صراع كبير بين الإنسان والغوريللا بمجازات متعددة

«صراع من أجل البقاء: 2001  أوديسا الفضاء» - وودي هارلسون وأندي سركيس  في «الحرب لأجل كوكب القردة»
«صراع من أجل البقاء: 2001 أوديسا الفضاء» - وودي هارلسون وأندي سركيس في «الحرب لأجل كوكب القردة»
TT

صراع كبير بين الإنسان والغوريللا بمجازات متعددة

«صراع من أجل البقاء: 2001  أوديسا الفضاء» - وودي هارلسون وأندي سركيس  في «الحرب لأجل كوكب القردة»
«صراع من أجل البقاء: 2001 أوديسا الفضاء» - وودي هارلسون وأندي سركيس في «الحرب لأجل كوكب القردة»

الجزء الرابع من السلسلة الثانية من «كوكب القردة» يحل على شاشات العالم حاملاً إلينا حكاية لا تنتهي حول الصراع على مستقبل الأرض بين عنصرين متحاربين: البشر والقردة. أو هل نقول القردة والبشر تبعاً لتحبيذ هذه الأفلام لشعب من القردة لا غاية له سوى ردع الإنسان الجشع عن محاولة إبادته؟
«الحرب لأجل كوكب القردة» (الذي لم يعد كوكباً بعيداً غامضاً كما كان الحال في الفيلم الأول سنة 1968 بل صار الأرض ذاتها) من 140 دقيقة بميزانية 150 مليون دولار (يعني مليونا وبضع مئات الآلاف لكل دقيقة) وإخراج مات ريڤ الذي أنجز الجزء الثالث: «فجر كوكب القردة»، من هذه السلسلة الثانية قبل ثلاثة أعوام. ذلك الجزء الذي شاهدنا فيه سان فرانسيسكو وهي تتساقط بفعل دمار شامل في حرب الإنسان ضد القردة. الفيلم كان من النجاح بحيث أنجز 702 مليون دولار حول العالم وبل تقدّم جدياً لخوض معركة الأوسكار في قسم أفضل المؤثرات البصرية. لم يفز بها لكنه فاز بـ17 جائزة أقل شأناً بعضها من مؤسسات نقدية وبعضها من مهرجانات مختلفة المستويات.
انتهى «فجر كوكب القردة» بقائد القردة قيصر (آندي سركيس تحت الملابس الحارة) يلعق جراحه ويعترف بأنّه لم يستطع تحقيق النصر الذي طمح إليه ضد البشر. الفيلم الجديد هو كيف سيحقّق هذا النصر ويقلب الشاشة إلى حلبة لا تنتهي يتبادل فيها الطرفان (الآدمي والحيواني) الضربات كما لو كانا على حلبة الملاكمة. ضربة منك، ضربة مني.
وكانت هذه السلسلة اندلعت أول مرّة سنة 1968 عندما أنتجت شركة فوكس فيلما معتدل الميزانية بحسابات ذلك الحين (نحو 6 ملايين دولار)، مقتبسا عن رواية للفرنسي بيير باول تدور حول رحلة بين الكواكب تنتهي عندما تسقط المركبة فوق كوكب للقردة الذين يسجنون الآدميين بتهمة التمهيد للغزو. شارلتون هستون يقود الفريق الآدمي ورودي مكدوويل يمثل القرد كورنليوس وهناك انقسام بين القردة حيال كيفية التعامل مع الآدميين، بل هناك أيضاً مشروع قصّة حب بين القردة زيرا (كيم هنتر) وجورج (هستون) انتهى مع نهاية الفيلم.
خمسة أفلام من تلك السلسلة هي «كوكب القردة» لفرانكلين شافنر (1968) و«تحت كوكب القردة» لتد بوست (1970) و«الهروب من كوكب القردة» لدون تايلور (1971) و«غزو كوكب القردة» (1972) و«معركة كوكب القردة» (1973) وكلاهما من إخراج ج. لي تومسون.
بعد فترة هدوء انتقلت فيها المعارك بين الإنسان والقرد إلى شاشات التلفزيون ومسلسل من الرسوم المتحركة وامتدت 28 سنة، أسندت مهمّـة إعادة تقديم السلسلة لجيل جديد إلى المخرج تيم بيرتون فأنجز «كوكب القردة» (2001)، تبعه روبرت وايات سنة 2011 بفيلم «صعود كوكب القردة» ثم مات ريڤ بعد ثلاث سنوات بفيلم «فجر كوكب القردة»، وريڤ هو أيضا مخرج هذا الفيلم مع وودي هارلسون وتاي أولسن وستيڤ زون من بين آخرين كثر.

تعدد الوجوه

بكل تأكيد السلسلة المذكورة ليست أولى الأفلام التي قدّمت لنا القردة والسعادين بل باشرها سنة 1918 «طرزان والقردة». لكن حينها كانت القردة المستعان بها صغيرة ولطيفة ومثيرة لحب الصغار. طرزان كان قادراً على التفاهم مع كبيرها كما مع صغيرها لأن غوريللا كبيرة هي التي وجدته في الغابة الأفريقية طفلاً رضيعاً بعدما تحطمت الطائرة وقتلت والديه. أرضعته ودافعت عنه واعتنت به وعلى هذا المنوال سارت كل أفلام طرزان.
في عام 1933 فوجئ الناس بغوريللا جديدة، اسمها «كينغ كونغ»، لكنّها ليست من النوع الذي يرضع الآدميين الصغار بل من ذلك الذي يدمر بعض نيويورك عندما تم جلبه إليها. لكنه، والحق يقال، لم يغز أميركا بل الأميركيون هم الذين غزوا جزيرته. كذلك هو وقع في الحب ومن الحب ما قتل فوق مبنى إمباير ستايت الشاهق حسب نهاية ذلك الفيلم.
من هذا الكينغ كونغ تم تحقيق فيلم بعنوان «إبن كينغ كونغ» (الابن ينتقم لأبيه)، ثم أربعة تستعير الحكاية ذاتها في الأساس بدأت بفيلم «كينغ كونغ» سنة 1976 الذي أخرجه جون غيلرمن، ثم قام بيتر جاكسون (المعروف بسلسلة «سيد الخواتم») بإنجاز رؤيته سنة 2005، وفي مطلع هذا العام داهمنا «كونغ: جزيرة الجمجمة» الذي أخرجه جوردان ڤوت - روبرتس.
غير كينغ كونغ وكوكب القردة هناك قرود وغوريللات كثيرة ظهرت من القرد المرتدي تنورة في فيلم لوريل وهاردي في «ذا تشيمب» (1932) إلى الغوريللا الثائرة الأخرى (وغير المحتفى بها كثيراً) «بونغو» (1945)، وصولاً إلى تلك الغوريلا الفاتكة «مايتي جو يونغ» (1949)، علماً بأنّه من حين لآخر قد تطل علينا قردة وغوريللات يأنس إليها البشر كما فعلت سيغورني ويڤر في «غوريللات في الضباب» (1988)، وتيسي هاربر في «صيف للذكرى» (1985). وكل ذلك من دون أن ننسى القردة التي بدأ بها ستانلي كوبريك فيلمه البديع «2001: أوديسا الفضاء» في عام 1968، العام ذاته الذي خرج فيه «كوكب القردة» الأول.

دلالات

كما يتجلّى فإن كل ذلك الاهتمام بأفلام تعرض أدواراً رئيسية للقردة (ولا يرد هنا سوى قليل من عشرات) ينحصر في وجهين: القردة إمّا هي حيوان أليف يأنس إلى الإنسان والإنسان إليه، أو هو غوريللا ضخمة تثور عندما ترى البشر كما لو أنّها تدرك سلفاً ما يدور في ذواتهم خصوصاً إذا ما اقتحموا غاباتها بأسلحتهم النارية.
لكن المسألة ليست في بعدها مجرد ود وألفة في بعض الأفلام وصراع على مستقبل الأرض في أفلام أخرى. الأولى قد تكون عاطفية مصنوعة للترفيه ولكي يضحك الصغار على أفعال القردة، لكن الأخرى هي أشد إمعاناً في توفير مواد خصبة للبحث حول ما تبثه من دلالات.
بدءاً من فيلم فرانكلين شافنر سنة 1968، كانت هناك تلك الدلالات. حينها كانت أميركا تعيش أزمة العلاقات العنصرية التي كان يعاني السود منها. الفيلم يقلب الصورة في بعض المواضع: الإنسان (الأبيض) هو من نراه قد استعبد والقردة السوداء هي القوّة الحاكمة.
في «فجر كوكب القردة» قبل ثلاثة أعوام، اختلفت الرسالة. في عهد باراك أوباما بدا هذا الفيلم مجازيا لحد التقارب بين موضوعه وبين حروب الشرق الأوسط. في ذلك الفيلم هناك شح في المياه لدى البشر، ووفرة في الماء لدى القردة.
وكما أنّ هناك دولاً معتدلة وأخرى متطرفة، فإن القردة في ذلك الفيلم كانت بين معتدلة حيال البشر ومتطرفة. والمتطرفون يسودون لبعض الوقت ويتم وضع المعتدلين في السجون. لكن الفيلم في النهاية ينحو إلى ضرورة السلام بين الآدميين والقردة، وهي الضرورة التي تحل محل النهاية السعيدة عادة في الكثير من أفلام الصراعات. هذه القراءة المقتضبة هنا لا تحل محل قراءات أخرى، لكنّ تاريخ هذه السلسلة مرّ بعصور وأزمات واقعية مختلفة (كما برؤساء جمهورية أميركيين متعددين) بحيث عكس كل منها مجازاته المختلفة.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز