوع التمديد للعماد إميل لحود يشغل الرأي العام اللبناني المنقسم، بين أكثرية ساحقة معارضة للتمديد وبين أقلية مؤيدة له، إضافة إلى رفض دولي شامل لمسألة التمديد، عزّزه لقاء بين الرئيسين، الأميركي جورج بوش والفرنسي جاك شيراك، في يونيو (حزيران) من عام 2004. بمناسبة ذكرى الإنزال الأميركي على شاطئ النورماندي لتحرير فرنسا من النازية، حيث أكدا رفضهما القاطع لموضوع التمديد للرئيس لحود، وندّدا بالتدخل السوري في الشؤون اللبنانية.
اتسعت حملة المعارضة للتمديد لبنانياً وعربياً ودولياً، وترافق كل ذلك بدعوات لوقف التدخل السوري في لبنان وانسحاب القوات السورية.
وكان واضحاً أمامي أن أي موقف غير عقلاني من النظام في سوريا، سيؤدي إلى أضرار كبرى تلحق بالبلاد. لذلك، كنت أحاول في كل لقاءاتي مع الدكتور بشار الأسد إقناعه بخطورة التمديد، لا سيما بعد الضغوط الكبرى التي مارسها على رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري، إذ استدعاه في شهر يوليو (تموز)، بحضور اللواء غازي كنعان والعميد رستم غزالة والعقيد محمد خلوف، وقد أدت قسوة الكلام إلى ارتفاع ضغط الحريري وإصابته بنزيف في أنفه.
في صباح ذلك اليوم، كان لي موعد مع الدكتور بشار. وعندما ذهبت إليه، كان منفعلاً ومتوتراً، وقال: «كان لدي رفيق الحريري، واستقبلته الساعة السابعة والنصف صباحاً، وقلت له كلاماً واضحاً وصريحاً وبحضور الضباط، وأبلغته أنه من غير المسموح له العمل على مجيء رئيس للجمهورية، فأنا الذي أختار، ومن يخالفني سأكسر عظمه».
فوجئت بالحديث، وقلت له: «ماذا فعلت؟، أنت تتحدث مع رئيس وزراء لبنان الذي يمثّل المسلمين في لبنان. هل حسبت صدى كلامك إذا انتشر؟ وهل حسبت نتائج مثل هذا الكلام؟ لقد عملنا خلال سنوات طويلة ليكون لرئيس الحكومة ولرئيس المجلس النيابي دور أساسي، وأنت تعمل من أجل إميل لحود على إضعاف هذا الدور. ليس لك مصلحة في ذلك. وكيف تخاطب رئيس وزراء بحضور هؤلاء الضباط؟ ما مصلحتك ومصلحة البلد بتحجيم رئيس الوزراء أو رئيس المجلس النيابي؟». هنا هدأ، وقال: «وجّه دعوة للرئيس الحريري لزيارتك، واعمل على مسح ما ترتّب من لقائي». أجبته: «سأفعل ذلك».
بالفعل، اتصلتُ بالرئيس الحريري هاتفياً، وعاتبته على أنه جاء إلى دمشق ولم يتصل بي. وقلت: «انتظرك أن تأتي إلى دمشق خلال أيام»، فأجابني: «كانت ظروفي سيئة جداً، لذلك لم أتصل بك، وبعد تلك الزيارة لن أزور دمشق».
تناقشت معه طويلاً، وبنهاية النقاش اقتنع بأن يزورني في بلودان (قرب دمشق). وبالفعل، استقبلته يوم الخميس، وحدّثني عما حصل معه، وكان مجروحاً، وقال: «لا أنسى لقائي مع بشار الأسد ما دمت حياً». تدخّلت مقاطعاً إياه: «أنت رجل سياسي، ولا يجب أن تأخذ الأمور بهذا الشكل، والرجل عندما حدّثك كان منفعلاً، وقد اجتمعت به يوم لقائك، وحدّثني وتناقشنا في الموضوع، وشعرتُ أنه متألم من انفعاله». قلت له: «خذ الأمر برويّة». وفعلاً، حاولت بهذا الحديث التخفيف من حدة التوترات بينه وبين الدكتور بشار الأسد.
في 18 أغسطس (آب) عام 2004، اجتمعتُ بالرئيس الأسد لأودّعه بمناسبة سفري إلى فرنسا لإجراء فحوصاتي الطبية السنوية، وخلال ذلك اللقاء ناقشنا موضوع التمديد للعماد لحود، وسألته: «إلى أين وصل هذا الأمر؟»، فأجابني: «قررتُ عدم التمديد. لا أحد في العالم موافق عليه، والدول العربية غير موافقة، وغالبية اللبنانيين معترضون، وأبلغتُ الرئيس لحود أن لا نية لدينا في التمديد له، والرجل عرف موقفنا بشكل واضح».
علّقت على كلامه، قائلاً: «أتمنى ألا يحاول أحد دفعك إلى تغيير موقفك. أنت لا تستطيع أن تتحمّل عواقب التمديد، وسوريا لا تستطيع أن تتحمل ما يمكن أن يحدث بسبب التمديد»، فأجابني: «لقد كنتُ حازماً مع الرئيس لحود في هذا الأمر». ودّعته وانصرفت.
بعد بضعة أيام، وأثناء وجودي في فرنسا، اتصل بي الرئيس الحريري وأبلغني أن الدكتور بشار غيّر رأيه فيما يتعلق بالتمديد، واستدعاه إلى دمشق، وكانت المقابلة قصيرة، وكان الأسد متوتّراً، وأبلغه أنه قرر دعم التمديد للعماد لحود، كما قال له: «عليك أن تحدد موقفك: هل أنت مع سوريا أو ضدها؟»، اذهب وفكّر في الموضوع وأبلغني قرارك بالموافقة أو الرفض». وتابع الرئيس الحريري في اتصاله معي: «أريد نصيحتك». فسألته: «هل اجتمعت إلى وليد جنبلاط؟ وماذا كان رأيه؟»، فأجابني: «اجتمعت به ونصحني بالموافقة على التمديد ثم الاستقالة بعد ذلك». فقلت له: «أنت لا تستطيع أن تتحمل نتائج الرفض، نصيحة وليد لك صحيحة. من الأفضل أن توافق، وبعدها تغادر لبنان وتعلن استقالتك من الخارج».
أبلغ الرئيس الحريري العميد رستم الغزالي بموافقته، وغادر إلى جزيرة سردينيا للقاء عائلته هناك. وبعد أيام اتصل بي، وكنت لا أزال في فرنسا، وسألني: «إذا عدت إلى لبنان، هل هناك خطر على حياتي؟»، فأجبته: «لقد وافقتَ على كل ما طلبه منك الدكتور بشار الأسد، ولا يزال بحاجة لك، لأن تعديل الدستور لم يتم بعد. ولكن، كما نصحتُك، بعد الانتهاء من الإجراءات غادر لبنان مباشرة وأعلن استقالتك».
في تلك الفترة، نشطت الدول الأوروبية لعقد اجتماع لمجلس الأمن واتخاذ قرارات حول لبنان والوجود السوري فيه، واتفقت تلك الدول على صيغة للمشروع، ورتّبت الوضع في مجلس الأمن. وقد تم تحديد موعد لعقد جلسة مجلس الأمن في تلك الظروف.
طلب الأسد من وزير الخارجية فاروق الشرع الاتصال بوزير خارجية إسبانيا ميغيل أنخيل موراتيونوس، وطلب منه مساعدة سوريا مع الدول الغربية لإلغاء جلسة مجلس الأمن، وأن سوريا ستعمل على إلغاء التمديد للرئيس لحود وإجراء انتخابات رئاسية جديدة.
اتصل الشرع بنظيره الإسباني وعرض عليه الموضوع، فطلب الوزير الإسباني من الشرع أن يطلب من رئيسه الاتصال برئيس وزراء إسبانيا خوسيه لويس ثاباتيرو. وبالفعل، اتصل الأسد به، متمنياً عليه المساعدة في إلغاء جلسة مجلس الأمن، وأبلغه أن سوريا جاهزة للعمل على إجراء انتخابات رئاسية جديدة والتخلي عن التمديد للحود.
بذل رئيس وزراء إسبانيا جهوداً كبيرة مع الرئيس الأميركي جورج بوش، ورئيس وزراء بريطانيا توني بلير، والرئيس الفرنسي جاك شيراك. وبعد خمس ساعات من الاتصالات، تمت الموافقة على إلغاء جلسة مجلس الأمن إذا نفّذ الجانب السوري التزامه.
اتصل موراتينوس بالشرع، وأبلغه موافقة الدول الغربية على الاقتراح السوري، وتمنى عليه أن يتصل الجانب السوري برئيس المجلس النيابي نبيه بري لإلغاء جلسة المجلس النيابي المخصصة لتعديل الدستور. فأجابه الوزير الشرع: «لبنان دولة مستقلة، ولا علاقة لنا بالأمر. اتصل أنت بالرئيس نبيه بري».
فوجئ الوزير الإسباني بهذا الجواب، ومع ذلك اتصل مواتينوس بالرئيس نبيه بري، وعرض عليه ما جرى، وكان جواب بري: «إن لبنان دولة مستقلة ذات سيادة، ولا علاقة لسوريا بهذا الموضوع».
وفي 2 سبتمبر (أيلول)، اجتمع مجلس الأمن وأصدر القرار 1559. الذي تضمّن قراراً يدعو سوريا إلى سحب قواتها من لبنان، وعدم التدخّل في شؤونه الداخلية. كما تضمّن دعوة لبنان إلى إجراء انتخابات رئاسية دون تدخّل خارجي. وأكد القرار على استقلال وسيادة لبنان وإنهاء التنظيمات المسلّحة غير الحكومية. وصدر القرار وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهكذا أصبح النظام في سوريا تحت رقابة مجلس الأمن.
أسئلة كثيرة طرحت نفسها آنذاك: لماذا غيّر الدكتور بشار الأسد قراره باتجاه دعم التمديد للعماد لحود؟ ثم، لماذا غيّر قراره باتجاه عدم التمديد للحود وتوسّط إسبانيا، وبعد خمس ساعات غيّر قراره وعاد إلى تبنّي التمديد للعماد لحود؟ هل الأمر ناجم عن ضغوط من قبل قريبين منه كان لهم حجم كبير من المصالح في لبنان؟ أم أنه ناجم عن أمور ذات صلة بأجهزة الأمن في لبنان، الشريكة في النظام الأمني؟ أم أن الموضوع مجرد انفعالات شخصية ناجمة عن حالات من الخوف والتردُّد تحكّمت بقراره؟

عدت من فرنسا في الخامس من سبتمبر (أيلول) 2004. وفي اليوم التالي، استقبلني الرئيس الأسد، وبعد حديث قصير عن فحوصاتي الطبية، تحدث عن لقائه مع عضو الكونغرس الأميركي داريل عيسى، الذي أبدى استعداده لبذل الجهود لتحسين العلاقات السورية - الأميركية، ثم تحدث عن لقائه مع مارتن إنديك، المستشار الأمني السابق للرئيس الأميركي بيل كلينتون، الذي انتقد بشدة سياسة الرئيس جورج بوش.
فعلّقتُ قائلاً: «ليس للاثنين دور في صنع السياسة الأميركية»، ثم تابع: «سيأتينا وفد أميركي كبير برئاسة وليم بيرنز، مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط». وأضاف: «الولايات المتحدة الأميركية لا يهمها لبنان، وإنما العراق». فعقّبت على كلامه، أن هذا الوفد «سيطلب من سوريا وقف التدخل في العراق وتسليم جماعة صدام حسين وإعادة الأموال العراقية إلى حكومة بغداد».
سألني: «هل كنت تتابع الأخبار؟»، فأجبته: «نعم، وقناعتي وقراءتي للوضع أن سوريا كانت على طرف دائرة الخطر، فأصبحت الآن في قلبها. وقد فوجئت عندما أبلغني الرئيس رفيق الحريري باتصالك معه، وأنك أبلغته قرارك بالتمديد للعماد لحود، علماً بأنك أكدت لي رفضك للتمديد». أجابني: «جاءتنا معلومات بأن الولايات المتحدة وفرنسا اتفقتا على إخراج سوريا من لبنان، وأن الحريري لعب دوراً كبيراً في هذا الاتفاق». أجبته: «أستغرب ذلك. هل يُعقل أن يكون للحريري دور في تحديد سياسة الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا في الشرق الأوسط؟ لقد أبلغني الحريري بعد اتصالك به أنه رغم عدم قناعته بعدم التمديد فإنه سيوافق، ولا يريد أن يتخذ موقفاً يؤدي إلى هزيمة سوريا في لبنان. الموقف الأميركي متوقّع لأسباب تتعلق بالعراق من جهة، وبالصراع العربي - الإسرائيلي من جهة ثانية، أما فرنسا فقد كانت دائماً تساند سوريا، غير أنك تذكر مشكلة عقد الغاز وما جرى خلال زيارتي الأخيرة لفرنسا ومحاولة الرئيس شيراك احتواء المشكلة، وذلك بدعوتي لزيارة فرنسا، لكنك رفضت، وقد تم إبلاغ سفيرتنا في باريس، صبا ناصر، أن الرئيس الأسد هو الذي منع نائب الرئيس عبد الحليم خدام من قبول دعوة الرئيس شيراك. إن الموقف الفرنسي تغيّر بعد استبعاد الشركة الفرنسية وإعطاء العقد لشركة كندية، أحد مالكيها شركة نفط أميركية كبرى».
سألني الأسد: «أيهما أفضل: التركيز على العلاقات الأميركية - السورية أم العلاقات السورية - الأوروبية؟»، فأجبته: «الولايات المتحدة الأميركية هي القوة الأكثر تأثيراً في العالم، ومن الناحية النظرية فإن التركيز على العلاقات معها أفضل، ولكن العقبة الكبرى هي موقع إسرائيل في السياسة الأميركية. أما بالنسبة لأوروبا فإن تأثيرها محدود، ولكن العمل معها أكثر سهولة من العمل مع الأميركيين».
قال الأسد: «طلبتُ من الشرع القيام بزيارات إلى دول أوروبية عدة، وشرح وجهة نظرنا، وأن يطلب من وزير الخارجية الإسباني المساعدة في ترتيب الزيارات»، فأجبته: «إسبانيا لا تستطيع أن تنفصل في سياستها عن الاتحاد الأوروبي، والسفير الإسباني في الأمم المتحدة كان يرأس مجلس الأمن عندما أقر القرار 1559. ونصيحتي عدم القيام بهذه الزيارة والزيارات الأخرى، لأن أوروبا في حالة احتقان ضدنا».
وهنا قلت له: «كيف يمكن لهذا الطاقم أن يشرح وجهة نظرنا في حين يصرّح كل من الشرع ووزير الإعلام أحمد الحسن وبشرى كنفاني مديرة الإعلام في وزارة الخارجية بعد صدور القرار 1559 أنه يشكل انتصاراً لسوريا؟».
سألني الأسد: «متى كان ذلك؟»، فأجبته: «بعد صدور القرار 1559. والمواطن يصدّق مَن؟ هل يصدّق هؤلاء أم يصدق حلفاء سوريا في لبنان الذين اعتبروا القرار 1559 تآمراً على سوريا وعلى لبنان؟». في الواقع، لقد فوجئ الدكتور بشار بتلك التصريحات وأبدى امتعاضه.
انتقلنا إلى الحديث عن انعكاسات ذلك القرار، ووجهة نظري حول كيفية التعامل مع الموضوع، فأجبته: «الأمر السليم تقديم الرئيس لحود استقالته وانتخاب رئيس جديد. لكن، قد يكون في هذا الأمر صعوبة لك وللرئيس لحود، وتتسارع بعدها التطورات. ولذلك، فالحل الآخر الذي يقلل الخسائر يتطلب تقديم تنازلات للمصالحة مع الجانب المسيحي والحوار مع البطريرك صفير ومع قرنة شهوان، بدعوتهم كمجموعة أشخاص، ومن هؤلاء بطرس حرب وفارس سعيد ونسيب لحود، إضافة إلى توجيه رسالة تطمين للرئيس أمين الجميل الموجود في فرنسا». وقلت: «يجب أن تتولى شخصياً عملية الحوار».
سألني الأسد: «الآخرون ممكن دعوتهم، كيف يكون الحوار مع البطريرك؟»، فأجبته: «أقترح دعوة الرئيس نبيه بري والرئيس رفيق الحريري والسيد حسن نصر الله والسيد وليد جنبلاط بعد المصالحة معه، ونفوّضهم الحوار مع الجانب المسيحي وفي مقدمتهم البطريرك صفير، على أن يوافق الجانب الإسلامي على تشكيل حكومة اتحاد وطني بالتساوي بين الجانبين، وتكون لها مهمة واحدة هي وضع قانون انتخابات يرضى عنه الجانب المسيحي، ويلي ذلك إجراء الانتخابات في البلاد، وعندئذٍ يأتي مجلس لا يستطيع أحد أن يطعن بشرعيته».
وقلت: «معلوماتي أن الجانب المسيحي لا يسعى إلى تدمير العلاقات مع سوريا، وإنما إلى علاقات متوازنة تؤدي إلى إنهاء الممارسات التي تقوم بها أجهزة الأمن السورية في لبنان. تعامل الأجهزة مع اللبنانيين أكثر سوءاً من تعامل الأجنبي الذي حكم لبنان في الماضي. عندما يجرؤ رئيس فرع الأمن على توجيه الشتائم إلى المجلس النيابي ورئيس الحكومة، وكلاهما صديق لسوريا، فتصور تعامله مع الآخرين». قال: «الجانب المسيحي يريد قانون انتخابات على أساس القضاء، وأنا موافق على ذلك». تابعتُ حديثي: «السير في هذا الطريق يضمن مصالح سوريا، كما يساعد في إقامة علاقات حقيقية مع جميع الأطراف اللبنانية».
تطرق الحديث إلى وضع جنبلاط، فانتقده الدكتور بشار بشدة بسبب موقفه من التمديد للعماد لحود. وكان ردي على انتقاده أن «جنبلاط كان أجرأ من غيره في التعبير عن موقفه، ولو تُرك النواب لخيارهم لما تم تعديل الدستور. يجب ألا ننسى تاريخ جنبلاط ووقوفه معنا، وليس لسوريا مصلحة في خسارته»، فوافق على إبداء المرونة معه، كما وافق على استقباله.
خرجتُ من اللقاء متوقّعاً أن الدكتور بشار سيخطو خطوات فاعلة باتجاه المصالحة.
استقبلتُ في مساء الثلاثاء في 21 سبتمبر (أيلول) 2004 رفيق الحريري، وكان متوتراً بسبب جلسة مجلس الوزراء اللبناني، حيث لم يلتزم الرئيس لحود بالاتفاق على إقرار عدد من المواضيع التي سبق الاتفاق عليها، ومنها استملاك أراضي في بيروت لبناء المدارس. وبعد استعراض مراحل التعاون بينه وبين الحكم في سوريا، تحدث عن موافقته على قرار تعديل الدستور رغم عدم قناعته، وأن التعديل كان مرفوضاً شعبياً وعربياً ودولياً، وأكد أنه لا إمكانية للتعاون مع لحود، وليس من مصلحة سوريا أن يشكّل الحكومة لأن الوضع سيء، وسيزداد سوءاً، وقال إنه سيبقى مع سوريا داخل لبنان وخارجه، وهو ابن صيدا المسلم والعربي، ولا يمكن أن يخطو أي خطوة تؤذي سوريا أو تكسر شوكتها في لبنان. وشكا بمرارة من ممارسات أجهزة الأمن السوري واللبناني، وأكد أن الرفض الشعبي هو بسبب تلك الممارسات.
بعد أن أنهى عرض موقفه، أخذتُ الحديث، وقلت: «أنا معك بعدم تشكيل الحكومة إذا استمرت الظروف السابقة من الممارسات على الحكومة، كما على غرار الحكومات السابقة». سألته: «كيف يمكن تجاوز الوضع في لبنان؟»، فأبدى تشاؤماً من الوضع العام في البلد وعدم الثقة بالرئيس لحود. سألته: «إذا توافرت الشروط، ألا يَسهُل تجاوز الوضع؟»، فأجاب: «ممكن، لكن بصعوبة». سألته: «كيف؟»، فأجاب: «لا بد من حكومة تتمتع بمصداقية أمام الناس وأن يكون لها برنامج، وأن يوضع قانون انتخاب جديد، وأن تتوقف الممارسات الخاطئة، وأن يطبّق اتفاق الطائف».
أجبته: «أتفق معك تماماً. أولاً، لا بد من الحوار مع المعارضة المسيحية وعلى رأسها البطريرك صفير، ولا بد من تشكيل حكومة اتحاد وطني تضم ممثلين عن المعارضة المسيحية، أمثال بطرس حرب ونسيب لحود وفارس سعيد، ويترك للمعارضة اختيار ممثليها، ومهمة هذه الحكومة وضع قانون انتخابات عادل والإشراف على إجراء الانتخابات».
وهنا سألت الحريري: «كيف تتصور قانون الانتخابات؟». أجاب: «المعارضة المسيحية تريد الدائرة الصغيرة وجنبلاط يحبّذ ذلك». فعقّبت: «إن الدائرة الصغيرة تأتي بالتطرف، والدستور تبنّى المحافظة كدائرة انتخابية». أجابني: «هذا صحيح، لكن لا بد من وجود صيغة توفّق بين مطلب المعارضة المسيحية وبين الدستور».
اتفقنا على التمسّك بما ورد في الطائف، مع إعادة النظر بالتقسيمات الإدارية. ونظراً لأن الشمال والجنوب والبقاع قُسِّما إلى محافظتين، يمكن تقسيم محافظة جبل لبنان إلى محافظتين: الأولى، تضم المتن الشمالي وكسروان وجبيل، والثانية تضم المتن الجنوبي وعاليه والشوف. أما بيروت فتبقى محافظة واحدة.
أكد الحريري على ضرورة تمثيل جنبلاط والمعارضة المسيحية، كما أكد صعوبة تشكيل حكومة في غياب هذه المشاركة. وافقته في وجهة نظره أن هذه الحكومة ستكون حكومة انتقالية مؤقتة بسبب قرب الانتخابات التي ستجري بعد أشهر، وبعدها ستأتي حكومة في ضوء نتائج الانتخابات، بالإضافة إلى ذلك، فإن حكومة وحدة وطنية تعطي مصداقية للانتخابات.
ومن الأمور التي أكد عليها الحريري، مسألة تجاوز رئيس الجمهورية للدستور واتفاق الطائف، بإصراره على ترؤس جلسات مجلس الوزراء، فوافقته على عدم جواز ذلك، وأبلغته أني سأعرض على الرئيس الأسد مناقشاتنا، وتركته وذهبت إلى غرفة ثانية، وعرضت تفاصيل المناقشات، وناقشنا إيجابياتها، وكان رد الرئيس الأسد على النحو التالي:
«أولاً، الموافقة على حكومة الوحدة الوطنية ومشاركة المعارضة المسيحية وجنبلاط.
ثانياً، أيد وجهة نظرنا حول التمسك بالطائف، لا سيما بالنسبة لقانون الانتخابات.
ثالثاً، أكد عدم جواز ترؤس رئيس الجمهورية إلا في الحالات الوارد ذكرها في اتفاق الطائف وفي الدستور، أي عند مناقشة قضايا كبرى تتعلق بالبلاد».
سألني الرئيس الأسد: «هل الرئيس الحريري ملتزم بذلك؟». أجبته: «نعم».
وفيما يتعلق بجلسة مجلس الوزراء الأخيرة، أبدى الدكتور بشار استياءه من تصرفات الرئيس لحود، وأبلغني أنه أرسل له رسالة بهذا الخصوص.
في يوم 22 سبتمبر (أيلول) 2004، استقبل الدكتور بشار في دمشق الحريري، وجرت مناقشة كل المواضيع المشار إليها، وتمت الموافقة عليها. وأكد الأسد للحريري حرص سوريا عليه، فأثنى على تعاونه مع سوريا، ولا سيما قبوله بالتمديد للرئيس لحود. وهنا كرر الرئيس الحريري ما كان قاله لي حول موقفه من سوريا. قال الأسد: «لن أقبل أي كلام يأتيني من أي جهة عنك، وسأرميه في سلة المهملات»، وأكد أنه سيلتقي بالرئيس الحريري مرة في الشهر على الأقل، وأنه سيدعم الحكومة التي سيشكّلها، وليس لديه مرشّح سوى سليمان فرنجية.
خرج الرئيس الحريري مرتاحاً من اللقاء، وعند عودته إلي كان واضحاً عليه ارتياحه من مقابلة الأسد، وكان مختلفاً في حديثه وتعبيراته عما كان عليه قبل ذلك اللقاء.
بعد أيام من تكليف الرئيس الحريري بتشكيل الحكومة، عقدت «الجبهة الوطنية التقدّمية» (ائتلاف يضم الأحزاب المرخصة بقيادة «البعث») في سوريا، اجتماعاً قدّم خلاله وزير الخارجية فاروق الشرع عرضاً سياسياً حول الوضع في المنطقة وفي لبنان. سأله أحد أعضاء «الجبهة» إذا كان الحريري سيشكل الحكومة، فأجابه: «هذا الأمر غير وارد، وأنه متآمر على سوريا مع الرئيس جاك شيراك الذي يقبض أموالاً من رفيق الحريري».
فوجئ معظم أعضاء الجبهة بهذا الحديث، لا سيما أنه منذ أيام كان الرئيس الحريري مع الرئيس السوري. وأعلمني أحد أعضاء «الجبهة» بهذا الحديث، وكان مستغرباً من كلام وزير الخارجية. اتصلت بالرئيس الأسد وسألته: «هل أنت أعطيت توجيهاً للشرع ليقول إن الحريري لن يشكل الحكومة وأنه يدفع أموالاً للرئيس جاك شيراك، وأنت تعلم أن هذا الكلام سيصل إلى الفرنسيين وسيزيد الوضع تعقيداً؟».
أجابني الرئيس بشار: «لم أعطِ توجيهاً، ومن طلب منه أن يتحدث عن لبنان؟ وما هي علاقته بلبنان؟ هذا الإنسان لا يفهم». وتحدّث بعبارات أكثر قسوة، وطلب مني الاتصال بالحريري وإبلاغه باسمه أنه لا رئيس وزراء في لبنان غيره، وأن أي كلام يصل إليه غير ذلك غير صحيح ونحن متمسكون به.
 

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)
خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



«الزينبيات» يطرقن أبواب صنعاء لاستقطاب المجندين

الحوثيون يواصلون حملتهم لتجنيد الأطفال في الأحياء والمدارس (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون حملتهم لتجنيد الأطفال في الأحياء والمدارس (إعلام محلي)
TT

«الزينبيات» يطرقن أبواب صنعاء لاستقطاب المجندين

الحوثيون يواصلون حملتهم لتجنيد الأطفال في الأحياء والمدارس (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون حملتهم لتجنيد الأطفال في الأحياء والمدارس (إعلام محلي)

على وقع الخسائر البشرية التي تتكبدها الجماعة الحوثية في جبهات القتال، كثّفت الجماعة خلال الأيام الأخيرة أنشطة جهازها النسائي المعروف باسم «الزينبيات» في أحياء العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وضواحيها، مستهدفة النساء والأطفال بحملات تعبئة واستقطاب، تجمع بين الترغيب والضغط والتهديد، وفق مصادر محلية وشهادات سكان تحدثوا إلى «الشرق الأوسط».

وقالت المصادر إن الجماعة بدأت تنظيم دورات ومحاضرات يومية ذات طابع فكري وطائفي، تستهدف الأمهات وربات البيوت في مديريات معين وبني الحارث والتحرير، إلى جانب أحياء في صنعاء القديمة.

وأضافت أن عناصر من «الزينبيات» تنقّلن خلال اليومين الماضيين بين عشرات المنازل في المناطق المستهدفة، لدعوة النساء إلى حضور الدورات، بالتزامن مع محاولات لإقناع الأمهات بدفع أبنائهن إلى الالتحاق بالأنشطة والمعسكرات التابعة للجماعة.

وفي حي السنينة بمديرية معين، أفادت المصادر بأن الجماعة أخضعت أكثر من 20 امرأة لدورات تعبوية مكثفة بإشراف الجهاز النسائي الأمني والعسكري، المعروف باسم «الزينبيات»، في إطار حملة استقطاب تستهدف النساء والأسر في مناطق سيطرتها.

وكشفت المصادر عن توجيه تهديدات إلى نساء رفضن حضور تلك الدورات، تضمنت التلويح باتخاذ إجراءات بحق أسرهن، في محاولة لإجبارهن على المشاركة.

الحوثيون يدفعون العائلات للفخر بأبنائها بوصفهم مقاتلين أو ضحايا (غيتي)

وأوضحت أن الجماعة دفعت عدداً من المشرفين والمشرفات الثقافيين التابعين لها لإلقاء محاضرات أمام النساء، في محاولة للتأثير على مواقفهن ودفعهن إلى إقناع أبنائهن بالانخراط في أنشطة الجماعة.

وفي حيي جدر والقاع بمديريتي بني الحارث والتحرير، أفادت المصادر بممارسة ضغوط على عشرات النساء، خصوصاً الأمهات وربات البيوت، عقب التحاقهن بالدورات التعبوية، بهدف دفعهن إلى إلحاق أبنائهن بأنشطة ذات طابع عسكري.

ووفق المصادر، اتخذت الضغوط أشكالاً متعددة، بينها استغلال الظروف الاقتصادية والاجتماعية للأسر، إلى جانب الترغيب والتهديد والضغط المباشر لحث الأهالي على الموافقة على مشاركة أبنائهم في تلك الأنشطة.

وأضافت أن الأسر المستهدفة تخشى من تحول الدورات والأنشطة التعبوية إلى مرحلة تُمهد لاستقطاب الأطفال واليافعين وتجنيدهم، ثم نقلهم إلى معسكرات التدريب أو مناطق القتال.

ضغوط في صنعاء القديمة

في أحياء صنعاء القديمة (المدينة التاريخية)، قالت مصادر محلية وسكان إن الجماعة كثّفت أنشطتها التعبوية بين الأسر، مستهدفة الأطفال واليافعين من خلال فعاليات ودورات ذات طابع فكري وعسكري.

واشتكت أمهات وربات بيوت شاركن في برامج حوثية، لـ«الشرق الأوسط»، من إلزامهن، من جانب قياديات في الجماعة، بالحضور وتلقي دروس تروّج لأفكارها، قبل ممارسة ضغوط عليهن لإلحاق أبنائهن بأنشطة وتدريبات ذات طابع عسكري.

برامج حوثية لتعبئة اليمنيات بمناطق سيطرة الجماعة (إكس)

وأكدت «أم سليمان»، وهو اسم ترميزي لربة منزل تقطن في حارة الأبهر، أن حضورها تلك الدورات لم يكن طوعياً في كثير من الأحيان، مشيرة إلى أن القائمات عليها كن يحثثن المشاركات بصورة متكررة على إقناع أبنائهن بالالتحاق بالمعسكرات التابعة للجماعة.

وقالت إن الضغوط لم تتوقف عند حضور الدروس، بل امتدت إلى محاولة التأثير على الأمهات لدفع أبنائهن نحو تلك الأنشطة، وسط مخاوف لدى أسر كثيرة من تحوُّل الدورات التعبوية إلى بوابة لتجنيد الأطفال واليافعين والزج بهم في مناطق القتال.

وأضافت أن الأسر المستهدفة وجدت نفسها أمام ضغوط اجتماعية ومادية متزايدة، في وقت تخشى فيه من استدراج أبنائها إلى مسارات التعبئة والتجنيد القسري.

مخاوف حقوقية

وتأتي هذه الإفادات في سياق مخاوف حقوقية متكررة بشأن استغلال الأطفال في النزاع اليمني، ولا سيما تعرضهم للتعبئة والتجنيد والزج بهم في أعمال مرتبطة بالقتال، وهي ممارسات تحظرها قواعد القانون الدولي الإنساني، الذي يوفر للأطفال حماية خاصة أثناء النزاعات المسلحة.

الانقلابيون في اليمن يجبرون النساء على المشاركة بفعاليات تعبوية (إكس)

وفي تقرير حقوقي، قالت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» إنها وثّقت 36 ألفاً و179 واقعة انتهاك وجريمة بحق الأطفال في مختلف المحافظات اليمنية، نسبت مسؤوليتها إلى جماعة الحوثيين، خلال الفترة من 1 يناير (كانون الثاني) 2017 حتى 8 سبتمبر (أيلول) 2026.

وتتسق هذه المعطيات مع تحذيرات أممية متكررة بشأن استمرار تجنيد واستخدام الأطفال في اليمن، ودعوات الأمم المتحدة إلى إنهاء هذه الممارسات، ومنع إشراك الأطفال في الأعمال المرتبطة بالنزاع.


الهجمات الحوثية تشل 80 % من قطاع الصحة في غرب تعز

تعطل 80 % من المرافق الصحية في المناطق التي دخلها الحوثيون (إعلام محلي)
تعطل 80 % من المرافق الصحية في المناطق التي دخلها الحوثيون (إعلام محلي)
TT

الهجمات الحوثية تشل 80 % من قطاع الصحة في غرب تعز

تعطل 80 % من المرافق الصحية في المناطق التي دخلها الحوثيون (إعلام محلي)
تعطل 80 % من المرافق الصحية في المناطق التي دخلها الحوثيون (إعلام محلي)

حذَّرت وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية من تدهور حاد في الوضع الصحي بمحافظة تعز، مع تصاعد الهجمات الحوثية التي ألحقت أضراراً بمنشآت صحية ومناطق سكنية، وأجبرت مزيداً من السكان على النزوح، في وقت تتراجع فيه قدرة المرافق الطبية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وقالت الوزارة، في بيان، إن نطاق الهجمات لم يعد مقتصراً على المناطق الساحلية؛ بل امتد إلى مدينة تعز وأحيائها السكنية، ومديريات الشمايتين وجبل حبشي والمعافر وصبر الموادم ومقبنة وموزع، إلى جانب المديريات الساحلية.

وأوضحت أن القصف بالصواريخ الباليستية وقذائف «الهاون» والمدفعية، بالتزامن مع القيود المفروضة على الحركة، وتدهور الوضع الأمني، والنزوح، وتعطل الإمدادات الأساسية، يضاعف الضغوط على نظام صحي يعاني أصلاً من الهشاشة، ويحد من قدرة السلطات المحلية على توفير الخدمات الطبية للسكان.

وذكرت الوزارة أن مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين، تعرضت في 29 سبتمبر (أيلول) لهجوم بصاروخ باليستي أصاب مبنى مستشفى الأمومة والطفولة قيد الإنشاء، متسبباً في أضرار مادية.

الحوثيون نقلوا المواجهات إلى وسط التجمعات السكانية في ريف تعز (إعلام محلي)

كما تعرضت أحياء النور والثلاثين في مدينة تعز، إلى جانب منطقتَي صلاح ووادي القاضي شرقي المدينة، لقصف بـ«الهاون» والمدفعية يومَي 29 و30 سبتمبر. وقالت الوزارة إن القصف أدى إلى مقتل طفل يبلغ 15 عاماً وإصابة امرأة، فضلاً عن إلحاق أضرار بعدد من المنازل ومسجد.

وأشارت إلى أن القصف طال كذلك قرية بني بكاري ومنطقة الشقب في جبل حبشي وصبر الموادم، في 29 سبتمبر. وفي الخامس من الشهر نفسه، أصاب صاروخ حوثي طريق هيجة العبد جنوب تعز، ما أدى -وفق البيان- إلى مقتل 4 مدنيين على الأقل وإصابة 9.

وأضافت أن هجمات أخرى وقعت يومي 3 و4 سبتمبر في مناطق مقبنة وموزع وجبل حبشي، ووصلت إلى مناطق تؤوي نازحين، من بينها مخيم الرحبة، ما دفع مئات الأسر النازحة إلى الفرار مجدداً بحثاً عن مناطق أكثر أمناً.

آلاف الأطفال شردتهم الهجمات الحوثية من الساحل الغربي وتعز (أ.ب)

وفي ظل تصاعد أعداد المصابين، قالت الوزارة إن وحدة العناية المركزة في مستشفى الثورة بمدينة تعز امتلأت بالمصابين من جبهات القتال والضحايا المدنيين، بينما تعرضت منشآت صحية أخرى لأضرار مباشرة أو اضطرت إلى تعليق خدماتها.

ونقلت الوزارة عن منظمة الصحة العالمية، أن 9 مرافق صحية في محافظات تعز ولحج والحديدة تعرضت للتضرر أو الإغلاق أو الهجوم خلال التصعيد الحالي.

مرافق خارج الخدمة

وفي مديرية الشمايتين وجبل حبشي، أفادت الوزارة بأن المرافق الصحية الـ11 التي كانت تعمل في المناطق المتضررة توقفت جميعها عن تقديم خدماتها. كما تعرضت مدينة التربة التي تمثل محور الإحالة الطبية للمديريات الجنوبية لقصف بالصواريخ الباليستية.

أما في المديريات الساحلية الخمس في تعز (المخا، وذباب، والوازعية، ومقبنة، وموزع) فلا يعمل -حسب الوزارة- سوى نحو 20 في المائة من المرافق الصحية، وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية والكوادر.

وأضاف البيان أن 3 مرافق صحية رئيسية في تلك المناطق تعرضت للنهب والتخريب، ما أدى إلى إغلاق اثنين منها وتوقف الثالث جزئياً. كما أُغلقت 18 منشأة أخرى بسبب القيود المفروضة على خدمات التطعيم والحصول على مستلزمات تنظيم الأسرة، إلى جانب نفاد المخزونات الطبية وتدهور ظروف العمل.

وحذَّرت الوزارة من أن أكثر من 45 مرفقاً صحياً إضافياً بات معرضاً للإغلاق أو تعليق العمل، نتيجة استنفاد مخزونات الأدوية واللقاحات ومستلزمات تنظيم الأسرة والتغذية العلاجية، فضلاً عن القيود التي تعيق حركة الكوادر والإمدادات الطبية.

شريان الإمداد

ونبهت الوزارة إلى أن إغلاق طريق هيجة العبد، الذي وصفته بأنه شريان الإمداد الآمن الوحيد الذي يربط تعز بعدن ولحج، قد تكون له تداعيات صحية واسعة على المحافظة.

وقالت إن الطريق يمثل المسار الرئيسي لوصول الأدوية واللقاحات والأكسجين الطبي ومشتقات الدم والكواشف المخبرية، والوقود اللازم لتشغيل المستشفيات، وسلسلة تبريد اللقاحات، إلى تعز.

كما يعتمد عليه مرضى السرطان والفشل الكلوي وأمراض القلب والمصابون بإصابات خطيرة، للوصول إلى المستشفيات المتخصصة في عدن.

وحسب الوزارة، فإن إغلاق الطريق سيعرقل أيضاً وصول النساء الحوامل إلى خدمات الطوارئ والتوليد، ويرفع مخاطر سوء تغذية الأطفال، وانتشار أمراض مثل الكوليرا والحصبة وحمى الضنك، في ظل هشاشة شبكات المياه والصرف الصحي.

ضغط على المرافق الصحية في عدن بسبب موجة النزوح الواسعة إلى المدينة (أ.ب)

وخارج مناطق المواجهات المباشرة، أفادت الوزارة بأن ما لا يقل عن 14 مرفقاً صحياً بحاجة إلى دعم عاجل، بينما اضطرت 3 مرافق فعلاً إلى تعليق بعض خدماتها. وتواجه مرافق أخرى ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع الطلب على الرعاية الصحية مع استمرار القتال وازدياد أعداد النازحين.

وقالت الوزارة إن استمرار تراجع الإمدادات، بالتزامن مع ارتفاع الطلب على الخدمات الأساسية، يهدد قدرة المرافق الصحية على مواصلة العمل، محذِّرة من أن توقف خدمات التحصين والتغذية والرعاية الوقائية قد يترك آثاراً صحية طويلة الأمد على السكان، ولا سيما الأطفال والفئات الأكثر ضعفاً.

وذكرت أن منظمة الصحة العالمية وثَّقت منذ بدء التصعيد في السادس من أغسطس (آب)، مقتل 674 شخصاً وإصابة نحو 3 آلاف آخرين في أنحاء اليمن، بينما تحققت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من مقتل 15 طفلاً وإصابة 14 آخرين خلال الشهر الماضي.

ودعت وزارة الصحة إلى حماية المنشآت والعاملين في القطاع الصحي، وضمان وصول الإمدادات والخدمات الطبية إلى السكان دون عوائق، محذرة من أن استمرار التدهور الأمني والقيود المفروضة على الحركة قد يدفع النظام الصحي في تعز إلى مزيد من التراجع، ويحد من قدرته على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للسكان والنازحين.


مدينة تعز تصدّ هجمات حوثية عنيفة في جبهتها الغربية

مقاتلة تابعة للقوات المسلحة اليمنية (إعلام عسكري)
مقاتلة تابعة للقوات المسلحة اليمنية (إعلام عسكري)
TT

مدينة تعز تصدّ هجمات حوثية عنيفة في جبهتها الغربية

مقاتلة تابعة للقوات المسلحة اليمنية (إعلام عسكري)
مقاتلة تابعة للقوات المسلحة اليمنية (إعلام عسكري)

كسرت القوات الحكومية اليمنية خلال الساعات الماضية موجة حوثية جديدة من الهجمات المتزامنة استهدفت الجبهة الغربية من مدينة تعز، وأجبرت المهاجمين على التراجع، بالتزامن مع تصعيد واسع في عمليات الاستهداف الجوية والمدفعية التي طالت مواقع الجماعة وتعزيزاتها وخطوط إمدادها في مختلف جبهات المحافظة.

وجاءت هذه الهجمات بالتزامن مع استمرار المعارك في الأرياف الغربية والجنوبية الغربية والجنوبية الشرقية من محافظة تعز، حيث تضغط الجماعة الحوثية منذ أكثر من أسبوعين سعياً لخنق المدينة من جهة الجنوب عبر السيطرة على أريافها وعزلها عن المناطق اليمنية المحررة باتجاه لحج وعدن، إلى جانب سعيها لتأمين مكاسبها في مناطق الساحل الغربي وباب المندب من خلال السيطرة على المرتفعات.

وتفيد إحصاءات الجيش اليمني بأن خسائر الجماعة الحوثية خلال أسبوع تقترب من خمسة آلاف قتيل وجريح، بسبب الضربات الجوية والبرية الاستنزافية التي تتعرض لها على يد القوات الحكومية.

الجيش اليمني تصدى لهجمات حوثية في الجبهة الغربية من مدينة تعز (إعلام محلي)

وحسب مصادر ميدانية، دارت المواجهات لساعات في مناطق جبل هان وحذران ومدارات والمطار القديم والصياحي غربي مدينة تعز، حيث حاول الحوثيون التقدم عبر أنساق متعددة وتحت غطاء ناري كثيف، إلا أن القوات الحكومية قالت إنها أحبطت الهجمات من دون أن تسمح بإحداث اختراق ميداني في خطوطها الدفاعية.

وتزامنت هذه المواجهات مع عمليات استهداف واسعة أعلنت القوات الحكومية تنفيذها ضد تحركات الحوثيين في تعز ومحافظات أخرى، في مؤشر على انتقال المعركة من التعامل مع الهجمات على خطوط التماس إلى ضرب التعزيزات قبل وصولها إلى الجبهات.

وأفادت مصادر عسكرية بأن الحوثيين دفعوا خلال هجمات ليلية بمجموعات قتالية على أكثر من محور في الجبهة الغربية ومحيط المدينة (تعز)، مستفيدين من الغطاء الناري الكثيف لمحاولة اختبار مواقع القوات الحكومية وفتح ثغرات تسمح بتوسيع نطاق الهجوم.

وتركزت المواجهات بصورة خاصة في جبل هان وحذران والمطار القديم والصياحي ومدارات، وهي مناطق تكتسب أهمية بسبب قرب بعضها من الأحياء السكنية ومن خطوط الحركة المؤدية إلى مدينة تعز.

عنصر أمن يمني في مدينة تعز التي تتعرض لهجمات حوثية عنيفة (أ.ف.ب)

وأعلنت القوات الحكومية أن وحداتها تمكنت من صد الهجمات الحوثية، وأوقعت في صفوف المهاجمين عشرات القتلى والجرحى، بينما لم تتمكن الجماعة من تحقيق تقدم ميداني يُذكر.

يأتي ذلك بعد يوم من مواجهات واسعة في عدد من جبهات المحافظة، بينها بني بكاري وحمير والأقروض والكدحة وجبل هان وسامع، حيث قالت القوات الحكومية إنها تصدت لمحاولات تسلل وهجمات حوثية متزامنة، وقتلت نحو 100 عنصر حوثي وأصابت العشرات مع أسر آخرين.

التعزيزات تحت النار

على وقع هذه التطورات وسَّع الجيش اليمني من نطاق الاستهداف لقوات الجماعة الحوثية وتعزيزاتها، وقال المتحدث باسم القوات المسلحة العقيد الركن ماجد النزيلي إن القوات نفَّذت 71 عملية استهداف دقيقة ضد تجمعات وتحشيدات وتعزيزات حوثية في مناطق الأقروض وسامع والأحكوم والأكبوش وجبل راسن وجبل جرداد وبني عمر وبني بكاري والكعاوش والأثاور.

وأضاف أن عمليات الاستهداف أدت، وفق الرواية العسكرية الحكومية، إلى تدمير عدد من وسائل النقل والإسناد وإخراج عناصر حوثية من المعركة.

وفي جبهة الوازعية، قال النزيلي إن الطيران استهدف عربات أسلحة وإمداد كانت في طريقها إلى جبل راسن، مؤكداً أن القوات الحكومية ستتعامل مع التعزيزات الحوثية بوصفها أهدافاً قبل وصولها إلى خطوط التماس.

إحدى المقابر التي شيَّدها الحوثيون في صنعاء لدفن قتلاهم (إ.ب.أ)

كما أعلن النزيلي تنفيذ 474 عملية استهداف خلال 24 ساعة باستخدام الطيران الحربي والمسيّر والمدفعية والصواريخ والراجمات، وقال إن العمليات شملت جبهات تمتد من جنوب حرض والساحل وكتاف إلى الجوف ومأرب والبيضاء ولحج وصنعاء وصعدة، مع تركيز مكثف على تعز.

وحسب المتحدث العسكري اليمني، أسفرت هذه العمليات عن مقتل وإصابة 1540 من عناصر الحوثيين، معظمهم في جبهات تعز، إضافةً إلى تدمير أو إعطاب 216 وسيلة وقدرة عسكرية.

كانت القوات الحكومية قد أعلنت خلال اليوم السابق مقتل أكثر من 100 حوثي وإصابة عشرات آخرين في مواجهات على عدة محاور في تعز، بما في ذلك حمير وبني بكاري والأقروض وسامع وبني عمر.

وقال النزيلي إن القوات الجوية استهدفت عربات أسلحة وإمداد متجهة إلى جبل راسن، بينما أعلنت القوات الحكومية في وقت سابق استهداف مواقع وتحركات وتعزيزات ومراكز قيادة وسيطرة وقدرات عسكرية في مناطق مختلفة خاضعة للحوثيين بينها صنعاء وصعدة وحجة.

تهديد للمدنيين

وبينما دارت المواجهات الأعنف في أرياف تعز خلال الأيام الماضية، وصل أثر المعركة إلى قلب مدينة تعز، وأفادت مصادر محلية بإصابة ستة مدنيين، بينهم طفلان وامرأة، جراء قصف مدفعي حوثي استهدف أحياء سكنية في منطقتي المطار القديم ووادي القاضي، كما أدى القصف إلى تضرر منازل وإثارة حالة من الخوف بين السكان.

وفي حادث منفصل، أُصيب الطفل عمرو خالد الريمي برصاص قناص حوثي في جولة عصيفرة شمال المدينة، ونُقل إلى أحد مستشفيات تعز لتلقي العلاج، وفق مصادر محلية نقلتها وكالة الأنباء اليمنية «سبأ».

تأتي هذه الوقائع في مدينة يعيش سكانها على مسافة قريبة من خطوط القتال، بينما أدت موجة القتال الأخيرة إلى زيادة حركة النزوح وتعقيد الوصول إلى الطرق والخدمات.

وفي أحدث موقف أممي، أعرب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ، عن قلق بالغ إزاء التطورات في تعز، وقال إن حدة القتال تصاعدت بصورة كبيرة، محذراً من المخاطر التي تمثلها العمليات العسكرية على السكان المدنيين.

وأشار غروندبرغ إلى تقارير عن سقوط ضحايا وتضرر بنية تحتية وإغلاق طرق تعوق قدرة السكان على مغادرة مناطق القتال، لافتاً إلى أن المحافظة تستضيف أعداداً كبيرة من اليمنيين الذين نزحوا حديثاً من مناطق أخرى.

كما دعا إلى حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ومن دون عوائق، وجدد دعوته للحوثيين إلى وقف هجومهم العسكري على المحافظة.

كانت الأمم المتحدة قد حذرت في وقت سابق من التداعيات الإنسانية للتصعيد في تعز ولحج ومأرب، مشيرةً إلى نزوح عشرات الآلاف منذ تجدد القتال، وإلى ضغوط متزايدة على المستشفيات والمواد الطبية وخدمات الإغاثة.