خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)

روى في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط» أن الرئيس العراقي أراد التهدئة مع إيران قبل غزو الكويت

صدام حسين يستقبل وزير الصحة الإيراني في 21 يونيو 1997 (غيتي - أ.ف.ب)  -  المرشد الإيراني علي خامنئي في 21 مارس الماضي (أ.ف.ب)  -  الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي)
صدام حسين يستقبل وزير الصحة الإيراني في 21 يونيو 1997 (غيتي - أ.ف.ب) - المرشد الإيراني علي خامنئي في 21 مارس الماضي (أ.ف.ب) - الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي)
TT

خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)

صدام حسين يستقبل وزير الصحة الإيراني في 21 يونيو 1997 (غيتي - أ.ف.ب)  -  المرشد الإيراني علي خامنئي في 21 مارس الماضي (أ.ف.ب)  -  الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي)
صدام حسين يستقبل وزير الصحة الإيراني في 21 يونيو 1997 (غيتي - أ.ف.ب) - المرشد الإيراني علي خامنئي في 21 مارس الماضي (أ.ف.ب) - الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي)

في الحلقة السادسة من مذكرات نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام، تنشر «الشرق الأوسط» رسائل متبادلة بين الرئيس العراقي صدام حسين، و«المرشد» الإيراني علي خامنئي والرئيس هاشمي رفسنجاني، قبل الغزو العراقي للكويت في عام 1990.
لا يتحدث خدام عن كيفية حصوله على هذه الرسائل السرية، التي يُنشر بعضها للمرة الأولى، لكنه يقدم قراءة فيها، حيث يقول في مسودة كتابه عن العلاقة السورية - الإيرانية، إن صدام «وفي إطار تحضيره لاجتياح الكويت، اتخذ الخطوة التالية، وهي تهدئة الوضع مع إيران، ليتمكن من سحب قواته من الحدود العراقية - الإيرانية من جهة، وحتى لا يتيح لإيران فرصة الانقضاض عليه في حال إقدامه على شن الحرب ضد الكويت».
وبين 21 أبريل (نيسان) و4 أغسطس (آب) 1990، جرى تبادل العديد من الرسائل بين صدام وإيران.
ويعلق خدام: «أضع أمام القارئ هذه الرسائل المتبادلة بين الأطراف، ليدرك أن اجتياح الكويت لم يكن حالة عابرة، وأن الهدف كان أوسع مما أُعلن من خلافات حول الديون وأسعار النفط». وتنشر «الشرق الأوسط» اليوم الرسائل المتبادلة قبل اجتياح الكويت:
سيادة علي خامنئي،
سيادة هاشمي رفسنجاني،
السلام عليكم،
سبق لي وأن خاطبتكم في مناسبات سابقة، أثناء الحرب (العراقية - الإيرانية 1980 - 1990)، بصورة غير مباشرة، عبر وسائل إعلام العراق، التي كانت الوسيلة الوحيدة المتاحة (...)، كما كنت أستمع إلى ما تقولونه عبر وسائل إعلامكم بالمقابل. وكانت آخر مبادرة توجهنا بها إليكم، بنية لا ريب فيها لتحقيق السلام الكامل والشامل، أعلناها في 5 من يناير (كانون الثاني) 1990، غير أننا لم نهتدِ معاً حتى الآن إلى ما نرجوه من سلام بين بلدينا، لنغادر سوية مآسي الحرب واحتمالات اندلاعها من جديد. إنه لأمر مفهوم أن تحيط الظنون والهواجس والتفسيرات المتشككة بما هو خير وما يمكن البناء عليه من آمال. والآن، ومن غير إعادة لما سبق أن قلناه من وجهة نظر كي تقولوا أنتم بالمقابل ما لديكم من وجهة، ولكي لا يندفع الحوار بعيداً عن ميدانه وأغراضه البناءة ويتجه نحو المجادلة وتبرز فيه عوامل الاختلاف لتتغلب على ما نرجوه من اتفاق على تحقيق السلام الفعلي والشامل والفوري، لا بين العراق وإيران وحسب، بل بين الأمة العربية وإيران، إن شاء الله.
أخاطبكم هذه المرة مباشرة، لأقترح عليكم، في هذا الشهر المبارك الذي يصوم فيه المسلمون وهم يتجهون إلى الفوز برضا الرحمن سبحانه وتعالى، عقد لقاء مباشر بيننا، يمثلنا فيه عبد الله صاحب هذه الرسالة (صدام)، و(نائبه) عزت إبراهيم (الدوري) وفريق من معاونينا، ويمثلكم فيه السيدان علي خامنئي وهاشمي رفسنجاني وفريق من معاونيكم. كما أقترح أن يُعقد اللقاء في مكة المكرمة، قِبلة المسلمين في الصلاة إلى الله والبيت العتيق الذي بناه سيدنا إبراهيم عليه السلام، أو في أي مكان آخر يتم الاتفاق عليه بيننا، لنعمل بعون الله على تحقيق السلام الذي تنتظره شعوبنا والأمة الإسلامية جمعاء، ونوفر بذلك دماء قد تسيل مرة أخرى لأي سبب كان. من بين الاحتمالات التي يحملها الموقف، أن تسعى القوى التي كان لها يد في الفتنة التي وقعت بين إيران والعراق، إلى تجديد الحرب مرة أخرى بما يبعد السلام عن بلدينا.
إنكم لا بد تتابعون التهديدات التي يتعرض إليها العراق والأمة العربية من جانب الصهيونية وبعض الدول العظمى والكبرى، ولا شك أنكم تعرفون بأن الهدف الأساس من هذه التهديدات هو إبقاء يد الكيان الصهيوني طليقة لتعيث في الأرض فساداً، ولتكون قادرة على البطش بمن يعترض سبيل الباطل وينهره ويصده عن رغباته وأطماعه الشريرة في المنطقة، ويسعى لإزالة احتلاله لأرض فلسطين العربية والقدس الشريف العزيز على كل مسلم، بل وعلى كل من يؤمن بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر.
إن هذه القوى الشريرة، التي نأمل أن تَخيب آمالها وتطيش سهامها بعون الله، لا بد أن تعمل على إعادة الصراع الدامي المسلح بين إيران من جانب، والعراق والأمة العربية من جانب آخر، ولديها ما لديها من وسائل لتحقيق ذلك. وعند ذلك، لن يخسر المسلمون جميعاً فرصة توجيه إمكاناتهم وما لديهم من قدرات لتحرير مقدساتهم في فلسطين وحسب، بل سيخسرون الكثير والكثير مما عندهم.
إننا نرى بلوغ ما يعتبره العراق حقاً، وبلوغ ما تراه إيران حقاً، متاحاً لنا في اللقاء المباشر بيننا، الذي يقطع الطريق على المتربصين الساعين إلى تعكير الرغبة في السلام، إذا ما اتجهت النيات باتجاه صِدق إلى السلام وفق ما يرضاه الله لنا وترضاه شعوبنا. ومن جانبنا، فإن هذه النية متوفرة لدينا، بإيمان عميق ومستقر، وليس فيها غير الرغبة في الحصول على حقنا الثابت المتوازن مع حقكم الثابت.
وإنني لأقترح عليكم، وعلى قاعدة خير البر عاجله، أن يتم اللقاء في ثاني أيام عيد الفطر المبارك، أو في أي موعد آخر.
أما بشأن زيارتكم لمكة وما يتصل بها من مستلزمات المراسم من جانب الدولة المضيفة، فإننا، وعلى أساس ما يجمعنا وإخواننا في المملكة العربية السعودية من وشائج الأخوة والاحترام المتبادل، سنتمنى على أخينا الملك فهد بن عبد العزيز، لأن يوفر ما هو ضروري ومناسب لمثل هذا الأمر، مع العلم أننا لم نبلغه حتى الآن بمضمون رسالتنا هذه.
وتسهيلاً وتحضيراً لمتطلبات اللقاء، قد ترون مثلما نرى أن يتواجد في طهران من يمثلنا ويتواجد في بغداد من يمثلكم، وأن تفتح خطوط الهاتف المباشر بين العاصمتين لتأمين الاتصالات اللازمة.
اللهم اشهد أني قد بلغت،
والسلام عليكم.
صَدام حسين
بغداد 21 نيسان 1990
ولم تمضِ أيام حتى تلقى صدام الجواب من رفسنجاني:
جناب السيد صَدام حسين،
لقد اطلعت على رسالتكم. وفي الحقيقة، إذا كانت موضوعات هذه الرسالة قد حظيت بالاهتمام قبل ثمان سنوات، وكان إرسال الرسالة مكان إرسال الجندي، لما كانت إيران والعراق وربما جميع الأمة الإسلامية تواجه كل هذه الخسائر والضحايا اليوم. والكل يعلم بأن الثورة الإسلامية، ومنذ البداية ودائماً، وضعت قضايا تَقارُب الدول الإسلامية ومجد وعظمة الإسلام والمسلمين والنضال ضد الحكومة الإسرائيلية الغاصبة وتحرير فلسطين، في أول سلم أولوياتها. وإذا كانت جميع حكومات المنطقة العربية، وكما فعلت بعضها، قد عرفت مكانة هذه الثورة المضادة للصهيونية والاستكبار وتعاونت معها، لكانت الآن معادلة القدرة والقوة في الشرق الأوسط هي في نفع الإسلام، ولما وجدت إسرائيل والاستكبار مثل هذه الفرصة لبسط وجودها وتوسعها. وإننا بطبيعة الحال ليس لدينا مشاكل مع الأمة العربية، ومن المؤسف أن فرصة تاريخية ذهبت خلال السنوات العشر الماضية، ومن بداية الثورة فُرضت علينا حرب مدمرة ما أردناها، واحتلت مناطق واسعة من أراضينا في الحدود الغربية للبلاد، وهُدرت طاقات وإمكانات بشرية واقتصادية وعسكرية لإيران والعراق والتي كان يجب أن توظف للنضال. وقد انتفع أعداء الإسلام والقوى العظمى بذريعة حمايتها، أو أنها زادت من تدخلاتها. كما أن إسرائيل استطاعت أن تربح من هذه الفرصة وتقوم بتنفيذ قسم من برامجها التوسعية العدوانية، وكان من نتائجها أن أصبح (اتفاق) كامب ديفيد (بين مصر وإسرائيل) ومساومة بعض دول المنطقة مع إسرائيل أمراً عادياً.
لقد قُلنا مراراً إنه لو لم تبدأ الحرب وتمت الاستفادة من الإمكانات المتاحة لشعبي إيران والعراق من أجل الوحدة وحفظ مصالح المسلمين، لما تجرأ الاستكبار الغربي والصهيونية على القيام بذلك.
وعلى أي حال، فلا بد من أخذ العبرة من كل ما حدث، والانتباه إلى أن مواصلة حالة اللا سلم واللا حرب، أو اشتعال الحرب ثانية، سيكون وبالاً وتدميراً أكثر للبلدين والشعبين الإيراني والعراقي، وضعفاً للأمة الإسلامية، وسروراً وفرصة لكسب الامتيازات للكفر العالمي. وطبعاً، فإن تجربة الحرب المفروضة قد أفهمت أولئك الذين لا يصدقون بسرعة بأن الهجوم العسكري لن يكون قادراً على زعزعة أسس وأعمدة الثورة المعتمدة على إرادة الجماهير الإسلامية.
وهنا يجب أن نؤكد، وكما أعلن قائد الثورة ومؤسسها الإمام الخميني ذلك، بعد قبول القرار، حيث قال: «إننا نتحدث إلى شعبنا بكل صدق، وإننا في إطار القرار 598 نفكر في سلام صامد، وهذا ليس تكتيكاً بأي شكل من الأشكال». إننا في سعينا من أجل الوصول إلى سلام حقيقي وشامل، لن نسمح لأي شك أن يساورنا، وإن سماحة خامنئي يواصل بحزم الطريق نفسها التي رسمها إمامنا الراحل للوصول إلى سلام شامل. وعلى هذا الأساس، فإننا نرحب بأي نوع من المبادرة أو الاقتراح الذي يُوصل البلدين إلى السلام الشامل، خاصة في الظرف الحالي الذي يحاول حماة إسرائيل الغاصبة الاستفادة من تمزق العالم الإسلامي، من أجل الحصول على امتيازات أكثر وتضعيف المسلمين وتقوية الصهاينة. إننا لا نرغب في حالة اللا حرب واللا سلم، ولكننا نختار، وبكل حزم، طُرق السلام الحقيقي والشامل، الذي يحفظ مصالح الأمة الإسلامية.
وإنني أجلب انتباهكم إلى هذه الحقيقة، وهي أن مواصلة احتلال قسم من أراضينا الإسلامية سيجعل حركتنا في طريق الوصول إلى صلح شامل بطيئة أو غير مثمرة. وأنتم تعلمون بأننا، وبعد قرارنا بإيقاف الحرب، سحبنا جميع قواتنا في داخل العراق إلى حدودنا بدون إبطاء. وكونوا واثقين بأن هذه الوضعية بالنسبة للشعب الإيراني، الذي نذر نفسه للإسلام والثورة، تخلق شكاً جدياً لديه في حُسن نية الطرف الآخر. نحن مصممون على أن نحظى بثقة الشعب خلال مسيرتنا في طريق السلم كما في مرحلة الدفاع.
والنقطة الأخرى، وهي قبل الإقدام على إجراء الاتصال بين رئيسي جمهوريتي البلدين، لا بد من جلوس ممثل من جانبنا وممثل من جانبكم في إحدى الدول التي لها علاقات ودية مع الجانبين، ليتحدثا عن الأمور التي يجب إنجازها، كي تتوفر الأرضية اللازمة والخطوات التمهيدية للقرار النهائي بدون فوات الأوان.
ومن جهة أخرى، يجب أن يكون أسلوب الإجراءات، بحيث لا يوجد أي خلل في اعتماد القرار 598 باعتباره الإطار المناسب لحل النزاعات.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، عليه توكلت وإليه أنيب، والسلام على من اتبع الهدى
أكبر هاشمي رفسنجاني
6 شوال 1410

وحَمَل مندوب بعث به الرئيس ياسر عرفات رسالة صدام إلى طهران:
سماحة علي خامنئي،
سماحة الرئيس هاشمي رفسنجاني،
تحية الجهاد والثورة،
فإنني أغتنم فرصة وصول مبعوثنا إليكم، الأخ أبو خالد، وهو يحمل رسالة خاصة من الرئيس صَدام حسين والتي قمت بتسليمها له، وهذه الرسالة المفاجئة والمهمة هي مبادرة حُسن نية من العراق إلى إيران، بل من القيادة العراقية إلى إخوانهم في القيادة الإيرانية، التي أَمْلَتها الظروف الخطيرة التي تمر بها الأمة الإسلامية بشكل عام والأمة العربية بشكل خاص (...)
وأمام المستجدات الأخرى المتمثلة بالتهديدات الإسرائيلية والأميركية وبعض الدول الأوروبية للدول العربية وللأمة الإسلامية وللمنطقة كلها، التي يحاولون بها السيطرة من خلال إسرائيل التي تمثل رأس الجسر والحربة الاستعمارية لقوى الاستكبار العالمي في الشرق الأوسط، أهم مراكز احتياطي النفط في العالم، بجانب الموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به.
إن العالمين العربي والإسلامي بل وشعوب ودول العالم الثالث وشعب فلسطين بالخصوص، لينتظر منكم المبادرة الإيجابية والبناءة أمام هذه المبادرة التي يرسلها إليكم السيد الرئيس صَدام حسين (...)
أناشدكم بكل المحبة، وبكل الأخوة وبكل المقدسات، أن نسارع بهذه الخطوة المباركة، فأفئدة المسلمين ترنو إليكم وتهفو لنجاحها (...)
أخوكم
ياسر عرفات الحسيني
رئيس دولة فلسطين
22 مايو (أيار) 1990
وهنا نص رسالة صدام المؤرخة في 19 مايو:
بعد التحيات: تسلمت رسالتكم الخطية الجوابية (...). قرأتها وأعَدْت قراءتها أكثر من مرة، أنا وإخواني في القيادة. ورغم أننا فهمنا منها أنكم توافقون على اقتراحنا لعقد لقاء بيننا وبينكم على مستوى القمة لإعطاء حل حاسم ونهائي للمشاكل المعلقة بين بلدينا، والتي كانت سبباً للنزاع أو نتيجة له، وإننا قد سُررنا بذلك، لكن روح الرسالة لم تكن كما كنا نأمل. ذلك أنها قد انطوت على عبارات مبطنة في بدايتها وحيثما وجدت فرصة لذلك، وخشنة في خاتمتها.
إننا أيها السادة، عندما فكرنا في الكتابة المباشرة إليكم، قلبنا كل ما تكتنفه العلاقة بيننا من وضع خاص، ووجدنا أن أسلوب الكتابة مباشرة، وما يتأسس عليه من صلة، هو الأسلوب الأكثر جدوى لتحقيق لقاء مباشر وحوار مباشر، ليس هناك ما هو أكثر فائدة منه وأقدر على إنجاز السلام المنشود بين العراق وإيران، بل بين الأمة العربية وإيران.
وإننا نعرف ونفترض، بأنكم تعرفون أيضاً، أن السلام بيننا لا يتحقق باقتناع طرف من غير أن يقترن باقتناع الطرف الآخر، ولا تفيده رعاية يقدمها طرف واحد من غير أن تشير مبادرة الرعاية هذه، رعاية مقابلة للأفكار والمعاني والأساليب أيضاً عند الطرف الآخر.
وقد استذكرنا قبل أن نكتب رسالتنا الأولى، بأننا قد استخدمنا واستخدمتم، وأسمعَ كل طرف الطرف الآخر أقوى العبارات وربما أخشنها طوال السنوات العشر الماضية. وبغض النظر عن تأثير ذلك الأسلوب ونوع ذلك التأثير الذي كان من صفحات النزاع والحرب بيننا، فإنه لم يحقق السلام.
ومن ضمن ما ورد في رسالتكم من عبارات ومصطلحات «الحرب المفروضة» و«بطء الفهم» واختتام رسالتكم بجملة «والسلام على من اتبع الهدى» بدلاً من «والسلام عليكم»، كما هو معتاد استخدامه في رسائل كهذه.
ولأننا نريد السلام ليس لأي سبب إلا لمعانيه العظيمة في نفوسنا وفيما نؤمن، وضعنا في رسالتنا، مفاهيم وتعابير مع قياساتنا الإنسانية ونُبل مقاصدنا، فلم نستخدم إلا ما يرضي الله والناس من عبارات، ولا يعني ذلك ابتداء تغييراً في كل مفاهيمنا وآرائنا، بل يعني أننا نرغب في أن نفتح باباً جديداً أقرب للنفس المقابلة، وأكثر قدرة على التأثير فيها لصالح منهج السلام الذي نُعده مقصداً شريفاً، ويخدم شعبنا والإنسانية، ولأن هذا الأسلوب هو الأسلوب اللائق والمناسب لمثل هذه المقاصد والسبل. فالواجب يقتضي أن نجرب أسلوباً جديداً في التخاطب، هو غير أسلوب الحرب أو الزمن الذي سبقها، ثم إن استخدام العبارات والتعابير التي استخدمت أثناء الحرب، لا يوهم أياً من الطرفين بأنه يعني اقتداراً إضافياً على ما هو معروف عن اقتدار كل طرف من طرفي النزاع، وهو لا يُعين على إثبات أمر على أنه حق، وإن استخدام عبارات مناسبة لمخاطبة كهذه، إن لم يقو اقتدار المقتدر ويُعينه بعد التوكل على الله، فإنه في كل الأحوال لا يحذف من اقتداره شيئاً، ولا يُنقص منه حقاً ثابتاً، بل سيكون مدخل ضوء إلى قلوب حَملتها الحرب الكثير حتى أثخنت جراحها، وبما يجعلها، عندما تتجه اتجاه صدق، مهيأة لعمل الخير الذي يحقق السلام.
لذلك وجدنا أن الذي يناسب المكاتبة بيننا، هو عدم تثبيت ما نراه حقاً لنا، لكي لا تندفعوا إلى تثبيت ما ترونه حقاً لكم، وبذلك قد لا تتوفر فرصة للتهيؤ النفسي كما ينبغي ليستقبل كل منا الحوار المباشر. وإننا في هذا لا نقصد سد باب الحوار الذي ينفتح في الصلة المباشرة على ما يراه كل منا مفيداً، ليتعرف كل طرف على صلة الخطوة الأولى بآخر خطوة على طريق السلام، وليرى عملية السلام ككل من خطواتها الأولى، وصلة ما يراه حقاً لنفسه، مع ما يراه المقابل حقاً له، ويُستحسن ونحن نسعى سوية إلى ما يحقق السلام أن لا ينشغل أي طرف منا بما هو ماضٍ على حساب ما هو مستقبل، لأن البقاء عند سياسة مضغ أحداث الماضي يجعل من ينطبق عليه هذا الوصف متهماً من قِبل شعوبنا، وهي الأقدر على معرفة خواص كل واحد منا بأنه بطيء الفهم، وإننا في هذا لا نريد أن نتهرب من الماضي، لأنكم تعرفون، أو تقدرون، بأننا قادرون على أن نُبرِز إلى ميدان مناظرة (من بدأ الحرب والعداوة وكيف بدأت) وثائق كافية تدعم وجهة نظرنا بصورة تفصيلية، وتعرفون أن الوثائق ستكون أكثر تأثيراً في إقناع المحيط الأوسع من شعوبنا والإنسانية، مما ستكون عليه الأقوال والآراء المسبقة لأي طرف في قيادتي البلدين، وتعرفون أن التساؤل حول هذا الموضوع والخوض فيه، إذا ما عُد مدخلاً لبحثنا على أساس أنه الأسبق في تسلسله الزمني، كما كنتم تقولون قبل يوليو (تموز) 1988، يتطلب زمناً وجهداً لإثبات الحجة يوازي زمن الحرب ويتعداه إلى الزمن الذي سبقها أو يتناظر معه. وتعرفون أن كل واحد من طرفي النزاع يحتفظ بتوقيت لبدايته، ويستند إلى حجج ووقائع عملية وقانونية، غير الحجج والوقائع التي يستند إليها الطرف الآخر. ومن ذلك سيتضح من هو الأحق في أن يصف الحرب بالحرب المفروضة، ومن هو الأحق في أن يشير إلى إرسال الرسائل بدلاً من إرسال الجنود... إلخ.
أما عن قرار مجلس الأمن رقم 598 فهو في نظرنا، منذ أن قبلناه بعد صدوره في يوليو 1987 خطة سلام شامل ودائم بين البلدين وفق ما يتفقان عليه، مستعينين بما ورد فيه من مبادئ وأحكام.
لذلك التزمنا بالقرار - ولا نزال نلتزم بتطبيقه - على أساس هذا الفهم، وإننا نفترض ونحن نسعى إلى السلام أن رغبتنا في البلدين فيه وفائدتنا منه تحظى بنفس المستوى والدرجة من الحماسة. ليس مطلوباً من أي من طرفي النزاع أن يقدم ثمناً مسبقاً لخطوة اللقاء المباشر، غير الرغبة الجادة في تحقيق السلام، وبمفردات عملية ذات دلالة. وعندما يتحقق السلام، فإنه من تحصيل الحاصل أن يكون جيش كل بلد داخل بلده، وأن لا يكون له امتداد على أي تلة أو شبر أرض أو في مياه أي من البلدين، مما فرضته ظروف خاصة واعتبارات وقف إطلاق النار وحالة اللا حرب واللا سلم.
ذكرتم في رسالتكم بأنكم انسحبتم من الأراضي العراقية، وتعنون بذلك انسحابكم من حلبجة في ظروف خاصة معروفة، إلى آخر الجملة.
وتعليقنا على ذلك، أننا انسحبنا من أراضيكم التي دخلت إليها جيوشنا في ظروف معروفة في بداية النزاع المسلح في عام 1980، وتم ذلك في 20 يونيو (حزيران) 1982، بعد أن كنا قد أعلنا قرار الانسحاب ذاك في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة في 10 يونيو 1982، والذي قلنا فيه إننا سننسحب في مدة أقصاها عشرة أيام، وقد طبق فعلاً، بينما انسحبت قواتكم من حلبجة في ظروف قتال خاصة، هي غير الظروف التي انسحبت فيها جيوشنا.
لذلك، فإذا كنتم تُعدون انسحابكم من حلبجة الذي حصل في ظروف خاصة دليلاً على إثبات حسن النية الذي ينفي عنكم الطمع، أو الرغبة في الاحتفاظ بأراضي الغير، فإن الأدعى أن يُعد انسحابنا من أراضيكم عام 1982 وانسحابنا من أراضيكم بعد معارك «توكلنا على الله» الرابعة في قاطعي الجنوب والأوسط في يوليو 1988 دليلاً إضافياً مع الدلائل الأخرى على حُسن نيتنا، وعدم رغبتنا في احتفاظ العراق بأي شبر من أرض إيران.
وفي كل الأحوال، فإن السلام يعني فيما يعنيه من جانبنا، أن لا يغتصب أي طرف حقا ثابتاً لطرف آخر، وأن لا يغتصب أو يحتفظ أحد أطراف النزاع بشبر أرض أو مياه للطرف الآخر، وهو منهج طالما أكدنا عليه، وتمسكنا به في أكثر الظروف تعقيداً وعداوة، ولذلك فمن البديهي أن نتمسك به في نفس الوقت الذي نحثكم فيه على التمسك به في ظروف مباحثات السلام وكطريق لبلوغه، إن شاء الله.
لقد عَلِمنا من إجابتكم على الاستفسارات التي عرضها سفيرنا في جنيف على سفيركم هناك حول ما جاء في رسالتكم إلينا بشأن لقاء تمهيدي بين مندوبين عن الطرفين، أنكم تُحبذون هذا الأسلوب للتحضير للقاء القمة. إننا نوافق على هذا الترتيب، وقد خولنا سفيرنا في جنيف برزان التكريتي بإجراء المحادثات مع سفيركم سيروس ناصري لتبادل وجهات النظر حول مواقف الطرفين، ليتعرف كل طرف على رأي الطرف الآخر إزاء القضايا التي تهمنا، بما يوضح لنا الصورة عند اللقاء على مستوى القمة ويُسهل مهمتنا.
أما عن مكان انعقاد القمة، فإننا لا نزال بانتظار تحديد مقترحكم بشأنه، لأننا لم نجد في جوابكم رأياً قاطعاً في المكان الذي اقترحناه وهو مكة المكرمة، وقد يكون ذلك من الأمور التي يبحثها المندوبان.
أما بشأن من يحضر القمة، فإننا ما نزال نرى بأن اللقاء على مستوى القمة، ينبغي أن يضم مصادر القرار الأساسية في البلدين. إذا ما قبلتم فعلياً فكرة اللقاء على مستوى القمة، توكلنا على الله لتحقيقها معناً، لأن حضورنا معاً على مستوى القمة هو اختبار لجدية التوجه لحسم الأمور بحلول نهائية مقبولة للطرفين، إذا ما تحققت بعون من الله، سيكون بعدها السلام الدائم والشامل، وإن بقاء مصادر قرار أساسية خارج لقاء القمة، قادرة على أن تقول لا أو نعم، سيؤثر على تطبيق ما يتم الاتفاق عليه وعلى مستوى الالتزام به (...).
ثم إن السلام يبدأ فعلياً من حيث تبدأ بدايته النفسية داخل من ينسجون خيوطه، حتى يتكون كحالة مستقرة في الصدور. لذلك، فإن من يشارك في صنعه منذ البداية سيجد أنه مسؤول مسؤولية أخلاقية ونفسية عن تطبيقه والالتزام به، بالإضافة إلى أن حضور كل ثقل مركز القرار يقطع أي حجة قد تبرز بما يعقد أو يؤخر مسار السلام بعد الاتفاق عليه. لذلك نعيد التمسك بمقترحنا بأن يحضر لقاء القمة من جانبنا رئيس مجلس قيادة الثورة، رئيس الجمهورية، ونائب رئيس مجلس قيادة الثورة، ويحضر من جانب إيران خامنئي ورفسنجاني.
صَدام حسين
بغداد في 24 شوال 1410
الموافق 19 مايو 1990
رد عليه رفسنجاني بالرسالة التالية، وبعد التحيات، هنا نصها:
تسلمت رسالتكم (...) ونظراً لاحتمال أن تكون حكومتكم جادة في طريق السلم، كما ظهر من رسالتكم، فإننا نرسل لكم جواب هذه الرسالة الثانية، ولكننا نأمل أن لا نضيع الوقت من الآن فصاعداً، في تبادل الرسائل إلا في الحالات الضرورية، وأن لا يعاني الشعبان وجماهير المنطقة أكـثر مما عانوا من تأثير حالة اللا حرب واللا سلم، وأدعو الله أن تكون هذه آخر رسالة، وأن نشهد خطوات عملية جدية في طريق السلام.
في رسالتكم هناك شكوى لبعض عبارات ومضامين رسالتنا الجوابية، ونحن أيضاً لا نرضى في رسائل السلم أن تُطرح موضوعات مؤذية أو مؤلمة. ولكن، مع الأسف، فإن حجر أساس هذا البناء قد تم وضعه في أول رسالة كتبتموها، وهي في رأيكم من أجل إزالة ترسبات الصراع وتمهيد طريق الصداقة، ومن ضمنها في الرسالة الأولى الادعاء وكأن الجانب الذي يواجهنا هو «الأمة العربية»، الشيء الذي بُذِلت من أجله جهود جمة وبقي بلا طائل ولا نتيجة.
أنتم وحزبكم الذين كنتم تتحدثون في تلك الأيام عن موقف «تيار التقدمية» و«جبهة المواجهة»، وقلتم بأن أفراداً (...) كانوا يساندونكم طوال فترة الحرب هم ليسوا من «الأمة العربية»، وبُذلت جهود كافية إلى حد ما في إفشاء ماهيتهم كتابة ونشراً، وأحياناً عرض بعض الوثائق. واستبعد أن تكونوا قد نسيتم أن أغلب الحكومات التقدمية والذين كانوا معكم في خندق واحد في «جبهة المواجهة» كانوا معنا في هذا الصراع، أو على الأقل لم يكونوا منحازين. أما وضع الجماهير، وبخاصة القوى الإسلامية المخلصة، فتعرفونه جيداً.
في رسالتكم الأولى، تحدثتم عن موقف من تبنى شؤون فلسطين والفلسطينيين والقوى المقاومة ضد هجمة الإمبريالية، مع أنه يستبعد أن يكون منظمو تلك الرسالة غافلين عن تعاطف الجمهورية الإيرانية مع القضية، وكونها طليعة في هذا المجال، ولا يعلمون أن الهدف الأول للهجمة الاستكبارية هو الثورة الإيرانية، وكان من الأفضل أن لا يتم تجاهل هذه الحقيقة إذا كانت الرسالة قد كُتبت من أجل بناء الثقة.
إضافة إلى أن الآداب المتبعة في المراسلات الرسمية، لم يتم رعايتها في رسالتكم الأولى والثانية، ووجدت فيها عبارات وتعبيرات تحتوي على نقاط سلبية ومؤلمة تشابه تلك التي اتبعتموها في رسالتنا، ومن الأفضل أن نتجاوزها. وإذا لم تكونوا قد فتحتم أنتم باب الشكوى لما كتبنا هذه الأشياء، لأننا الآن نتطلع إلى السلام وليس إلى المشاجرة وحرب الرسائل.
وفيما يخص مستوى المسؤولين في المحادثات، فمن الأفضل أن يكون الأمر الآن واضحاً بأن السيد خامنئي لن يشارك في المحادثات. وطبيعي أن رئيس الجمهورية وسائر المسؤولين لن يُقدموا على شيء يخالف نظر القائد، وإذا شارك رئيس الجمهورية ستكون حتماً لديه كامل الصلاحيات، حيث سينفذ القرار بالتأكيد، ولا مجال للقلق الذي أبديتموه في رسالتكم.
ومن أجل إثبات حُسن النية والجدية في طريق السلام، تمت المقارنة في الرسالة الثانية بين انسحاب قواتنا بعد قبول القرار 598 والوضعية بعد عمليات بيت المقدس واستعادة خرمشهر والانسحاب التكتيكي في نهاية الحرب.
حبذا لو لم تكونوا قد دخلتم في هذا البحث الذي لا يحتاج إلى توضيح أكثر، وأنتم أنفسكم تعلمون أنه حتى بعد فتح خرمشهر، بقيت قواتكم العسكرية في الجبهة الوسطى في مواقع كثيرة من الأراضي الإيرانية، من ضمنها مدن نفت شهر وخسروي ومهران وعشرات القوى والمرتفعات التي كانت لها ظروف متباينة مع الجبهة الجنوبية، حيث كانت أكثر المناطق منذ اليوم الأول للحرب، وإلى الآن، تحت احتلال قواتكم، ومن المستبعد أن يكون قادتكم العسكريون قد أخفوا وكتموا هذه الحقائق عنكم.
ومع أنه قد تم التأكيد مراراً في الرسائل على ضرورة الاجتناب من اتخاذ المواقف المثيرة والتي تؤدي إلى ردود فعل، فقد وردت إشارات إلى بعض الادعاءات التي تتناقض مع تلك التأكيدات، وتعلمون بأن تعريف الحقوق ليس على أساس الانطباعات والرغبات الشخصية، بل وفق القوانين والأنظمة المعروفة. إن أحد المبادئ المهمة لضمان إحلال السلام بين دولتين، مبدأ الوفاء بالعهد واحترام الضمانات الدولية. إن تأكيدكم على اعتماد القرار 598 نتلقاه بشكل إيجابي، ولكن من الجدير بالذكر أن هذا القرار واضح وخالٍ من الغموض ويمكن أن يتم تنفيذه، وعلى أساس الأساليب المقترحة من قِبل الأمين العام للأمم المتحدة الذي يتحمل مسؤولية تطبيقه.
إن تكرار المواقف غير المفيدة أظهر عدم جدواها العملي خلال عدة دورات من المحادثات تحت إشراف الأمين العام، وإن ما تظهرونه من وجود مشكلة في تعيين البادئ بالحرب، والذي هو من واجبات الأمين العام الأساسية حسب القرار 598 لتثبيت سلام شامل وصامد بين البلدين، وسد الطريق أمام الإجراءات التدريجية والخطوات العملية للوصول إلى سلام شامل ونهائي. وكذلك طرح الادعاءات التي ليس لها دليل، وكل شيء من هذا القبيل والذي يتنافى مع حُسن النية، نعتبرها ليست متناسبة مع الأهداف السلمية لأي من الطرفين. ومن المؤسف أن التصريحات غير المناسبة التي انعكست في قرار اجتماع القمة في بغداد حول قضايا القرار 598 وحقوق العراق وإيران، يمكنها أن تَخلق مشاكل في طريق نيل الثقة والاطمئنان لحسن النية والسلام والصداقة والتي يجب تداركها.
إن السفير ناصري ممثلنا في المحادثات مع ممثلكم (برزان التكريتي)، وإن مهمته هي المحادثات في القضايا الجوهرية لتنفيذ القرار وتهيئة الأرضية لاستئناف العلاقات السلمية بين البلدين. طلبنا منه أن يتحاشى الاشتراك في بحث القضايا الشكلية والهامشية التي تؤدي إلى قتل الوقت وإطالة الوضع الحالي. ولا بد من أن نؤكد بأن لقاء رئيسي الجمهوريتين سيكون مناسباً وصالحاً فقط في حالة أن يثق الطرفان من نتائجها الإيجابية، وبعكس ذلك فإن من الممكن أن تكون لها آثار سلبية وخسائرها أكثر من الوضع الحالي.
وبالنسبة لمكان القمة، فإن أراضي السعودية ليست في الوقت الحاضر مكاناً مناسباً لمحادثات السلام. ومع الانتباه إلى وجود أماكن متعددة، فإن انتخاب المكان المناسب للطرفين سوف لا يمثل مشكلة بالنسبة لنا (...) وطبيعي أن يطلع الأمين العام على سير المحادثات التمهيدية، وفي الحالات الضرورية يمكن الاستفادة من وجهات نظره ومبادراته حول تعزيز السلام (...)
وفي الختام، أسأل الله تبارك وتعالى أن يَمُن علينا بالتوفيق التام من أجل إزالة الخصام وقلع جذور الصراع وتعبيد وتسوية طريق الشعبين (...)
طهران، أكبر هاشمي رفسنجاني

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)
خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)

خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



«تدقيقات مصرية» للحد من أعداد الوافدين المخالفين

مئات السودانيين في محطة رمسيس بالقاهرة ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)
مئات السودانيين في محطة رمسيس بالقاهرة ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)
TT

«تدقيقات مصرية» للحد من أعداد الوافدين المخالفين

مئات السودانيين في محطة رمسيس بالقاهرة ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)
مئات السودانيين في محطة رمسيس بالقاهرة ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

أربعة أعوام قضاها السوري رائد عبد القادر في مصر، حيث عمل في مطعم بأحد مناطق العاصمة، واستقدم زوجته وابنه، فراراً من عدم استقرار الأوضاع في بلاده، قبل أن يتقرر ترحيله لانتهاء فترة إقامته بـ«الكارت الأصفر».

أمضى السوري الأربعيني عشرة أيام في أحد أقسام شرطة القاهرة بعد توقيفه بصحبة سبعة آخرين، ضمن واحدة من حملات مكثفة في الشوارع والكمائن على الطرقات وداخل المحال والمنشآت التجارية لتدقيق الإقامات. وخلال تنقله بين عدة جهات حتى ترحيله، صادف عشرات الموقوفين من جنسيات مختلفة حسبما قال لـ«الشرق الأوسط».

ويوم الثلاثاء الماضي، وصل عبد القادر إلى سوريا، تاركاً زوجته وابنه بالقاهرة.

ويقول المحامي المتخصص في شؤون اللاجئين، أمير فاضل، الذي وكَّله أفراد عائلات عدة لمتابعة الإجراءات مع ذويهم الموقوفين في الحملات المستمرة منذ نهاية الشهر الماضي، إن حملات التدقيق تُسفر عن توقيف «المئات» يومياً؛ مُقدراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» أعداد المُرحلين بـ«الآلاف» خلال الشهرين الماضيين.

خيار الترحيل

تستضيف مصر أكثر من 10 ملايين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، من 62 جنسية مختلفة، وهو ما يكلّف الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

لاجئون سوريون في مصر (مفوضية اللاجئين)

وسبق أن اتخذت الحكومة المصرية إجراءات لتشجيع الوافدين على العودة لبلادهم، بداية من توفير قطارات تتجه أسبوعياً من القاهرة إلى أسوان لنقل آلاف السودانيين الراغبين في العودة الطوعية، مروراً بإعفاء أقرانهم السوريين من غرامات الإقامة خلال الفترة من يوليو (تموز) حتى سبتمبر (أيلول) من العام الماضي؛ كما توجهت للسودانيين المغادرين بقرار مماثل ما زال ممتداً حتى مارس (آذار) المقبل.

لكن هذه الإجراءات لم تنجح في تقليص أعداد الوافدين بصورة كبيرة. وقال مصدر أمني، طلب عدم ذكر اسمه، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن السلطات تتتبع الوافدين المقيمين بصورة غير مشروعة من خلال عدة طرق، سواء من قاعدة البيانات المتوفرة لديها عنهم، حيث يُلزم القانون أصحاب العقارات بإعلام قسم الشرطة بجنسيات المقيمين بوحداتهم المؤجرة، أو من خلال حملات أمنية في مناطق تجمعاتهم.

وأضاف: «بعد توقيفهم يتم ترحيلهم وفق عدة إجراءات»، موضحاً: «المقيم بشكل غير مشروع تُخيره السلطات بين العودة أو المضي في الإجراءات القانونية، وأغلبهم يختار العودة»، مؤكداً أن قرارات الترحيل تكون «تقديرية»، لذا قد يتم ترحيل سوريين أكثر من السودانيين نظراً لاستقرار الأوضاع في سوريا مقارنة بالسودان.

العودة الطوعية

تُعد مصر من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، حتى تجاوزت أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء لدى مفوضية اللاجئين مليوناً و98 ألف شخص من 60 جنسية مختلفة بنهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تصدرهم السودانيون بواقع 834 ألفاً و201 طلب، ثم السوريون بواقع 123 ألفاً و383 طلباً.

لاجئون من جنسيات مختلفة في مصر (مفوضية اللاجئين)

ولا تُعبر هذه الأرقام عن مجمل أعداد الوافدين، إذ تشير تقديرات رسمية إلى أن أكثر من 1.5 مليون سوداني دخلوا مصر عقب اندلاع الحرب في بلادهم في أبريل (نيسان) 2023. كما قدَّر رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية في مصر، أحمد الوكيل، أعداد السوريين المقيمين بالبلاد بنحو 1.5 مليون سوري، وذلك خلال الملتقى المصري - السوري بدمشق.

ونفت السفارة السورية في القاهرة استهداف السوريين تحديداً من حملات تدقيق الإقامات، قائلة في بيان يوم 17 يناير (كانون الثاني) الحالي إن هذه الحملات «تهدف إلى تنظيم وضبط الأوضاع القانونية ومعالجة الحالات غير النظامية، دون استهداف أي جنسية أو فئة بعينها».

وقدَّر القنصل السوداني في أسوان، عبد القادر عبد الله، حالات المرحلين أسبوعياً من السودانيين «ممن ليس لديهم جوازات سفر» بأقل من 20 شخصاً، مشيراً إلى أنهم لا يملكون إحصائية كاملة بعدد المرحلين، نظراً لأن من لديهم جوازات سفر يتم ترحيلهم مباشرة دون حضورهم إلى القنصلية.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «أعداد المرحلين قلَّت خصوصاً مع زيادة العودة الطوعية». وسبق أن قدرت القنصلية السودانية أعداد العائدين طوعاً بأكثر من 428 ألفاً حتى نهاية 2025.

مفوضية اللاجئين

يُحمّل سليم سبع الليل، أحد أبناء الجالية السورية في مصر، مفوضية اللاجئين مسؤولية ما يتعرض له الوافدون من حملات التدقيق؛ نظراً لقلة أعداد موظفيها، وعدم قدرتها على تجديد كل الكروت الصفراء.

لاجئات سودانيات في أسوان جنوب مصر (مفوضية اللاجئين)

و«الكارت الأصفر» هو وثيقة تسجيل مؤقتة تصدرها المفوضية للاجئين وطالبي اللجوء لحمايتهم من الترحيل القسري، وتمنحهم حق الاستفادة من خدمات أساسية مثل الصحة والتعليم، والحصول عليه تُعد خطوة نحو الحصول على إقامة قانونية رسمية عبر الجهات المصرية المختصة، مما ينظم وضعهم القانوني.

وعلى مجموعة التواصل الاجتماعي «اللمَّة السورية في مصر»، طُرحت تساؤلات عن الموقف القانوني لمن لديه إقامة منتهية، وموعد من المفوضية بعد أشهر لتجديد الكارت الأصفر.

وقال المصدر الأمني: «بمجرد انتهاء مدة الإقامة المؤقتة التي يمنحها كارت المفوضية، يكون اللاجئ مقيماً بصفة غير شرعية، حتى لو حصل على موعد لتجديدها».

ورصدت «الشرق الأوسط» شكاوى من أصحاب إقامات عائلية يواجهون رفضاً في تجديد إقامات الزوجة أو الأبناء.

وأوضح المحامي فاضل: «بعض أنواع الإقامات التي كان مسموحاً بها من قبل، مثل الإقامة على الزواج، تم تعليقها حالياً».

ولم يتلق المجلس المصري لحقوق الإنسان أي شكاوى من وافدين على استهدافهم أو ترحيلهم قسراً، حسب عضو المجلس أيمن زهري الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي قرار ترحيل سيكون «إجراءً محدوداً يرتبط بأسباب أمنية، وليس حملات استهداف موسعة»، مؤكداً أن مصر ما زالت ملتزمة بدورها تجاه اللاجئين.

فعاليات ترفيهية تقيمها «مؤسسة سوريا الغد» للإغاثة للاجئين في مصر (مؤسسة سوريا الغد للإغاثة)

وقال السوري سبع الليل: «من يُقبض عليه يخرج بعد 10 أيام، ومن يُرحَّلون يكون ذلك لأسباب أخرى، ليس فقط لأن إقامتهم منتهية». ويتفق معه سوري صاحب مطعم في منطقة التجمع الأول بالقاهرة، قائلاً إن السلطات أوقفت الأسبوع الماضي أربعة من العاملين معه لانتهاء إقامتهم على الكارت الأصفر، ثم خرجوا بعد بضعة أيام.

أما السوداني إسماعيل سمير (اسم مستعار)، وهو مخرج أفلام قصيرة، فقال إن مصر احتضنت السودانيين لسنوات، لكنه بدأ يشعر بقلق من حملات التدقيق على الوافدين.

ولدى سمير إقامة سارية بحكم زواجه من مصرية، لكنه لا يخفي قلقه من موعد انتهائها الوشيك.


ترقب يمني لحكومة إصلاحات تنهي عهود الفساد والمحسوبية

ثقة مجتمعية متزايدة بإجراءات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المنتظر تشكيلها (سبأ)
ثقة مجتمعية متزايدة بإجراءات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المنتظر تشكيلها (سبأ)
TT

ترقب يمني لحكومة إصلاحات تنهي عهود الفساد والمحسوبية

ثقة مجتمعية متزايدة بإجراءات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المنتظر تشكيلها (سبأ)
ثقة مجتمعية متزايدة بإجراءات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المنتظر تشكيلها (سبأ)

يترقب اليمنيون تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة شائع الزنداني، وسط تطلعاتهم لوقف الاختلالات الاقتصادية، والخدمية، وإنهاء النزيف الأمني، والعسكري بعد سنوات طويلة من الحرب، والمعاناة التي أثقلت كاهل السكان، وتحقيق استقرار معيشي، وتحسين أوضاع الحياة، بوضع ملفات المعيشة اليومية، والإغاثة الأساسية في صدارة اهتمامها.

ويرتكز الأمل الشعبي على التطورات الأخيرة التي أظهر فيها مجلس القيادة الرئاسي حزماً في التعامل مع الملفين العسكري، والأمني، وأظهر جدية في تصحيح كافة الأوضاع، إذ ينتظر الجميع أن تعيد الحكومة الجديدة الخدمات الأساسية، وتخفف من التدهور الاقتصادي، والاجتماعي، وتعمل على تحسين الرواتب، والكهرباء، والغذاء، والصحة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوحيد هيبتها.

وترتفع مطالب مكافحة الفساد في الشارع، مع توقّع أن تكون الحكومة أكثر شفافية، ومحاسبة، مقارنة بالفترات السابقة، ليلمس السكان تغييراً في أداء المؤسسات، وتراجعاً للقوى النافذة التي استنزفت الكثير من موارد الدولة، ومقدرات المجتمع.

الأمن والاستقرار في مقدمة التحديات التي تنتظر الحكومة اليمنية الجديدة (إ.ب.أ)

ويرى الكاتب والمحلل اليمني باسم منصور أن تشكيل الحكومة الجديدة ينبغي أن يضع في الاعتبار قدرتها على إحداث فرق حقيقي في حياة الناس، بغض النظر عن عدد الوزارات، أو تغيير الأسماء القديمة واستبدال أسماء جديدة بها.

وبحسب رأيه الذي أفاد به لـ«الشرق الأوسط»، فإن ما يجري تسريبه حول التنافس على بعض المناصب الحكومية، ورغبات بعض الأطراف والقوى السياسية بتعيين عناصرها على حساب التطلعات الشعبية بإحداث تغيير جذري، يهدد ثقة المجتمع بإجراءات مجلس القيادة الرئاسي، ومساعيه الجادة لاستعادة مؤسسات الدولة، وتمكينها من أداء مهامها، وواجباتها.

ويأمل منصور أن تكون الحكومة الوشيكة حكومة كفاءة، ولديها برامج تركز على وقف التدهور الاقتصادي، وصرف المرتبات، وتحسين الخدمات، وتعمل ضمن رؤية واضحة تستعيد مفهوم الدولة، بعيداً عن المحاصصة التي حدّت من قدرات الحكومات السابقة على التأثير، معبراً عن أمله في أن يكون للدعم السعودي اللامحدود أثر كبير في تحقيق الاستقرار.

لا لتدوير الفاسدين

وتتراوح التوقعات حول إمكانية أن يجري تشكيل حكومة تمثيلية متوازنة بين المحافظات، والمكونات السياسية، أو حكومة كفاءات تركّز على قدرة أعضائها على إحداث تنمية حقيقة أكثر من الاعتماد على الولاءات الحزبية، إلى جانب احتمالية أن يجري الإعلان عن حكومة طوارئ صغيرة من الخبرات، والكفاءات.

عدن ستكون في صدارة المناطق التي ينتظر تعزيز الأمن والخدمات فيها (سبأ)

ويؤكد الناشط السياسي بشير عزوز أن الحكومة المتوقع الكشف عنها خلال الساعات المقبلة ستستفيد من دعم نوعي من السعودية، مما سيكون له تأثير إيجابي على الملفات الاقتصادية، والخدمية، والتنموية، وستحظى بصلاحيات واسعة من مجلس القيادة لتمكينها من العمل بفاعلية من العاصمة المؤقتة عدن، إلى جانب أنها ستضم قيادات نسائية في إطار تعزيز المشاركة المجتمعية.

وبحسب ما أدلى به عزوز لـ«الشرق الأوسط»، فإن اليمنيين يترقبون الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة على أمل أن تكون من الكفاءات الوطنية، بعيداً عن تدوير الشخصيات ذات المواقف المتقلبة، أو الشخصيات التي عُرفت بفسادها، وانتهازيتها.

ويشير إلى أن هناك ثقة متزايدة برشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي، ورئيس الحكومة شائع الزنداني، وقدرتهما على اختيار شخصيات فاعلة، وأن يجري تعويض القيادات الوطنية والنزيهة التي تعرضت للإقصاء في الفترات السابقة من خلال منحها فرصة في الحكومة، تقديراً لمواقفها الوطنية، ولقدرتها على بذل جهود حقيقية، ومخلصة من أجل المجتمع.

إخلاء المدن من المظاهر العسكرية يعزز من ثقة اليمنيين بالحكومة المرتقبة (إعلام حكومي)

ومن المتوقع أن يجري الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة، حيث كلف رئيس مجلس القيادة الرئاسي لجنة خاصة بتقييم ملفات المرشحين وفق معايير محددة تشمل الانتماء الوطني للجمهورية، والكفاءة العلمية والمهنية، والتوزيع الإداري للمحافظات.

الاستقرار وتحسين الإغاثة

وتقع على عاتق الحكومة الجديدة إدارة الأزمة الاقتصادية الحادة، ومحاولة استعادة الثقة مع المانحين الدوليين، والعمل على مسارات استعادة مؤسسات الدولة، إما من خلال السياسة باعتبار أنها طريق للسلام مع الانقلابيين الحوثيين بشكل جدي، أو بالحسم العسكري والأمني، وتضييق الخناق عليهم استغلالاً للمواقف الدولية الحازمة ضدهم.

من أولويات الحكومة المرتقبة تعزيز الأمن والاستقرار في عدن والمحافظات المحررة (إعلام حكومي)

من جهته يذهب جمال بلفقيه، وهو المنسق العام للجنة اليمنية العليا للإغاثة (لجنة حكومية) إلى أن الحكومة الجديدة ستواجه تحدي الإغاثة، والعمل مع المنظمات الدولية بشفافية مطلقة، خصوصاً أن المانحين والداعمين بدأوا يعزفون عن تقديم الدعم بسبب ما رافق الفترة الماضية من خلل، وقصور في هذا الجانب.

وحذر بلفقيه أثناء حديثه لـ«الشرق الأوسط» من أن اليمن بات في الدرجة الثالثة التي تعرف بمرحلة «إنقاذ الحياة»، وكان بالإمكان تخصيص ولو مبلغ بسيط منها لإعادة تأهيل المصانع التي دمرت، ودعم وتشجيع الزراعة، والثروة السمكية، وتوفير فرص عمل عديدة للمواطنين.

وتابع المسؤول الإغاثي الحكومي: «نتمنى من أي خطة استجابة قادمة أن تنتقل إلى مرحلة الاستدامة، وأن تقوم الحكومة، من خلال لجنة الإغاثة، والجهات المختصة، بالإشراف المباشر، والرقابة، والمتابعة المستمرة، ورفع التقارير الدورية لأعمال المنظمات، وأوجه الدعم في القطاعات المختلفة، وتقوم بتلبية الاحتياجات ذات الأولوية القصوى في عموم المحافظات».

من المنتظر أن تعمل الحكومة اليمنية الجديدة بجدية على تحسين الاستقرار المعيشي (إ.ب.أ)

ويشدد محمود عبد الدائم، وهو اسم مستعار لباحث في مجال السياسة والإعلام يقيم في العاصمة المختطفة صنعاء، على أن الحكومة الجديدة لن تستطيع النجاح بمعزل عن دعم دولي، وإقليمي، خصوصاً من السعودية، ودول الخليج، لإعادة إعمار اليمن، واستعادة الوظيفة الاقتصادية للدولة.

ويشير عبد الدائم خلال إفادته لـ«الشرق الأوسط» إلى أن استمرار التوترات العسكرية مع الجماعة الحوثية، رغم الهدنة المعلنة برعاية أممية منذ قرابة 4 أعوام، تهدّد أي استقرار سريع، في حين يقتضي الوضع أن يكون تركيزها في المرحلة الأولى على استعادة الأمن، واستقرار الاقتصاد، وتطبيع العلاقات مع الشركاء الدوليين لدعم الإغاثة، والتنمية.

وتواجه الحكومة الجديدة عدداً من التحديات المتمثلة باستقرار العملة، وانتظام رواتب الموظفين العموميين، وتحسين خدمات الكهرباء، والنقل، والصحة، والتعليم في المحافظات المحررة.


«الثأر بين الميليشيات» يُبقي ورشفانة في غرب ليبيا متوترة

الضاوي آمر «الكتيبة 55 مشاة» المتعاونة مع «الوحدة» في طرابلس (صفحته على «فيسبوك»)
الضاوي آمر «الكتيبة 55 مشاة» المتعاونة مع «الوحدة» في طرابلس (صفحته على «فيسبوك»)
TT

«الثأر بين الميليشيات» يُبقي ورشفانة في غرب ليبيا متوترة

الضاوي آمر «الكتيبة 55 مشاة» المتعاونة مع «الوحدة» في طرابلس (صفحته على «فيسبوك»)
الضاوي آمر «الكتيبة 55 مشاة» المتعاونة مع «الوحدة» في طرابلس (صفحته على «فيسبوك»)

ترزح مدن عدة في الغرب الليبي تحت وطأة صدامات ميليشياوية مزمنة، أدت إلى تراكم «عمليات ثأرية» خلال الأشهر الماضية، بالنظر إلى وجود صراع يتعلق بـ«توسيع النفوذ والهيمنة»، ما ألقى بظلال من التوتر الأمني على مناطق بالعاصمة.

وراجت في مدينة ورشفانة (جنوب غربي العاصمة طرابلس)، مساء الأربعاء، أحاديث عن استنفار عام لعناصر «الكتيبة 55 مشاة» التي يترأسها الميليشياوي معمر الضاوي المتحالف مع عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، على خلفية تلقيه تهديدات بـ«هجوم محتمل» لـ«إقصائه من المشهد العام».

رمزي اللفع قبل أيام من مقتله 28 يوليو 2025 (صفحات في ورشفانة موالية له)

ونقلت وسائل إعلام محلية وصفحات من ورشفانة على مواقع التواصل الاجتماعي، مخاوف مواطنين من خطر يتهدد المدينة بسبب «خلافات ثأرية» بين قيادات ميليشياوية تصاعدت في النصف الثاني من العام الماضي.

وورشفانة مسرح خلفي لقتال محتمل بين التشكيلات المسلحة، لا سيما بعد أحداث دامية وقعت في 28 يوليو (تموز) 2025، انتهت بمقتل القائد الميليشياوي رمزي اللفع، آمر «السرية الثالثة» التابعة لحكومة «الوحدة»، و5 آخرين بينهم اثنان من أشقائه.

وفي أعقاب هذه الأحداث، تعرّض الضاوي إلى محاولة اغتيال في 23 أغسطس (آب) 2015 نجا منها، لكن العملية التي نمّت الضغينة بين التشكيلات المسلحة خلّفت 12 قتيلاً من المهاجمين على الأقل.

ورغم فشل محاولة اغتيال الضاوي، صاحب النفوذ الأقوى في ورشفانة فإن العملية تعدّ فصلاً جديداً من صراع قادة المجموعات المسلحة في ورشفانة والزاوية اللتين تفصلهما مسافة تقارب 30 كيلومتراً، فضلاً عن أنها تفتح باباً جديداً للتوتر في غرب ليبيا.

ومع تزايد المخاوف بمناطق عديدة في ورشفانة، عدّ الضاوي الحديث عن وجود هجوم أو تحركات عدائية تجاه ورشفانة «عارياً عن الصحة».

وقال المكتب الإعلامي للضاوي في وقت مبكر من صباح الخميس، إنه «لا توجد لديه أي خصومة مع أي جهة، ولا أي نزاع مع أي طرف، وكل ما يُروَّج له ليس إلا شائعات مغرضة تهدف إلى زرع الفتنة، وبث الخوف والبلبلة بين المواطنين».

وباتت ورشفانة بعد مقتل اللفع تحت سيطرة كاملة دون منازع للضاوي. وقُتل اللفع إثر اشتباكات دامية اندلعت بين أفراد من عائلتي اللفع والدليو، وهم أبناء عمومة، في أجواء تجاهلتها السلطات الأمنية في العاصمة طرابلس.

ويرى الضاوي، أن ورشفانة «كانت وستبقى أرض سلام، لكن في الوقت نفسه أرض كرامة، وأهلها واعون لكل مَن يحاول العبث بأمنها أو تشويه صورتها»، ومضى يقول: «لن نكون دعاة حرب، ولكننا لسنا غافلين ولا ضعفاء، وأمن أرضنا وأهلنا خط أحمر».

وانتهى الميليشياوي الذي يوصف بأنه «صاحب النفوذ الواسع» إلى تحميل كل مَن يروّج لما وصفه بـ«الأكاذيب» المسؤولية الكاملة عمّا قد يترتب عليها، ونؤكد أن «الوعي والحكمة هما سلاحنا الأول، ولن ننساق وراء أي محاولات استفزاز أو جر إلى الفوضى».

وسبق أن سارعت قوات تابعة لعبد السلام زوبي، وكيل وزارة الدفاع في «الوحدة»، إلى احتواء الأوضاع المتوترة في ورشفانة بعد مقتل اللفع، لكن ذلك لم يمنع تجدد الاشتباكات في مدن أخرى بالعاصمة التي تُهيمن عليها ميليشيات صاحبة نفوذ، بعضها مقرب من السلطة.

في غضون ذلك، زار عماد الطرابلسي، وزير الداخلية المكلف بحكومة «الوحدة»، الإدارة العامة للدعم المركزي للوقوف على جاهزية أعضائها ومتابعة سير العمل بها.

وقالت الوزارة مساء الأربعاء إن الطرابلسي شدد على أن «جهود أبناء الوطن داخل هذه المؤسسة قادرة على الحفاظ على الأمن والاستقرار»، مشيراً إلى أن «المرحلة الراهنة تتطلب تكاتف الجميع، وبذل أقصى الجهود لصون الأمن والاستقرار الوطني».

وذهب الطرابلسي إلى أن وزارة الداخلية «تتحمل مسؤوليات جسيمة تستوجب العمل المتواصل لحماية الوطن ومؤسساته الحيوية؛ لذا لا يجوز إسناد هذه المهام إلى جهات لا تمتلك الاختصاص القانوني».

عرض لعناصر الإدارة العامة للدعم المركزي 21 يناير (منصة حكومتنا التابعة لـ«الوحدة»)

وقال الطرابلسي إن وزارته «ستشرع في تنفيذ برامج تدريبية تخصصية تهدف إلى تطوير كفاءات الأعضاء، بما يتماشى مع أساليب العمل الأمني الحديثة»، منوهاً بوجود تعاون وتنسيق كبيرين بين الوزارة والجهات العسكرية والقضائية في الدولة الليبية، بما يُسهم في تعزيز العمل الأمني والمضي قدماً في بسط وفرض القانون.

وسبق أن قال الدبيبة إن «زمن الميليشيات انتهى، ونحن ماضون في خطتنا الأمنية، ولن نتراجع عن تفكيك التشكيلات المسلحة»، لكن متابعين يرون أن الدبيبة كان يتحدث عن قيادات الميليشيات التي «شقت عليه عصا الطاعة» مثل الميليشياوي عبد الغني الككلي، لكنه «لا يزال يتعاون مع العديد منها راهناً».

وقُتلت قوات تابعة لـ«الوحدة» الككلي المعروف بـ«غنيوة» في 12 مايو (أيار) 2025 في واقعة وصفتها بأنها «عملية أمنية دقيقة».