منبج السورية خط تماس لصراعات خارجية

{الشرق الأوسط} تستطلع حياة الناس في مناطق الهدنة

سائقو دراجات نارية من منبج ينتظرون في طابور للحصول على الوقود
سائقو دراجات نارية من منبج ينتظرون في طابور للحصول على الوقود
TT

منبج السورية خط تماس لصراعات خارجية

سائقو دراجات نارية من منبج ينتظرون في طابور للحصول على الوقود
سائقو دراجات نارية من منبج ينتظرون في طابور للحصول على الوقود

لمْ يكن يعلم إسماعيل (53 سنة) أنّ منزله الهادئ في قرية حسن عرب، على الضفة الجنوبية لنهر الساجور شمال سوريا، سيصبح يوماً منطقة تماس بين جهتين متحاربتين، وأنه سينام كل ليلة على أصوات أزيز الرصاص والاشتباكات المتقطعة.
منذ منتصف 2016 تحولت ضفتي نهر الساجور الذي يبعد 15 كيلومتراً شمال منبج في ريف حلب الشرقي، و30 كيلومتراً جنوب الحدود التركية، إلى شريطٍ حدودي فاصل بين المناطق الخاضعة لفصائل «درع الفرات» الموالية لتركيا من جهة، وقوات مجلس منبج العسكري، المدعومة من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى.
تتبع منبج مدينة حلب، وتبعد عنها 80 كيلومتراً إلى الشمال الشرقي، كما تبعد نحو 40 كيلومتراً فقط عن الحدود التركيّة. خرجت عن سيطرة النظام الحاكم في شهر يوليو (تموز) 2012، بعد أن حررتها فصائل من الجيش السوري الحر، لتخضع صيف عام 2014 لسيطرة عناصر تنظيم داعش؛ لكن «قوات سوريا الديمقراطية» و«مجلس منبج العسكري» وبدعم من التحالف الدولي، تمكنوا من انتزاع منبج في 15 أغسطس (آب) 2016، وطرد عناصر التنظيم، بعد معارك عنيفة استمرت لأكثر من شهرين.
«فإذا ولّيت وجهك غرباً؛ ستجد عناصر (درع الفرات) برفقة جنود ومدرعات الجيش التركي، وإن ولّيته شرقاً ستلحظ تنقلات مقاتلي مجلس منبج العسكري، بصحبة الجنود الأميركيين وآلياتهم العسكرية»، يقول إسماعيل، وأضاف أنه يعيش مع زوجته وأسرته في منزلهم المطل على سهل نهر الساجور، بشكل شبه طبيعي، وأنهم اعتادوا على الوضع الجديد الذي أفرزته تقسيمات الحرب السورية، بحسب تموضع كل قوة عسكرية، إذ يشاهد يومياً تحركات الجنود على ضفتي النهر، ويضيف: «عندما تحدث اشتباكات بين الطرفين نضطر للهروب والفرار من القرية إلى مناطق آمنة مجاورة، وبعد توقفها نعود إلى المنزل»؛ لكنه يسعى جاهداً إلى متابعة حياته في ظل تقلبات المشهد الميداني في محيط منطقته، متناسياً الانقسامات والحدود المصطنعة، ويأمل أن يكون الغد أفضل من الواقع الحالي. يتابع إسماعيل كلامه بنبرة صوت مثقلة بالحزن، وهو ينظر إلى مجرى النهر شبه المنقطع الذي قسم قريته: «هذا الوضع مضى عليه نحو عام ونصف، إن شاء الله تنتهي هذه التقسيمات بسلام».
ونهر الساجور البالغ طوله 74 كيلومتراً ينبع من تركيا ويخترق الحدود السورية بمحاذاة نهر الفرات، في منطقة عين عزة التابعة لمدينة جرابلس الحدودية مع تركيا، ويقسم أراضي قرى عون الدادات، ومحسلني، وعرب حسن، وحلوانجي، وتوخاز، التابعة لمدينة منبج إلى شطرين، يخضع كل قسم إلى جهة عسكرية على عداء مع الجهة المقابلة، لينتهي النهر باندماجه مع نهر الفرات.
ويروي عدنان (42 سنة) المنحدر من قرية محسلني الواقعة شمال منبج التي تبعد عنها نحو 15 كيلومتراً، وتجاور قرية حسن عرب، كيف يتنقل يومياً من منزله الواقع في الجهة الجنوبية للقرية، ليجتاز سواتر ترابية ونقاط تفتيش، قاصداً صالون الحلاقة الخاص به، الواقع بالجهة الشمالية من القرية ذاتها، وسط إجراءات أمنية مشددة، بعدما باتت المنطقة منقسمة منذ صيف 2016، بين «درع الفرات» و«مجلس منبج»، ويقول: «يفصل نهر الساجور قريتنا إلى قسمين، وأصبحت منطقة تماس وهدفاً عسكرياً يسعى كل طرف للسيطرة عليه»، وعلى الرغم من معاناته في التنقل بين الضفتين والتي وصفها بـ«حدود النار»، يبتسم الرجل الأربعيني الذي بدت عليه علامات التقدم في السن وغزا الشيب شعره وذقنه، ويقول: «في كل مرة يوقفني الحاجز العسكري ويبدأ بالتحقيق معي عن المكان الذي أسكن فيه ومكان عملي، وبعد أن أجيبهم يسمحون لي بالعبور، والأمر ذاته عند عودتي».
ومنذ أغسطس 2016، يخضع مركز مدينة منبج وريفها لسيطرة قوات «مجلس منبج العسكري» المتحالفة مع «قوات سوريا الديمقراطية»، والأخيرة تشكّل «وحدات حماية الشعب» الكردية عمادها العسكري، فيما تسيطر فصائل «درع الفرات» المدعومة من تركيا على مدينة جرابلس المجاورة لمنبج، ومدن إعزاز ومارع والباب الواقعة شمال غربي منبج، حيث تشكل جيباً حدودياً يفصلها نهر الساجور وسهله الممتلئ بالأشجار والقصبات، في وقت تسيطر فيه القوات النظامية الموالية لبشار الأسد، على بلدة مسكنة، وتبعد عن منبج 40 كيلومتراً، وتقع جنوب غرب، وعلى بلدة الخفسة (30 كيلومتراً جنوباً) وهذه البلدات تخضع لمنبج إدارياً، إلا أنّ النزاع الدائر في سوريا منذ ربيع 2011؛ أفرز واقعاً جديداً مغايراً للتقسيمات الإدارية السابقة.

قيود مشدّدة وإجراءات لا تنتهي
في قرية عون الدادات بريف منبج الشمالي المنقسمة عسكرياً إلى شطرين هي الأخرى، تنتظر فاطمة (32 سنة) الحصول على موافقة من السلطات المحلية في منبج، للسماح لها وأبنائها بزيارة المدينة لحضور حفل زفاف شقيقها النازح فيها منذ عام. فاطمة تسكن مع زوجها المنحدر من جرابلس، وتنحدر أصولها من مدينة حمص وسط سوريا، جاءت منذ الساعة 8 صباحاً، ووقفت بصحبة عدد من النسوة اللواتي جلسنَ بالقرب من جسر قديم يفصل بين شطري قرية عون الدادات، التي أصبحت المنفذ الوحيد للعبور بين الطرفين، ينتظرنَ وصول موافقة الكفيل والأوراق المطلوبة، للسماح لهنّ بالدخول.
تروي فاطمة معاناتها قائلة: «كل شخص يرغب في الدخول إلى منبج أو مناطق الإدارة الذاتية، يجب أن يكفله مواطن من تلك المناطق. هذه الطلبات معقدة للغاية، والسبب زوجي ينحدر من جرابلس»، والأخيرة تخضع لجهة عسكرية على عداء مع الجهة المسيطرة على منبج، الأمر الذي دفع السلطات المحلية في كل منطقة إلى فرض قيود وإجراءات مشددة.
وتتمتع منبج بموقع استراتيجي مهم، إذ تعد المنطقة فاصلة بين شرق نهر الفرات وغربه، وقريبة من نهر الفرات والحدود السورية التركية شمالاً، ويمر بها الطريق الدولي الواصل إلى مدينة حلب، كما أنها تشكل عقدة الطرق المؤدية إلى مختلف مناطق الريف الشرقي والشمالي لحلب، وتتصل أراضيها مع محافظتي الرقة شرقاً والحسكة شمال شرق.
بينما ينوي إبراهيم (62 سنة) القادم من منطقة الباب الخاضعة لسيطرة فصائل «درع الفرات»، التوجه إلى مدينة حماة وسط سوريا عبر منبج؛ لأن الطرق المؤدية إلى حلب من الباب وباقي المناطق مغلقة. خرج رفقة زوجته وشقيقته بسيارته في الساعة 7 صباحاً، من منزل أحد أقربائه القاطنين هناك؛ لكن رحلته استغرقت نحو 4 ساعات بسبب كثرة انتشار نقاط التفتيش، التي دققت كثيراً على وجهة سفره «حماة»، والأخيرة خاضعة لسيطرة النظام السوري، وبعدما وصل إلى حاجز عون الدادات، ها هو ينتظر السماح له بالسفر عبر منبج إلى الطريق الدولي الواصل بينها وبين حلب ومنها سيكمل رحلته إلى وجهته حماة.
ويروي إبراهيم أنه وقبل اندلاع النزاع في سوريا، سافر إلى لبنان والأردن والعراق، واجتاز حدود هذه الدول بعد ختم جواز سفره؛ لكنه اليوم يجتاز حدود مناطق الصراع في الشمال السوري؛ واضطر للتنقل بين مناطق سيطرة ثلاث جهات عسكرية متحاربة ضد بعضها: النظام، «درع الفرات»، سوريا الديمقراطية.
وعن الحدود الجديدة والسفر عبرها، اعتبر إبراهيم أنها «مصطنعة»؛ وقد تتغير في أي لحظة. وذكر مستغربا: «فقط لا يطلبون جواز السفر؛ لكنهم يطلبون ورقة إذن سفر، ونخضع لإجراءات أمنية مملّة من كل طرف، والطريق طويل ومتعب، ونحتاج إلى 12 ساعة سفراً حتى نصل إلى منزلنا».
وفوق الجسر الفاصل بين طرفي قرية عون الدادات، توجد نقطة تفتيش تتبع قوات الأسايش، وهي عبارة عن شرطة محلية تابعة لـ«إدارة منبج المدنية»، يدقق عناصرها في الوثائق الشخصية للراغبين في السفر عبر منبج إلى باقي المناطق السورية. ويشرح عنصر الأسايش عبيد (29 سنة) أن مثل إبراهيم وغيره من المسافرين إلى حلب والداخل، تسمى العملية بـ«الترفيق»، يخضعون لإجراءات روتينية ولا يحتاجون إلى كفيل، وقال: «كل عشرين سيارة نرسل معها عناصر أسايش ترفيق إلى آخر نقطة فاصلة بيننا وبين مناطق النظام السوري، ومن هناك يكملون طريقهم إلى وجهتهم».

العلم قبل الطعام
بلغ عدد سكان منبج عام 2004 نحو مائة ألف نسمة، ومع انطلاقة الثورة السورية بشهر مارس (آذار) 2011، ارتفع عدد سكانها للضعف، وتجاوز آنذاك 200 ألف نسمة، لاستقبالها نازحين من باقي المناطق التي تعرضت للدمار والخراب جراء الحرب المستعرة في سوريا. وبعد طرد عناصر تنظيم داعش صيف 2016، أصبحت ملاذاً آمناً للنازحين، وقصدها معظم الفارين من مدينتي الرقة ودير الزور. وبحسب السلطات المحلية يعيش في المدينة ومحيطها نحو 600 ألف شخص، يشكل العرب السنة أغلبية سكان منبج، إلى جانب الأكراد والتركمان والشركس والأرمن.
تقول زهرة التي نزحت عن مدينتها حمص، إنها تسكن في منبج منذ 7 سنوات، بعدما تعرض منزلها للدمار، وتتمنى: «ألا تتعرض هذه المدينة لحرب ثانية، فبعد طرد عناصر (داعش) عادت عجلة الحياة وتحسنت الظروف، لا نريد لأي مدينة سورية الخراب؛ لأننا هربنا منها».
وتشهد حركة الأسواق في منبج ازدهاراً وانتعاشاً اقتصادياً، حيث باتت بوابة التجارة بين المناطق الخاضعة لسيطرة النظام في حلب غرباً، ومناطق سيطرة «درع الفرات» شمالاً، والإدارة الذاتية الكردية شرقاً. وقال سكان في المدينة إن المزاج العام مع بقاء إدارة المدينة مستقلة.
وأخبر فاروق الماشي، رئيس المجلس التشريعي في منبج، وينتمي إلى عشيرة البوبنا العربية، أن إدارة المدينة مستقلة لا تخضع لأي جهة، وغير مرتبطة بفدرالية شمال سوريا، وقال في لقائه مع صحيفة «الشرق الأوسط»: «النظام الفيدرالي هو الحل الأمثل لبلد مزقته نيران الحرب والتقسيمات العسكرية؛ لكننا فضلنا أن تكون إدارتنا مستقلة، هذا الأمر بيد شعب ومكونات منبج».
ولم يخف الشيخ الماشي أن الإدارة المدنية في منبج تلقت الدعم من الإدارة الذاتية الكردية، على مستوى الخبراء والمستشارين، وكيفية تشكيل المجالس واللجان الخدمية، وتفعيل الهيكليات الإدارية، وقال: «كما أنّ التحالف الدولي وأميركا يقدمان لنا الدعم المادي، ويشرفان على تدريب القوات العسكرية وجهاز الشرطة»، ودعا الماشي إلى علاقة حسن جوار مع باقي المناطق، وزاد: «منبج كباقي المناطق السورية، بانتظار حل سياسي شامل، وانتهاء حقبة الحرب، وعودة السلام إلى كل أرجاء البلاد».
ومنذ بداية 2017 تدير منبج إدارة مدنية، ويتشكل المجلس التنفيذي من 13 هيئة ولجنة خدمية، منها الصحة والتعليم وقوات الأمن الداخلي وهيئة العدالة وغيرها، وشكلت الإدارة جهازاً للشرطة وللمرور، يتلقى التدريب والدعم العسكري من التحالف الدولي. واللافت عمل المرأة وحضورها في جهاز الشرطة والمرور، وجميع الوظائف والمواقع الإدارية والخدمية.
وفي لقائها مع صحيفة «الشرق الأوسط»، أكدت زينب قنبر رئيسة المجلس التنفيذي، أنّ لجنة الصحة قامت بتأهيل مشفى «الفرات» المركزي، وشرحت: «نقوم بترميم وتجهيز الطابق الثالث ليصبح مستشفى عاماً يستقبل جميع الحالات المرضية»، وكشفت قنبر أن المنهاج المدرسي المعتمد في مدارس منبج هو المنهاج السوري الحكومي، الصادر عن مديرية التربية والتعليم في دمشق. وأضافت قائلة: «لكن اللجنة حذفت مادة القومية، وبعض الدروس التي تمجد الشخصيات والحزب الحاكم».
وبحسب رئيسة المجلس التنفيذي لمنبج، قدم طلاب الشهادات الإعدادية والثانوية العامة والشرعية امتحاناتهم في مدينة حلب في المدارس الحكومية، العام الفائت، وتم تصديق شهاداتهم من وزارة التربية، وقالت: «منذ تأسيس الإدارة المدنية رفعنا شعار (العلم قبل الطعام)، وعلى هذا الأساس تحركنا للحفاظ على مستقل الطلاب، ونأمل في أن تكون دورة العام الجاري مثل العام الماضي»، وتابعت حديثها: «يوجد اليوم 5200 معلم ومعلمة على رأس عملهم، يدرسون 132 ألف طالب وطالبة في مدراس منبج، ولا يوجد طالب خارج المدرسة، وهذا بحد ذاته تحدّ لنجاح عملنا».
كما توجد في منبج قاعدة أميركية تتولى مهمة تسيير دوريات بشكل يومي، بهدف مراقبة مناطق التماس الفاصلة بين مجلس منبج العسكري، وفصائل «درع الفرات» الموالية لتركيا، وتشرف هذه القاعدة على تدريب القوات العسكرية وتسليحها، وتقديم الدعم المادي واللوجستي والاستشاري.
وقال شرفان درويش، المتحدث الرسمي باسم «مجلس منبج العسكري» لـ«الشرق الأوسط»، إن: «الولايات المتحدة والتحالف الدولي أكدوا لنا أنهم سيلتزمون بحماية المناطق التي حرروها من قبضة تنظيم داعش، ومستمرون بالدفاع عنها وتقديم الدعم العسكري»، وشدد درويش على انسحاب مقاتلي وحدات حماية الشعب من منبج إلى شرق نهر الفرات، وأضاف: «أميركا والتحالف أشرفوا على الانسحاب، وسلموا مواقعها العسكرية إلى مجلس منبج العسكري».

صراع أميركي - تركي
تحولت منبج ومدن الشمال السوري إلى مركزٍ رئيسي في الحرب السورية على مدار الأشهر الماضية، إذ انخرطت معظم أطراف الصراع الدولية والإقليمية هناك بصورة أو بأخرى، فتركيا تخشى من توسع نفوذ «وحدات حماية الشعب» الكردية، وربط مناطق نفوذها شرق نهر الفرات بغربه، وتتهم أنقرة الوحدات بأنها امتداد لحزب العمال الكردستاني المحظور لديها.
واعتبر محللون أتراك أن لا أطماع للدولة التركية في سوريا. وأوضح أحدهم: «تركيا تركت الأوضاع تسير بحسب مجرياتها الداخلية في سوريا لسنوات؛ لأنها تعمل على تأمين حدودها الجنوبية، وأن تكون منطقة آمنة لأهلها في سوريا»؛ لكن تركيا أعلنت أنها لن تسمح بإقامة دولة كردية شمال سوريا، وشدد الكاتب كول: «تحركات تركيا كي لا تجد جارها الجنوبي دولة كردية معادية لها أولاً، ولكي لا تقوم هذه الدولة الكردية على حساب الشعب العربي السوري ثانياً، لذلك تكفلت بدعم الجيش السوري الحر، وكل الفصائل السورية التي تدافع عن حقوقها القومية والوطنية شمال سوريا».
وتتهم تركيا الوحدات الكردية بعدم خروجها من منبج، على الرغم من العهود الأميركية في نقلهم إلى شرق نهر الفرات. وترد الوحدات وفصائل محلية مسلحة في منبج، بأن الوحدات غادرت المدينة بعد تحريرها، لكن تركيا تقول إن ذلك لم يحدث، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة التي تقدم الدعم العسكري والجوي لـ«مجلس منبج العسكري» و«قوات سوريا الديمقراطية» في دحر تنظيم داعش، إلى نشر قوة عسكرية من أفرادها يرابطون في منبج ومحيطها، لضمان عدم وقوع اشتباك بين مختلف الأطراف المتصارعة في المنطقة، والخطوة الأميركية تلت تهديدات تركيا بمهاجمة المدينة.
وتعهد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مراراً بأن قوات بلاده؛ ستتوجه بعد الانتهاء من معركة عفرين إلى منبج، وصولاً إلى الحدود العراقية؛ لكن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حذرت تركيا من الهجوم على منبج، ودعت إلى ضبط النفس، وإلى أن تكون عملية عفرين محدودة، وألا يطول أمدها، ويجب عدم وقوع ضحايا بين المدنيين.
من جانبه، يرى الكاتب والمحلل الكردي السوري خورشيد دلي، أنّ أمرين أساسيين وقفا أمام تركيا لتحقيق هدفها المعلن في منبج، أي إخراجها من سيطرة مجلس منبج العسكري. وأوضح: «الأمر الأول أن الولايات المتحدة نشرت قوات لها في المدينة ومحيطها، وهو ما صعّب مهمة التدخل العسكري التركي؛ نظراً إلى أن مثل هذا الأمر سيؤدي إلى صدام مباشر مع القوات الأميركية، وهو ما لا ترغب فيه تركيا».
أما الأمر الثاني «أنه في ظل احتمال المواجهة بين قوات (درع الفرات) و(قوات سوريا الديمقراطية) في منبج؛ وافقت الأخيرة على تسليم مجموعة من القرى - تقع شمال غربي منبج - إلى قوات النظام السوري بحماية روسية. وأصبحت هذه القرى بمثابة شريط عسكري فاصل بين الأطراف المتناحرة، وبالتالي فإن أي تحرك عسكري تركي سيصطدم بالقوات النظامية السورية، وهو ما لا ترغب فيه تركيا أيضاً».
وطالب إردوغان مراراً الولايات المتحدة الأميركية بمغادرة قواتها المتمركزة في مدينة منبج شمال سوريا، واتهمت أنقرة واشنطن بعدم الوفاء بتعهداتها بإخراج المقاتلين الأكراد، وبالعمل ضد مصالحها في سوريا.



العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».


هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
TT

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)

بالتزامن مع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المحتملة على إيران، تواصل الجماعة الحوثية في اليمن استعداداتها العسكرية وحشد المقاتلين واستحداث مواقع جديدة لأسلحتها، في وقت يُنظر لها فيه بأنها إحدى أهم الأذرع الإقليمية للرد الإيراني.

وعلى الرغم أن الجماعة المدعومة من إيران لم تصدر أي بيان رسمي يعلن موقفها من تعرض إيران لهجوم أميركي، فإن قادة فيها حذَّروا الولايات المتحدة من أي عمل عسكري، وتحمُّل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته، ولمحوا إلى أن تعاطيهم معه سيتم وفق ما تراه القيادة العليا بعد تقييم الموقف وتداعياته المحتملة.

وبقدر ما توحي هذه التلميحات، إلا أن ثمة تفسيرات لها بعدم الرغبة في لفت انتباه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب إلى ضرورة التعامل مسبقاً مع الرد المقبل من قِبل الجماعة، خصوصاً وأن هذه الإدارة قد شنت حملة عسكرية سابقة ربيع العام الماضي على الجماعة وتسببت لها بالكثير من الخسائر.

ويرى إسلام المنسي، الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد لا تذهب إلى إحراق أوراقها كافة في حال لم يكن هناك داعٍ لذلك، خصوصاً مع التهديدات الأميركية بارتفاع سقف التصعيد في حال إقدام أي أذرع عسكرية إيرانية على التدخل والمشاركة في المواجهة.

مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ضمن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة (رويترز)

ولم تلجأ إيران لاستخدام أذرعها العسكرية خلال مواجهتها مع إسرائيل والضربة الأميركية المحدودة لها صيف العام الماضي؛ لكونها لم تشعر بخطر وجودي، وهو ما قد يتغير في المواجهة المرتقبة، ويمكن أن يدفع إلى تدخل الجماعة الحوثية، بما يشمل استهداف حلفاء ومصالح الولايات المتحدة وقواتها العسكرية، وفقاً لحديث المنسي لـ«الشرق الأوسط».

وإذا كانت إيران قد سبق لها وعرضت، في إطار تفاوضي، التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الحوثي، فإن ذلك يجعل من المؤكد أنها ستستخدمها في الرد، خصوصاً وأنها أنشأتها للدفاع عن أراضيها في جغرافيا بعيدة عنها، حسب المنسي.

وترجح الكثير من التقارير الاستخباراتية أن يكون «الحرس الثوري» الإيراني قد بحث مع الحوثيين تفعيل ساحات دعم بديلة خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المنتظرة، واستخدام خلايا وأسلحة لم يجرِ استخدامها من قبل.

تأهب مكشوف

ومنذ أيام نقلت وسائل إعلام صينية عن قيادي عسكري حوثي، لم تسمّه، أن الجماعة رفعت فعلاً حالة التأهب، ونفذت عمليات تفتيش لمنصات إطلاق الصواريخ في مناطق عدة داخل اليمن، من بينها منطقة البحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية.

صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

في هذا السياق، يؤكد صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن الجماعة الحوثية ستشارك في الدفاع عن إيران ضد أي هجمات أميركية، مستنداً إلى خطابها الإعلامي المرافق لحشود أنصارها في الساحات والميادين، والذي يؤيد بشكل واضح حق إيران في الدفاع عن نفسها.

ورغم المواربة التي يتخذها هذا الخطاب بشأن إيران؛ فإنه يعيد التذكير بحرب غزة، ويجدد التعهدات الحوثية بالعودة إلى التصعيد العسكرية للدفاع عن سكان القطاع المحاصر، كما يوضح صلاح لـ«الشرق الأوسط»، منوهاً إلى أن إيران لم تشارك الحوثيين كل تلك التقنيات العسكرية المتطورة والنوعية، إلا بسبب ثقتها العالية بهم وقدرتهم على استخدامها لصالحها.

وخلال الفترة الماضية، وبعد استهداف إسرائيل حكومة الجماعة غير المعترف بها وعدداً من قياداتها، برز عدد من القادة الحوثيين المتشددين في ولائهم لإيران، بينما يجري على الأرض استحداث مواقع عسكرية ونقل معدات وأسلحة إلى مناطق جديدة في المناطق الساحلية والقريبة منها، إضافة إلى إمكانية استخدام خلايا أمنية في خارج حدود اليمن.

ويرجح صلاح أنه، ومع تهديدات الضربة العسكرية على إيران كبيرة، فإن الرد الإيراني سيأخذ منحى متقدماً قد يصل إلى السعي لإغلاق المضائق؛ وهو ما يجعل مضيق باب المندب في دائرة الاستهداف الحوثي.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

ويبدي الكثير من المراقبين قلقاً من أن تكون الجماعة الحوثية نقلت خلال السنوات الماضية عدداً من مقاتليها وخلاياها الاستخباراتية إلى خارج اليمن لاستهداف مصالح أميركية وغربية في المنطقة.

خيارات مفتوحة

وفقدت الجماعة الحوثية عند إعلان وقف إطلاق النار في غزة أحد أهم مبررات حشد المقاتلين وجمع الأموال، وبدأت بمواجهة تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارساتها والحالة الإنسانية المتدهورة بخطاب إعلامي يحاول إقناع المتلقين بأن المعركة لم تنتهِ، وأن هناك جولات قادمة منها.

وفي موازاة استمرار الجماعة بحشد أنصارها أسبوعياً في مظاهرات تشمل مختلف مناطق سيطرتها تحت شعارات مناصرة قطاع غزة، لجأت إلى تنفيذ هجمات في جبهات المواجهة مع الحكومة الشرعية في اليمن، خصوصاً في محافظة تعز، في حوادث يصفها بعض الخبراء العسكريين بمحاولات جس النبض، بينما يرى آخرون أنها تهدف لصرف الانتباه عن ممارسات أخرى.

في هذا السياق، يذكّر وليد الأبارة، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات، بأن الجماعة واجهت مرحلة حرجة بعد وقف الحرب في غزة، بعد أن فقدت أحد أبرز مبررات هجماتها على الملاحة في البحر الأحمر، وإزاء ذلك فقد تلجأ إلى استحداث مبررات جديدة، بمزاعم العقوبات المفروضة عليها للحفاظ على زخمها الإعلامي ودورها الإقليمي.

أنصار الحوثيين في وقفة لهم بمدينة حجة تحت شعار الاستعداد للمواجهة المقبلة (إعلام حوثي)

إلى جانب ذلك، فهناك خياران آخران، حسب توضيحات الأبارة لـ«الشرق الأوسط»، يتمثل الأول بإعادة توجيه نشاطها نحو الداخل؛ بهدف تعزيز ميزان القوى العسكري والاقتصادي لمصلحتها، أو لفرض شروطها في أي تسوية مقبلة، بينما يتمثل الآخر بالرضوخ للضغوط الدولية والإقليمية والانخراط في مسار تفاوضي، خصوصاً في حال تصاعد العقوبات أو تراجع قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

وحسب تقدير موقف لمركز اليمن والخليج الذي يديره الأبارة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تضغط على قدرة النظام على إدارة نفوذه الإقليمي بالوتيرة السابقة، دون أن تصل إلى تفكيك شبكة وكلائه.

وهذا الواقع يدفع طهران إلى مقاربة أكثر حذراً، تحكمها أولويات الداخل وحسابات التكلفة والعائد، مع الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ الخارجي دون تصعيد واسع.

ويُرجَّح الأبارة في هذا الإطار استمرار العلاقة مع الحوثيين ضمن استمرارية منضبطة، بدعم انتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلة، إلا أن اتساع الاحتجاجات أو تعرض إيران لضربة عسكرية مباشرة قد يفتح سيناريو إعادة تموضع حوثية أعمق، تشمل تنازلات سياسية وأمنية أوسع مقابل ضمانات إقليمية.