خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)

روى في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط» أن الرئيس العراقي أراد التهدئة مع إيران قبل غزو الكويت

صدام حسين يستقبل وزير الصحة الإيراني في 21 يونيو 1997 (غيتي - أ.ف.ب)  -  المرشد الإيراني علي خامنئي في 21 مارس الماضي (أ.ف.ب)  -  الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي)
صدام حسين يستقبل وزير الصحة الإيراني في 21 يونيو 1997 (غيتي - أ.ف.ب) - المرشد الإيراني علي خامنئي في 21 مارس الماضي (أ.ف.ب) - الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي)
TT

خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)

صدام حسين يستقبل وزير الصحة الإيراني في 21 يونيو 1997 (غيتي - أ.ف.ب)  -  المرشد الإيراني علي خامنئي في 21 مارس الماضي (أ.ف.ب)  -  الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي)
صدام حسين يستقبل وزير الصحة الإيراني في 21 يونيو 1997 (غيتي - أ.ف.ب) - المرشد الإيراني علي خامنئي في 21 مارس الماضي (أ.ف.ب) - الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي)

في الحلقة السادسة من مذكرات نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام، تنشر «الشرق الأوسط» رسائل متبادلة بين الرئيس العراقي صدام حسين، و«المرشد» الإيراني علي خامنئي والرئيس هاشمي رفسنجاني، قبل الغزو العراقي للكويت في عام 1990.
لا يتحدث خدام عن كيفية حصوله على هذه الرسائل السرية، التي يُنشر بعضها للمرة الأولى، لكنه يقدم قراءة فيها، حيث يقول في مسودة كتابه عن العلاقة السورية - الإيرانية، إن صدام «وفي إطار تحضيره لاجتياح الكويت، اتخذ الخطوة التالية، وهي تهدئة الوضع مع إيران، ليتمكن من سحب قواته من الحدود العراقية - الإيرانية من جهة، وحتى لا يتيح لإيران فرصة الانقضاض عليه في حال إقدامه على شن الحرب ضد الكويت».
وبين 21 أبريل (نيسان) و4 أغسطس (آب) 1990، جرى تبادل العديد من الرسائل بين صدام وإيران.
ويعلق خدام: «أضع أمام القارئ هذه الرسائل المتبادلة بين الأطراف، ليدرك أن اجتياح الكويت لم يكن حالة عابرة، وأن الهدف كان أوسع مما أُعلن من خلافات حول الديون وأسعار النفط». وتنشر «الشرق الأوسط» اليوم الرسائل المتبادلة قبل اجتياح الكويت:
سيادة علي خامنئي،
سيادة هاشمي رفسنجاني،
السلام عليكم،
سبق لي وأن خاطبتكم في مناسبات سابقة، أثناء الحرب (العراقية - الإيرانية 1980 - 1990)، بصورة غير مباشرة، عبر وسائل إعلام العراق، التي كانت الوسيلة الوحيدة المتاحة (...)، كما كنت أستمع إلى ما تقولونه عبر وسائل إعلامكم بالمقابل. وكانت آخر مبادرة توجهنا بها إليكم، بنية لا ريب فيها لتحقيق السلام الكامل والشامل، أعلناها في 5 من يناير (كانون الثاني) 1990، غير أننا لم نهتدِ معاً حتى الآن إلى ما نرجوه من سلام بين بلدينا، لنغادر سوية مآسي الحرب واحتمالات اندلاعها من جديد. إنه لأمر مفهوم أن تحيط الظنون والهواجس والتفسيرات المتشككة بما هو خير وما يمكن البناء عليه من آمال. والآن، ومن غير إعادة لما سبق أن قلناه من وجهة نظر كي تقولوا أنتم بالمقابل ما لديكم من وجهة، ولكي لا يندفع الحوار بعيداً عن ميدانه وأغراضه البناءة ويتجه نحو المجادلة وتبرز فيه عوامل الاختلاف لتتغلب على ما نرجوه من اتفاق على تحقيق السلام الفعلي والشامل والفوري، لا بين العراق وإيران وحسب، بل بين الأمة العربية وإيران، إن شاء الله.
أخاطبكم هذه المرة مباشرة، لأقترح عليكم، في هذا الشهر المبارك الذي يصوم فيه المسلمون وهم يتجهون إلى الفوز برضا الرحمن سبحانه وتعالى، عقد لقاء مباشر بيننا، يمثلنا فيه عبد الله صاحب هذه الرسالة (صدام)، و(نائبه) عزت إبراهيم (الدوري) وفريق من معاونينا، ويمثلكم فيه السيدان علي خامنئي وهاشمي رفسنجاني وفريق من معاونيكم. كما أقترح أن يُعقد اللقاء في مكة المكرمة، قِبلة المسلمين في الصلاة إلى الله والبيت العتيق الذي بناه سيدنا إبراهيم عليه السلام، أو في أي مكان آخر يتم الاتفاق عليه بيننا، لنعمل بعون الله على تحقيق السلام الذي تنتظره شعوبنا والأمة الإسلامية جمعاء، ونوفر بذلك دماء قد تسيل مرة أخرى لأي سبب كان. من بين الاحتمالات التي يحملها الموقف، أن تسعى القوى التي كان لها يد في الفتنة التي وقعت بين إيران والعراق، إلى تجديد الحرب مرة أخرى بما يبعد السلام عن بلدينا.
إنكم لا بد تتابعون التهديدات التي يتعرض إليها العراق والأمة العربية من جانب الصهيونية وبعض الدول العظمى والكبرى، ولا شك أنكم تعرفون بأن الهدف الأساس من هذه التهديدات هو إبقاء يد الكيان الصهيوني طليقة لتعيث في الأرض فساداً، ولتكون قادرة على البطش بمن يعترض سبيل الباطل وينهره ويصده عن رغباته وأطماعه الشريرة في المنطقة، ويسعى لإزالة احتلاله لأرض فلسطين العربية والقدس الشريف العزيز على كل مسلم، بل وعلى كل من يؤمن بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر.
إن هذه القوى الشريرة، التي نأمل أن تَخيب آمالها وتطيش سهامها بعون الله، لا بد أن تعمل على إعادة الصراع الدامي المسلح بين إيران من جانب، والعراق والأمة العربية من جانب آخر، ولديها ما لديها من وسائل لتحقيق ذلك. وعند ذلك، لن يخسر المسلمون جميعاً فرصة توجيه إمكاناتهم وما لديهم من قدرات لتحرير مقدساتهم في فلسطين وحسب، بل سيخسرون الكثير والكثير مما عندهم.
إننا نرى بلوغ ما يعتبره العراق حقاً، وبلوغ ما تراه إيران حقاً، متاحاً لنا في اللقاء المباشر بيننا، الذي يقطع الطريق على المتربصين الساعين إلى تعكير الرغبة في السلام، إذا ما اتجهت النيات باتجاه صِدق إلى السلام وفق ما يرضاه الله لنا وترضاه شعوبنا. ومن جانبنا، فإن هذه النية متوفرة لدينا، بإيمان عميق ومستقر، وليس فيها غير الرغبة في الحصول على حقنا الثابت المتوازن مع حقكم الثابت.
وإنني لأقترح عليكم، وعلى قاعدة خير البر عاجله، أن يتم اللقاء في ثاني أيام عيد الفطر المبارك، أو في أي موعد آخر.
أما بشأن زيارتكم لمكة وما يتصل بها من مستلزمات المراسم من جانب الدولة المضيفة، فإننا، وعلى أساس ما يجمعنا وإخواننا في المملكة العربية السعودية من وشائج الأخوة والاحترام المتبادل، سنتمنى على أخينا الملك فهد بن عبد العزيز، لأن يوفر ما هو ضروري ومناسب لمثل هذا الأمر، مع العلم أننا لم نبلغه حتى الآن بمضمون رسالتنا هذه.
وتسهيلاً وتحضيراً لمتطلبات اللقاء، قد ترون مثلما نرى أن يتواجد في طهران من يمثلنا ويتواجد في بغداد من يمثلكم، وأن تفتح خطوط الهاتف المباشر بين العاصمتين لتأمين الاتصالات اللازمة.
اللهم اشهد أني قد بلغت،
والسلام عليكم.
صَدام حسين
بغداد 21 نيسان 1990
ولم تمضِ أيام حتى تلقى صدام الجواب من رفسنجاني:
جناب السيد صَدام حسين،
لقد اطلعت على رسالتكم. وفي الحقيقة، إذا كانت موضوعات هذه الرسالة قد حظيت بالاهتمام قبل ثمان سنوات، وكان إرسال الرسالة مكان إرسال الجندي، لما كانت إيران والعراق وربما جميع الأمة الإسلامية تواجه كل هذه الخسائر والضحايا اليوم. والكل يعلم بأن الثورة الإسلامية، ومنذ البداية ودائماً، وضعت قضايا تَقارُب الدول الإسلامية ومجد وعظمة الإسلام والمسلمين والنضال ضد الحكومة الإسرائيلية الغاصبة وتحرير فلسطين، في أول سلم أولوياتها. وإذا كانت جميع حكومات المنطقة العربية، وكما فعلت بعضها، قد عرفت مكانة هذه الثورة المضادة للصهيونية والاستكبار وتعاونت معها، لكانت الآن معادلة القدرة والقوة في الشرق الأوسط هي في نفع الإسلام، ولما وجدت إسرائيل والاستكبار مثل هذه الفرصة لبسط وجودها وتوسعها. وإننا بطبيعة الحال ليس لدينا مشاكل مع الأمة العربية، ومن المؤسف أن فرصة تاريخية ذهبت خلال السنوات العشر الماضية، ومن بداية الثورة فُرضت علينا حرب مدمرة ما أردناها، واحتلت مناطق واسعة من أراضينا في الحدود الغربية للبلاد، وهُدرت طاقات وإمكانات بشرية واقتصادية وعسكرية لإيران والعراق والتي كان يجب أن توظف للنضال. وقد انتفع أعداء الإسلام والقوى العظمى بذريعة حمايتها، أو أنها زادت من تدخلاتها. كما أن إسرائيل استطاعت أن تربح من هذه الفرصة وتقوم بتنفيذ قسم من برامجها التوسعية العدوانية، وكان من نتائجها أن أصبح (اتفاق) كامب ديفيد (بين مصر وإسرائيل) ومساومة بعض دول المنطقة مع إسرائيل أمراً عادياً.
لقد قُلنا مراراً إنه لو لم تبدأ الحرب وتمت الاستفادة من الإمكانات المتاحة لشعبي إيران والعراق من أجل الوحدة وحفظ مصالح المسلمين، لما تجرأ الاستكبار الغربي والصهيونية على القيام بذلك.
وعلى أي حال، فلا بد من أخذ العبرة من كل ما حدث، والانتباه إلى أن مواصلة حالة اللا سلم واللا حرب، أو اشتعال الحرب ثانية، سيكون وبالاً وتدميراً أكثر للبلدين والشعبين الإيراني والعراقي، وضعفاً للأمة الإسلامية، وسروراً وفرصة لكسب الامتيازات للكفر العالمي. وطبعاً، فإن تجربة الحرب المفروضة قد أفهمت أولئك الذين لا يصدقون بسرعة بأن الهجوم العسكري لن يكون قادراً على زعزعة أسس وأعمدة الثورة المعتمدة على إرادة الجماهير الإسلامية.
وهنا يجب أن نؤكد، وكما أعلن قائد الثورة ومؤسسها الإمام الخميني ذلك، بعد قبول القرار، حيث قال: «إننا نتحدث إلى شعبنا بكل صدق، وإننا في إطار القرار 598 نفكر في سلام صامد، وهذا ليس تكتيكاً بأي شكل من الأشكال». إننا في سعينا من أجل الوصول إلى سلام حقيقي وشامل، لن نسمح لأي شك أن يساورنا، وإن سماحة خامنئي يواصل بحزم الطريق نفسها التي رسمها إمامنا الراحل للوصول إلى سلام شامل. وعلى هذا الأساس، فإننا نرحب بأي نوع من المبادرة أو الاقتراح الذي يُوصل البلدين إلى السلام الشامل، خاصة في الظرف الحالي الذي يحاول حماة إسرائيل الغاصبة الاستفادة من تمزق العالم الإسلامي، من أجل الحصول على امتيازات أكثر وتضعيف المسلمين وتقوية الصهاينة. إننا لا نرغب في حالة اللا حرب واللا سلم، ولكننا نختار، وبكل حزم، طُرق السلام الحقيقي والشامل، الذي يحفظ مصالح الأمة الإسلامية.
وإنني أجلب انتباهكم إلى هذه الحقيقة، وهي أن مواصلة احتلال قسم من أراضينا الإسلامية سيجعل حركتنا في طريق الوصول إلى صلح شامل بطيئة أو غير مثمرة. وأنتم تعلمون بأننا، وبعد قرارنا بإيقاف الحرب، سحبنا جميع قواتنا في داخل العراق إلى حدودنا بدون إبطاء. وكونوا واثقين بأن هذه الوضعية بالنسبة للشعب الإيراني، الذي نذر نفسه للإسلام والثورة، تخلق شكاً جدياً لديه في حُسن نية الطرف الآخر. نحن مصممون على أن نحظى بثقة الشعب خلال مسيرتنا في طريق السلم كما في مرحلة الدفاع.
والنقطة الأخرى، وهي قبل الإقدام على إجراء الاتصال بين رئيسي جمهوريتي البلدين، لا بد من جلوس ممثل من جانبنا وممثل من جانبكم في إحدى الدول التي لها علاقات ودية مع الجانبين، ليتحدثا عن الأمور التي يجب إنجازها، كي تتوفر الأرضية اللازمة والخطوات التمهيدية للقرار النهائي بدون فوات الأوان.
ومن جهة أخرى، يجب أن يكون أسلوب الإجراءات، بحيث لا يوجد أي خلل في اعتماد القرار 598 باعتباره الإطار المناسب لحل النزاعات.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، عليه توكلت وإليه أنيب، والسلام على من اتبع الهدى
أكبر هاشمي رفسنجاني
6 شوال 1410

وحَمَل مندوب بعث به الرئيس ياسر عرفات رسالة صدام إلى طهران:
سماحة علي خامنئي،
سماحة الرئيس هاشمي رفسنجاني،
تحية الجهاد والثورة،
فإنني أغتنم فرصة وصول مبعوثنا إليكم، الأخ أبو خالد، وهو يحمل رسالة خاصة من الرئيس صَدام حسين والتي قمت بتسليمها له، وهذه الرسالة المفاجئة والمهمة هي مبادرة حُسن نية من العراق إلى إيران، بل من القيادة العراقية إلى إخوانهم في القيادة الإيرانية، التي أَمْلَتها الظروف الخطيرة التي تمر بها الأمة الإسلامية بشكل عام والأمة العربية بشكل خاص (...)
وأمام المستجدات الأخرى المتمثلة بالتهديدات الإسرائيلية والأميركية وبعض الدول الأوروبية للدول العربية وللأمة الإسلامية وللمنطقة كلها، التي يحاولون بها السيطرة من خلال إسرائيل التي تمثل رأس الجسر والحربة الاستعمارية لقوى الاستكبار العالمي في الشرق الأوسط، أهم مراكز احتياطي النفط في العالم، بجانب الموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به.
إن العالمين العربي والإسلامي بل وشعوب ودول العالم الثالث وشعب فلسطين بالخصوص، لينتظر منكم المبادرة الإيجابية والبناءة أمام هذه المبادرة التي يرسلها إليكم السيد الرئيس صَدام حسين (...)
أناشدكم بكل المحبة، وبكل الأخوة وبكل المقدسات، أن نسارع بهذه الخطوة المباركة، فأفئدة المسلمين ترنو إليكم وتهفو لنجاحها (...)
أخوكم
ياسر عرفات الحسيني
رئيس دولة فلسطين
22 مايو (أيار) 1990
وهنا نص رسالة صدام المؤرخة في 19 مايو:
بعد التحيات: تسلمت رسالتكم الخطية الجوابية (...). قرأتها وأعَدْت قراءتها أكثر من مرة، أنا وإخواني في القيادة. ورغم أننا فهمنا منها أنكم توافقون على اقتراحنا لعقد لقاء بيننا وبينكم على مستوى القمة لإعطاء حل حاسم ونهائي للمشاكل المعلقة بين بلدينا، والتي كانت سبباً للنزاع أو نتيجة له، وإننا قد سُررنا بذلك، لكن روح الرسالة لم تكن كما كنا نأمل. ذلك أنها قد انطوت على عبارات مبطنة في بدايتها وحيثما وجدت فرصة لذلك، وخشنة في خاتمتها.
إننا أيها السادة، عندما فكرنا في الكتابة المباشرة إليكم، قلبنا كل ما تكتنفه العلاقة بيننا من وضع خاص، ووجدنا أن أسلوب الكتابة مباشرة، وما يتأسس عليه من صلة، هو الأسلوب الأكثر جدوى لتحقيق لقاء مباشر وحوار مباشر، ليس هناك ما هو أكثر فائدة منه وأقدر على إنجاز السلام المنشود بين العراق وإيران، بل بين الأمة العربية وإيران.
وإننا نعرف ونفترض، بأنكم تعرفون أيضاً، أن السلام بيننا لا يتحقق باقتناع طرف من غير أن يقترن باقتناع الطرف الآخر، ولا تفيده رعاية يقدمها طرف واحد من غير أن تشير مبادرة الرعاية هذه، رعاية مقابلة للأفكار والمعاني والأساليب أيضاً عند الطرف الآخر.
وقد استذكرنا قبل أن نكتب رسالتنا الأولى، بأننا قد استخدمنا واستخدمتم، وأسمعَ كل طرف الطرف الآخر أقوى العبارات وربما أخشنها طوال السنوات العشر الماضية. وبغض النظر عن تأثير ذلك الأسلوب ونوع ذلك التأثير الذي كان من صفحات النزاع والحرب بيننا، فإنه لم يحقق السلام.
ومن ضمن ما ورد في رسالتكم من عبارات ومصطلحات «الحرب المفروضة» و«بطء الفهم» واختتام رسالتكم بجملة «والسلام على من اتبع الهدى» بدلاً من «والسلام عليكم»، كما هو معتاد استخدامه في رسائل كهذه.
ولأننا نريد السلام ليس لأي سبب إلا لمعانيه العظيمة في نفوسنا وفيما نؤمن، وضعنا في رسالتنا، مفاهيم وتعابير مع قياساتنا الإنسانية ونُبل مقاصدنا، فلم نستخدم إلا ما يرضي الله والناس من عبارات، ولا يعني ذلك ابتداء تغييراً في كل مفاهيمنا وآرائنا، بل يعني أننا نرغب في أن نفتح باباً جديداً أقرب للنفس المقابلة، وأكثر قدرة على التأثير فيها لصالح منهج السلام الذي نُعده مقصداً شريفاً، ويخدم شعبنا والإنسانية، ولأن هذا الأسلوب هو الأسلوب اللائق والمناسب لمثل هذه المقاصد والسبل. فالواجب يقتضي أن نجرب أسلوباً جديداً في التخاطب، هو غير أسلوب الحرب أو الزمن الذي سبقها، ثم إن استخدام العبارات والتعابير التي استخدمت أثناء الحرب، لا يوهم أياً من الطرفين بأنه يعني اقتداراً إضافياً على ما هو معروف عن اقتدار كل طرف من طرفي النزاع، وهو لا يُعين على إثبات أمر على أنه حق، وإن استخدام عبارات مناسبة لمخاطبة كهذه، إن لم يقو اقتدار المقتدر ويُعينه بعد التوكل على الله، فإنه في كل الأحوال لا يحذف من اقتداره شيئاً، ولا يُنقص منه حقاً ثابتاً، بل سيكون مدخل ضوء إلى قلوب حَملتها الحرب الكثير حتى أثخنت جراحها، وبما يجعلها، عندما تتجه اتجاه صدق، مهيأة لعمل الخير الذي يحقق السلام.
لذلك وجدنا أن الذي يناسب المكاتبة بيننا، هو عدم تثبيت ما نراه حقاً لنا، لكي لا تندفعوا إلى تثبيت ما ترونه حقاً لكم، وبذلك قد لا تتوفر فرصة للتهيؤ النفسي كما ينبغي ليستقبل كل منا الحوار المباشر. وإننا في هذا لا نقصد سد باب الحوار الذي ينفتح في الصلة المباشرة على ما يراه كل منا مفيداً، ليتعرف كل طرف على صلة الخطوة الأولى بآخر خطوة على طريق السلام، وليرى عملية السلام ككل من خطواتها الأولى، وصلة ما يراه حقاً لنفسه، مع ما يراه المقابل حقاً له، ويُستحسن ونحن نسعى سوية إلى ما يحقق السلام أن لا ينشغل أي طرف منا بما هو ماضٍ على حساب ما هو مستقبل، لأن البقاء عند سياسة مضغ أحداث الماضي يجعل من ينطبق عليه هذا الوصف متهماً من قِبل شعوبنا، وهي الأقدر على معرفة خواص كل واحد منا بأنه بطيء الفهم، وإننا في هذا لا نريد أن نتهرب من الماضي، لأنكم تعرفون، أو تقدرون، بأننا قادرون على أن نُبرِز إلى ميدان مناظرة (من بدأ الحرب والعداوة وكيف بدأت) وثائق كافية تدعم وجهة نظرنا بصورة تفصيلية، وتعرفون أن الوثائق ستكون أكثر تأثيراً في إقناع المحيط الأوسع من شعوبنا والإنسانية، مما ستكون عليه الأقوال والآراء المسبقة لأي طرف في قيادتي البلدين، وتعرفون أن التساؤل حول هذا الموضوع والخوض فيه، إذا ما عُد مدخلاً لبحثنا على أساس أنه الأسبق في تسلسله الزمني، كما كنتم تقولون قبل يوليو (تموز) 1988، يتطلب زمناً وجهداً لإثبات الحجة يوازي زمن الحرب ويتعداه إلى الزمن الذي سبقها أو يتناظر معه. وتعرفون أن كل واحد من طرفي النزاع يحتفظ بتوقيت لبدايته، ويستند إلى حجج ووقائع عملية وقانونية، غير الحجج والوقائع التي يستند إليها الطرف الآخر. ومن ذلك سيتضح من هو الأحق في أن يصف الحرب بالحرب المفروضة، ومن هو الأحق في أن يشير إلى إرسال الرسائل بدلاً من إرسال الجنود... إلخ.
أما عن قرار مجلس الأمن رقم 598 فهو في نظرنا، منذ أن قبلناه بعد صدوره في يوليو 1987 خطة سلام شامل ودائم بين البلدين وفق ما يتفقان عليه، مستعينين بما ورد فيه من مبادئ وأحكام.
لذلك التزمنا بالقرار - ولا نزال نلتزم بتطبيقه - على أساس هذا الفهم، وإننا نفترض ونحن نسعى إلى السلام أن رغبتنا في البلدين فيه وفائدتنا منه تحظى بنفس المستوى والدرجة من الحماسة. ليس مطلوباً من أي من طرفي النزاع أن يقدم ثمناً مسبقاً لخطوة اللقاء المباشر، غير الرغبة الجادة في تحقيق السلام، وبمفردات عملية ذات دلالة. وعندما يتحقق السلام، فإنه من تحصيل الحاصل أن يكون جيش كل بلد داخل بلده، وأن لا يكون له امتداد على أي تلة أو شبر أرض أو في مياه أي من البلدين، مما فرضته ظروف خاصة واعتبارات وقف إطلاق النار وحالة اللا حرب واللا سلم.
ذكرتم في رسالتكم بأنكم انسحبتم من الأراضي العراقية، وتعنون بذلك انسحابكم من حلبجة في ظروف خاصة معروفة، إلى آخر الجملة.
وتعليقنا على ذلك، أننا انسحبنا من أراضيكم التي دخلت إليها جيوشنا في ظروف معروفة في بداية النزاع المسلح في عام 1980، وتم ذلك في 20 يونيو (حزيران) 1982، بعد أن كنا قد أعلنا قرار الانسحاب ذاك في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة في 10 يونيو 1982، والذي قلنا فيه إننا سننسحب في مدة أقصاها عشرة أيام، وقد طبق فعلاً، بينما انسحبت قواتكم من حلبجة في ظروف قتال خاصة، هي غير الظروف التي انسحبت فيها جيوشنا.
لذلك، فإذا كنتم تُعدون انسحابكم من حلبجة الذي حصل في ظروف خاصة دليلاً على إثبات حسن النية الذي ينفي عنكم الطمع، أو الرغبة في الاحتفاظ بأراضي الغير، فإن الأدعى أن يُعد انسحابنا من أراضيكم عام 1982 وانسحابنا من أراضيكم بعد معارك «توكلنا على الله» الرابعة في قاطعي الجنوب والأوسط في يوليو 1988 دليلاً إضافياً مع الدلائل الأخرى على حُسن نيتنا، وعدم رغبتنا في احتفاظ العراق بأي شبر من أرض إيران.
وفي كل الأحوال، فإن السلام يعني فيما يعنيه من جانبنا، أن لا يغتصب أي طرف حقا ثابتاً لطرف آخر، وأن لا يغتصب أو يحتفظ أحد أطراف النزاع بشبر أرض أو مياه للطرف الآخر، وهو منهج طالما أكدنا عليه، وتمسكنا به في أكثر الظروف تعقيداً وعداوة، ولذلك فمن البديهي أن نتمسك به في نفس الوقت الذي نحثكم فيه على التمسك به في ظروف مباحثات السلام وكطريق لبلوغه، إن شاء الله.
لقد عَلِمنا من إجابتكم على الاستفسارات التي عرضها سفيرنا في جنيف على سفيركم هناك حول ما جاء في رسالتكم إلينا بشأن لقاء تمهيدي بين مندوبين عن الطرفين، أنكم تُحبذون هذا الأسلوب للتحضير للقاء القمة. إننا نوافق على هذا الترتيب، وقد خولنا سفيرنا في جنيف برزان التكريتي بإجراء المحادثات مع سفيركم سيروس ناصري لتبادل وجهات النظر حول مواقف الطرفين، ليتعرف كل طرف على رأي الطرف الآخر إزاء القضايا التي تهمنا، بما يوضح لنا الصورة عند اللقاء على مستوى القمة ويُسهل مهمتنا.
أما عن مكان انعقاد القمة، فإننا لا نزال بانتظار تحديد مقترحكم بشأنه، لأننا لم نجد في جوابكم رأياً قاطعاً في المكان الذي اقترحناه وهو مكة المكرمة، وقد يكون ذلك من الأمور التي يبحثها المندوبان.
أما بشأن من يحضر القمة، فإننا ما نزال نرى بأن اللقاء على مستوى القمة، ينبغي أن يضم مصادر القرار الأساسية في البلدين. إذا ما قبلتم فعلياً فكرة اللقاء على مستوى القمة، توكلنا على الله لتحقيقها معناً، لأن حضورنا معاً على مستوى القمة هو اختبار لجدية التوجه لحسم الأمور بحلول نهائية مقبولة للطرفين، إذا ما تحققت بعون من الله، سيكون بعدها السلام الدائم والشامل، وإن بقاء مصادر قرار أساسية خارج لقاء القمة، قادرة على أن تقول لا أو نعم، سيؤثر على تطبيق ما يتم الاتفاق عليه وعلى مستوى الالتزام به (...).
ثم إن السلام يبدأ فعلياً من حيث تبدأ بدايته النفسية داخل من ينسجون خيوطه، حتى يتكون كحالة مستقرة في الصدور. لذلك، فإن من يشارك في صنعه منذ البداية سيجد أنه مسؤول مسؤولية أخلاقية ونفسية عن تطبيقه والالتزام به، بالإضافة إلى أن حضور كل ثقل مركز القرار يقطع أي حجة قد تبرز بما يعقد أو يؤخر مسار السلام بعد الاتفاق عليه. لذلك نعيد التمسك بمقترحنا بأن يحضر لقاء القمة من جانبنا رئيس مجلس قيادة الثورة، رئيس الجمهورية، ونائب رئيس مجلس قيادة الثورة، ويحضر من جانب إيران خامنئي ورفسنجاني.
صَدام حسين
بغداد في 24 شوال 1410
الموافق 19 مايو 1990
رد عليه رفسنجاني بالرسالة التالية، وبعد التحيات، هنا نصها:
تسلمت رسالتكم (...) ونظراً لاحتمال أن تكون حكومتكم جادة في طريق السلم، كما ظهر من رسالتكم، فإننا نرسل لكم جواب هذه الرسالة الثانية، ولكننا نأمل أن لا نضيع الوقت من الآن فصاعداً، في تبادل الرسائل إلا في الحالات الضرورية، وأن لا يعاني الشعبان وجماهير المنطقة أكـثر مما عانوا من تأثير حالة اللا حرب واللا سلم، وأدعو الله أن تكون هذه آخر رسالة، وأن نشهد خطوات عملية جدية في طريق السلام.
في رسالتكم هناك شكوى لبعض عبارات ومضامين رسالتنا الجوابية، ونحن أيضاً لا نرضى في رسائل السلم أن تُطرح موضوعات مؤذية أو مؤلمة. ولكن، مع الأسف، فإن حجر أساس هذا البناء قد تم وضعه في أول رسالة كتبتموها، وهي في رأيكم من أجل إزالة ترسبات الصراع وتمهيد طريق الصداقة، ومن ضمنها في الرسالة الأولى الادعاء وكأن الجانب الذي يواجهنا هو «الأمة العربية»، الشيء الذي بُذِلت من أجله جهود جمة وبقي بلا طائل ولا نتيجة.
أنتم وحزبكم الذين كنتم تتحدثون في تلك الأيام عن موقف «تيار التقدمية» و«جبهة المواجهة»، وقلتم بأن أفراداً (...) كانوا يساندونكم طوال فترة الحرب هم ليسوا من «الأمة العربية»، وبُذلت جهود كافية إلى حد ما في إفشاء ماهيتهم كتابة ونشراً، وأحياناً عرض بعض الوثائق. واستبعد أن تكونوا قد نسيتم أن أغلب الحكومات التقدمية والذين كانوا معكم في خندق واحد في «جبهة المواجهة» كانوا معنا في هذا الصراع، أو على الأقل لم يكونوا منحازين. أما وضع الجماهير، وبخاصة القوى الإسلامية المخلصة، فتعرفونه جيداً.
في رسالتكم الأولى، تحدثتم عن موقف من تبنى شؤون فلسطين والفلسطينيين والقوى المقاومة ضد هجمة الإمبريالية، مع أنه يستبعد أن يكون منظمو تلك الرسالة غافلين عن تعاطف الجمهورية الإيرانية مع القضية، وكونها طليعة في هذا المجال، ولا يعلمون أن الهدف الأول للهجمة الاستكبارية هو الثورة الإيرانية، وكان من الأفضل أن لا يتم تجاهل هذه الحقيقة إذا كانت الرسالة قد كُتبت من أجل بناء الثقة.
إضافة إلى أن الآداب المتبعة في المراسلات الرسمية، لم يتم رعايتها في رسالتكم الأولى والثانية، ووجدت فيها عبارات وتعبيرات تحتوي على نقاط سلبية ومؤلمة تشابه تلك التي اتبعتموها في رسالتنا، ومن الأفضل أن نتجاوزها. وإذا لم تكونوا قد فتحتم أنتم باب الشكوى لما كتبنا هذه الأشياء، لأننا الآن نتطلع إلى السلام وليس إلى المشاجرة وحرب الرسائل.
وفيما يخص مستوى المسؤولين في المحادثات، فمن الأفضل أن يكون الأمر الآن واضحاً بأن السيد خامنئي لن يشارك في المحادثات. وطبيعي أن رئيس الجمهورية وسائر المسؤولين لن يُقدموا على شيء يخالف نظر القائد، وإذا شارك رئيس الجمهورية ستكون حتماً لديه كامل الصلاحيات، حيث سينفذ القرار بالتأكيد، ولا مجال للقلق الذي أبديتموه في رسالتكم.
ومن أجل إثبات حُسن النية والجدية في طريق السلام، تمت المقارنة في الرسالة الثانية بين انسحاب قواتنا بعد قبول القرار 598 والوضعية بعد عمليات بيت المقدس واستعادة خرمشهر والانسحاب التكتيكي في نهاية الحرب.
حبذا لو لم تكونوا قد دخلتم في هذا البحث الذي لا يحتاج إلى توضيح أكثر، وأنتم أنفسكم تعلمون أنه حتى بعد فتح خرمشهر، بقيت قواتكم العسكرية في الجبهة الوسطى في مواقع كثيرة من الأراضي الإيرانية، من ضمنها مدن نفت شهر وخسروي ومهران وعشرات القوى والمرتفعات التي كانت لها ظروف متباينة مع الجبهة الجنوبية، حيث كانت أكثر المناطق منذ اليوم الأول للحرب، وإلى الآن، تحت احتلال قواتكم، ومن المستبعد أن يكون قادتكم العسكريون قد أخفوا وكتموا هذه الحقائق عنكم.
ومع أنه قد تم التأكيد مراراً في الرسائل على ضرورة الاجتناب من اتخاذ المواقف المثيرة والتي تؤدي إلى ردود فعل، فقد وردت إشارات إلى بعض الادعاءات التي تتناقض مع تلك التأكيدات، وتعلمون بأن تعريف الحقوق ليس على أساس الانطباعات والرغبات الشخصية، بل وفق القوانين والأنظمة المعروفة. إن أحد المبادئ المهمة لضمان إحلال السلام بين دولتين، مبدأ الوفاء بالعهد واحترام الضمانات الدولية. إن تأكيدكم على اعتماد القرار 598 نتلقاه بشكل إيجابي، ولكن من الجدير بالذكر أن هذا القرار واضح وخالٍ من الغموض ويمكن أن يتم تنفيذه، وعلى أساس الأساليب المقترحة من قِبل الأمين العام للأمم المتحدة الذي يتحمل مسؤولية تطبيقه.
إن تكرار المواقف غير المفيدة أظهر عدم جدواها العملي خلال عدة دورات من المحادثات تحت إشراف الأمين العام، وإن ما تظهرونه من وجود مشكلة في تعيين البادئ بالحرب، والذي هو من واجبات الأمين العام الأساسية حسب القرار 598 لتثبيت سلام شامل وصامد بين البلدين، وسد الطريق أمام الإجراءات التدريجية والخطوات العملية للوصول إلى سلام شامل ونهائي. وكذلك طرح الادعاءات التي ليس لها دليل، وكل شيء من هذا القبيل والذي يتنافى مع حُسن النية، نعتبرها ليست متناسبة مع الأهداف السلمية لأي من الطرفين. ومن المؤسف أن التصريحات غير المناسبة التي انعكست في قرار اجتماع القمة في بغداد حول قضايا القرار 598 وحقوق العراق وإيران، يمكنها أن تَخلق مشاكل في طريق نيل الثقة والاطمئنان لحسن النية والسلام والصداقة والتي يجب تداركها.
إن السفير ناصري ممثلنا في المحادثات مع ممثلكم (برزان التكريتي)، وإن مهمته هي المحادثات في القضايا الجوهرية لتنفيذ القرار وتهيئة الأرضية لاستئناف العلاقات السلمية بين البلدين. طلبنا منه أن يتحاشى الاشتراك في بحث القضايا الشكلية والهامشية التي تؤدي إلى قتل الوقت وإطالة الوضع الحالي. ولا بد من أن نؤكد بأن لقاء رئيسي الجمهوريتين سيكون مناسباً وصالحاً فقط في حالة أن يثق الطرفان من نتائجها الإيجابية، وبعكس ذلك فإن من الممكن أن تكون لها آثار سلبية وخسائرها أكثر من الوضع الحالي.
وبالنسبة لمكان القمة، فإن أراضي السعودية ليست في الوقت الحاضر مكاناً مناسباً لمحادثات السلام. ومع الانتباه إلى وجود أماكن متعددة، فإن انتخاب المكان المناسب للطرفين سوف لا يمثل مشكلة بالنسبة لنا (...) وطبيعي أن يطلع الأمين العام على سير المحادثات التمهيدية، وفي الحالات الضرورية يمكن الاستفادة من وجهات نظره ومبادراته حول تعزيز السلام (...)
وفي الختام، أسأل الله تبارك وتعالى أن يَمُن علينا بالتوفيق التام من أجل إزالة الخصام وقلع جذور الصراع وتعبيد وتسوية طريق الشعبين (...)
طهران، أكبر هاشمي رفسنجاني

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)
خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)

خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



الحكومة اليمنية تحشد أوروبياً لمواجهة الحوثيين وحماية الملاحة

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تحشد أوروبياً لمواجهة الحوثيين وحماية الملاحة

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقائها مع السفراء العرب في برلين (سبأ)

كثفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية في العاصمة الألمانية برلين، لحشد دعم سياسي واقتصادي أوروبي يعزز قدرتها على مواجهة التصعيد الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة، بالتزامن مع تحذيرات من امتداد تهديد الجماعة المدعومة من إيران، إلى أمن الملاحة الدولية ومصالح التجارة العالمية، ودعوات لتصحيح ما وصفته الحكومة بالسرديات المغلوطة بشأن الأزمة اليمنية.

وأكدت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين، الدكتورة أفراح الزوبة، خلال سلسلة لقاءات واجتماعات مع مسؤولين وبرلمانيين ألمان ودبلوماسيين عرب وخبراء وممثلي مراكز أبحاث، أن استمرار التساهل الدولي مع الانتهاكات الحوثية شجع الجماعة على توسيع أنشطتها المزعزعة للاستقرار، ونقل تهديداتها من الداخل اليمني إلى الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.

وفي جلسة طاولة مستديرة نظمتها مؤسسة «كوربر» الألمانية ضمن فعالية «إفطار برلين السياسي»، استعرضت الوزيرة جذور الأزمة اليمنية منذ انقلاب الحوثيين على التوافق الوطني والحكومة الشرعية في سبتمبر (أيلول) 2014، واجتياحهم العاصمة صنعاء بقوة السلاح، وتقويض مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وصولاً إلى التصعيد العسكري الأخير ومحاولات استهداف الملاحة الدولية في مضيق باب المندب.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (أ.ف.ب)

وقالت الزوبة إن السلوك التصعيدي للجماعة يشكل تهديداً مباشراً للسلم والأمن الإقليميين والدوليين، محذرة من أن الصمت الدولي والتساهل مع انتهاكاتها يمنحانها مساحة لمواصلة تهديد حركة التجارة العالمية.

تمدد التهديد الحوثي

ضمن التحركات نفسها، حذرت الوزيرة اليمنية، خلال مشاركتها في طاولة مستديرة أخرى نظمتها مؤسسة «كونراد أديناور» الألمانية، من امتداد التهديد الحوثي إلى أمن المنطقة والملاحة الدولية، مشيرة إلى استهداف خطوط الملاحة والتنسيق مع جماعات إرهابية في القرن الأفريقي، من بينها حركة الشباب الصومالية.

وربطت الزوبة بين رفض الحوثيين جهود السلام ومحاولاتهم فرض السيطرة على مضيق باب المندب، وإطلاق عملية «فجر اليمن»، قائلة إن العملية تستهدف استعادة مؤسسات الدولة وحماية الممرات البحرية من التهديدات التي تطال الملاحة والتجارة الدولية.

حراك يمني من برلين لدعم الحكومة في مواجهة الحوثيين (سبأ)

ودعت المشاركين من المسؤولين والخبراء وأعضاء الحزب الحاكم في ألمانيا، إلى نقل صورة دقيقة عن التطورات اليمنية إلى مؤسساتهم وصناع القرار، وتصحيح السرديات المغلوطة بشأن الأزمة، بما يضمن إيصال صوت اليمنيين وتداعيات التصعيد العسكري والإنساني عليهم.

وفي هذا السياق، شددت على أن دعم الحكومة اليمنية سياسياً واقتصادياً وإنسانياً، يمثل مدخلاً أساسياً لتعزيز قدرتها على الاضطلاع بمسؤولياتها، وترسيخ الاستقرار واستعادة مؤسسات الدولة.

حصار تعز والعقاب الجماعي

احتل الوضع الإنساني في مدينة تعز جانباً رئيسياً من مباحثات الوزيرة؛ إذ سلطت الضوء على استمرار الحصار الحوثي وما يترتب عليه من منع دخول الغذاء والدواء والإمدادات الأساسية، وإغلاق منشآت صحية، وعرقلة إجلاء المرضى والجرحى عبر ممرات آمنة.

وأكدت أن هذه الممارسات تمثل عقاباً جماعياً بحق المدنيين، وتفاقم معاناة الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها النساء والأطفال، مشيرة إلى أن الحصار تسبب في وفاة عدد من المدنيين نتيجة تعذر حصولهم على الرعاية والإمدادات الطبية اللازمة.

وخلال لقائها رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الألماني، أرمين لاشيت، بحثت الزوبة تطورات الأزمة اليمنية وانعكاساتها الإقليمية، مؤكدة أن تهديد حرية الملاحة والتجارة العالمية يمثل امتداداً للسلوك الحوثي المزعزع للاستقرار منذ سيطرة الجماعة على مؤسسات الدولة.

الحكومة اليمنية تسعى لاستقطاب الدعم السياسي والإنساني الأوروبي (سبأ)

كما استعرضت الزوبة الجهود التي تبذلها الحكومة المعترف بها دولياً انطلاقاً من العاصمة المؤقتة عدن للنهوض بالمسؤوليات الخدمية والتنموية، مشددة على أن استقرار مؤسسات الدولة وتأمين مواردها الذاتية يمثلان مدخلاً رئيسياً لمعالجة الأزمة الإنسانية بصورة مستدامة.

ودعت ألمانيا والشركاء الأوروبيين إلى تقديم دعم سياسي واقتصادي عاجل للحكومة، مع التركيز على بناء القدرات الوطنية، خصوصاً قوات خفر السواحل ومراقبة الحدود البحرية، بما يعزز قدرتها على مكافحة تهريب الأسلحة والتقنيات العسكرية الإيرانية إلى الحوثيين.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني عن لاشيت أنه أعرب عن قلقه إزاء الانتهاكات الحوثية لحقوق الإنسان، لا سيما تجنيد الأطفال وتدهور الأوضاع المعيشية للمدنيين، مؤكداً أن استهداف الملاحة في البحر الأحمر يمس الأمن الاقتصادي لدول الاتحاد الأوروبي والعالم.

وشدد المسؤول الألماني على ضرورة تطوير البرلمان والحكومة في بلاده، بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، استراتيجية جديدة للتعامل مع الملف اليمني تتواكب مع التطورات المتسارعة وتحمي الأمن الإقليمي والدولي.


مخاطر وبائية تحاصر تعز ومساعدات أممية معلَّقة في الضالع

أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)
أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)
TT

مخاطر وبائية تحاصر تعز ومساعدات أممية معلَّقة في الضالع

أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)
أم يمنية نازحة جراء العدوان الحوثي في محافظة تعز (أ.ف.ب)

تفاقمت التداعيات الإنسانية والصحية للحصار الحوثي المفروض على مدينة تعز اليمنية، مع دخول الهجمات العدوانية على المدينة شهرها الثاني، وسط تراجع الخدمات الأساسية وارتفاع مؤشرات انتشار الأمراض الوبائية، في وقت علَّقت فيه الأمم المتحدة إيصال المساعدات إلى مديرية قعطبة شمال محافظة الضالع، ومخيمات النازحين المجاورة، إثر سقوط صاروخ حوثي بالقرب من مناطق إيوائهم.

وفي مواجهة تدهور الأمن الغذائي، أطلق برنامج الأغذية العالمي وشركاؤه مبادرة لتوفير وجبات غذائية طارئة للأسر الأكثر احتياجاً في مدينة تعز، تعتمد على مكونات غذائية من مصادر محلية، وتستهدف في مرحلتها الأولى ألفي أسرة موزعة على ثلاث مديريات.

وتأتي المبادرة في وقت تواجه فيه المدينة، التي يفرض الحوثيون عليها حصاراً متجدداً، أزمة متفاقمة في الخدمات الأساسية، خصوصاً المياه والصحة والنظافة، مع تزايد صعوبة وصول السكان إلى الاحتياجات الضرورية.

السكان في مدينة تعز يعانون من أزمة مياه خانقة منذ بدء حصار الحوثيين (إعلام محلي)

ووفقاً لبيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، اضطر أكثر من 310 آلاف شخص إلى مغادرة منازلهم في اليمن منذ بداية أغسطس (آب)، بينهم نحو 135 ألف نازح لا يزالون داخل محافظة تعز، يمثلون أكثر من 40 في المائة من إجمالي النازحين حديثاً.

وفيما يتعلق بالاستجابة للاحتياجات الطارئة، تمكن الشركاء الإنسانيون من تقديم مساعدات إيوائية لنحو 5600 أسرة نازحة، من أصل أكثر من 51 ألف أسرة نزحت منذ أغسطس، فيما يجري التخطيط لتوزيع مستلزمات الإيواء والخيام على 4600 أسرة إضافية.

تعليق المساعدات في الضالع

في شمال محافظة الضالع، فرضت المخاوف الأمنية قيوداً جديدة على العمليات الإنسانية، بعدما سقط صاروخ أطلقه الحوثيون على بُعد نحو كيلومتر واحد من مدينة قعطبة، بالقرب من مناطق تستضيف نازحين.

وأفادت التقارير الأولية بإصابة عدد من المدنيين جراء الحادثة، مما دفع إلى تعليق إيصال المساعدات الإنسانية إلى المديرية ومخيمات النازحين المجاورة، كإجراء احترازي في ظل المخاطر التي تهدد سلامة العاملين والمستفيدين من الإغاثة.

ويأتي هذا التعليق ليضيف عقبة جديدة أمام جهود الاستجابة الإنسانية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الناجمة عن موجات النزوح والتصعيد العسكري، خصوصاً في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من الأسر الفارة من المواجهات.

مؤشرات وبائية مقلقة

في تعز، حذّر مكتب الصحة العامة والسكان من تزايد المخاطر الصحية والوبائية نتيجة استمرار الحصار وتراجع الخدمات الصحية والبيئية، مستنداً إلى مؤشرات رصدت انخفاضاً في الاستشارات الطبية وارتفاعاً في بعض الأمراض المعدية.

وأظهر تقرير إدارة الترصد الوبائي تراجع متوسط الاستشارات الطبية الأسبوعية بنسبة 27 في المائة، من 24 ألفاً إلى نحو 17.5 ألف استشارة، في مؤشر يعكس تراجع قدرة المرافق الصحية على تقديم الخدمات والوصول إلى المرضى.

تكدس القمامة يضاعف مخاطر انتشار الأمراض الوبائية في تعز (إعلام محلي)

وفي المقابل، ارتفعت حالات حمى الضنك المشتبه بها بنسبة 26 في المائة على مستوى المحافظة، فيما بلغت الزيادة 71 في المائة داخل مدينة تعز لكل ألف استشارة. كما سجلت حالات النكاف ارتفاعاً بنسبة 94 في المائة.

ورصد التقرير انخفاضاً بنسبة 50 في المائة في الحالات المشتبه بإصابتها بالحصبة والسعال الديكي والتهاب السحايا، بالتزامن مع تراجع عمليات التطعيم والاحتواء الوبائي بنسبة 40 في المائة، وهو ما يثير مخاوف من اتساع فجوات الوقاية والكشف المبكر.

أما الأمراض المنقولة بالمياه، فقد أظهرت البيانات انخفاض حالات الكوليرا المشتبه بها بنسبة 42 في المائة، مقابل ارتفاع معدل الإسهال المائي في المدينة بنسبة 22 في المائة، وسط تحذيرات من تلوث مصادر المياه وتراكم النفايات وضعف خدمات الصرف الصحي.

تراجع الاستجابة

لفت التقرير الصحي إلى تراجع أنشطة الاستجابة الوبائية، إذ انخفضت التنبيهات بنسبة 19 في المائة، والزيارات المنزلية لفرق الاستجابة بالنسبة نفسها، فيما تراجعت العينات المخبرية بنسبة 22 في المائة. وحذّر من أن انخفاض أعداد الحالات المسجلة لا يعني بالضرورة تحسن الوضع الوبائي، إذ قد يكون نتيجة تقلص الوصول إلى الخدمات الصحية وضعف أنشطة الترصد.

وتتضاعف هذه المخاطر مع نقص الوقود والمستلزمات الطبية وتوقف عمليات رفع النفايات، التي تتراوح كمياتها في المدينة بين 500 و600 طن يومياً، بما يهدد استمرار الخدمات الصحية، بما فيها تشغيل حاضنات الأطفال وأجهزة غسيل الكلى.

الحوثيون يمنعون إخراج النفايات من مدينة تعز المحاصرة وهو ما يهدد بكارثة صحية (أ.ب)

وطالب التقرير الحكومي بتوفير 1200 لتر من الديزل يومياً لصندوق النظافة، إلى جانب تكثيف حملات مكافحة البعوض وتعقيم المياه، ودعم المرافق الصحية بالوقود والمستلزمات الطبية، وتعزيز برامج التطعيم والترصد الوبائي، وتوفير فرق طبية متنقلة للوصول إلى المناطق الريفية.

وتعكس هذه المؤشرات اتساع الضغوط التي يواجهها سكان تعز، حيث يتزامن الحصار وتراجع الخدمات مع موجات النزوح ونقص الاحتياجات الأساسية، في وقت باتت فيه المخاطر الصحية والبيئية تهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية، وتضع المرافق الصحية أمام تحديات متزايدة للحفاظ على الحد الأدنى من خدماتها.


«باليستي» حوثي يقتل ويصيب مدنيين في تعز

مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
TT

«باليستي» حوثي يقتل ويصيب مدنيين في تعز

مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمضي بثبات نحو تحقيق كامل أهدافها (سبأ)

دخلت عملية «فجر اليمن» شهرها الثاني بتأكيد رئاسي على استمرارها حتى استعادة مؤسسات الدولة، بالتزامن مع صدور تقرير لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن عن استمرار الجماعة في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقّدة، في حين تسبب قصف حوثي بصاروخ باليستي في سقوط قتلى وجرحى في عملية وصفتها الحكومة اليمنية بـ«جريمة حرب».

وشهدت المواجهة العسكرية في اليمن مرحلة جديدة من التصعيد، مع اتساع رقعة المعارك بين القوات الحكومية والجماعة الحوثية في محافظات تعز ولحج ومأرب والجوف، وتزايد المخاوف على المدنيين والملاحة الدولية في البحر الأحمر.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في بيان للمجلس، الخميس، استمرار العمليات العسكرية حتى تحقيق أهدافها المعلنة، وفي مقدمتها إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية.

وقال المجلس إن القوات المسلحة نفّذت، منذ الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكثر من 40 ألف عملية استهداف عسكرية في مختلف الجبهات، أسفرت، وفق حصيلته، عن تحييد نحو 20 ألفاً من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير وإعطاب أكثر من خمسة آلاف آلية ومعدة عسكرية.

مقاتلو الجيش اليمني في أحد المواقع بمحافظة الجوف (أ.ف.ب)

وتعكس هذه الأرقام، حسب المجلس، حجم العمليات العسكرية خلال الشهر الأول، في حين تتواصل المواجهات على عدة محاور، وسط تحركات حكومية لإعادة ترتيب بعض القيادات العسكرية والأمنية.

وبينما واصلت الجماعة الحوثية أعمالها العدائية واستهدافها للمدنيين والمنشآت الحيوية المدنية داخل البلاد وخارجها، إلى جانب استخدام مقرات أممية للعمليات العسكرية، كشف تقرير أممي عن استمرارها في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقّدة.

كما أثار إعلان الحكومة اليمنية استخدام الحوثيين في الساحل الغربي مبنى تابعاً للأمم المتحدة في مديرية المخا مركزاً للعمليات العسكرية ومنصة لإطلاق الصواريخ مخاوف جديدة بشأن سلامة المنشآت الإنسانية والعاملين الأمميين.

معارك متعددة

أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع عسكرية في منطقتي الصراري بمديرية صبر الموادم وصنمات بمديرية المسراخ في محافظة تعز (جنوب غرب)، عقب هجمات شنتها بمساندة المقاومة الشعبية، تزامنت مع غارات جوية وضربات نفذتها طائرات مسيّرة استهدفت مواقع وتجمعات وآليات حوثية.

وأفادت مصادر محلية بأن الطيران الحربي شنّ، فجر الجمعة، سلسلة غارات استهدفت تمركزات وتحصينات وآليات للجماعة في مديرية حيفان ومحيط مدينة التربة، دون إعلان حصيلة رسمية للخسائر.

وشهدت مناطق عديدة في محافظة لحج مواجهات عنيفة، تركزت بصورة خاصة في جبهة منطقة الزريقة التابعة لمديرية المقاطرة، حيث أفادت مصادر عسكرية بتنفيذ الحوثيين هجوماً التفافياً على خمسة مواقع، قبل أن تتمكن القوات المدافعة مسنودة بالمقاومة من استعادة موقعَين منها، في حين تتواصل المواجهات في مديرية المضاربة وجبال كهبوب المطلة على باب المندب.

وأسفرت المواجهات في الزريقة، وفق حصيلة ميدانية أولية نقلتها مصادر قيادية، عن مقتل 11 من أفراد القوات المشتركة وإصابة 23 آخرين، ولم تُعرف أعداد الإصابات في أوساط الحوثيين، فيما استمرت الاشتباكات مع وصول تعزيزات عسكرية من الطرفَين.

وامتد التصعيد إلى محافظتي مأرب والجوف، حيث أعلنت القوات الحكومية إحراز تقدم في مرتفعات الدحيضة وجبال حويشان شرقي الجوف، والسيطرة على مواقع وتحصينات وأسلحة، ضمن عمليات تستهدف فتح الطريق باتجاه مدينة الحزم.

مقاتلو الجيش والمقاومة في تعز استعادوا مواقع مهمة من يد الحوثيين (غيتي)

وفي مأرب، تواصلت المواجهات في وادي حلحلان بمديرية رغوان، حيث أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع كانت خاضعة لسيطرة الحوثيين، والتقدم باتجاه منطقة محازيم ماس، عقب اشتباكات وهجمات متبادلة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الجانبين.

وتتزايد المخاوف من انعكاسات اتساع القدرات الصاروخية والجوية الحوثية على أمن المنطقة والممرات البحرية، خصوصاً مع استمرار التهديدات المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

تقرير أممي يكشف عن استمرار الحوثيين في الحصول على قدرات عسكرية عبر شبكات معقدة (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، كشف تقرير لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن عن استمرار الجماعة في تطوير قدراتها العسكرية بالاستفادة من شبكات إمداد خارجية معقدة، ومكونات تجارية ومدنية مزدوجة الاستخدام، تشمل أنظمة الملاحة والبطاريات والمحركات وأجهزة التحكم الإلكتروني المستخدمة في تصنيع وتطوير الطائرات المسيّرة والصواريخ.

وأشار التقرير إلى اعتراض شحنات ومكونات عسكرية خلال عام 2025، فضلاً عن محاولات الحصول على مواد كيميائية تدخل في تصنيع الوقود الصاروخي والمتفجرات، بينها بيركلورات الأمونيوم ونترات الصوديوم، محذراً من أن استمرار هذه الإمدادات يعزّز قدرات الجماعة بعيدة المدى ويشكل تهديداً للملاحة والتجارة الدولية.

مجزرة أخرى في الوازعية

في الساحل الغربي، أثار إعلان الحكومة اليمنية استخدام الحوثيين مبنى تابعاً للأمم المتحدة في مديرية المخا مركزاً للعمليات العسكرية ومنصة لإطلاق الصواريخ مخاوف جديدة بشأن سلامة المنشآت الإنسانية والعاملين الأمميين.

القوات الحكومية اليمنية تحرز تقدمات في تعز والجوف ولحج ضد الحوثيين (أ.ف.ب)

وقالت وزارة التخطيط والتعاون الدولي إن الجماعة تستغل الحصانة القانونية للمقرات الأممية لتغطية أنشطتها العسكرية، مطالبة الأمم المتحدة بالتحقيق في هذه الاتهامات والعمل على إخلاء المبنى من العناصر المسلحة والأسلحة. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه المزاعم.

وفي تطور ميداني آخر، سقط قتلى وجرحى إثر استهداف سوق الحضارة الشعبي في مديرية الوازعية غربي محافظة تعز، الجمعة.

وبينما أعلنت وزارة الصحة في حكومة الحوثيين، غير المعترف بها، مقتل 20 شخصاً وإصابة 15 آخرين على الأقل، حمّلت السلطات المحلية في تعز الجماعة مسؤولية الهجوم، ونفت أن يكون ناجماً عن غارات جوية لـ«التحالف»، مؤكدة، استناداً إلى إفادة غرفة العمليات، عدم تنفيذ الطيران الحربي أي عمليات في مديرية الوازعية خلال ذلك اليوم.

وقال المتحدث باسم الجيش اليمني، ماجد النزيلي، إن الحوثيين استهدفوا السوق بصاروخ باليستي، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، واصفاً الهجوم بأنه «جريمة حرب» تعكس، حسب تعبيره، استهداف الجماعة للمدنيين كلما تعرضت لخسائر ميدانية أو أخفقت في إطلاق صواريخها.

مقاتلو الجيش اليمني في تعز عقّدوا مهمة الحوثيين في حصار المدينة واقتحامها (أ.ف.ب)

واتهم النزيلي الجماعة بتعريض أمن المنطقة وحرية الملاحة وخطوط التجارة الدولية للخطر، داعياً المجتمع الدولي إلى تصنيفها منظمة إرهابية وتجفيف مصادر تمويلها وقطع إمدادات السلاح عنها، ومؤكداً استمرار القوات الحكومية في عملية «فجر اليمن».

من جهتها، حذرت السلطة المحلية من أن الهجمات الصاروخية الحوثية العشوائية، بما فيها استخدام الصواريخ الباليستية، تعرّض حياة المدنيين للخطر. وشددت على أن الأسواق والتجمعات السكانية مشمولة بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني.

ودعت السلطات إلى توثيق ملابسات الحادثة وحفظ الأدلة المادية وإخضاعها لفحص فني مستقل. كما حثت السكان على الابتعاد عن مواقع سقوط المقذوفات وعدم لمس مخلفاتها أو نقلها، وإبلاغ الجهات المختصة، مطالبة الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بإدانة استهداف المدنيين ودعم جهود التحقيق والمساءلة.

وتزامن التصعيد مع تغييرات في بعض المواقع العسكرية والأمنية، إذ أصدر الرئيس العليمي قراراً بتعيين قيادة جديدة لمحور أبين العسكري، بالتوازي مع قرارات لوزارة الداخلية شملت 11 تعييناً في قيادة وإدارات الشرطة بالمحافظة، في خطوة تأتي ضمن تحركات حكومية لإعادة ترتيب المؤسسات العسكرية والأمنية بالتزامن مع اتساع العمليات على الجبهات.